أزمة معيشية خانقة تضرب «مناطق النفوذ» السورية

«كورونا» والقصف يفاقمان معاناة إدلب... وقلق في درعا مع قدوم فصل الشتاء

محل لبيع المأكولات بدمشق (إ.ب.أ)
محل لبيع المأكولات بدمشق (إ.ب.أ)
TT

أزمة معيشية خانقة تضرب «مناطق النفوذ» السورية

محل لبيع المأكولات بدمشق (إ.ب.أ)
محل لبيع المأكولات بدمشق (إ.ب.أ)

يعاني أغلبية السوريين في «مناطق النفوذ» من أزمة معيشية خانقة للغاية، هي الأسوأ خلال سنوات الحرب، بسبب تواصل ارتفاع عموم الأسعار بشكل غير مسبوق، واستمرار فقدان مداخيل العائلات الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها بسبب الانهيار القياسي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، وسط مؤشرات عن ظاهرات احتجاحية ضد السلطات المتعددة.
- دمشق
ومع ازدياد تفاقم تدهور الوضع الاقتصادي، وأزمات توفر الوقود (بنزين، ومازوت، وغاز منزلي، وفيول) التي تعاني منها مناطق سيطرة الحكومة في دمشق وغيرها، شهدت عموم أسعار الخضار والفواكه والمواد الغذائية وعموم المستلزمات المنزلية منذ عدة أشهر موجات ارتفاع سريعة وخيالية.
وبدأ موسم البندورة في بداية فصل الصيف بسعر 400 ليرة سورية للكيلوغرام، لكنه تدرج في الارتفاع إلى أن وصل حالياً إلى 1200، وفيما كان سعر كيلو البطاط 350 يصل الآن إلى 1000، والباذنجان يتجاوز 1200 بعدما بدأ بسعر 300 ليرة، في حين قفز سعر كيلوغرام الفروج المذبوح من 3500 إلى 8 آلاف.
وباتت الشكوى من تواصل ارتفاع الأسعار على ألسنة معظم السكان، ويؤكد رجل عائلة لـ«الشرق الأوسط»، أنه وكثير من الناس باتوا «يكرهون الذهاب إلى السوق لأنهم لا يستطيعون شراء حتى الخماخم (الخضار التالفة)»، ويضيف: «الأسعار جهنمية... كل ساعة سعر... شيء لا يصدق... شيء غير معقول والحكومة تتفرج وراتبها صار ما بكفي يومين».
مواطن آخر وفي حديث مع «الشرق الأوسط» يتهم الحكومة بالتشجيع على ارتفاع الأسعار، ويقول: «الحكومة عندما تصدر بشكل دوري نشرات أسعار للخضار والمواد الغذائية، وعلى عكس ما يأمله المواطن، تقوم في كل مرة برفع الأسعار، وهذا يدفع ويشجع التجار وأصحاب محال بيع المفرق إلى رفع هذه الأسعار، وغالباً ما يكون أكثر بكثير مما هي عليه في النشرات».
ويلاحظ أن الخضار وكثيراً من أصناف الفاكهة المعروضة في الأسواق هي من أسوأ الأنواع، ويقول لـ«الشرق الأوسط» تاجر في سوق بيع «الجملة» شمال دمشق: «الكميات التي تأتي مقبولة، ولكن معظمها يشتريها أصحاب مشاغل التصدير، وهذا الأمر يؤثر على أسعارها في الأسواق المحلية».
وما زاد من معاناة النازحين القاطنين في أحياء دمشق هو الارتفاع الخيالي لبدلات إيجار الشقق السكنية، إذ يصل بدل الإيجار الشهري لشقة مؤلفة من غرفتين ومنافع في أحياء دمشق النائية إلى 250 ألف ليرة، بعدما كان قبل بضعة أشهر 50 ألفاً، بينما يصل سعر بدل إيجار شقة لها المواصفات نفسها في الأحياء القريبة من وسط العاصمة إلى 600 ألف، ويتجاوز المليون في الأحياء الراقية.
وتزداد مشكلة الجوع في مناطق سيطرة الحكومة مع تواصل فقدان مداخيل العائلات الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها بسبب الانهيار القياسي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الذي يسجل حالياً نحو 3500 ليرة، بعدما كان بين 45 و50 ليرة في عام 2010.
وباتت أغلبية المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة تعيش أوضاعاً معيشية مزرية للغاية بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار، خصوصاً المواد الغذائية، حيث ارتفعت أكثر من 80 مرة، بينما لا يتعدى متوسط الراتب الشهري لموظفي القطاع العام 25 دولاراً، ولموظفي القطاع الخاص 50 دولاراً، بعدما كان راتب الموظف الحكومي قبل سنوات الحرب نحو 600 دولار.
- درعا
تشهد محافظة درعا مؤخراً هجرة لأعداد كبيرة من أبنائها إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر طرق مختلفة، بعدما ساءت الأحوال المعيشية للمواطنين في المحافظة، وبات يراها جهاد شاب في الثلاثين من عمره من ريف درعا الغربي، أخطر مناطق العيش في العالم وأكثرها صعوبة، فالاغتيالات والقتل والاعتقالات شبه يومية، وتهديد النظام لأي منطقة أو بلدة بات محتملاً بأي ليلة وضحاها، في ظل ما حصل بمناطق درعا البلد وطفس واليادودة والمزيريب، فانحسرت الخيارات أمام الشباب خصوصاً مع الوضع الاقتصادي المتدهور في عموم سوريا. ولم يعد أي عمل سواء بالقطاع الخاص أو العام يكفي لسد الحاجات اليومية، إضافة إلى انعدام فرص العمل وقلة الدخل وأجور اليد العاملة، والقبضة الأمنية الجديدة على مناطق درعا، جعلت خيار الهجرة هو أفضل الحلول أمام الكثيرين.
ويقول أبو نضال من ريف درعا إنه مع اقتراب فصل الشتاء استعدادات خجولة يقوم بها سكان محافظة درعا لاستقباله، خصوصاً أن سعر اللتر الواحد من مادة الديزل (المازوت) المخصص للتدفئة وصل إلى 4 آلاف ليرة سورية في السوق السوداء وغير متوفر بكميات، كما وصل سعر الطن الواحد من الحطب إلى 600 ألف ليرة سورية، ما جعل الدفء في الشتاء المقبل حكراً على العائلات ميسورة الحال فقط، لا سيما مع الغلاء الفاحش بكل مجالات الحياة، سواء بالمواد الغذائية والأدوية والخبز، حيث وصل سعر 8 أرغفة من الخبز في الأفران الخاصة إلى 3 آلاف ليرة سورية، ومع نظام توزيع الخبز من قبل الحكومة بنظام خصص لكل فرد رغيفين من الخبز في اليوم، بات الحصول على الخبز لدى العائلات محدودة الدخل يوصف بالإنجاز الكبير، حتى الخضراوات المنتجة محلياً في درعا باتت غالية السعر، بسبب ارتفاع تكاليف الزراعة.
وأضاف أن الكهرباء شبه معدومة أيضاً، ولا تصل إلى مناطق ريف درعا سوى ساعة أو ساعتين في اليوم الواحد، وأن تزامن قدوم فصل الشتاء مع التحضير للمؤن الشتوية وقدوم العام الدراسي الجديد أثقل كاهل رب الأسرة، وأصبح الحرمان والعوز رفيقي كل العائلات وسط هذه الظروف القاهرة وانعدام المساعدات الإنسانية.
وأفاد «أبو محمد» من القائمين على إحدى الجمعيات الخيرية في ريف درعا الغربي، بأن معاناة الناس كبيرة والإيرادات التي تصل إلى الجمعيات الخيرية لم تعد كافية لسد كل احتياجات العائلات الفقيرة.
وأوضح أن أكثر من 80 في المائة من العائلات في محافظة درعا تعيش في حالة الفقر، وتزداد مشكلات الحياة عليها واحتياجاتها يوماً بعد آخر، والغلاء المستمر والمتصاعد بسبب الانهيار القياسي لسعر صرف الليرة أمام الدولار الذي يسجل حالياً ما بين 3200 و3400.
- القامشلي
وجاءت أحدث زيادة في أسعار الوقود بمناطق الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا لتصب الزيت على النار، في وقت لا يزال فيه سكان المنطقة يحاولون التكيف مع صدمة رفع أسعار المازوت. وبحسب التسعيرة الجديدة، بات المازوت المُمتاز يباع بـ410 ليرات سورية، ما يعادل 0.13 دولار أميركي، بعد أن كان سعره 150 ليرة، كما يباع للمنظمات بسعر 500 ليرة (0.16 دولار)، ومازوت التدفئة سيباع بمبلغ 250 ليرة، ما أشعل الغضب والإحباط بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وتفاعل معها مؤيدو الإدارة ومعارضوها على حد سواء.
واللافت أن الإدارة الذاتية حتى اليوم لم تصدر أي قرار رسمي بزيادة هذه الأسعار؛ لتضع أصحاب محطات الوقود والأهالي بعضهم في وجه بعض، تحسباً لخروج تظاهرات واحتجاجات، كتلك التي خرجت في شهر مايو (أيار) الماضي، بعد رفض القرار 119 الخاص بزيادة أسعار مشتقات الوقود آنذاك.
وارتفعت معظم أسعار السلع اليومية، حيث تباع ربطة الخبز السياحي بـ1200 ليرة وكان سعرها 800 ليرة، وقبل عام كانت تباع بـ200 ليرة فقط، في حين رفعت الإدارة الذاتية بقرار رسمي أول من أمس، سعر خبز الحجر التنور إلى 500 ليرة، وكان سعره 150 ليرة فقط، وهذا الخبز يباع بكثرة في المناطق الكردية، كما ارتفعت أسعار الفروج الحي ليصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى 6500 ليرة، أما طبق البيض فارتفع سعره ليسجل 10 آلاف ليرة، بينما يباع كيلو السكر بـ2500 ليرة، غير أنه شبه مفقود من المحال التجارية ويوزع حصراً في الصالات التموينية التابعة لشركة نوروز العائدة ملكيتها للإدارة.
وموجة ارتفاع الأسعار والغلاء الفاحش تزامنت مع تدني أسعار صرف الليرة أمام الدولار وسجلت أمس 3450 ليرة.
- إدلب
تتداخل مشاكل عدة في إدلب، ما يشمل استمرار القصف الجوي على المدينة وأريافها وقصفاً مدفعياً جنوب جبل الزاوية، ما زاد من نية العائلات للنزوح نحو الحدود التركية، حيث تنتشر مخيمات النازحين ويضربها وباء «كورونا».
وقال الناشط عمر الأشقر في إدلب إن قوات النظام المتمركزة في معسكري جورين وميرزا بريف حماة، قصفت خلال الساعات الماضية بقذائف موجهة ليزرياً عبر طائرات الاستطلاع، محيط مدينة جسر الشغور وقرية الكفير وقرى كنصفرة وعين لاروز جنوب إدلب، ما أسفر عن مقتل طفل وإصابة امرأة بجروح خطيرة، ودمار كبير في ممتلكات المدنيين، تزامناً مع قصف جوي روسي على مناطق الكبينة بريف اللاذقية ومناطق البارة وكنصفرة بريف إدلب الجنوبي، ما أدى إلى إصابة 3 مزارعين بجروح.
وأضاف أنه مع تواصل القصف البري والجوي من قبل قوات النظام والطيران الحربي الروسي، تتواصل موجات النزوح للأهالي من قرى جبل الزاوية وجبل الأربعين ومناطق محيطة بجسر الشغر وسهل الروج بريف إدلب، باتجاه المخيمات القريبة من الحدود التركية. ولفت إلى أنه نزح خلال اليومين الماضيين نحو 100 عائلة من قرى جبل الزاوية، وسط ظروف إنسانية صعبة، بالتزامن مع موجة جديدة لجائحة كورونا، تجتاح معظم المناطق في شمال غربي سوريا، بما فيها مخيمات النازحين.
من جهته، قال الرائد «أبو البراء» وهو قيادي في «الجيش الحر»، إنه تم رصد تحركات عسكرية لقوات النظام والميليشيات الإيرانية المساندة لها على محاور القتال، ما يشير إلى أن النظام وروسيا لديهما النية في إطلاق عملية عسكرية، تهدف إلى السيطرة على القسم الشمالي من سهل الغاب أو مناطق جبل الزاوية جنوب إدلب.
وتشهد مناطق «خفض التصعيد» شمال غربي سوريا، التي تضم أجزاء واسعة من إدلب وأجزاء من أرياف حماة وحلب واللاذقية، منذ إعلان الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان وقفاً لإطلاق النار في إدلب ومحيطها في السادس من مارس (آذار) 2020. ومن المقرر أن يبحث بوتين وإردوغان هذه الهدنة خلال لقائهما في منتجع سوتشي بعد أيام.



ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
TT

ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)

مثلما كانت أسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وسائر مدن ومناطق سيطرة الحوثيين، شبه خالية من المتسوقين خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ظلت الحدائق والمتنزهات العامة والخاصة، على قلتها، خفيفة الزحام خلال أيام عيد الفطر، بعد أن عجز معظم السكان عن شراء الملابس ومستلزمات العيد، وقضوا أيام العيد في منازلهم.

ولاقى إعلان الجماعة الحوثية جاهزية 66 حديقة في صنعاء لاستقبال المتنزهين خلال عيد الفطر، تهكماً واستنكاراً واسعَين، فإلى جانب المبالغة في عدد الحدائق، كشف العديد من السكان عن عدم مقدرتهم على دخولها؛ بسبب الرسوم الكبيرة، بينما تعاني غالبيتها من الإهمال ورداءة الخدمات.

واستغرب سكان تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» من مزاعم الجماعة حول عدد الحدائق رغم أن صنعاء لم تشهد نشوء أي حديقة فيها خلال سنوات سيطرة الجماعة الحوثية، مشيرين إلى أن الجماعة تسمي المجسمات والمساحات التي تستحدثها للدعاية لمشروعها «حدائق عامة» أو «متنزهات».

وتمَّ استحداث غالبية هذه المجسمات والمساحات في الشوارع العامة وتقاطعاتها، ولا توجد مساحات في محيطها للتنزه، كما لا يمكن إنشاء مرافق ترفيهية أو خدمية تابعة لها.

الجماعة الحوثية صنَّفت المجسمات التي تمثل مشروعها ضمن الحدائق ومتنزهات الترفيه (إعلام حوثي)

ولا يوجد في صنعاء سوى 9 حدائق عامة فقط، منها 3 حدائق كبيرة، واحدة منها حديقة حيوانات في جنوب المدينة، بينما تقع الثانية في وسطها وتسمى «حديقة السبعين»، غير أنه جرى خصخصة مرافقها الترفيهية منذ سنوات، ولم يعد الدخول إليها متاحاً لذوي الدخل المحدود، ويقول السكان إن أسعارها باتت مرتفعة جداً.

وتقع الحديقة الثالثة في شمال المدينة، وتسمى «حديقة الثورة»، ورغم مساحتها الكبيرة، فإن شكاوى كثيرة تصاعدت خلال السنوات الأخيرة من أن الإهمال الذي طالها وتسبب في تردي خدماتها واندثار الأشجار والنباتات وخلوها من المساحات الخضراء، في حين يفرض الحوثيون رسوماً كبيرة على الدخول إليها والاستمتاع بمنشآتها، دون إجراء أي أعمال صيانة وتنظيف لها.

مصادرة الترفيه

أنشأت الحكومات اليمنية السابقة 6 حدائق أخرى صغيرة المساحة في صنعاء، إلا أنها تعرَّضت للإهمال تحت سيطرة الحوثيين، وتكاد تخلو حالياً من المرافق الترفيهية، وتعرَّضت مثل غيرها للإهمال وفرض رسوم كبيرة على خدماتها؛ ما تسبب في عزوف السكان عن الدخول إليها.

شارع الرياض حيث أشهر سوق شعبية في صنعاء يبدو خالياً من المتسوقين (فيسبوك)

وبحسب المصادر، شهدت السنوات الأخيرة نشوء مناطق ألعاب للأطفال ومتنزهات صغيرة المساحة، وغالبيتها استثمارات خاصة، إلا أن أسعار دخولها ليست في متناول جميع سكان صنعاء، خصوصاً بعد سنوات طويلة من انقطاع الرواتب وتردي المعيشة وانتشار البطالة.

ويلجأ ملاك هذه المساحات والمتنزهات إلى رفع أسعار خدماتها؛ بسبب الجبايات التي تفرضها الجماعة الحوثية، أو يضطرون لإغلاقها؛ نتيجة قلة الإقبال عليها.

وطبقاً للمصادر، تزيد الجماعة الحوثية من فرض جباياتها على هذه المنشآت خلال أيام الأعياد والإجازات والإجازة الدراسية، بحجة زيادة مداخيلها خلال هذه الفترات.

واشتكى تجار في العاصمة المختطفة من تراجع حركة البيع خلال رمضان، ورغم أنهم علقوا آمالهم على الأيام الأخيرة من هذا الشهر، فإن العيد وصل ولم تشهد محلاتهم سوى إقبال متدنٍ على الشراء، في حين بدت الشوارع والأسواق في تلك الأيام شبه خالية كأنها في أيام العيد.

«حديقة الثورة» في صنعاء تعاني من الإهمال وانعدام الصيانة (فيسبوك)

يقول غازي، وهو طالب جامعي عمل سابقاً بائعاً متجولاً، إنه شعر بالاكتئاب عند زيارته شارع الرياض، غرب صنعاء، قبيل عيد الفطر بأيام، إذ كانت غالبية المحلات التجارية مقفلة، والمطاعم والمقاهي خالية، والحركة هادئة، وهو ما لم يكن يحدث سابقاً إلا في أيام العيد فقط.

أسواق تندثر

أجبر الحوثيون الباعة المتجولين على مغادرة الأسواق الرئيسية، ومنها أسواق شارع الرياض، بعد أن فرضوا عليهم جبايات باهظة، دون منحهم مساحات بديلة لمزاولة أنشطتهم، وفرضوا جبايات أكثر تكلفة على ملاك المحلات.

يتذكر غازي خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» كيف أنه عُرض عليه، عندما كان بائعاً متجولاً، قبل سنوات طويلة، التنازل عن المساحة التي كان يستخدمها لبيع بضاعته على رصيف الشارع، مقابل مبلغ كبير يوازي 3 آلاف دولار حينها، أما الآن فالتجار يغلقون محلاتهم في الشارع نهائياً.

ويشتهر شارع الرياض ومحيطه، بكونه إحدى أكبر الأسواق الشعبية في صنعاء وأكثرها ازدحاماً؛ نظراً لانتشار البضائع الرخيصة ذات الجودة المقبولة فيه.

سوق شعبية للملابس في صنعاء التي يعاني سكانها من انفجار أسعار كبير (الشرق الأوسط)

واضطر أحد تجار الملابس، إلى إغلاق محله في وسط العاصمة صنعاء، مكتفياً بالبيع عبر الإنترنت لتصريف ما أمكنه من ملابس استوردها من الهند والصين، وفشل في بيعها بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويبيِّن التاجر، الذي فضَّل عدم الكشف عن هويته، أن إغلاق محلاته جاء بعد أن وجد نفسه لا يحقق أرباحاً، فأقدم على ذلك للتخفف من دفع الإيجار ورواتب العمال لديه.

ويضطر كثير من الميسورين إلى إخفاء مظاهر فرحتهم بالعيد مراعاة لمشاعر غالبية السكان، أو تجنباً لتشبيههم بالمنتمين للجماعة الحوثية التي استحوذت على الثروات والأموال لصالح قادتها وأفرادها بالفساد والنهب والجبايات، والذين لا يترددون في التباهي بثرائهم.

ويبيِّن مهيب علوان، وهو معلم كيمياء يعمل في مدرسة أهلية ويقدِّم دروساً خصوصية، أنه إذا استطاع شراء ملابس وألعاب لأطفاله، فإنه يعاني كثيراً لإقناعهم بعدم الخروج بها أمام جيرانهم ومعارفهم حرصاً على مشاعر أطفالهم الذين لم يرتدوا ملابس جديدة منذ فترة طويلة.


تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ظل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى مع ذراعيها اللبناني والعراقي، يواصل الحوثيون في اليمن تصعيدهم الكلامي، مؤكدين أنهم «لن يقفوا مكتوفي الأيدي»، لكن من دون الانتقال حتى الآن إلى مستوى الانخراط العسكري المباشر إلى جانب طهران.

وحتى 22 مارس (آذار) الحالي، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع منذ بداية الحرب، اكتفت الجماعة، التي ينظر إليها على أنها صنيعة إيرانية، بإصدار بيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التأكيد على «الجاهزية» لأي تطورات، في وقت تتقاطع فيه هذه المواقف مع تهديدات إيرانية بتوسيع نطاق التوتر إلى ممرات بحرية استراتيجية، من بينها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

أحدث هذه المواقف الحوثية جاء في بيان منسوب لوزارة خارجيتهم في حكومتهم الانقلابية، حيث عبرت الجماعة عن رفضها لأي تحركات دولية مرتبطة بمضيق هرمز، معتبرة أن الولايات المتحدة «تدفع المنطقة نحو مأزق استراتيجي» عبر سياساتها.

وحذّر البيان الحوثي من انخراط دول إقليمية في أي تصعيد، منتقداً ما وصفه بـ«الارتهان» للسياسات الأميركية، مع الزعم بأن أي تدخل خارجي سيؤدي إلى تداعيات سلبية واسعة على المنطقة.

الحوثيون رفعوا في شوارع صنعاء صوراً ضخمة لخامنئي بعد مقتله (إ.ب.أ)

وفي حين ركز البيان على المخاطر المحتملة لتوسيع رقعة المواجهة، لافتاً إلى أن ذلك قد ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة، هددت الجماعة الحوثية بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، في إشارة إلى إمكانية انخراطها في الحرب.

هذا الموقف يتقاطع مع تصريحات إيرانية حديثة، حيث لوّحت طهران باستخدام الورقة الحوثية لزعزعة أمن البحر الأحمر وباب المندب في حال تعرضت جزيرة خارك لأي هجوم أميركي، وهددت بأن ذلك يدخل ضمن ما سمته «خيارات محور المقاومة».

تأجيل الانخراط

كان زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي حافظ من بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، على نهج يجمع بين إعلان الدعم السياسي والآيديولوجي لإيران، وتجنب إعلان تدخل عسكري مباشر.

وأكد الحوثي وقوف جماعته إلى جانب طهران، واصفاً الصراع بأنه «حرب على الإسلام»، مع التشديد على الاستعداد لكافة السيناريوهات، ودعوة جماعته للتظاهر في سياق التأييد لطهران.

وفي حين لم يقدم الحوثيون حتى الآن على أي خطوات ميدانية مرتبطة مباشرة بالحرب على إيران، يعكس هذا التردد، وفق تقديرات باحثين تحدثوا سابقاً لـ«الشرق الأوسط»، جملة من الحسابات المعقدة، في مقدمها الخشية من استدراج ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية واسعة، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية لممرات البحر الأحمر وباب المندب للتجارة العالمية.

كما أن الجماعة، التي خاضت خلال العامين الماضيين تصعيداً واسعاً في البحر الأحمر عبر استهداف السفن وكذلك عبر مهاجمة إسرائيل، قد تفضل الاحتفاظ بورقة التصعيد كورقة ضغط مؤجلة، بدلاً من استنزافها في توقيت غير محسوب.

ويمنح هذا النهج الحوثيين هامشاً أكبر للمناورة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، داخل ما يُعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران.

المواجهة السابقة

يأتي هذا الموقف في سياق تصعيدي بدأ منذ أواخر عام 2023، عندما شرع الحوثيون في تنفيذ هجمات على سفن في البحر الأحمر، تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة. وخلال نحو عامين، تبنت الجماعة مئات الهجمات باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وزوارق مفخخة، ما أدى إلى إغراق سفن وإلحاق أضرار بعشرات أخرى.

جانب من مقبرة أنشأها الحوثيون في صنعاء لقتلاهم (إ.ب.أ)

وقد أسفرت هذه العمليات عن تداعيات أمنية واقتصادية واسعة، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ حملة عسكرية ضد مواقع الحوثيين، شملت مئات الضربات الجوية والبحرية، قبل أن تتوقف لاحقاً بوساطة إقليمية.

كما نفذت إسرائيل -رداّ على الهجمات- ضربات استهدفت بنى تحتية في مناطق سيطرة الحوثيين، بينها موانٍ ومحطات كهرباء ومصانع أسمنت، فضلاً عن مطار صنعاء، كما استهدفت كبار قادة الجماعة وقتلت رئيس أركانها ورئيس حكومتها مع تسعة من وزرائه.


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)

مع دخول الحرب على إيران مرحلة جديدة، بإعلان 22 دولة استعدادها للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة جديدة لقوات «درع الوطن»، وأشاد بجاهزية القوات المسلحة في مختلف المناطق، في وقت كثّفت فيه القيادات العسكرية لقاءاتها وزياراتها الميدانية للقوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين.

جاء ذلك في وقت تواصل فيه الجماعة الحوثية، المختطِفة للعاصمة اليمنية صنعاء، حشد مقاتليها إلى خطوط المواجهة مع القوات الحكومية، وبالذات في جنوب محافظتي مأرب والحديدة، مع نقل منصات إطلاق الصواريخ إلى محافظات الجوف وصعدة والحديدة وحجة، في تحركات يُعتقد أنها تأتي استعداداً للانخراط في القتال إلى جانب إيران واستهداف حركة الملاحة في مضيق باب المندب.

وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، قراراً بتعيين العميد بسام محضار قائداً لقوات «درع الوطن»، وترقيته إلى رتبة لواء. كما عيّن العميد عبد الرحمن اللحجي رئيساً لأركان هذه القوات، إضافة إلى عمله قائداً للواء الرابع مشاة، وترقيته إلى رتبة لواء.

إشادة رئاسية بأداء الجيش اليمني في إفشال مخططات الحوثيين (إعلام حكومي)

جاءت هذه التعيينات متزامنة مع إشادة العليمي بجاهزية وحدات الجيش في مختلف الجبهات وتضحياتها، خلال اتصالين أجراهما مع وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، ورئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز، حيث أشاد بما وصفه بـ«الصمود البطولي والملاحم الوطنية» التي يسطرها منتسبو هذه القوات في مواجهة الحوثيين، مؤكداً أن تضحياتهم تمثل حجر الأساس في ردع المشروع «التخريبي الإيراني» وإفشال مخططاته التوسعية.

واستمع العليمي، طبقاً للمصادر الرسمية، إلى مستجدات الأوضاع الميدانية ووضع المقاتلين في مختلف مسارح العمليات، مثنياً على ما يتحلون به من يقظة عالية وانضباط وروح وطنية مسؤولة في أداء واجبهم. كما أشاد بدور السعودية ودعمها المستمر للشعب اليمني وقيادته الشرعية ومؤسساته الوطنية، بما يعزز تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والسلام.

تحركات في الساحل الغربي

في سياق هذه التحركات، ترأس عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح لقاءً لقيادة وضباط من مختلف المستويات في محوري الحديدة والبرح القتاليين في الساحل الغربي، كُرّس لمناقشة مستوى الجاهزية الميدانية وتقييم سير الأداء في مناطق الانتشار، بما يعزز كفاءة الوحدات ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف التشكيلات.

وبعد يوم من تصدي القوات الحكومية لهجوم نفذه الحوثيون في جبهة جنوب الحديدة، أكد صالح أهمية الحفاظ على الانضباط العسكري، ومواصلة برامج التأهيل والتدريب، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يسهم في تطوير الأداء والارتقاء بمستوى الجاهزية.

ونبّه عضو مجلس القيادة الرئاسي إلى ضرورة مضاعفة الجهود خلال هذه الفترة للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتعزيز الحضور الميداني بما يضمن حماية المواطنين والتصدي للممارسات «الإرهابية» التي تقوم بها الجماعة الحوثية.

تنسيق في حضرموت ومأرب

في الاتجاه نفسه، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مع قائد المنطقة العسكرية الأولى وقائد الفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» اللواء فهد بامؤمن مستجدات الأوضاع العسكرية والأمنية في وادي وصحراء حضرموت.

واستعرض المحرّمي، وفق المصادر الرسمية، جملة من التطورات الميدانية والجهود المبذولة لرفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، بما يسهم في تثبيت الأمن والاستقرار والتعامل مع التحديات القائمة، وفي مقدمتها مكافحة التهريب والتصدي للشبكات التي تعبث بأمن الوادي والصحراء.

تعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأمنية في محافظة حضرموت (إعلام حكومي)

وأكد عضو مجلس الحكم اليمني أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود ورفع مستوى الأداء العسكري والأمني لحماية الأرض والإنسان في وادي وصحراء حضرموت، وصون أمن واستقرار المحافظة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين مختلف القوات، بما يضمن مواجهة أي تهديدات أو اختراقات.

بدوره، زار رئيس لجنة الحصر في المنطقة العسكرية الثانية بساحل حضرموت، العميد أحمد البيتي، لواء النخبة الحضرمي؛ بهدف تقييم الجاهزية وتعزيز الحضور القيادي في الوحدات العسكرية، والاطلاع على مستوى التأهب العملياتي والانضباط العسكري وجاهزية الأفراد لتنفيذ المهام الموكلة إليهم.

وأشاد المسؤول العسكري بما لمسه من كفاءة عالية وروح قتالية وانضباط يعكس مستوى التدريب والالتزام، كما استمع إلى عرض حول سير الأداء الميداني وأبرز التحديات، موجهاً بضرورة رفع وتيرة الجاهزية بما يواكب متطلبات المرحلة.

وفي المنطقة العسكرية الثالثة بمحافظة مأرب، اطّلع قائد المنطقة اللواء الركن منصور ثوابه على أوضاع القوات في الجبهات الجنوبية للمحافظة، وتنقّل بين عدد من المواقع في خطوط التماس مع الحوثيين، مشيداً بصمودهم وتضحياتهم، ومؤكداً ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية واليقظة القتالية، والاستمرار في تنفيذ المهام بكفاءة واقتدار.

من جهتها، أكدت المنطقة العسكرية الخامسة المرابطة في محافظة حجة، شمال غربي اليمن، جاهزية المحاور كافة لخوض المعركة الوطنية ضد الحوثيين إلى جانب مختلف تشكيلات القوات المسلحة في عموم اليمن، واستعادة الدولة.