المحميات في العالم العربي تتقلص وتتمزق

من «الوسطى» العُمانية إلى «ضانا» الأردنية

طيور الفلامنغو في بحيرة بمحمية طبيعية في دبي (أ.ف.ب)
طيور الفلامنغو في بحيرة بمحمية طبيعية في دبي (أ.ف.ب)
TT

المحميات في العالم العربي تتقلص وتتمزق

طيور الفلامنغو في بحيرة بمحمية طبيعية في دبي (أ.ف.ب)
طيور الفلامنغو في بحيرة بمحمية طبيعية في دبي (أ.ف.ب)

أثار قرار الحكومة الأردنية بتكليف وزارة البيئة تعديل حدود محمية ضانا، لاقتطاع مساحة منها بهدف التنقيب عن النحاس، جدلاً واسعاً بين الجمعية الملكية لحماية الطبيعة التي تدير المحمية ويؤيدها دعاة الحفاظ على البيئة، في مقابل الداعمين لأي مشروع يحمل فرصة توفير مصدر دخل إضافي يخفّف من آثار الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد منذ سنوات.
وتتعرض المناطق المحمية والموائل الطبيعية في العديد من البلدان لتعديات متزايدة تستهدف اقتطاع مساحات منها، بغطاء رسمي في كثير من الأحيان، أو تجزئتها وتمزيقها بشبكات الطرق والبنى التحتية. فمنذ سنة 2000، خسرت النُظم الإيكولوجية البرية نحو 1.9 مليون كيلومتر مربع من موائلها الطبيعية، أي ما يزيد على 180 مرة مساحة بلد مثل لبنان. وفي البحر، وجد تقييم أممي أن 3 في المائة فقط من مساحة محيطات العالم لم تتعرض بعد للضغط البشري.
- المحميات كأصول اقتصادية
تشكِّل المحميات، إلى جانب كونها حجر الزاوية في حفظ التنوع الحيوي، مخزوناً مهماً لرأس المال الطبيعي والثقافي والاجتماعي، وما ينتج عنه من تدفق للسلع والخدمات التي تعود بالنفع على المجتمعات المهمّشة والفقيرة. وحول العالم، يعتمد نحو 1.1 مليار شخص على مناطق الغابات المحمية لكسب عيشهم. كما تمثّل المحميات البحرية والبحيرات مورداً يضمن للأسر الفقيرة العيش الكريم والأمن الغذائي عبر صيد الأسماك.
وتعدّ المحميات عنصراً فاعلاً في الحدّ من الآثار الحتمية لتغيُّر المناخ، لا سيما ما يتعذر التنبؤ به. وفي حال إدارتها على نحو جيد، يمكن للمناطق المحمية أن تحقق فوائد كبيرة تظهر على شكل عوائد تراكمية تدعم الاقتصاد الوطني وتساعد في تحقيق الأهداف الإنمائية.
في كندا، على سبيل المثال، تحتجز المتنزهات الوطنية نحو 4.43 مليار طن من انبعاثات الكربون، ويمكن أن تصل الكلفة المالية الحقيقية لتحقيق الوظيفة ذاتها بأساليب أخرى إلى نحو 2.2 تريليون دولار. وتختزن المناطق المحمية في المكسيك ما يوازي انبعاثات البلاد من الكربون على مدى 6 سنوات. وعالمياً، يتسبب تغيير استخدام الغابات والنُظم البيئية في إطلاق نحو ربع انبعاثات غازات الدفيئة سنوياً.
وفيما يُعدّ بناء الحواجز الاصطناعية لمواجهة طغيان البحر والعواصف العنيفة أمراً صعباً ومكلفاً، تمثّل الشعاب المرجانية وأشجار المنغروف أكثر الخيارات فعالية من حيث الكلفة في الحفاظ على سلامة السواحل. وتقدّر القيمة الحقيقية للمنغروف كحاجز يحمي السواحل بما يصل إلى 300 ألف دولار لكل كيلومتر من الخط الساحلي.
ولا يدرك أغلب الساسة وعامة الناس القيمة الحقيقية للمناطق المحمية، ولا يتم تسجيل أثرها في الأسواق التقليدية، وبالتالي لا يعتبرها صانعو السياسات أصولاً اقتصادية حقيقية. وعلى سلّم الأولويات الحكومية، تتراجع المحميات إلى مراكز متأخرة، فيندر التمويل المخصص لإنشائها وإدارتها، وعند ظهور أي بوادر لعوائد مالية مباشرة يجري التخلي عنها.
محمية ضانا الأردنية من أهم المحميات في العالم العربي، لما تحويه من تنوع حيوي كبير وبنك جيني طبيعي لمختلف عناصر الحياة البرية، مما أكسبها شهرة عالمية، خاصة في برامج الدراسات والأبحاث. وتنبع أهمية المحمية من وجود بيئات طبيعية مختلفة في مكان واحد، وهي البيئية الجبلية في جبال الطفيلة وبيئة السهوب والبيئة الصحراوية في وادي عربة.
هذا التنوع الطبيعي في محمية ضانا، الذي جعلها موئلاً لنحو 900 نوع نباتي و217 نوعاً من الطيور و38 نوعاً من الثدييات و24 نوعاً من الزواحف، لم يحل دون التوجه رسمياً لاقتطاع مساحات منها بهدف التنقيب عن النحاس. ويهدد التلوث البيئي الناتج عن عمليات التعدين ضانا وجودياً، مثلما فعلت سابقاً صناعة الأسمدة وصناعة الإسمنت بالقضاء على الكثير من أشكال الحياة البرية على الأراضي الأردنية.
وتتكرر في الأردن حالات التعدي على المناطق المحمية. ففي عام 2014 جرى قطع آلاف الأشجار لإنشاء أبنية حكومية في غابات برقش وعجلان. وفي عام 2020 تم تجريف نحو 1600 دونم في أهم المناطق بيئياً ضمن أراضي محمية فيفا واقتلاع قرابة 40 ألف شجيرة لأسباب ترتبط بطبيعة المنطقة الحدودية. ويخشى ناشطون من قضم المزيد من أراضي محمية فيفا بهدف التنقيب عن البوتاس.
ويعيد تقليص مساحة محمية ضانا التذكير بما حصل في محمية الكائنات الحية والفطرية في محافظة الوسطى العُمانية، عندما قررت السلطات تقليص مساحة المحمية إلى 10 في المائة فقط من مساحتها المعلنة سابقاً، بهدف استغلال الأرض في أعمال التنقيب عن النفط والغاز، مما جعل المحمية عام 2007 خارج قائمة مواقع التراث العالمي الطبيعي.
وتحتوي المحمية، التي تعدّ الأولى في عُمان، على تنوع أحيائي فريد وتضاريس وموارد مائية وجيولوجية ضاربة في القدم. ويعيش على أرض المحمية العديد من الحيوانات البرية، إلى جانب 50 نوعاً من الطيور المهاجرة والمستوطنة و189 نوعاً من النباتات البرية. وكان من نتائج تقليص مساحة المحمية القضاء فعلياً على معظم موائل الكائنات المهددة بالانقراض، بما فيها المها، التي تراجعت أعدادها من 450 رأساً عام 1996 إلى 65 رأساً فقط عام 2007.
وفي مصر، تواجه المحميات تهديداً متكرراً بتقليص مساحاتها أو تخصيص قطاعات فيها للاستثمارات السياحية لتحقيق عوائد مادية. وكانت محمية «الغابة المتحجرة» قرب القاهرة قفزت إلى واجهة الإعلام عام 2017 بعد قرار الحكومة المصرية اقتطاع ثلث مساحتها لصالح إقامة مشاريع استثمارية. واستندت وزارة البيئة في تعليل هذا الإجراء إلى تقرير أعده مجموعة من الخبراء خلُص إلى أن المساحة المستبعدة قد فقدت التنوع البيولوجي ولا توجد بها أي أشجار متحجرة.
وتزخر محمية الغابة المتحجرة بجذوع أشجار ضخمة متحجرة ضمن تكوين يُعرف باسم «جبل الخشب»، الذي يبلغ عمره نحو 35 مليون سنة. كما تضم مجتمعاً نباتياً مهمّاً يزيد على 120 نوعاً، إلى جانب تشكيل نادر من الحيوانات والحشرات والزواحف. وسبق للمحمية أن تعرضت إلى تعديات واسعة شملت سرقة الرمال والمتحجرات وإلقاء مخلّفات البناء والقمامة على أطرافها.
وفي سوريا، تسعى السلطات إلى دعم مواردها المالية من خلال طرح عدد من المناطق الشاطئية للاستثمار السياحي، كما في وادي قنديل وبرج إسلام ورأس البسيط وأم الطيور، التي تُصنّف رسمياً مناطق محمية. ويخشى متابعون أن يترك هذا التوجه أثره الكبير على الموائل الطبيعية للأنواع الحية المهددة بالانقراض، مثل السلاحف البحرية والفقمة الناسكة والدلافين وغيرها.

المحميات تخسر مقومات البقاء

يوجد حالياً 22 مليون كيلومتر مربع (16.6 في المائة) من النُظم البيئية للأراضي والمياه الداخلية، و28.1 مليون كيلومتر مربع (7.7 في المائة) من المياه الساحلية والمحيطات، ضمن المناطق الموثّقة المحمية والمحافظ عليها في جميع أنحاء العالم. وهي مساحات تزيد بمقدار 21 مليون كيلومتر مربع عن مساحات المناطق المحمية عام 2010.
ورغم التقدم الحاصل، يعتبر برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) أن العالم فشل في الوفاء بالالتزامات المتعلقة بجودة هذه المناطق المحمية، ذلك أن ثلث مناطق التنوع الحيوي الرئيسية على الأرض أو المياه الداخلية أو المحيط ليست محمية على الإطلاق. كما أن أقل من 8 في المائة من الأراضي المحمية متصلة تتيح للأنواع الحية التحرك بشكل طبيعي وتساهم في صون العمليات البيئية.
ومن أبرز التجاوزات العالمية في المناطق المحمية ما يجري حالياً ضمن الدائرة القطبية الشمالية من تنافس بين الدول على موارد النفط والغاز البحرية، التي باتت في المتناول نتيجة ذوبان الجليد بفعل تغيُّر المناخ. ومثّل التنقيب عن النفط والغاز ضمن المناطق المحمية في ألاسكا موضوعاً أساسياً في الانتخابات الرئاسية الأميركية وهو مثار خلاف مستمر بين السياسيين.
وفي البرازيل، التي تعهد رئيسها بولسونارو خلال حملته الانتخابية سنة 2019 بفتح غاباتها المطيرة أمام الاستثمارات الاقتصادية، تستمر أعمال التحطيب على قدم وساق. ويشير تقرير صدر مؤخراً إلى أن المساحة التي فقدتها غابات الأمازون خلال الفترة بين منتصف 2020 ومنتصف 2021 تزيد قليلاً على مساحة بلد مثل لبنان. وفي جنوب شرقي آسيا، تؤدي زراعة زيت النخيل إلى تدمير مساحة تعادل 300 ملعب كرة قدم من الغابات المطيرة كل ساعة، وفق تقرير صدر عن الصندوق العالمي للطبيعة. كما تؤدي إلى تعريض عدد كبير من الكائنات الحية للانقراض، ولها تأثير كبير في تغيُّر المناخ، ناهيك بتشغيل الأطفال بما يخالف القوانين الدولية.
وتزداد المطالبات حول العالم بتوفير حماية حقيقية للمناطق المحمية تضمن عدم تقليصها أو تمزيقها. وكان آخرها الدعوة التي أطلقتها أمانة «اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع الحيوي» للحفاظ على ما لا يقل عن 30 في المائة من المناطق البرية والبحرية العالمية من خلال أنظمة محمية بفعالية، ومدارة على نحو منصف، وممثلة إيكولوجياً، ومتواصلة فيما بينها.
إن ما تشهده المناطق المحمية حول العالم، وفي المنطقة العربية على نحو خاص، يمثّل تراجعاً غير مسبوق بفعل غياب الاستقرار والبحث عن موارد جاهزة لتحقيق مكاسب سريعة ظاهرها التنمية بأي ثمن. وكما تتطلب أزمة المناخ تغييراً منهجياً لمواجهتها، فإن هناك حاجة لإدراك القيمة الحقيقية للمحميات والعمل بجد على تحقيق التنمية المستدامة. ومن المأمول أن تؤدي مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر»، التي أعلنتها السعودية بداية هذه السنة وتطلقها رسمياً في منتدى عالمي تستضيفه الرياض نهاية الشهر المقبل، إلى إعادة الاعتبار إلى الموائل الطبيعية وإحيائها، فتتحول إلى سند حقيقي لتنمية مستدامة، تقوم على رعاية الطبيعة وتجديد مواردها لا استنزافها. ويُذكر أن السعودية التزمت، ضمن مبادرتها، برفع رقعة المحميات إلى 30 في المائة من مجمل مساحة المملكة.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
يوميات الشرق مستعمرات النحل داخل منحل واحة الرياض (تركي العقيلي) p-circle 02:10

العسل يحلي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف أسرار الشهد الأصفر

نظمت «واحة الرياض» في شارع التحلية فعالية «تعرف على النحل»، وذلك ضمن برامجها الأسبوعية الثابتة التي تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي، والتعرف على أهمية النحل.

فاطمة القحطاني (الرياض)
بيئة غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي ‌لمسات مميزة على المناظر الطبيعية المألوفة يحتمل أن تختفي بحلول نهاية القرن.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
يوميات الشرق طيور مهاجرة في مساراتها بسيناء (الشرق الأوسط)

مصر لحماية مسارات الطيور المهاجرة بالمحميات الطبيعية

أعلنت مصر جهوداً متعددة لإنقاذ وحماية مسارات لطيور المهاجرة بمحمياتها الطبيعية، ضمن مشاركتها في الاحتفال بـ«اليوم العالمي للطيور المهاجرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطراً بيئياً متصاعداً قد يعيد رسم ملامحها الديموغرافية والعمرانية، ويهدد بنزوح ملايين السكان إذا استمر الوضع.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».