الرواية بوصفها متحفاً للذاكرة الجمعية الشعبية

«خلوّ» تستلهم «انتفاضة تشرين» العراقية

الرواية بوصفها متحفاً للذاكرة الجمعية الشعبية
TT

الرواية بوصفها متحفاً للذاكرة الجمعية الشعبية

الرواية بوصفها متحفاً للذاكرة الجمعية الشعبية

رواية «خلوّ» للروائي طه حامد شبيب، الصادرة عام 2021، رواية ترميزية - إليغوريا وفنطازية عن الوضع السياسي والاجتماعي، الذي أعقب الاحتلال عام 2003، وصعود القوى الإرهابية والطائفية واستقوائها بالخارج وقيامها بتهريب ثروات البلد، عبر أنفاق عملاقة «تشفط» رمزياً هذه الثروات. ومن الجهة الأخرى فهي تصدر أشكال المقاومة التي يواجه بها الناس هذا التسلط، وبشكل خاص من خلال انتفاضة تشرين وميدانها الأساسي ساحة التحرير في قلب بغداد. الرواية إلى درجة كبيرة صرخة احتجاج رافضة للحرب من خلال هرب بطل الرواية من جحيم الحرب، وهي دعوة للسلم والمحبة، من خلال ابتكار بدائل كرنفالية وتغريبية متنوعة منها توظيف الواقعية السحرية ورواية الخيال العلمي والتغريب البريختي، فضلاً عن السرد الواقعي الحديث. وتكاد الرواية تستهل حبكتها المركزية على غرار ما نجده في القصص البوليسية. إذ يدخل (نوفل) ابن الرابعة وهو يصرخ بلوعة: «عمو حاتم مات، طلع الدم من راسه ومات» (ص 5).
وهكذا مثل القصص البوليسية يثير هذا الاستهلال أسئلة عديدة لأفق توقع القارئ عن سر الجريمة وهوية القاتل، ولكنها قبل هذا وذاك تستدرجنا لمعرفة شخصية القتيل (العم حاتم)، وهو ما يحول الرواية بشكل جوهري، إلى رواية بطل مركزي، سيلاحق الراوي، وهو ذات المؤلف الثانية سيرة هذا البطل والأسرار التي أحاطت بحياته ومقتله. إذ يعلن الراوي المركزي إنه سينهض بمهمة لملمة شتات هذه الحكاية، اعتماداً على شهادته الشخصية ومرويات بطل الرواية (حاتم)، فضلاً عن الاستناد إلى «سند الآخرين من الثقاة»: «بعد سنين طوال، تومض تلك اللحظة من بعيد، فلا يكون لنوفل شأن في الحكاية المبعثرة التي أحاول أن ألم شتاتها الآن، ولن يسعني أن ألم شتاتها دون سند الآخرين من ثقاتي» (ص6).
ونكتشف أن هذا الراوي يعتمد على مصدرين لدعم روايته: الأول كتابي من خلال المدونة التي تركها لها (أبو الهدى) الذي يوكل لبطل الرواية (حاتم) أفعالاً متعددة، ويؤكد أنه كان يقود مجاميع الشبان في «الهيجان» الكبير لمواجهة القوى الظلامية، أما المصدر الثاني فهو شفاهي، ويعتمد على مرويات «نشمية أم الخبز» التي كانت تساند الشباب المنتفضين، وتمدهم بالخبز الحار الذي كانت تخبزه في ساحة الاعتصام.
وطريقة الإسناد السردي تضع الرواية في إطار رواية الميتاسرد، حيث الاعتماد على المخطوطة المدونة التي دونها «أبو الهدى» ومرويات «نشمية أم الخبز» الشفاهية، فضلاً عن قصدية الكتابة الروائية التي يؤكدها الراوي المركزي من حين لآخر. كما أن الاعتماد على أكثر من مصدر للحكي يضفي على الرواية مسحة بوليفونية تعددية، ويُفسر عنوان الرواية «خلو»، بوصفه عتبة نصية دالة حسب جيرار جنيت، سر انكفاء حركة الانتفاضة الشعبية إلى انتماء الناس إلى موقف «الخلو» الذي يعني انسحاب الناس من مواجهة ظالميهم، والانكفاء على ذواتهم، مما يتيح الفرصة لقوى الظلام بالاستقواء والاستفحال. ونكتشف أن أبو الهدى، أحد الرواة الثقة، هو الذي استخدم مصطلح «الخلو» ليشير به إلى هذه الحالة: «ذلك الفراغ اللامتناهي، المندلق في جميع الاتجاهات، الذي اختفت به المدن... الفراغ الذي سماه أبو الهدى بالخلو، ذلك الخلو يخبرنا عنه حاتم... مدينتنا خالية خالية، من الجسر إلى الجسر... أين ذهب الناس؟ حاتم لا يدري» (61).
لكن الرواية لا تستسلم لما هو قائم، بل ربما تفعل على ضوء مقولة لوسيان غولدمان، بعدم الاكتفاء بتوصيف «الوعي القائم» الذي قد يكون ساكناً بل بالبحث عن «الوعي الممكن»، بما فيه الوعي الثوري لمواجهة الاستبداد والظلم. ولذا تنحاز الرواية إلى نضال شبان الانتفاضة، وتؤكد قدرتهم على المواجهة والانتصار، وهو موقف يحسب لصالح الرواية وتوجهاتها الفكرية.
رواية «خلو» هذه تعتمد إلى حد كبير على الاستراتيجية السردية التي اعتمدها المؤلف في روايته السابقة «عن لا شيء يحكي»: ثمة بطل مركزي هو الذي يقدم السرد مثلما وجدنا في روايته السابقة وراويها الأعمى، وهو في الغالب سارد لا يمكن الاعتماد عليه أو يكون البطل جندياً يتخيل أشياء غير واقعية، ربما هذيانية، كما يعترف بطل الرواية ذاته حاتم الديو في أكثر من موقع (ص 294)، مما يجعل سرده تحت باب السرد الغرائبي، خصوصاً عندما يتحول البطل (حاتم الديو) إلى أسطورة تتحدى الموت، وتبث الأمل والشجاعة والإرادة الثورية بين صفوف شبان الهيجان الشعبي. فرغم الإعلان عن مقتل العم حاتم، الذي نقله «نوفل» ابن الرابعة وشقيق الراوي المركزي إلا أننا نجده يعود إلى الحياة، ربما لأن أحداً لم يشهد جنازته.
وتتكشف شخصية حاتم الديو الأسطورية في أكثر من مظهر، فهو يمتلك القدرة على قراءة المستقبل (البعيد) والنظر إلى مواقع ومواضع بعيدة عنه، ومنها قدرته على التخاطر التلباتي مع صديقه الجندي/ العدو، كما يسميه، الذي تعرف عليه «هناك في الأعلى التقيا... وفي نقطة يقدرها هو فوق الأرض الحرام التقيا، ولا نملك سبباً لتكذيبه» (ص 9)، واتفقا من خلال التخاطر عن بعد على الهرب من ساحة المعركة، احتجاجاً على الحرب، وتطلعاً لإقامة السلام والمودة بين الناس. وقد عبر عن ذلك صديقه الجندي المعادي بلغة عامية «جيش أنا، وجيش أنت مرة اثنين هرب» (ص 13)، ويقوده صديقه الجندي المعادي إلى قمة جبل عالية شبيهة بالجنة الأرضية بخضرتها وموسيقاها وجمال نسائها: «أكو جنة أحلى من هذي الجنة؟» (ص 18). ويؤكد حاتم الديو، وهو يروي حكايته، أنه كان يقف مع صديقه في «بطون السديم الرخو» بين النجوم (ص 18)، حيث يخلق الروائي عالماً يوتوبياً بديلاً عن عالم الدستوبيا الأسود الذي تمثله ساحة الحرب والعراك. لقد عمد الروائي لخلق مجموعة من البؤر المكانية، الأليفة والمعادية بتعبير باشلار، التي هيمنت على الفضاء الروائي منها ساحة المعركة والعراك، وبشكل خاص في خط المواجهة بين الجيشين، حيث يجند حاتم الديو بصفة مدفعي، وصديقه الجندي في الجبهة المعادية، الذي يعمل مدفعياً أيضاً، حيث يتحركان أحياناً وكأنهما نسخة واحدة من خلال عملية التماهي والتخاطر بين الشخصيتين. أما البؤرة الثانية التي أصبحت لاحقاً هي البؤرة المكانية المهيمنة فهي ساحة الانتفاضة والهيجان، والتي هي صورة لانتفاضة تشرين، وتتكشف في هذه البنية المكانية الخصال الثورية للشبان العراقيين الذين وقفوا ضد العنف والقتل والاختطاف والاستقواء بالخارج، كما تومئ إلى أن انتصار هيجان الشبان مرهون بنجاحهم في زج الناس في هذه المعركة العادلة، وإقناعهم بالخروج من دائرة الانتماء إلى «الخلو»، ودفعهم للانتماء إلى التغيير والرفض.
ومن البؤر المكانية، تلك البقعة الخيالية الافتراضية التي خلقها الروائي «بين السديم المترجرج»، حيث الجبال الشاهقة التي تعانق السحب، وحيث الجمال والنساء «نسوان هلوين»، وحيث تدار لهما جرار صغيرة من الشراب تستخرج من باطن الأشجار. ويتحول هذا المكان إلى بديل كرنفالي متألق في مواجهة واقع الحرب الأسود والمليء بالمآسي والدماء: «الجنة هنا بهذي المدينة، هنا، وليس فوق فوق» (17).
وتظل المحلة التي يقطنها بطل الرواية حاتم الديو مع زوجته (شمم) وأبنائه الثلاثة، كما يقطنها الراوي المركزي بمثابة المكان الأليف، مكان الطفولة الواقعي، الذي تنطلق منها لاحقاً كل الأحداث الواقعية والمتخيلة على السواء. وعمد المؤلف في هذه الرواية إلى خلق فسيفساء سردية، وظف فيها العديد من التقنيات والأساليب الواقعية والغرائبية والفنطازية والتغريبية (بمفهوم بريخت)، فضلاً عن توظيف الواقعية السحرية ورواية الخيال العلمي والنزعة الاحتفالية والكرنفالية بمفهوم ميخائيل باختين، فضلاً عن النزعة الميتاسردية، كما نجد لوناً من الأسلبة اللغوية بالمنظور الباختيني، حيث تتداخل الأصوات الغيرية في الخطاب عبر مظاهر التهجين التي يجري فيها تحوير اللغة وتكييفها لمتطلبات المقام والموقف. إذْ يلجأ الروائي إلى إعادة أسلبة وتهجين لغة البطل حاتم الديو، ونشمية أم الخبز بطريقة مغايرة للأصل. فقد اعتادت نشمية أم الخبز التي كانت تخبز الخبز الحار للشبان المنتفضين في ساحة الاعتصام، أن تقدم شهادتها شفوياً، فيقوم الروائي بأسلبة لغتها وتهجينها: «نشمية لا تجيد الكتابة والقراءة بطلاقة. تقرأ وتكتب ولكن ليس بدرجة تجعلني أستكتبها، كما استكتبت أبو الهدى، لذا تعتذر عن عجزها في التعبير فتقول: يمة يا المعلم آني أعرف شويه نحوي... يصير أحكي بالنحوي... وأنا أكتم ابتسامة قلت لها: قصدك تتكلمين بالفصحى» (ص 84).
كما يمكن ملاحظة ظاهرة التهجين اللغوي والأسلوبي في الرواية من خلال «مزج لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد، وهو أيضاً التقاء وعيين لسانيين مفصولين وبفارق اجتماعي، داخل ذلك الملفوظ، كما يرى ميخائيل باختين.
ولذا يتداخل أكثر من وعي لساني داخل ملفوظ واحد مما يعزز مظاهر التهجين والأسلبة في الرواية. إذْ يشير الراوي إلى أن حاتم الديو غير قادر على صياغة أدبية لأفكاره، ولذا يتدخل بصياغة مروياته «ولا نتوهم، فنتصور أن هذه تعابير حاتم الديو... لا... لا... هذه، وأذكرها ثانية وثالثة ورابعة، ما هي إلا فحوى كلامه فحسب» (ص 16).
يمكن القول إن رواية «خلو» هذه بمثابة موسوعة شاملة عن انتفاضة تشرين وبطولات شبانها وتجسيد حي لمجتمع الانتفاضة اليومي، ولأشكال المقاومة والنضال التي كان يبديها المنتفضون. لكن ما يصدم القارئ وهو ينتهي من قراءة الصفحة الأخيرة من الرواية أنها تبدو مقطوعة وناقصة، إذ يتوقف السرد في ذروة الصراع والاشتباك دونما حسم محدد، أو إشارة إلى مسار هذا الحسم. وهذا الأمر يجعل من الرواية عرضة لتأويلات وقراءات مختلفة بوصفها رواية مفتوحة. كما تظل بعض مواضع الغموض التي لم يتم جلاؤها مثل سر زيارة حاتم الديو إلى مدينته، ومعرفة من المسؤول عن قتل الفتاتين، وما هو السبب الحقيقي للحكم على حاتم وقتله لاحقاً. كما لم أقتنع بالموقف الذي طرحته الرواية من قضية المسفرين بالقوة من قبل السلطة الديكتاتورية آنذاك بحجة «التبعية» لدولة مجاورة، والخشية من تعاطفهم مع جيش العدو (ص 113).
رواية «خلو» عمل سردي بانارومي، يتشكل من فسيفساء سردية متنوعة، جعلت منها متحفاً مهماً للذاكرة الجمعية الشعبية، وللوطنية العراقية في مواجهة قوى التدخل الأجنبي، ودفاعاً عن قيم الحق والخير والجمال.



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»