تمام سلام: العونيون تصرفوا كميليشيا سياسية ولولا تغطية «حزب الله» لما استطاعوا التعطيل

من مذكرات يتحدث فيها عن الصعوبات في رئاسة الحكومة والإساءات إلى علاقات لبنان مع العرب

جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
TT

تمام سلام: العونيون تصرفوا كميليشيا سياسية ولولا تغطية «حزب الله» لما استطاعوا التعطيل

جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)

يصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» كتاب «الدولة المستضعفة» للزميل عبد الستار اللاز. يروي تفاصيل عن الفترة الصعبة التي تولى خلالها الرئيس تمام سلام رئاسة الحكومة اللبنانية التي كانت الأخيرة في عهد الرئيس ميشال سليمان، ثم خلال الفراغ الرئاسي الذي امتد عامين ونصف قبل انتخاب الرئيس ميشال عون. ويروي الكتاب محطات أساسية واجهت سلام في هذه المسيرة التي أمضى منها عشرة أشهر وعشرة أيام وهو يسعى لتأليف حكومة «المصلحة الوطنية»، وسنتين وعشرة أشهر وهو يقود الحكومة التي تولت مسؤوليات رئاسة الجمهورية حسب الدستور في غياب رئيس الجمهورية.
وتنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات من أحد فصول الكتاب بعنوان «الأشقاء حين نجعلهم خصوماً»، يتناول الصعوبات التي واجهت حكومة الرئيس تمام سلام في العلاقات مع الدول العربية، بسبب دور «حزب الله» وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الخليج. فضلاً عن مواقف وزير الخارجية جبران باسيل التي كانت منحازة لإيران ولم تكن مرضية لمعظم الدول العربية.
ويتحدث الرئيس تمام سلام إلى الزميل اللاز عن الصعوبات التي واجهته بسبب تلك التدخلات، والدور السلبي الذي لعبه «حزب الله» و«التيار الوطني الحر». ويقول:
أنا من مدرسة تعتبر السياسة عملاً نبيلاً له شروطه الأخلاقية كالنزاهة والشفافية والترفع ونظافة الكفّ التي تأتي قبل الموجبات الأخرى المتعلقة بالمعرفة والخبرة والكفاءة الإدارية. وأؤمن بأنّ ما يحتمله العمل السياسي من مناورات وتحالفات وخدع أحياناً يجب أن يتوقف عند حدود الإضرار بالمصلحة الوطنية العليا.
وعلى رغم معرفتي بدهاليز السياسة اللبنانية، التي راكمتها عبر السنوات بحكم تجربتي الشخصية في العمل العام، فقد صدمت بأداء هذه القوى التي تجاوزت كل السقوف والمحرّمات الوطنية خدمة لمصالح فئوية.
> تقصد بذلك التيار الوطني الحرّ؟
- هم وغيرهم. لكن العونيين بالذات تفوقوا على الجميع في تخطّي كلّ الحدود والتجرؤ على استخدام كل الوسائل للوصول إلى هدفهم السياسي في ترئيس العماد ميشال عون، ولو أدّى ذلك إلى عرقلة عجلة الدولة وصولاً إلى تعطيلها وتجميد مصالح المواطنين وإفقاد الوطن آخر مقوّماته.
كانوا يتصرفون كميليشيا سياسية، تقطع طريق الحكومة متى شاءت، وتجمّد عملها بذرائع شتى غير آبهة لصرخات الناس وتراكم الملفات الحيوية. تخطف مجلس النواب وتشلّ عمله لتطويع الاستحقاقات الدستورية وفق إرادتها، ولا يرفّ لها جفن مهما طال أمد الشغور في الرئاسة الأولى، ما دام قائدها لم يضمن تحقّيق حلمه التاريخي. استعملوا في معركتهم خطاباً فتنوياً وكلّ وسائل التحريض الطائفي، فبدوا كأنهم يستلحقون دوراً لم يلعبوه في الحرب الأهلية، مرتدين لباساً مستعملاً خلعه غيرهم منذ زمن بعيد.
وعن دور «حزب الله» يقول سلام:
- الحزب كان يتمايز عنهم أحياناً في التفاصيل، لكن في الأساسيات كان يقف دوماً إلى جانبهم. ولولا التغطية التي أمّنها لهم لما استطاعوا التمادي في سياسة التعطيل والعرقلة. طبعاً «حزب الله» يتحمل مسؤولية كبرى في هذه التجربة التي نحن في صددها. وأنا هنا لا أتحدث عن وزرائه الذين كانوا يتحلون على المستوى الشخصي باللباقة والأداء الجيد، بل عن السياسة العامة التي اتبعها مع حليفه من أجل إيصال ميشال عون إلى الرئاسة والأثمان التي تكبدتها البلاد في هذا السبيل.
علينا ألا ننسى أن من بين هذه الأثمان، القطيعة مع العالم العربي التي أدت إليها مواقف الحزب من دول الخليج، وتلك التي تفرّد بها وزير الخارجية جبران باسيل في المحافل العربية.
وهنا مقتطفات من فصل: «الأشقاء حين نجعلهم خصوماً»
حين ألّف تمّام سلام حكومته في شباط من عام 2014، لم يكن أحدٌ يؤمن بأنّ أعضاءها الآتين من مشارب مختلفة ومن قوى تتناحر منذ سنوات على الكبيرة والصغيرة، سيكونون فريق عمل ذا رؤية موحّدة، يعمل بتجانس كامل لإخراج البلاد من مشاكلها المتراكمة.
كان يدرك أنّ الأضداد الذين ضيّعوا قرابة أحد عشر شهراً في مماحكات التأليف، إنّما يجمعهم بعضهم إلى بعض داخل الحكومة، خيطٌ واهن قابل للانقطاع في أي ظرف أو قشرة هشّة معرّضة للكسر عند أول منعطف. وكان يعرف، كما جميع اللبنانيين، أنّ الهوّة بينهم أكبر من أن تردمها تفاهمات لفظية صيغت في البيان الوزاري بعد جهد ومشقّة.
بتنا أمام مأساة وطن، يواجه محاولات لا تتوقف من قوة إقليمية ذات امتدادات محليّة لسلخه عن عمقه الاستراتيجي وإبعاده عن حضنه العربي. نجحت هذه المحاولات في خلق إشكالات كبيرة بين لبنان وأشقائه العرب، وبخاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج. لكن النجاح التام تحقق لاحقاً، وصار البلد في عزلة تامة عن محيطه العربي. خسر المساعدات والاستثمارات ومداخيل السياحة، وفقد الدعم السياسي، وتُرك لمصيره.
حال العزلة التي وصل إليها لبنان هي بلا شك نتاج السياسات التي اتّبعها على مدى سنوات فريق سياسي محلي، هو «حزب الله»، وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الخليج على إيقاع العداوة المستحكمة بينها وبين إيران.
حاول تمّام سلام مرات عديدة نزع فتيل التوترات التي كانت تثيرها هذه السياسة المستفزّة للعرب، والمحرجة للحكومة. واجه صعوبات عديدة. راهن دائماً على محبة الأشقاء الخليجيين لبلدنا، وعلى دفء مشاعرهم تجاهنا، وهي مشاعر صادقة عبّروا عنها في كل المحطات ولم يخذلوا لبنان ولو مرة واحدة.
كان من الصعوبة إقناعهم بصدق نيات الحكومة اللبنانية فيما أنّ فريقاً مشاركاً فيها لا يكفّ عن شتمهم، بل وعن القيام ببعض الأعمال الأمنية في بلادهم ومنطقتهم، كما يقولون.
لم يكن «حزب الله» وحده من أثار غضب الخليجيين، فوزير الخارجية جبران باسيل تبنّى في بعض المنتديات العربية مواقف لم ترضهم.
جبران باسيل كان ينسّق مع سلام في معظم الأوقات في شؤون السياسة الخارجية، ولكنّه في بعض المحطّات كان يجتهد ويتخذ مواقف لا تتناسب مع السياسة العامة للحكومة، ولم تجرِ مناقشتها في مجلس الوزراء، ما كان يسبب مشاكل مع بعض الدول العربية. نتيجة لذلك بدا لبنان، في سياسته الخارجية أحياناً، كمنزل ذي واجهة خارجية بشرفتين تتقاسمهما جماعتان، تحكي كلّ منهما لغتها الخاصة. أما رئيس الوزراء، فكان دوره نزع الألغام ومحاولة إيجاد لغة مشتركة.
أزمة مع البحرين والإمارات
تبنى وزراء الخارجية العرب في اجتماع لهم عُقد في القاهرة في 16 كانون الثاني 2015 بياناً تقدمت به البحرين، يعتبر تصريحات حسن نصر الله «تحريضاً واضحاً على العنف والإرهاب بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في مملكة البحرين ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ويطالب الحكومة اللبنانية بأن «تتخذ الإجراءات اللازمة والرادعة لضمان عدم تكرار مثل هذه التصريحات البغيضة».
كان لبنان محرجاً في الاجتماع. سجّل وزير الخارجية جبران باسيل اعتراضه على البيان، معلناً في الوقت نفسه أنّ الموقف اللبناني الرسمي هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وعدم التعرّض لها. وقال باسيل: «إذا خُيّرنا ما بين الوحدة الوطنية اللبنانية وما بين علاقات لبنان العربية التي نحرص عليها ونتمسك بها، نختار حتماً الأولى ولا نفرط بالثانية».
هذه الصياغة للموقف اللبناني لم تُرضِ دول الخليج، لا بل زادت غضبهم. وقال وزير خارجية البحرين خالد بن محمد آل خليفة، إنّ الوفد اللبناني في الاجتماع «فضّل التمسك بوحدة وطنية زائفة على التضامن العربي الذي أنقذه من الاحتراب»، مضيفاً أنّ لبنان «بلد عظيم حكمه رجال وشيوخ كرام مثل بشارة الخوري وكميل شمعون وصائب سلام ورفيق الحريري، أما اليوم فيا للأسف يتحكم فيه إرهابي عميل».
خشي رئيس الوزراء أن تسبب هذه الأزمة إجراءات سلبية تطاول الرعايا اللبنانيين في بعض الدول الخليجية، فسارع إلى إصدار بيان متوازن لتهدئة الخواطر، أكّد فيه أنّ الموقف الرسمي للبنان من القضايا العربية والدولية تعبّر عنه الحكومة التي ينطق باسمها رئيس مجلس الوزراء «وليس أي جهة سياسية منفردة، حتى ولو كانت مشاركة في الحكومة الائتلافية».
لم تتخذ مملكة البحرين أي إجراء في حقّ اللبنانيين، على رغم الاستياء من كلام نصر الله، لا بل إنّ وزير خارجيتها أكد للرئيس سلام الذي التقاه على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ مطلع شباط، أنّ اللبنانيين في البحرين «يعيشون في بلدهم وبين أهلهم ولن يضيمهم شيء».
كان الشيخ خالد بن محمد آل خليفة في ذلك اللقاء بالغ الودّ، على عادة أهل البحرين جميعاً، وقد نفى أي نية لاتخاذ إجراءات بحق اللبنانيين المقيمين في بلاده، ردّاً على مواقف «حزب الله». لكنّه عبّر عن عميق ألمه للكلام القاسي الذي قاله نصر الله بحق البحرين وقيادتها، وقال إنّه يتفهم الواقع السياسي اللبناني، لكنه يتمنّى لو أنّ الحكومة اللبنانية تستطيع ضبط هذا النوع من التصريحات، خصوصاً إذا كان صادراً عن فريق سياسي مشارك في الائتلاف الحكومي.
طُويت المشكلة مع البحرين، لكنها انفجرت في مكان آخر، وتحديداً مع دولة الإمارات العربية المتحدة. بدأت تصل إلى بيروت معلومات عن نية سلطات أبوظبي إبعاد عدد من اللبنانيين العاملين لديها. اغتنم تمّام سلام فرصة وجوده ووزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد في ميونيخ ليفاتحه بهذا الموضوع، وكانت نتيجة اللقاء قاسية بالنسبة إلى لبنان.
كان الشيخ عبد الله غاية في الدماثة، لكنّه في الوقت نفسه تحدث بلهجة حاسمة عكست مقدار الغضب الذي يتفاعل لدى القيادات الخليجية من تمادي «حزب الله» المتكرر في الاعتداء اللفظي على بلدانها والتدخل في شؤونها. قدّم أمام سلام، بكثير من التهذيب، عرضاً تاريخياً للعلاقة مع لبنان. قال: عندما كان بلدكم في أوج ازدهاره، كنّا لا نزال في بداية الطريق نحو بناء الدولة. كنا نعتبركم قدوة لنا وننظر إليكم وإلى المكانة التي وصلتم إليها بكثير من الإعجاب، ونغبطكم على ما حقّقتموه من تقدّم جعلكم في نظرنا كأي دولة أوروبية. كنا نحلم بأن يكون لدينا ما لديكم من بنى تحتية ومستشفيات ومدارس. أخي محمد بن زايد كان في السبعينيات من بين أول عشرة طلاب في الإمارات نالوا الثانوية العامة، بينما كانت جامعاتكم في لبنان تخرّج الآلاف من اللبنانيين والعرب في اختصاصات مختلفة.
قال الشيخ عبد الله أيضاً: لقد اختلف الوضع الآن. بذلنا جهداً هائلاً حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من نهضة اقتصادية وتقدّم وبحبوحة. واليوم تستقبل الإمارات كادرات وعمالاً من أكثر من مائة وسبعين دولة، يعيشون جميعاً في أمان واستقرار. اعذرني يا دولة الرئيس إذا قلت لك إنّنا غير مستعدين للسماح باللعب بهذا الاستقرار من أجل لبنان أو فريق سياسي لبناني يناصبنا العداء ويشتمنا ليل نهار ويتدخل في شؤوننا الداخلية.
أكّد المسؤول الإماراتي أن بلاده تتفهم دقائق الوضع اللبناني، لكنها تعتبر أن «حزب الله» يمثّل حالة شاذّة لا بدّ أن تنعكس ضرراً على علاقات لبنان مع أشقائه. وعندما سأله الرئيس سلام عن مدى صحة النيّة بترحيل أعداد من اللبنانيين لم ينفِ ذلك، وقال إنّ سلطات الإمارات لا تفتري على أحد، لكنّها لن تتهاون مع أي مقيم يمكن أن يشكل خطراً على أمنها القومي.
فجر الخميس الخامس والعشرين من آذار 2015 أصدرت السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت بياناً حول الأوضاع في اليمن، ونشرت نص رسالة تلقاها قادة دول مجلس التعاون الخليجي من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي تناشدهم «تقديم المساندة الفورية بالوسائل والتدابير اللازمة كافة، بما في ذلك التدخل العسكري لحماية اليمن وشعبه من العدوان الحوثي المستمر، وردع الهجوم المتوقع حدوثه في أي ساعة على مدينة عدن وبقية مناطق الجنوب، ومساعدة اليمن في مواجهة القاعدة وداعش».
وقال البيان إنّ الدول الخليجية الخمس قررت «استجابة طلب الرئيس اليمني لحماية اليمن وشعبه من عدوان الميليشيات الحوثيّة التي كانت ولا تزال أداة في يد قوى خارجية».
هكذا بدأ تحالف من عشر دول بقيادة السعودية عمليات «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وفُتح فصل جديد دامٍ من فصول الصراع الخليجي - الإيراني في هذه المنطقة من العالم.
تردّدت أصداء هذا الحدث الكبير في بيروت حيث الانقسام الحادّ بين القوى السياسية. توالت ردود الفعل بين مؤيد للعملية العسكرية، مثل الرئيس سعد الحريري ووليد جنبلاط، ومعارض مثل «حزب الله» وحلفائه. بدت البلاد أمام اختبار آخر لاستقرارها السياسي الهشّ، وامتحان جديد للحكومة. وأولى محطات هذا الاختبار كانت تنتظر رئيس الوزراء في اليوم التالي في شرم الشيخ حيث ينعقد مؤتمر القمة العربي السادس والعشرون، الذي سيلقي فيه سلام كلمة لبنان.
رسمت الساعات الثماني والأربعون التالية صورة قاتمة للبنان، ولو أنّها صورة غير جديدة. فبين كلمة بالغة الحدّة لأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله تضمنت هجوماً غير مسبوق بعنفه على المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وخطاب رصين ومدروس بدقّة، حمله معه تمّام سلام إلى قمة شرم الشيخ لنزع فتيل أزمة جديدة مع الحاضنة العربية للبلد وأهله، بدا لبنان مرة أخرى كأنّه لبنانان يتحدثان لغتين مختلفتين ويسيران في خطين متعارضين لا أمل في تلاقيهما.
اتجهت الأنظار إلى شرم الشيخ ترقباً لكلمة رئيس الوزراء. قال الرئيس تمّام سلام في كلمته:
«إنّ لبنان، وانطلاقاً من حِرصِه على دعم الشرعية الدستورية في اليمن، وعلى الإجماع العربي ووحدة جميع البلدان العربية واستقرارِها، يعلنُ تأييده أي موقفٍ عربي يحفظُ سيادة اليمن ووحدة أراضيه وتماسكَ نسيجِه الاجتماعيّ.
إنّنا، إذ نؤكدُ إيمانَنا بأهمية اعتمادِ الحلول السياسيّة للأزماتِ الداخليّة بعيداً عن أي تدخل خارجي في شؤون الدول العربية، نأملُ أن يعودَ الأمنُ سريعاً إلى ربوع اليمن حِفظاً لأرواح أشقائنا اليمنيين وصَوْناً لمقدَّرات بلدِهم، تمهيداً لاستئناف الحوار في إطارِ عملية سياسيّة تَستوعبُ الخلافات، وتُرمم العلاقات بين مختلف الأطراف، وتُضع خريطة طريق للمستقبل»...
خلّف هذا الموقف ارتياحاً لدى دول الخليج، وعبر لبنان بنجاح الاختبار الإقليمي الصعب، خصوصاً أن الرئيس سلام تلقى في أثناء وجوده في شرم الشيخ معلومات، مفادها أنّ الجاليات اللبنانية في الخليج بعثت برسائل إلى السلطات الرسمية في بيروت تبدي تخوفاً من انعكاسات الكلام الأخير للسيد نصر الله على اللبنانيين هناك، وتدعو إلى التحرك لحماية مصالحهم.
بعد شرم الشيخ، زار الرئيس سلام الكويت في مؤتمر للنازحين، لكن فور عودته إلى لبنان ووجه بموقف لحزب الله رافض لما أُعلن في القمة العربية.
أعلن الحزب اعتراضه فور انتهاء القمة، واعتبر أنّ ما قاله سلام في شرم الشيخ لم يناقش في مجلس الوزراء، وبالتالي فإنه يعبّر عن وجهة نظر قسم من اللبنانيين، وليس عن وجهة نظر لبنان الرسمي. عاد الرئيس سلام وسمع الكلام نفسه من الوزير حسين الحاج حسن في أول جلسة لمجلس الوزراء عُقدت بعد عودته من الكويت.
قال في بداية الجلسة إنّ كلمته في القمة العربية لم تأخذ في الاعتبار إلّا مصلحة لبنان واللبنانيين، وشدّد على علاقات لبنان الوثيقة مع المملكة العربية السعودية وأفضالها الكثيرة عليه وكذلك على علاقات لبنان مع سائر دول الخليج. بعد ذلك شهدت الجلسة نقاشاً مستفيضاً بين الوزراء تميّز بالحدّة أحياناً.
حظي موقف سلام بتأييد الغالبية العظمى من الوزراء. وأعلن في النهاية تمسكه بموقفه الذي اعتبر أنّه يخدم المصلحة العليا للبنان، وقال إنه ليس في حاجة لأن يأخذ إذناً من أحد عندما يريد إعلان ما يؤمن به. وقابلت الغالبية العظمى من الوزراء كلامه هذا بالتصفيق.
بدا حزب الله وحيداً في موقفه. سجل تحفّظه في المحضر، وانتهت الجلسة بهدوء. عبرت الحكومة هذه الأزمة الجديدة بأقل الأضرار الممكنة، وأظهر المتخاصمون مرة أخرى، ولا سيما تيار المستقبل و«حزب الله»، أنّهم ليسوا في صدد تفجيرها من الداخل.
النأي بلبنان عن عروبته
لم يطل الأمر كثيراً حتى انفجرت القنبلة الكبرى. الفتيل هذه المرّة أشعله وزير الخارجية جبران باسيل عندما أعطى تعليمات لسفير لبنان في المملكة العربية السعودية عبد الستار عيسى، بالامتناع عن التصويت على قرار في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في جدة، يندّد بإيران بسبب اعتداءات تعرضت لها سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد.
أغضب هذا الموقف اللبناني السعودية والدول الخليجية وأثار ردود فعل داخلية كثيرة اعتبرته نأياً بلبنان عن عروبته وارتماء في أحضان إيران وسياستها التوسعيّة في المنطقة. وكالعادة، سارع رئيس الوزراء الذي كان يشارك في منتدى دافوس الاقتصادي إلى الحؤول دون اندلاع الحريق، وأصدر موقفاً لتصويب البوصلة قال فيه «إنّ السعودية محقّة بمواقفها، ولها دور قيادي في العالم العربي لتعزيز الاستقرار وتحسين الأوضاع الإقليمية، أما إيران فتتدخل في العالم العربي منذ سنوات عديدة، وهذا هو أصل النزاع بينها وبين المملكة».
ردّ باسيل من بيروت ببيان قال فيه إنّ وزارة الخارجية عملت «بموجب التوافق الذي ظهر جلياً على طاولة الحوار الوطني في جلسته الأخيرة»، مشدّداً على «انسجام السياسة الخارجية مع البيان الوزاري ومع سياسة حكومة الوحدة الوطنية ومنطقية مواقف الخارجية، بما يؤمن الإجماع العربي من دون المساس بالوحدة الوطنية».
عندما سُئل سلام عن سبب اتخاذ لبنان هذا الموقف خارج الإجماع العربي، أجاب بأن وزير الخارجية ارتأى ذلك من دون أن يشاوره في الأمر.
لم يكن بإمكان تمّام سلام أن يعالج هذه المسألة مهما حاول تلطيف الموقف بالبيانات والتصريحات لاسترضاء العرب. هناك واقع لا يمكن التعمية عليه كمن يحاول إخفاء نور الشمس بالغربال، وهو أنّ هناك قوة لبنانية مشاركة في الحكومة تلتزم لفظياً مبدأ النأي بالنفس وتمارس عكسه في السياسة والأمن، ولا تتوقف عن التعرض لدول الخليج العربي، وتُغلّب ارتباطها السياسي بإيران على مصلحة لبنان وأبنائه المنتشرين في دول الخليج. وهناك قوة ثانية مشاركة في الحكومة أيضاً متحالفة معها وتقدم التغطية الكاملة لها لتحقيق أهداف سياسية داخلية، أولها إيصال مرشحها إلى رئاسة الجمهورية. هذا هو واقع الحال، وهذا ما دفع لبنان ثمنه غالياً عزلة خانقة عن محيطنا العربي.
يوم التاسع عشر من شباط 2016 كانت الصدمة الكبرى. أعلنت المملكة العربية السعودية أنها أجرت مراجعة شاملة لعلاقاتها مع الجمهورية اللبنانية، وقررت إيقاف المساعدات المقررة لتسليح الجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وكذلك ما بقي من مساعدة المليار دولار أميركي المخصصة لقوى الأمن الداخلي اللبناني. وعزت هذا الموقف إلى «المواقف اللبنانية المناهضة للمملكة على المنابر العربية والإقليمية في ظل مصادرة ما يسمى حزب الله لإرادة الدولة»، فضلاً عن «المواقف السياسية والإعلامية التي يقودها ما يسمى حزب الله في لبنان ضد المملكة العربية السعودية وما يمارسه من إرهاب بحق الأمة العربية والإسلامية».
شعر تمّام سلام بالمرارة لهذا القرار الذي اعتبره ضربة كبيرة للبنان، ويعبّر عن مستوى الغضب لدى الرياض التي لم تتراجع في تاريخها عن أي هبة قدّمتها لأي جهة. أدرك على الفور أن السعودية أرادت القول بقرارها هذا إنّ الكيل قد طفح وإنّ فترة التسامح والصبر قد انتهت، وعلى لبنان إذا أراد الحفاظ على علاقاته معها ومع دول الخليج العربي وعلى مصالحه أن يعالج مسألة «حزب الله».
دعا الرئيس سلام إلى جلسة استثنائية لمجلس الوزراء لمناقشة القرار السعودي والسياسة الخارجية للبنان.
دام النقاش سبع ساعات، وانتهى ببيان حظي بالإجماع وتلاه رئيس الوزراء شخصياً. وقد أُريدَ منه تصويب الموقف اللبناني واحتواء غضب المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
لكن قبل أن يجفّ حبر البيان، عقد جبران باسيل مؤتمراً صحافياً قال فيه إنّ «هناك مشكلة حقيقية مع الدول العربية إذا كانت لا تتفهم الموقف اللبناني، لأنّ الحكومة وحماية لبنان واستقراره قامت على أنّ وحدته الداخلية وصونها يتطلّبان احترام النأي بالنفس». وأضاف: «إذا خُيِّرنا بين الإجماعِ العربي وبين الوَحدة الوطنية، فسننحازُ إلى الوَحدة وعدمِ تفجيرِ البلد والمَسِّ باستقراره».
استدعى هذا الكلام ردّاً من المكتب الإعلامي لسلام أوضَح فيه «أنّ بيان مجلس الوزراء صدر بإجماع الوزراء المشاركين في الاجتماع، بمن فيهم الوزير باسيل نفسه، وأي خروج عن هذا النص هو من قبِيل الاجتهاد الشخصي ولا يعبّر عن موقف لبنان الرسمي».
وبالفعل، فإن رئيس الوزراء والوزراء كانوا قد بذلوا جهوداً مضنية للوصول إلى إجماع على هذا البيان. شمل النقاش كلّ نقطة وفاصلة فيه، إلى أن جرى التوصل إلى الصيغة التي اعتقدوا أنها ستخفّف الاحتقان. لكن جبران باسيل هو جبران باسيل. زايد على «حزب الله» واتخذ هذا الموقف الذي زاد الأمور تدهوراً.
الضيف الدائم
مسؤولون إيرانيون تعاقبوا على زيارة لبنان في الفترة التي أمضاها تمّام سلام رئيساً للحكومة. منهم من تكررت زيارته مرتين أو ثلاثاً مثل عبد اللهيان، ومنهم من زار أربع مرات أو خمساً مثل بروجردي، ومنهم من اجتمع به سلام في لبنان وخارجه مثل ظريف.
وإذا أضيف إلى هذه القائمة الطويلة الرئيس حسن روحاني الذي التقاه سلام في نيويورك، عدا اللاعب الأبرز في السياسات الإيرانية الإقليمية رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، وغيره من المسؤولين الأمنيين الذين كانوا يأتون لبنان سرّاً ودون استئذان، تكتمل صورة الحضور الإيراني الدائم في المشهد السياسي في بيروت، التي تفاخر مسؤولون عديدون في طهران بأنها صارت واحدة من أربع عواصم عربية تحت السيطرة الإيرانية.
لم يملّ الرئيس سلام من تكرار الدعوة إلى الإيرانيين للضغط على حلفائهم من أجل المساعدة على انتخاب رئيس.
هكذا فعل مع نائب وزير الخارجية مرتضى سرمدي ثم مع مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور علي أكبر ولايتي. لا بل إنّه استعمل مع الأخير لهجة أكثر حزماً من المعتاد حين قال له: «أنا أريد أن تقترن هذه الزيارة بعمل يترجم على الأرض لأنه لا يمكن إيران أن ترسل المبعوث تلو الآخر بدون أن تقرن هذه الزيارات بأفعال».
الجواب؟ لغة دبلوماسية راقية لا تُسمن ولا تغني من جوع. وعلى غرار باقي الزوار الدائمين من الجمهورية الإيرانية كانت تصريحات ولايتي خارج الأبواب المغلقة تشيد بـ«الإنجازات الكبرى والانتصارات التي استطاعت المقاومة اللبنانية الباسلة أن تحققها جنباً إلى جنب مع الجيش السوري في مجال دحر القوى المسلحة التكفيرية في منطقة القلمون، والتي تؤدي إلى تقوية محور المقاومة والممانعة في المنطقة برمتها».
استمرت الزيارات الإيرانية واستمر دفق الكلام المنمّق عن الوحدة الوطنية اللبنانية وحكمة المسؤولين اللبنانيين، وعن العلاقات الأخوية بين لبنان وإيران واستعداد الجمهورية الإسلامية لتقديم كل عون ممكن، إلى أن جاء العون أخيراً، لكن بالاتجاه المعاكس، أي من لبنان إلى إيران.
فقد انتخب مرشح «المقاومة والممانعة» رئيساً للجمهورية. فازت إيران وحلفاؤها بالجائزة الكبرى، ولم تعد هناك حاجة إلى الكثير من الزيارات.



مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.