خيارات باريس محدودة للرد على «صفعة» إلغاء صفقة الغواصات

فرنسا بحاجة للولايات المتحدة عسكرياً... وخروجها من «الناتو» مستبعد

ماكرون مع رئيس وزراء أستراليا في قصر الإليزيه في يونيو الماضي (رويترز)
ماكرون مع رئيس وزراء أستراليا في قصر الإليزيه في يونيو الماضي (رويترز)
TT

خيارات باريس محدودة للرد على «صفعة» إلغاء صفقة الغواصات

ماكرون مع رئيس وزراء أستراليا في قصر الإليزيه في يونيو الماضي (رويترز)
ماكرون مع رئيس وزراء أستراليا في قصر الإليزيه في يونيو الماضي (رويترز)

بعد أن اعتبر عقد بيع أستراليا 12 غواصة بقيمة 56 مليار يورو عام 2016 بمثابة «صفقة القرن»، تحول، عقب قرار كانبيرا، بتشجيع أميركي ومشاركة بريطانية، استبداله من خلال شراء ثماني غواصات أميركية الصنع تعمل بالدفع النووي، ومع إطلاق شراكة استراتيجية ودفاعية مثلثة الأطراف، إلى «نكسة العقد». ومنذ الخميس الماضي، ما زالت تداعياته السلبية تتلاحق نظرا لما اعتبرته باريس، الخاسر الأكبر، «خيانة، وطعنة في الظهر بين حلفاء وشركاء...». إلى غير ذلك من النعوت والأوصاف التي أغدقها وزير الخارجية جان إيف لودريان على الطرفين الأسترالي والأميركي وبقدر أقل على بريطانيا. وحتى اليوم، لجأت باريس إلى عدة خطوات للتعبير عن غيظها مثل إلغاء احتفال تذكاري للتعاون الفرنسي - الأميركي إبان حرب الاستقلال الأميركية واستدعاء سفيريها في واشنطن وكانبيرا وإلغاء اجتماع ثنائي كان مقررا بحر هذا الأسبوع بين وزيري الدفاع الفرنسي والبريطاني وآخر ثلاثي لوزراء خارجية فرنسا وأستراليا والهند، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلا عن غياب أي تواصل مباشر بين الوزير لودريان ونظيره الأميركي أنتوني بلينكن. وآخر تعبير عن النقمة الفرنسية قرار الإليزيه تلقي مكالمة هاتفية من الرئيس جو بايدن «خلال الأيام القادمة» وفق ما أعلن الناطق باسم الحكومة الفرنسية الوزير غبريال أتال. وتأخير التواصل الهاتفي يبدو مقصودا من جانب ماكرون الذي امتنع حتى اليوم عن التعليق على ما تعده باريس إخلالا بأصول التعامل بين الحلفاء والشركاء. كل ما سبق يحمل دلالات ومؤشرات كلها رمزية. لكنه لا يسمن ولا يغني عن جوع بالنسبة للطرف الفرنسي. والسؤال المطروح اليوم بقوة: ما هي الخيارات المتاحة أمام باريس للرد على ما تعتبره إهانة وازدراء وضرب مصالحها عرض الحائط في منطقة استراتيجية، أي المحيطين الهندي والهادي. يضاف إلى ذلك أن فرنسا هي الدولة الأوروبية الوحيدة المعنية بهذا الشكل الوثيق بتطورات جيو - استراتيجية هذه المنطقة الحيوية والوحيدة. ثم إن باريس هي الوحيدة أيضا أوروبيا التي تتمتع بحضور عسكري دائم، وبالتالي فإن استبعادها من اتفاقية الشراكة الأمنية - الاستراتيجية الثلاثية الموجهة، كما هو واضح لاحتواء الصين، يزيد من شعورها بالمهانة والإجحاف.
القرار الأسترالي - الأميركي صفعة تجارية - اقتصادية من جهة وتشكيك من جهة ثانية بكفاءة الصناعات الدفاعية الفرنسية وغواصاتها من طراز «أتاك»، وأخيرا انتقاص من دور باريس ومن دور الاتحاد الأوروبي والاستهانة بمصالحهما الحيوية في منطقة استثمرت فيها بلدان الاتحاد 11 ألف مليار دولار.
ترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن الحد الفاصل بين الذهاب إلى مزيد من التصعيد أو البدء بخطوات تمهد للتهدئة سيكون محتوى الاتصال الهاتفي المنتظر بين بايدن وماكرون والذي يرجح أن يحصل اليوم أو غدا. فالرئيس الفرنسي لن يذهب إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تنطلق اليوم بخطاب لـبايدن بل كلف وزير خارجيته برئاسة الوفد الفرنسي المشارك. وحتى اليوم، لم يعلن عن موعد للقاء لودريان - بلينكن. إلا أنه غير مستبعد خصوصا أن نظرة باريس للأخير «إيجابية» حيث إن الوزير الأميركي عاش بالعاصمة الفرنسية مرحلة شبابه ويتحدث لغتها بطلاقة، واحتفي به بكثير من المبالغة لدى زيارته الأخيرة لها. لكن الجوانب الشخصية، رغم فائدتها وقدرتها على تسهيل الحوار، لا تحل محل السياسة وموجباتها.
بداية، تتعين الإشارة إلى أن باريس تقف تقريبا وحدها بمواجهة التحالف الجديد إذ لم يصدر أي قرار إدانة عن الجانب الأوروبي لما يرى فيه الكثيرون في القارة القديمة، فسخا لعقد تجاري وإن كان عسكريا وضخم القيمة. وكان مقررا أن يلتقي لودريان نظراءه الأوروبيين مساء أمس في نيويورك، للحديث عن تبعات الاتفاق الثلاثي الأخير بدعوة من «وزير» خارجية الاتحاد جوزيب بوريل الذي كان الوحيد الذي أصدر بيانا بشأنه وبشأن فسخ العقد الفرنسي - الأسترالي. واستبق لودريان الاجتماع باتصال هاتفي بنظيره الألماني هايكو ماس.
وما يغيظ باريس أن ألمانيا بقيت صامتة ولم تعرب عن التضامن معها، علما بأن المستشارة ميركل كانت ضيفة ماكرون مساء الخميس الماضي لوداع ماكرون بسبب خروجها القريب من منصبها عقب الانتخابات الألمانية. وبالنتيجة، فإن باريس لا تستطيع التعويل على أوروبا رغم الدعوات الدورية لتمكين الاتحاد من «الاستقلالية الاستراتيجية» التي سيعقد من أجلها اجتماع العام القادم بعد أن تتسلم باريس رئاسة الاتحاد، وذلك لإقرار ما يسمى «البوصلة الاستراتيجية».
أما على مستوى الحلف الأطلسي، فإن خيارات فرنسا، نظريا، وبحسب ما يراه متابعون للشؤون العسكرية، متعددة وتتراوح ما بين الانسحاب الكلي، وهو ما لا يتوقعه أحد، وتجميد عدد من الأنشطة التي تشارك فيها (وهو مستبعد) والإصرار على إعادة تعريف «مبادئ» التضامن داخله والتعامل بين أعضائه، وهو الأمر المرجح في الاجتماع المخصص لهذا الغرض في الأشهر القادمة.
صحيح أن أصواتا تُسمع، خصوصا من اليسار الفرنسي، تدعو ماكرون إلى الانسحاب من الحلف، إلا أن الصحيح أيضا أن فرنسا عضو مؤسس ورئيسي في الحلف الأطلسي، وهي ثالث بلد نووي داخله بعد الولايات المتحدة وبريطانيا. إلا أن باريس، زمن رئاسة الجنرال شارل ديغول، طلبت نقل مقر الأطلسي منها إلى عاصمة أخرى رغبة في استعادة نوع من الاستقلالية وحرية التحرك الخارجي. كذلك قرر ديغول وقتها، الانسحاب من القيادة العسكرية الموحدة في العام 1966 وبقيت الأمور على هذه الحال على هذا المنوال حتى عهد الرئيس نيكولا ساركوزي، أميركي الهوى، الذي أعاد بلاده إليها.
وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون سبق له أن وصف الحلف، نهاية العام 2019 بأنه يعاني من «موت سريري»، وذلك في عز الخلاف الفرنسي - التركي في مياه المتوسط. وبالنظر لرد فعل الحلف «الفاتر» على المطالب الفرنسية وقتها، فقد قررت باريس «تجميد» أنشطتها الأطلسية لفترة جاءت قصيرة للغاية، ومن غير الحصول على ما كانت تبغيه من وقوف الحلف إلى جانبها. واليوم، وفي ظل تمسك أعضاء أوروبيين بالمظلة الأميركية وعدم استعدادهم لإزعاج واشنطن، فإن باريس تجد نفسها شبه وحيدة في مطالباتها. بيد أن الأمر الأهم أن فرنسا غير قادرة على مواجهة واشنطن التي تحتاج لمساندتها كما في منطقة الساحل الأفريقي مثلا، حيث تقدم القوة الجوية الأميركية المتمركزة في النيجر خدمات لقوة «برخان» الفرنسية بتزويدها بصور تلتقطها طائراتها المسيرة (درون) أو المعلومات الاستخبارية التي تجمعها.
هكذا، تبدو مروحة الخيارات الفرنسية وإن كانت متسعة نظريا، إلا أنها محدودة عمليا إلا إذا أرادت باريس التسبب بأزمة دبلوماسية عميقة مع واشنطن، وأن تعزل نفسها عن طريق التقارب مثلا مع الصين أو مع روسيا أو الذهاب ضد المصالح الأميركية والغربية بشكل عام. ومن غير دعم أوروبي واضح وفاعل، فإن المتاح أمام باريس يبدو متواضعا.
ونقلت صحيفة «لو فيغارو» اليمينية أمس عن جيرار آرو، السفير الفرنسي السابق في واشنطن قوله إن لفرنسا وأوروبا «مصلحة في المحافظة على علاقات جيدة مع الصين، كما يتعين أن تكون لهما سياسة مختلفة إزاءها عن السياسة الأميركية».
وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس بايدن سعى، إبان قمة الحلف الأطلسي في بروكسل، في شهر يونيو (حزيران) الماضي، لتعبئة الأوروبيين خلفه في سياسة المواجهة مع بكين التي ترى فيها واشنطن «الخطر الأكبر» للقرن الحالي إلا أن ماكرون وميركل عارضاه في هذا التوجه.
تبقى مسألة التعامل مع أستراليا التي سعت في الأيام الثلاثة الماضية إلى تبرير قرار الفسخ باعتبارات أمنية واستراتيجية، ومحاولة ترطيب علاقاتها مع فرنسا. ويمكن إدراج العقد الموقع أمس بين شركة ألستوم الفرنسية ومدينة ملبورن الأسترالية لتزويدها بـ25 قطارا وبقيمة تصل إلى 300 مليون يورو، مؤشرا على رغبة كانبيرا في استمرار التعاون مع فرنسا. وفي أي حال، أعادت أستراليا تذكير الفرنسيين بأنها أرسلت جنودا للدفاع عن أراضيها في الحربين العالميتين القرن الماضي وأن 10 آلاف جندي أسترالي ضحوا بحياتهم من أجلها.
وفي الأيام القادمة، ينتظر أن تنطلق محادثات بين شركة «نافال غروب» الفرنسية والحكومة الأسترالية لتحديد مبلغ التعويضات المفترض دفعها وفق نص العقد للجانب الفرنسي. وبالتوازي، تأمل باريس بممارسة ضغوط على كانبيرا من خلال الاتحاد الأوروبي ومحاولة تأخير أو حتى عرقلة التوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة بينه وبين أستراليا، وهو الأمر الذي أشار إليه وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي كلمان بون يوم السبت الماضي. وترجح معلومات متوافرة في باريس أن الجانب الفرنسي قد يركز اهتمامه على الهند التي باع لها أسرابا من طائرات «رافال» المقاتلة كشريط عسكري ودفاعي يحل محل أستراليا في منطقة الهندي ــ الهادي.

بريطانيا: حبنا لفرنسا راسخ
> شدد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون على العلاقة «البالغة الأهمية» بين بلاده وفرنسا، وذلك في مواجهة غضب باريس. وقال جونسون لصحافيين على متن طائرة تُقله إلى نيويورك، إن لندن وباريس تربطهما «علاقة ودية جداً» و«بالغة الأهمية»، مشدداً على أن «حب بريطانيا لفرنسا» راسخ.
وكان بايدن أعلن عن تحالف دفاعي أسترالي - أميركي - بريطاني جديد يأتي ضمن اتفاقية شراكة يُنظر إليها على أنها تهدف إلى مواجهة صعود الصين. لكن جونسون قال على متن الطائرة إن هذه الاتفاقية «لا تهدف إلى أن تكون إقصائية».
وأضاف «إنها ليست شيئا يجب على أي أحد كان أن يقلق بشأنه ولا سيما من خلال أصدقائنا الفرنسيين».



الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
TT

الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)

ينهي ملك بريطانيا تشارلز الثالث زيارته إلى برمودا بإطلاق مشروع «نوفا» التابع لوكالة الفضاء البريطانية رسمياً للمساعدة في تتبع الحطام الفضائي، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

ويزور تشارلز موقع مرصد جديد تابع للوكالة في الجزيرة للاستماع إلى معلومات بشأن مبادرة الإشراف على تركيب شبكة عالمية من التلسكوبات، عبر خمسة مواقع، للمساعدة في تتبع الأقمار الاصطناعية القديمة، ومراحل الصواريخ، وغيرها من الأجسام، وفقاً لوكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وخلال يومه الأخير في برمودا، يفتتح الملك أيضاً محطة خفر السواحل الجديدة في خليج جريت باي، حيث سيستمع إلى العمل الحاسم الذي يقوم به خفر السواحل التابع لفوج برمودا الملكي في حماية المياه الإقليمية للجزيرة، وحماية بيئتها البحرية.

كما يشاهد ملك بريطانيا قطعتين جديدتين من التكنولوجيا التي يستخدمها الفوج -وهما مركبة مسيرة تعمل تحت الماء، ومركبة جوية مسيرة.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.