«طالبان» تحتفل بـ«الانتصار» وتعِد بـ«حكومة جامعة»

تحديات جمّة تواجه الحكم الجديد في كابل

صورة وزّعتها حركة «طالبان» للناطق باسمها ذبيح الله مجاهد أمام عناصر من قوة «بدر 313» في مطار كابل أمس (رويترز)
صورة وزّعتها حركة «طالبان» للناطق باسمها ذبيح الله مجاهد أمام عناصر من قوة «بدر 313» في مطار كابل أمس (رويترز)
TT

«طالبان» تحتفل بـ«الانتصار» وتعِد بـ«حكومة جامعة»

صورة وزّعتها حركة «طالبان» للناطق باسمها ذبيح الله مجاهد أمام عناصر من قوة «بدر 313» في مطار كابل أمس (رويترز)
صورة وزّعتها حركة «طالبان» للناطق باسمها ذبيح الله مجاهد أمام عناصر من قوة «بدر 313» في مطار كابل أمس (رويترز)

احتفل مقاتلو حركة «طالبان»، أمس (الثلاثاء)، بانتصارهم في أفغانستان بعد رحيل آخر الجنود الأميركيين ليلاً، ما يُنهي حرباً استمرت 20 سنة ويفتح فصلاً جديداً في البلاد ستواجه فيه هذه الحركة الإسلامية تحديات لا يُستهان بها بعدما باتت السلطة الجديدة الحاكمة في أفغانستان.
وأطلقت زخات من الرصاص في الهواء احتفالاً في كابل بعد الإعلان عن الانسحاب النهائي للجيش الأميركي الذي عدّته الحركة نجاحاً «تاريخياً» لها. وصرح المتحدث باسم «طالبان» ذبيح الله مجاهد، للصحافيين صباح أمس (الثلاثاء)، بعد ساعات من دخول الحركة المطار: «نهنئ أفغانستان (...) إنه نصر لنا جميعاً». وأضاف، حسبما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية، أن «الهزيمة الأميركية درس كبير لغزاة آخرين ولأجيالنا في المستقبل... إنه أيضاً درس للعالم». وقال: «هذا يوم تاريخي، إنها لحظة تاريخية ونحن فخورون بها». وقال مجاهد: «نريد علاقات جيدة مع الولايات المتحدة والعالم»، مضيفاً أن «الإمارة الإسلامية خاضت جهاداً على مدى السنوات العشرين الماضية. الآن لديها كل الحق في إدارة الحكومة المقبلة. لكنها تبقى ملتزمة بتشكيل حكومة جامعة». وعلت صيحات الفرح أيضاً في قندهار بجنوب البلاد، في قلب معقل البشتون التي يتحدر منها عدد كبير من عناصر «طالبان». ونزل أنصار الحركة إلى شوارع ثانية مدن أفغانستان ليلاً على متن شاحنات صغيرة أو دراجات نارية.
وجال مقاتلو «طالبان» منتصرين صباح أمس، في مطار كابل بعد اكتمال الانسحاب الأميركي. ووقف عناصر من القوات الخاصة التابعة للحركة وتُسمّى كتيبة «بدري 313» وهم يرتدون أحذية وسترات ذات اللون الكاكي فوق بزاتهم المموّهة، لالتقاط صور، حاملين أسلحة أميركية ورافعين علمهم الأبيض الذي كُتبت عليه باللون الأسود الشهادتان.
وأشارت الوكالة الفرنسية إلى أن مطار كابل المدني تعرّض للتخريب، وملأت رصاصات فارغة الأرض قرب مداخله.
وخلال الأيام الـ15 التي تلت سيطرة «طالبان» على العاصمة في 15 أغسطس (آب)، شهد محيط المطار تجمع حشود كبيرة في محاولة للصعود على متن رحلات الإجلاء التي نظّمتها الدول الأجنبية بقيادة الولايات المتحدة. لكن بقي عدد كبير من الأفغان عالقين خارج هذه المنطقة بسبب سلسلة حواجز أقامتها الحركة. وأُزيلت أمس جميع نقاط التفتيش هذه على الطريق المؤدي إلى المطار، باستثناء واحدة.
وداخل حرم المطار، بقيت عشرات الطائرات والمروحيات التي منحتها واشنطن للجيش الأفغاني، فارغة بعدما أعطبتها القوات الأميركية قبل انسحابها.
وقال قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكنزي، خلال مؤتمر صحافي، إنّ قواته «نزعت سلاح» نحو 73 طائرة، أي أعطبتها وجعلتها غير قابلة للتشغيل مرة أخرى. وأكد أن «هذه الطائرات لن تحلّق مرة أخرى»، مضيفاً: «لن يتمكّن أحد من استخدامها». وحُطّمت نوافذ قمرات القيادة في الطائرات وثُقبت إطاراتها. وعطّل الجيش الأميركي أيضاً 70 عربة مصفّحة مقاومة للألغام -تبلغ كلفة الواحدة منها مليون دولار- و27 مركبة «هامفي» مدرّعة خفيفة، في ختام جسر جوي أُقيم على مدى أسبوعين وسُمح بإجلاء نحو 123 ألف شخص من البلاد، معظمهم أفغان.
ودمّرت الولايات المتحدة أيضاً منظومة دفاع صاروخية من طراز «سي - رام» نُصبت لحماية مطار كابل، وهي المنظومة التي اعترضت الاثنين خمس هجمات صاروخية شنّها تنظيم «داعش» على المطار.
وأوضح الجنرال ماكنزي أنّ «تفكيك هذه الأنظمة إجراء معقّد ويستغرق وقتاً طويلاً، لذلك قمنا بنزع سلاحها حتى لا يتمّ استخدامها مرة أخرى».
وانتهى الانسحاب العسكري الأميركي قبل 24 ساعة من الموعد الذي حدده الرئيس الأميركي جو بايدن. وقد خسرت الولايات المتحدة نحو 2500 جندي ودفعت 2313 مليار دولار على مدى عشرين عاماً، حسب دراسة أجرتها جامعة براون. وهي خرجت من أفغانستان وقد تضررت صورتها بسبب عجزها عن توقع الانتصار السريع لـ«طالبان» وإدارتها لعمليات الإجلاء.
وذكرت الوكالة الفرنسية أن «طالبان» سيكون عليها الآن بعدما باتت في الحكم أن تواجه تحديات في إحدى أفقر دول العالم والمعزولة دبلوماسياً والتي تخرج من أكثر من أربعة عقود من الحرب.
وأشارت إلى أن أحد هذه التحديات يتعلق بالشكوك في الحركة من جانب السكان المثقفين والمتعلمين وذلك لسبب وجيه. إذ لا يزال الكثير من الأفغان يذكرون فترة 1996 - 2001 حين كانت الحركة في السلطة وتطبق نموذجاً متشدداً من الشريعة. ولم يكن يحق للنساء العمل أو للفتيات ارتياد المدارس. وتم إعدام معارضين سياسيين واضطهاد الأقليات الإثنية. وبعد عشرين عاماً، تؤكد «طالبان» أنها تعتزم اعتماد سياسة مختلفة بما يشمل مجال حقوق المرأة. كما وعدت بتشكيل حكومة شاملة. وأقامت اتصالات خصوصاً مع الرئيس السابق حامد كرزاي. وأوفدت ممثلين لإجراء محادثات مع أقلية الهزارة الشيعية التي واجهت اضطهاداً خلال حكم «طالبان» في التسعينات. وإذا كانت بعض المناطق الريفية في البلاد، حيث كان يريد السكان انتهاء العنف قبل كل شيء، قد رحبت بعودة «طالبان» إلى السلطة فإن الكثير من الأفغان حذّروا من أنهم لن يحكموا سوى على الأفعال. ولا يزال عدد كبير من النساء في المدن، في منازلهن، ما يدلّ على عدم الثقة المستشري، حسب الوكالة الفرنسية.
ومن التحديات التي تواجه «طالبان» أيضاً أن المساعدات الدولية شكّلت في السابق أكثر من 40% من إجمالي الناتج الداخلي، لكنّ قسماً كبيراً منها بات معلقاً اليوم، وليس في إمكان الحركة الوصول إلى الأموال في البنك المركزي الأفغاني الموجودة بغالبيتها في الخارج. وسبق أن أعلنت واشنطن أن «طالبان» لن تتمكن من الوصول إلى الأموال الموجودة في الولايات المتحدة. وبالتالي يمكن أن يتطور الوضع إلى كارثة في وقت ستضطر فيه الحركة لإيجاد المال سريعاً لدفع رواتب الموظفين الحكوميين وتسيير البنى التحتية الحيوية (مياه، كهرباء واتصالات).
وإلى جانب الأزمة الاقتصادية، سيكون على «طالبان» مواجهة نقص آخر مهم ودراماتيكي أيضاً هو هجرة الأدمغة. فالعديد من الأفغان المتعلمين من خبراء قانونيين وموظفين حكوميين وتقنيين فرّوا من البلاد عبر رحلات الإجلاء في الأسابيع الماضية. وما يدل على قلقها، أن «طالبان» حضت الأسبوع الماضي الغربيين على إجلاء الأجانب فقط وليس الخبراء الأفغان مثل المهندسين، الذين تحتاج إليهم البلاد.
وعلى صعيد العزلة الدولية، يبدو أن «طالبان» تميل اليوم إلى السعي للحصول على اعتراف أكبر في الخارج رغم أن غالبية الدول علّقت أو أغلقت بعثاتها الدبلوماسية في كابل. وتُجري الحركة اتصالات مع عدد من القوى الإقليمية، مثل باكستان وإيران وروسيا والصين أو حتى قطر. لكنّ أياً منها لم يعترف حتى الآن بالنظام الجديد في كابل وقد حذرت الولايات المتحدة من أن «طالبان» يجب أن «تستحق» شرعيتها.
ويبقى التحدي الإرهابي، إذ لم تؤدِّ سيطرة «طالبان» على البلاد إلى إنهاء تهديدات التنظيمات الإرهابية كما أثبت الاعتداء الذي وقع في 26 أغسطس في محيط مطار كابل والذي تبناه الفرع المحلي لتنظيم «داعش». ويبدو التحدي معقداً لـ«طالبان» في هذا الشأن، إذ إن عليها الدفاع عن الشعب الأفغاني في مواجهة نفس نوع الهجمات التي كان مقاتلوها ينفذونها على مدى سنوات في البلاد.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.