المثقفون المصريون يكتبون الدستور

محمد السلمان الناطق الرسمي باسم لجنة الدستور و المخرج خالد يوسف عضو لجنة الدستور
محمد السلمان الناطق الرسمي باسم لجنة الدستور و المخرج خالد يوسف عضو لجنة الدستور
TT

المثقفون المصريون يكتبون الدستور

محمد السلمان الناطق الرسمي باسم لجنة الدستور و المخرج خالد يوسف عضو لجنة الدستور
محمد السلمان الناطق الرسمي باسم لجنة الدستور و المخرج خالد يوسف عضو لجنة الدستور

بعد عقود من التهميش والتدجين حكمت تعاملهم مع النظام الحاكم، قفز المثقفون المصريون إلى قلب المشهد السياسي، وأصبحوا ورقة مهمة في خارطة المستقبل، التي تشكل الحجر الأساس لدعائم الحياة الجديدة في البلاد. وهو ما تبلور على نحول لافت في اختيار ستة من الكتاب والفنانين والشعراء ضمن لجنة الخمسين التي تضطلع حاليا بمهمة صياغة دستور جديد للبلاد، وهم: الكاتب محمد سلماوي رئيس اتحاد كتاب مصر، والفنان التشكيلي محمد عبلة، والشاعر سيد حجاب، والمخرج السينمائي خالد يوسف، بالإضافة إلى الروائي حجاج أدول، ممثلا للنوبة، والكاتب مسعد أبو فجر، وهو ناشط سياسي ويمثل سيناء. وقد جاء اختيار الكاتب محمد سلماوي متحدثا رسميا باسم اللجنة.
هذه النقلة النوعية في حياة المثقفين المصريين، ماذا تعني، وهل تمثل بالفعل نافذة مغايرة، يطلون من خلالها على هموم وطنهم بشكل أكثر شمولا وعمقا، وتثمينا لدورهم الاستثنائي على مدى أكثر من عامين ونصف العام من عمر الثورة المصرية بكل تحولاتها ومآزقها.. ثم هل نحن بصدد لحظة فارقة يمكن أن نستشرف من خلالها صياغة جديدة لعلاقة الثقافي بالسياسي، يخرج فيها الأول من دور التبعية للثاني، إلى دور المشارك الفاعل في صناعة القرار.
ظلال من هذه الأسئلة وغيرها تناثرت في اجتماع حضره المثقفون المختارون بلجنة كتابة الدستور عقد أخيرا بالمجلس الأعلى للثقافة، طالبهم فيه مجموعة من الكتاب والمثقفين بتحرير الحريات من كل قيد، والنص في الدستور الجديد على حرية الاعتقاد والإبداع والحق في الثقافة والفنون كحقوق أصيلة للمواطنين وإلغاء النصوص الفضفاضة التي تحدد حرية الأعمال الفنية بعبارة «بما يتوافق مع قيم المجتمع»، حيث إن هذه الجملة مطاطة وغالبًا ما استخدمت للرقابة والتضييق على الأعمال الفنية.
واعتبر الكاتب محمد سلماوي، أن نضال المثقفين أثمر وجودهم في لجنة لكتابة الدستور، مؤكدا أنه سيتم وضع دستور جديد، عبر مراجعة كل بنود الدستور القديم من المسودة التي قدمتها إليهم لجنة العشرة. وقال سلماوي إن مسودة المشروع تكاد تكون مختلفة بالكلية عن دستور عام 2012، الذي وضع في ظل حكم الرئيس المصري المعزول محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وهيمنت على لجنته أغلبية من التيارات الإسلامية. بينما قال الفنان التشكيلي محمد عبلة، إن المثقفين لن يخيبوا ظن المصريين بهم، مؤكدا أن أحلامهم ستتفق مع أحلام المصريين، قائلا إنه في عهد «مرسي وشركاه» كان المثقفون يتحدثون عن الدستور في المقاهي العامة، والآن تبدل الحال وأصبحوا هم من يصنعون الدستور وهي فرصة تاريخية يجب استثمارها على النحو الأكمل.
وشدد الشاعر سيد حجاب على أنه سيطالب بأن يستشرف الدستور القادم آفاق المستقبل «لأننا نؤسس لمصر ما بعد الحداثة»، لافتا إلى أنه من المهم ألا يعتبر المثقفون أنفسهم ممثلين عن الجهات التي رشحتهم، بل هم مثيرون للحوار المجتمعي وممثلون عن الشعب بأكمله. مؤكدا أنهم إذا استطاعوا فعل ذلك فسيجري تمثيل المجتمع بشكل صحيح.
وأكد أن مفهوم السياسة نفسه سيتغير ويصبح في هذا الزمن هو إحقاق الحق، لأن الشعب أسقط كل مناورات البرغماتية وأسس لمفهوم جديد من الديمقراطية، مؤكدا «إننا أقوياء لأن الشعب هو المراقب الحقيقي لكل من يدعي تمثيله».
وأضاف حجاب: «لا بد أن ندرك تماما أن هذا الدستور يجب أن يفصل بين العمل الديني والسياسي، والتأكيد على الهوية المصرية دون التدخل في مواد تنحرف بالهوية المصرية».
وقال المخرج خالد يوسف: سأسعى إلى ترجمة شعارات الثورة إلى مواد ملزمة، بحيث ألزم الدولة بنص دستوري يجعل للفرد نصيبا من ثروات بلاده. كذلك أطالب بالحرية سواء للفرد أو الوطن، وهي أمور سنستميت لزيادتها إلى الحد الأقصى، فالدستور يحمي الحرية ولا يقيدها.
وأكد يوسف أن هناك خطوطا حمراء لا يجب أن نتنازل عنها لأنها أحلام للمصريين، وإذا تنازلنا عنها سيسقط الدستور من جديد، منها مثلا أن يقر الدستور وجود أحزاب على أساس ديني حينها سنعود للشارع من جديد.
أما الكاتب السيناوي مسعد أبو فجر، فذكر أنه سيعمل جاهدًا على تحويل أحلام بسطاء سيناء لمواد دستورية. وأضاف أنه لا بد من أن ينتهي زمن تهميش المصريين خارجيًا كانوا أو داخليًا، مشيرا إلى أن الدستور ليس لحل المشكلات بل لرسم سياق تشريعي يسير عليه الجميع.
وأكد حجاج أدول أنه سيهتم بدستور مصر بأكمله ثم النوبة بالأخص، لأنه مصري نوبي، مشيرا إلى أنه سيعمل على توحيد كلمة النوبة معه في اختيار المواد التي تهم الشأن النوبي، مؤكدا أن القائد أو الزعيم الأوحد انتهى وأصبح العمل الجماعي هو السائد في المجتمع المصري بكل طوائفه.
وبعين خيال أكثر اتساعا وواقعية يقول الشاعر صلاح اللقاني: «نزول المثقفين ميدان العمل السياسي المباشر مع الجماهير بدأ بشكل جماعي مع ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011 في تمام التحامه مع الناس، ودورهم تأكد في الفترة التي شغلت المسافة الزمنية من 25 يناير 2011 حتى 30 يونيو (حزيران) عام 2013، وبالذات في ثورة المثقفين ضد الدكتور علاء عبد العزيز وزير الثقافة المنتمي لجماعة الإخوان الذي أجبره المثقفون باعتصامهم الشهير على ألا يدخل مكتبه منذ تعيينه حتى إقالته. قدر المثقفين في مصر ألا ينعموا بدفء البرج العاجي لأن تنين التخلف والجهل أشرس وأقوى من أن نتركه يعيث في الأرض فسادا. لقد خربت الفاشية الدينية أنظمة التعليم جميعها في مصر، حتى صار لدينا الطبيب المتطرف والمهندس المتطرف بل وحتى حامل شهادة الدكتوراه الذي يعيش في خصومة مع العصر، وفي تناقض مع مناهج التفكير العلمي. فقد انتشر خطاب القرون الوسطي بأساطيره وخوارقه من خلال الإذاعة المسموعة والمرئية ومن خلال المساجد والزوايا وقاعات الدرس والتحصيل، ويلاحق الجميع في البيت والعمل والتاكسي والأوتوبيس والمآتم والمناسبات القومية، حتى صار تخريب العوام وتجهيلهم عملية تدور على قدم وساق في طول البلاد وعرضها».
ويخلص اللقاني مؤكدا أن ثورة 25 يناير كانت ضد الاستبداد المدني، وجاءت ثورة 30 يونيو ثورة على الاستبداد الديني، لتفتح لنا بابا حقيقيا على الحداثة والعصر من خلال منع إقامة أحزاب سياسية على أساس ديني أو طائفي، ومن خلال حماية حقوق الإنسان في العدل والحرية، وحماية المرأة من البطريركية الذكورية. لذلك كله فالمثقفون هم حراس الدستور من جيش الظلاميين الذين يعدون العدة لفرض ولاية الفقيه علينا، وفرض هوية البادية على روح مصر الخضراء. وليس غير المثقفين من سيتصدى لمقاومة سرقة الثورة من جديد.
وتحدث الشاعر أسامة عفيفي رئيس تحرير مجلة «المجلة»، عن «دور المثقف التراكمي»، مؤكدا أن هذا الدور كان اللاعب غير المباشر في إشعال ثورة 25 يناير عبر تراكم ثقافي مقاوم ونضالي منذ السبعينات وحتى الثورة. ولفت عفيفي إلى أنه قد تجلي ذلك في تبني الثوار الشباب لقصائد وأغان وشعارات وطنية تحولت إلى أيقونات ثورية تنتمي كلها للتاريخ المقاوم للثقافة المصرية، وعلى حد قوله: «لقد احتلت قصيدة (لا تصالح) للشاعر أمل دنقل المشهد وأغاني الشيخ إمام جنبا إلى جنب مع أشعار نجم وجاهين وفؤاد حداد. ورغم وجود المثقفين المصريين بمختلف أجيالهم في أتون ثورة 25 يناير، فإنني أرى أنه كان حضورا رمزيا أكثر منه ثقافيا ونضاليا.. إنه (مشاركة) بحكم الانتماء لحلم الثورة الذي بشر به المثقفون أنفسهم عبر عقود من الكفاح. لكن أنا ممن يرون أن المثقفين تحولوا من خانة المشارك إلى خانة الفاعل الرئيس عندما انتفضوا في مايو (أيار) الماضي ضد مشروع أخونة الثقافة المصرية بتعيين وزير أتى لتفكيك الثقافة المصرية ومسخ الثقافة الوطنية، هذا الحدث الفارق هو الذي جمع المثقفين بمختلف تياراتهم للدفاع عن الثقافة الوطنية وما تلاها من تنظيم اعتصامهم في مقر الوزارة، والذي تحول إلى بؤرة فعل ثقافي ربطت عبر شهر ونصف الشهر بين المثقف والشارع من خلال احتفاليات إبداعية مقاومة التف حولها المواطن العادي وتحول موضوع أخونة الثقافة وتفكيك الوزارة من شأن ثقافي إلى هم عام وقضية مجتمعية أسهمت في إطلاق شرارة 30 يونيو، وربطت لأول مرة بين المثقف والشارع العادي».
وحول مشاركة المثقفين في لجنة صياغة الدستور يقول أسامة عفيفي: «أنا أرى أن ضم أسماء ثقافية كثيرة إلى لجنة الدستور جاء نتيجة هذا الدور الجديد للحركة الثقافية التي خرجت من أسوار القاعة إلى بسطاء الشارع والتحمت بهم. ولعل هذا من أهم المتغيرات التي شكلت ملامح 30 يونيو ولعله أيضا يسهم في صياغة دستور معبر عن الثقافة الوطنية التي تشكل هوية الأمة، لذا فأنا أعول كثيرا على المثقفين الموجودين في لجنة الدستور في توجيه دفة الحوار لإنتاج دستور يحترم حرية الرأي والتعبير والإبداع وينتصر لحق المواطن في الثقافة والفنون ويؤسس مرجعية ثقافية وفكرية للمشروع الوطني التحرري الذي أفرزته ثورة 30 يونيو».
لكن الشاعر محمود قرني يتساءل: «نعم.. المثقفون يشاركون في كتابة الدستور، لكن أي مثقفين نقصد؟ مؤكدا أنه أيا كانت الصورة أو التمثيل الذي حدث به الأمر، فهذا أمر جيد، حتى لو كان تمثيل المثقف ينحدر من أضعف حلقاته عبر مؤسسات مدجنة تاريخيا، أو عبر وضع اثنين من المبدعين على رأس تمثيل فئوي أحدهما يمثل النوبة والثاني يمثل بدو سيناء، لكنه في كل الأحوال أمر طيب. لذلك علينا أن نتشبث بحكمة الفقه العربي: ما لا يدرك كله لا يترك كله».
ويتابع صاحب ديوان «لعنات مشرقية» بقوله: «سنحسن النية طبعا بأسس الاختيار ومرجعياته، لكنني أتصور أن جوهر السؤال يحتاج إجابة قاطعة لن يلبيها النص الدستوري، ستلبيها طبيعة النظام السياسي والحقيقة الثورية التي غابت عن المثقف المصري طيلة أكثر من أربعين عاما لعب فيها دورا مشينا، كإحدى الأدوات التبريرية لخطاب سياسي قرين لفاشية لم تتراجع عن إشاعة مناخات الفساد والتواطؤ، فسقطت صورة المثقف كممثل أعلى للحقيقة وتحول إلى واحد من كبار مزيفيها.. صورة المثقف إذن يعاد النظر فيها، وإن كان ذلك يجري عبر وجوه لا تملك، في الأغلب جدارة التمثيل، لكنها خطوة سيجري الثناء عليها من أناس طيبين وحسني النية، لا يرون الماضي على هذا السخف الذي نراه».
ويلتقط قرني صورة المثقف من ركام هذه الظلال ويقول: «ربما كانت صورة المثقف خلال العامين الماضيين من عمر الثورة تضمن الكثير من المصداقية لهذا الرأي المفرط في تشاؤمه. ففي الوقت الذي استمع فيه المجتمع لمئات بل آلاف الأصوات، بينهم قلة من الساسة المحترفين وأكثرية من الدجالين والحواة، لم يكن صوت المثقف أكثر من ترجيع بعيد لأصوات أعلى، وسط صفير الميادين وزئير شعب اكتوى بأكاذيب واسعة الانتشار. وهنا جرى اختصار المثقف في حناجر شعرية كانت تكتب أشعارا عن ثورة عابرة للقومية، بأدوات شعرية قادمة من زمن ما قبل الهجرة. غير أن المستقبل، رغم ذلك يبدو مدعاة للتفاؤل، ليس لأن المثقف التبريري سيقلع عن وظيفته، وليس لأن النظام السياسي سيقلع عن محاولات التدجين وشراء الذمم، لكن لأن المجال العام المزكوم بالفساد طيلة أربعين سنة أو يزيد، لم يعد له من ظهير يسانده، لأن الآلة الجهنمية التي كانت تنفخ في روحه لم تعد صالحة لأداء نفس أدوارها القديمة.
وبصراحة أبعد يقول الشاعر محمد الحمامصي رئيس سلسلة كتاب الأطفال في مؤسسة «دار الهلال» الصحافية: «لا يمكن وضع المثقفين المصريين جميعهم في سلة واحدة، فمنهم من كان ضد 25 يناير، ومنهم من كان ضد 30 يونيو، ولا يزالون حتى اللحظة منقسمين على بعضهم البعض فيما يتعلق بأفكار ورؤى الثورة ومجريات الأمور على الساحة السياسية، وبوضوح شديد دعني أقل لك إن وعي المثقفين بالثورة ومجرياتها كان مترديا وباهتا وبائسا، قلة منهم من ناصروها ووعوا بأهدافها ومطالبها والمخاطر التي أحدقت بها في المراحل المختلفة انتهاء بـ30 يونيو، وهو الأمر الذي كشف حجم الهوة الواسعة في الوعي والنضج الثقافيين، وأكد الانفصال بينهم وبين الإرادة الشعبية ومطالبها وأحلامها وطموحاتها، وحجم التعالي والكبر والنزق الذي يتعاملون به».
يستدرك الحمامصي: «لكن الأمر الصادم أن تجد بينهم بعد 30 يونيو من تحالفوا مع جماعات وتنظيمات اليمين المتطرف، وهاجموا الإرادة الشعبية التي أطاحت بالرئيس الإخواني محمد مرسي وجماعته وحلفائهما، ولا يزالون يواصلون الدس ضد ثورة 30 يونيو والوقيعة بين الشعب والجيش والرئاسة والحكومة».
ويخلص الحمامصي قائلا: «إن اختيار عدد من المثقفين في لجنة الخمسين أمر جيد وجاء من منطلق وطني، لكنه لا يعتبر مؤشرا على مشاركة المثقفين في صنع الثورة أو التحامهم بالشعب واختيارهم لإرادته أو أنهم يشكلون ورقة مهمة في المعادلة السياسية، بل يؤشر إلى قيادة السياسي للثقافي ووعي السياسي بأهمية دور الثقافة والمثقفين التنويري في صياغة مستقبل مصر».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».