«حملات انتخابية» تسبق فتح باب الترشح للرئاسة في ليبيا

حفتر يحضر مسرحية لـ«محاربة الأفكار المُتطرفة»... وباشاغا «يصالح» القذاذفة والزنتان

حفتر خلال حضوره مسرحية «مقالب ذا فويس» (الشرق الأوسط)
حفتر خلال حضوره مسرحية «مقالب ذا فويس» (الشرق الأوسط)
TT

«حملات انتخابية» تسبق فتح باب الترشح للرئاسة في ليبيا

حفتر خلال حضوره مسرحية «مقالب ذا فويس» (الشرق الأوسط)
حفتر خلال حضوره مسرحية «مقالب ذا فويس» (الشرق الأوسط)

ليس هناك حتى الآن ما يؤكد أن الانتخابات الليبية ستُجرى في موعدها المحدد، يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وما إذا كانت ستشمل انتخاب رئيس للبلاد إلى جانب مجلس النواب. لكن نشاطات لافتة في الأيام الماضية لساسة ليبيين، تُطرح أسماؤهم كمرشحين محتملين للانتخابات الرئاسية، توحي وكأن الاقتراع حاصل غداً، في ظل حملات دعائية سابقة لأوانها.
وعلى رغم عدم فتح باب الترشح رسمياً بعد، فإنه يبدو أن سباق الرئاسة، وهو الأول من نوعه منذ استقلال ليبيا قبل نحو 70 عاماً، يشهد منذ الآن حماوة لافتة، في ظل نشاط غير مسبوق لعدد من المرشحين البارزين المحتملين. ومن بين هؤلاء، تبرز على وجه الخصوص نشاطات مكثفة لاثنين منهم، هما المشير خليفة حفتر من شرق البلاد، وفتحي باشاغا من غربها، وكلاهما يقوم منذ أسابيع بتحضيرات ضخمة، كما يبدو، لخوض غمار المنافسة.
وبالطبع، لا يعني تسليط «الشرق الأوسط» الضوء على حملتي الرجلين أن السباق الرئاسي سيكون محصوراً بهما. فالساحة الليبية تزخر حالياً بعشرات الساسة الطامحين للوصول إلى سدة الحكم. لكن النشاط الأخير لحفتر وباشاغا يعطي انطباعاً بأنهما يعتبران نفسيهما منافسين جديين.
حفتر
حضر القائد العام للجيش الوطني الليبي، المشير أركان حرب خليفة حفتر، الأحد، مباراة كروية استضافها ملعب الشهداء بنينا بمدينة بنغازي. وجاء هذا الحضور ضمن نشاط «مدني» متزايد لحفتر في الفترة الأخيرة، ما أطلق تعليقات واسعة على شبكات التواصل بأن ذلك يأتي تحضيراً لخوض الانتخابات المقبلة. ففي 24 أغسطس (آب) الماضي، حضر حفتر أيضاً، في ظل تغطية إعلامية واسعة، عرض مسرحية «مقالب ذا فويس» على خشبة المسرح الشعبي ببنغازي. ووقتها قال مدير إدارة التوجيه المعنوي في الجيش الوطني، اللواء خالد المحجوب، إن حضور حفتر المسرحية يأتي «في إطار تعزيز الفكر والثقافة وما له من أثر في محاربة الأفكار المُتطرفة والهدامة».
وبالتزامن مع هذه النشاطات المدنية، قام حفتر بانفتاح «عسكري» على خصومه في غرب البلاد، إذ أمر في بداية سبتمبر (أيلول) الجاري بالإفراج عن عدد من المحتجزين لدى جيشه (بسبب الأعمال القتالية)، وهم من مدن ليبية مختلفة، بما فيها مصراتة، معقل خصومه. وكان لافتاً أن الإفراج عن هؤلاء تم بدون اعتماد «نظام المبادلة»، أي أنه لم يشترط أن تطلق قوات الغرب أسرى من جيشه في مقابل مبادرته.
وكان حفتر قد خطا قبل ذلك خطوة أخرى نحو المصالحة مع خصومه في غرب ليبيا، إذ قال في خطابه خلال عيد الجيش الليبي في أغسطس الماضي: «رغم الاختلافات الحادة تجاه الوطن في الماضي والحاضر، وما نتج عنها من تصعيد بلغ حد المواجهة المسلحة، ها نحن نمد أيدينا للسلام العادل بكل شجاعة وثقة بالنفس من أجل المصلحة العليا للبلاد والأجيال القادمة، ونفتح أبواب قلوبنا لكل من أحسن في نواياه}. لكن حفتر، في مقابل مد «يد السلام» هذه، تمسك باعتبار أن «الجيش الوطني»، الذي أعاد بناءه في مواجهة الجماعات المسلحة بعد انهيار الدولة الليبية، هو «أساس بناء الدولة»، مؤكداً أنه سيواصل «الكفاح لتحرير الوطن من الاستعمار». ولم يوضح المشير الجهة التي يعنيها بحديثه عن «الاستعمار»، لكنه اتهم في وقت سابق مراراً تركيا بأنها تحاول استعمار بلاده، لا سيما في ضوء تدخلها العسكري الذي أفشل هجومه على طرابلس العام الماضي.
وعلى رغم رسائل الانفتاح من حفتر تجاه غرب البلاد، فإن معارضيه هناك، المدعومين من تركيا، يصرون على رفض القبول بخوضه السباق الرئاسي. ووصل الأمر ببعضهم إلى حد التهديد بحرب جديدة لمنعه من تولي الرئاسة، حتى لو فاز. وليس واضحاً في الحقيقة ما إذا كانت الطريق القانونية معبدة تماماً أمام حفتر للترشح للرئاسة. ففي يوليو (تموز) الماضي، بدا المشير كأنه قد فتح صفحة جديدة مع رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، بعد فتور ملحوظ بين الرجلين خلال الحرب التي شنها قائد الجيش الوطني لـ«تحرير طرابلس» عام 2019، والتي انتهت بفشل كارثي (نتيجة التدخل العسكري التركي بعد ذلك بعام). وقد سن مجلس النواب في طبرق أخيراً قانوناً للانتخابات المقبلة، يتيح لقائد الجيش خوض السباق الرئاسي، بشرط التنحي عن منصبه العسكري قبل ثلاثة شهور من الاقتراع، وهو ما يعني أن على المشير الاستقالة الآن إذا ما أراد الترشح، علماً بأن القانون ذاته يتيح له العودة إلى منصبه العسكري في حال عدم فوزه بالرئاسة. ويُعتقد أن هذه المسألة لا بد أن تكون قد طُرحت في اللقاء، الذي جمع الأسبوع الماضي في القاهرة حفتر وعقيلة صالح مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي التقى بدوره، بعد ذلك، رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة. ولم يلتق الأخير بحفتر منذ توليه رئاسة الحكومة في مارس (آذار) الماضي.
فتحي باشاغا
وإذا كان قائد الجيش الوطني، كما يبدو حتى الآن، مرشح الشرق الليبي الأبرز (لكنه ليس الوحيد بالطبع)، فإن غرب البلاد يشهد بدوره نشاطاً لافتاً لبعض الشخصيات، التي يُعتقد أنها ستترشح في الانتخابات الرئاسة المقبلة. ويبرز في هذا الإطار وزير الداخلية السابق، فتحي باشاغا، الذي سُجلت له خلال سبتمبر الجاري سلسلة لقاءات ومواقف ذات دلالة بارزة.
ففي الرابع من سبتمبر الجاري، أعلن باشاغا أنه «في إطار مواصلة مساعينا للمصالحة الوطنية، وترسيخ ثقافة التسامح بين الليبيين، تشرفت باستقبال وفد من قبيلة القذاذفة في لقاء اجتماعي، بحثنا خلاله ما يمكن أن نسهم به في الدفع باتجاه إطلاق سراح كافة المحتجزين منذ عام 2011، بما تسمح به الإجراءات القانونية».
ولم تمر أيام على لقاء باشاغا، وهو من أعيان مدينة مصراتة، بأعيان القذاذفة، حتى أعلنت سلطات غرب البلاد الإفراج عن الساعدي القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي بعد سنوات طويلة من الاحتجاز. كما تم الإفراج في الوقت ذاته عن عدد آخر من رموز النظام السابق. ولم تربط حكومة طرابلس رسمياً الإفراج عن هؤلاء بمساعي باشاغا للمصالحة مع القذاذفة، لكن حصول الإفراج مباشرة بعد لقائه بأعيان هذه القبيلة أوحى بوجود مثل هذا الترابط، وبأن كلمة باشاغا ما زالت مسموعة لدى المسؤولين في طرابلس، على رغم مغادرته السلطة (وزارة الداخلية) بعد انتخاب الدبيبة رئيساً للحكومة.
ومعلوم أن باشاغا من مدينة مصراتة مثل الدبيبة، لكن الأخير لا يستطيع الترشح في الانتخابات المقبلة (هو وأعضاء حكومته والمجلس الرئاسي تعهدوا بعدم الترشح في الاقتراع المقبل).
ولم يكتف باشاغا بمصالحة القذاذفة، إذ إنه عقد في سبتمبر أيضاً لقاء مصالحة آخر مع أعيان مدينة الزنتان (غرب)، وهي مدينة أخرى على خصومة مع مصراتة. ويُعتقد أن سيف الإسلام القذافي، نجل القذافي الذي كان يُنظر إليه بوصفه الوريث المرجح لوالده، يعيش حالياً في منطقة ما بجوار الزنتان، وهي المدينة التي احتجز فيها منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 حتى يونيو (حزيران) 2017. وقبل أسابيع، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقابلة مع سيف جرت في مكان يُعتقد أنه قرب الزنتان، لمح فيها إلى إمكان مشاركته في الانتخابات المقبلة، علماً بأن وضعه القانوني ربما يمنع ذلك، كونه ما زال مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية، بتهم مرتبطة بمشاركته في محاولة قمع الانتفاضة ضد والده.
وليس من الواضح تماماً ما إذا كان الهدف من لقاءات باشاغا مع أعيان القذاذفة والزنتان فقط «المصالحة» معهما، بل أيضاً المساهمة في تعميق الشرخ الموجود بينهما وبين المشير حفتر، وبالتالي حرمانه من أصوات كان يمكن أن تصب لمصلحته في الانتخابات المقبلة. وليس سراً أن جزءاً لا بأس به من مؤيدي حفتر وجيشه يُحسب على مؤيدي النظام السابق. ويدعم هؤلاء، في العموم، حفتر ليس من منطلق شخصي، ولكن لدوره في إعادة بناء قوات مسلحة نظامية، أوقفت تمدد الميليشيات المسلحة على أنقاض الدولة المنهارة بعد سقوط نظام القذافي.
وفي تصريحاته الأخيرة، اعتبر باشاغا أن «إصدار القانون الخاص بانتخاب الرئيس مباشرة من الشعب خطوة مهمة وإيجابية جداً من أجل إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، وإنهاء الانقسام الذي يسود المشهد الليبي»، من دون أن يعلن ترشحه للمنصب. لكنه قال إنه ينوي السفر للولايات المتحدة لمناقشة موضوع الانتخابات هناك.
وكان باشاغا إحدى الشخصيات المحورية في غرب البلاد التي تتعاون مع الأميركيين، لا سيما بخصوص تنفيذ خطة تقضي بحل الميليشيات المسلحة، ودمج جزء منها في أجهزة الأمن.
وقبل أيام حاول باشاغا مد يد التعاون أيضاً لقبائل التبو، إذ وجه، في 15 من سبتمبر الجاري كلمة بمناسبة «اليوم الوطني للثقافة التباوية»، تقدم فيها «بأحر التهاني إلى القبائل التباوية»، مشدداً على «أهمية تعزيز قيم التسامح، وترسيخ مبادئ التعايش السلمي وثقافة قبول الآخر، ونبذ الفرقة والخلافات بين مختلف أفراد الشعب الليبي}... كما نشر باشاغا قبل أيام صوراً له وهو يقود طائرة إلى جانب طيار ليبي شاب، قائلاً: «أعادتني هذه الرحلة القصيرة إلى سنوات قضيتها في الكلية الجوية بمصراتة، كنت أشرف خلالها على تدريب الطيارين الشبان، وهي تجربة تعلمت منها الكثير».
وإذا كان وصول حفتر للرئاسة يواجه حتى اليوم بـ«فيتو» تفرضه تركيا وحلفاؤها، فإن قرب باشاغا من تركيا قد يكون بدوره عائقاً آخر أمام قبوله في شرق البلاد. فخلال سبتمبر الجاري، كتب باشاغا على حسابه في «تويتر» أنه «بتنسيق مع مركز دراسات الشرق الأوسط ومعهد إسطنبول للفكر، تشرفنا بلقاء عدد من الشخصيات الإعلامية والأكاديميين، والباحثين المهتمين بالشأن الليبي. وناقشنا الدور المهم الذي لعبته تركيا في تحقيق التوازن العسكري، وجهود وقف إطلاق النار وعودة الحياة السياسية في ليبيا».
لكن إشادته هذه بالتدخل العسكري التركي لا تلقى بالطبع استحساناً لدى كثيرين من الليبيين، الذين ينظرون إلى ما قامت به أنقرة، سواء مباشرة أو عبر «المرتزقة» السوريين، بمثابة «احتلال» لبلادهم.



مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».


عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
TT

عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)

تزامناً مع جولة خليجية بدأها وزير الخارجية المصري، الأحد، لتعزيز التضامن وتنسيق المواقف مع دول الخليج في مواجهة التطورات المتسارعة بالمنطقة، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصالات هاتفية، الأحد، مع قادة قطر والإمارات والأردن «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

ووصل عبد العاطي، الأحد، إلى العاصمة القطرية الدوحة، في مستهل جولة خليجية تستهدف «التنسيق والتشاور إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتوجيه رسالة تضامن مع الأشقاء العرب، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميين»، وفق إفادة رسمية لـ«الخارجيّة المصرية» لم تحدد الدول التي ستتضمنها الجولة.

وزير الخارجية المصري خلال لقائه وأمير قطر في مستهل جولة خليجية (وزارة الخارجية المصرية)

من جانبه، قال مصدر دبلوماسي مصري لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة تكثف جهودها وتتواصل مع جميع الأطراف المعنية من أجل خفض التصعيد، وتعزير التعاون العربي في مواجهة التحديات الأمنية، وإنشاء قوة عربية مشتركة.

وأكد المصدر أن التطورات المتلاحقة في المنطقة والتهديدات المتكررة أثبتت أنه لا سبيل لتحقيق الأمن سوى تعزيز آليات التعاون العربي.

الأمن القومي العربي

وفي أولى محطات الجولة، التقى عبد العاطي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث نقل رسالة من السيسي تؤكد «دعم مصر الكامل قيادة وحكومة وشعباً لدولة قطر ووقوفها وتضامنها مع الأشقاء في قطر في هذا الظرف الدقيق على إثر الاعتداءات الإيرانية الآثمة المتكررة»، بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف.

وقال خلاف إن أمير قطر «ثمَّن الدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في الحفاظ على استقرار المنطقة والدفاع عن الأمن القومي العربي».

وأكد وزير الخارجية المصري موقف بلاده الرافض وإدانتها الكاملة «للاعتداءات التي تتعرض لها من جانب إيران، وتستهدف المساس بسيادة دولة قطر وأمنها القومي ومقدرات شعبها»، مشدداً على أنه «لا يمكن قبول أي ذرائع أو مبررات أو مسوغات لهذه الاعتداءات السافرة التي تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومبادئ ميثاق الامم المتحدة».

وقال إن «أمن دولة قطر ودول الخليج العربي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي أن «الرسالة الأهم في جولة عبد العاطي هي التأكيد على وقوف مصر بشكل قاطع وداعم لدول الخليج، وتقديم كل ما من شأنه دعم أمنها وقدراتها، وإدانة الاعتداءات الإيرانية على أراضيها».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الجولة «تأتي في مرحلة مفصلية وشديدة التعقيد وفي توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، ما يجعل من التحرك الدبلوماسي المصري أمراً ضرورياً ومطلوباً للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وبذل المساعي وتبادل الأفكار لتنسيق المواقف». وأشار إلى أن أحد الملفات المطروحة خلال المباحثات هو مرحلة ما بعد الحرب ومقترح تشكيل قوة عربية مشتركة.

العمل المشترك

وتزامناً مع جولة عبد العاطي، أجرى الرئيس المصري اتصالات هاتفية، الأحد، مع أمير قطر ورئيس دولة الإمارات، وملك الأردن، أكد خلالها أن بلاده تُجري اتصالات وتحركات دولية وإقليمية مكثفة لوقف الحرب في أقرب وقت ممكن»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي.

وشدد السيسي، بحسب بيان الرئاسة المصرية، على أن «مصر ودول الخليج يجمعهما مصير واحد، وأن مصر تنظر إلى الأمن القومي الخليجي بوصفه امتداداً للأمن القومي المصري»، كما أنها ترى أن أمن الأردن «جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن المصير المشترك يفترض تعزيز التعاون العربي، وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات».

وأكد السيسي «ضرورة تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وتجاوزها، وتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي بما يضمن التصدي لأي اعتداءات تستهدف الدول العربية»، مشدداً على أن «وحدة الصف العربي هي السبيل الأمثل لمواجهة التحديات الراهنة، وصون استقرار المنطقة».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، إن جولة عبد العاطي الخليجية لها 3 أهداف، أولها هو «تأكيد التضامن مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات غير المبررة».

أما الهدف الثاني، بحسب تصريحات حسن لـ«الشرق الأوسط»، فيتمثل في «تنسيق المواقف في إطار استعداد مصر للوساطة من أجل إيقاف الحرب، في ضوء الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس المصري ونظيره الإيراني».

أما الهدف الثالث فهو «العمل على تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وإنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن الإقليمي».

وزير الخارجية المصري مجتمعاً مع أمير قطر ووزير خارجيتها بالدوحة يوم الأحد (الخارجية المصرية)

وتلقى الرئيس المصري اتصالاً هاتفياً، الجمعة، من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، أكد خلاله على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

وكان عبد العاطي قد أكد خلال اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، الأسبوع الماضي، «أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادته»، مشيراً في هذا السياق إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة».


تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
TT

تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)

يشكو مرضى وذووهم في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء من تدهور غير مسبوق في الخدمات الصحية داخل المستشفيات الحكومية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، بالتوازي مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وارتفاع تكاليف العلاج، وتعطل بعض الأجهزة الحيوية، الأمر الذي فاقم من أعبائهم المالية في ظل تدهور أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية.

ويقول مرضى ومرافقون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن المستشفيات الحكومية التي كانت تُعد سابقاً الملاذ الأخير للفئات الفقيرة، أصبحت اليوم عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية، الأمر الذي يدفع كثيراً من المرضى إلى البحث عن العلاج في المستشفيات الخاصة، رغم أن تكاليفها تتجاوز قدرتهم المالية المحدودة.

وتشهد أقسام الطوارئ في عدد من المستشفيات الرئيسية في صنعاء ازدحاماً شديداً، من بينها مستشفيات «الثورة» و«الجمهوري» و«الكويت» و«السبعين» و«المستشفى العسكري»، في ظل نقص ملحوظ في الكوادر الطبية، وتعطل كثير من الأجهزة التشخيصية والعلاجية.

معدات طبية معطلة في مستشفى حكومي خاضع للحوثيين بصنعاء (فيسبوك)

ويؤكد سكان أن هذا الواقع يؤدي في كثير من الحالات إلى تأخر تقديم الرعاية للحالات الطارئة والحرجة؛ خصوصاً في ظل الضغط الكبير على هذه المرافق التي تستقبل يومياً أعداداً متزايدة من المرضى القادمين من العاصمة ومناطق ريفية مجاورة.

وبسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية داخل المستشفيات، يضطر كثير من المرضى إلى شراء المحاليل والعلاجات وحتى بعض المستلزمات الطبية من الصيدليات الخارجية، وهو ما يزيد من معاناتهم المالية في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة، وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات.

أزمات متعددة

ويتحدث عاملون في القطاع الصحي في صنعاء عن تحديات كبيرة تواجه معظم المستشفيات الحكومية، من أبرزها: نقص التمويل، وانقطاع رواتب العاملين الصحيين منذ سنوات، إلى جانب محدودية الإمدادات الطبية، وتراجع الدعم المقدم للقطاع الصحي.

ويقول هؤلاء العاملون إن سنوات الصراع والانقسام السياسي والحرب المستمرة أدت إلى إنهاك المنظومة الصحية بشكل كبير، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى الخدمات الطبية المقدمة للسكان.

كما يشيرون إلى أن مستشفيات كثيرة تعاني نقصاً في الأطباء المتخصصين والكوادر التمريضية، في وقت تزداد فيه أعداد المرضى الذين يقصدون هذه المرافق بحثاً عن العلاج.

«مستشفى الشرطة» الخاضع للجماعة الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

ويؤكد «محمد. ع»، وهو مريض قلب في صنعاء، أنه اضطر إلى الانتظار ساعات طويلة في قسم الطوارئ في «المستشفى الجمهوري»، قبل أن يتمكن من مقابلة طبيب.

وقال إن الدواء الذي وصفه له الطبيب لم يكن متوفراً داخل المستشفى، ما اضطره إلى شرائه من صيدلية خارجية بأسعار مرتفعة؛ مشيراً إلى أن المشكلة لا تقتصر على نقص الأدوية فحسب؛ بل تمتد أيضاً إلى نقص الأطباء المتخصصين.

ولا يختلف الحال بالنسبة إلى «أم سمير»، وهي والدة لطفل يعاني التهاباً رئوياً؛ إذ تقول إن معاناتها بدأت منذ لحظة وصولها إلى «مستشفى الثورة» قادمة من إحدى مناطق ريف صنعاء.

وأوضحت أن إدارة المستشفى أخبرتها أن بعض الأجهزة الطبية معطَّلة، وأن عليها إجراء الفحوصات في مركز خاص خارج المستشفى، وهو ما يمثل عبئاً مالياً كبيراً بالنسبة إلى أسرة بالكاد تستطيع توفير تكاليف المواصلات.

تجمع لمرضى يمنيين وذويهم في باحة أحد المستشفيات الحكومية بصنعاء (فيسبوك)

كما يروي «خالد»، وهو اسم مستعار لموظف حكومي في صنعاء، تجربة مشابهة بعد نقله والده المسن إلى «مستشفى الكويت» بسبب مضاعفات مرض السكري.

وقال إن الأسرة الطبية أخبرته بعدم توفر أسرَّة شاغرة، وأن معظمها مخصص لحالات أخرى، ما اضطر الأسرة إلى نقل والده إلى مستشفى خاص رغم تكاليف العلاج المرتفعة.

تحذيرات أممية

في ظل هذه الظروف، يحذِّر مختصون في القطاع الطبي من أن استمرار تدهور الخدمات الصحية قد يؤدي إلى تفاقم معاناة آلاف المرضى؛ خصوصاً المصابين بالأمراض المزمنة والنساء الحوامل والأطفال، الذين يعتمدون بشكل أساسي على المستشفيات الحكومية للحصول على الرعاية الطبية.

ويتهم ناشطون يمنيون الجماعة الحوثية بفرض قيود على الحصول على الخدمات الصحية داخل بعض المرافق الحكومية، مؤكدين أن هذه الخدمات باتت في كثير من الحالات خاضعة لمعايير الولاء والانتماء.

حملات تعسف حوثية تستهدف عيادات خدمات صحية (إكس)

ويطالب هؤلاء الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية الدولية بتكثيف الدعم للقطاع الصحي في اليمن، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات، بما يسهم في تخفيف معاناة المرضى وضمان حصولهم على الرعاية الصحية الأساسية.

وتأتي هذه التحذيرات بالتوازي مع تنبيه صادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، التي حذَّرت من احتمال إغلاق مئات المرافق الصحية في اليمن خلال عام 2026، بسبب العجز الحاد في التمويل.

وأوضحت المنظمة أن نحو 453 مرفقاً صحياً مهدد بالتوقف عن العمل إذا استمر نقص الدعم المالي، مشيرة إلى أن نحو 60 في المائة فقط من المرافق الصحية في البلاد تعمل حالياً بكامل طاقتها.

وأكدت المنظمة أن تراجع التمويل المخصص للقطاع الصحي قد يضع ملايين اليمنيين أمام مخاطر صحية متزايدة، في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وشددت على أن توفير الرعاية الصحية الأساسية يعد أحد أهم عوامل الاستقرار المجتمعي، محذِّرة من أن انهيار مزيد من المرافق الصحية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية في اليمن خلال الفترة المقبلة.