شعراء التسعينات بين حدّي الحداثة وما بعد الحداثة

كتاب نقدي يرى أن ثقافتهم اقتصرت على التراثية التقليدية أساساً

شعراء التسعينات بين حدّي الحداثة وما بعد الحداثة
TT

شعراء التسعينات بين حدّي الحداثة وما بعد الحداثة

شعراء التسعينات بين حدّي الحداثة وما بعد الحداثة

تثير الناقدة الدكتورة بشرى موسى صالح، أستاذة النقد الأدبي الحديث في الجامعة المستنصرية ببغداد، في كتابها النقدي الجديد «عمود ما بعد الحداثة... النص الكاشف عن شعر التسعينات العراقي» الصادر عام 2021، مجموعة من الإشكالات النقدية والاصطلاحية الخلافية المتعلقة بتوصيف موجات حركات الحداثة الشعرية منذ الخمسينات عموماً، وشعر تسعينات القرن الماضي بشكل خاص.
وبوصفها ناقدة جادة، ومجتهدة، فهي ترفض الركون إلى بعض المصطلحات الشائعة في النقد الأدبي، ومنها مصطلح الجيل الأدبي، وتطرح بديلاً نقدياً عنه يتمثل فيما تسميه بــ«العمود» وتعني به عمود الشعر الذي هو إعادة تدوير للمصطلح التراثي الكلاسيكي الذي اكتشفه النقاد العرب القدامى واجترح اسمه لاحقاً المرزوقي. ومن جهة أخرى، فهي ترى أن حركات الحداثة في الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات تنتمي بشكل أساسي إلى مفهوم «الحداثة»، بينما ينفرد شعر التسعينات بالانتماء إلى مفهوم «ما بعد الحداثة» على الرغم من إدراكها أن شعر التسعينات يضم 3 تنويعات أساسية هي قصيدة العمود، وربما العمود المحدث الذي يطلق عليه مصطلح قصيدة الشعر، وقصيدة التفعيلة (الشعر الحر)، وقصيدة النثر، وهو تعميم لا يمكن القبول به.
ففي معرض رفضها لمصطلح الأجيال، تذهب إلى أن فكرة الأجيال تضع حداً فاصلاً بين جيل وآخر، حداً يقوم على موت الجيل السابق فنياً أو نقدياً، ليحيا على أنقاضه جيلٌ آخر، كما أنها ترى أن المعيار الزمني هو خارج عن الكينونة الفنية، وهو يذهب بدلالته إلى ما لا علاقة له بمفهوم الامتداد الفني الرافض لفكرة الموت، والانتفاء، والمؤمن بفكرة التحول.(ص7)
وأرى أن الناقدة الكريمة حاولت أن تختزل فكرة «الجيل» بهذه الحدود، متجاهلة التبريرات التي قدمها النقد العراقي للدفاع عن فكرة الأجيال الأدبية. فلقد سبق لي «بوصفي أحد المدافعين عن فكرة الأجيال» أن أشرت في أكثر من دراسة أن التحولات والانكسارات والانحناءات في تجربة الحداثة الشعرية ألزمت الناقد اللجوء إلى التحقيب والتأطير والتقنين، وأحياناً التجييل للإمساك بالظلال الرجراجة الهاربة لفضاء الحراك الشعري في مختلف مراحله وتقلباته، وأن الركون إلى فرضية التجييل التي أثبتت فاعليتها قد استطاعت أن تحل بعض الإشكالات التقييمية الدقيقة التي واجهت النقد في مراحل الحداثة الشعرية المبكرة. كما سبق لي أن ألمحت بوضوح إلى أن مصطلح الجيل لا ينصرف إلى جميع المظاهر والاتجاهات الأدبية خلال العقد المحدد، وإنما ينصرف إلى اتجاه مذهبي أو فني ومهيمن، مثل جيل الستينات الشعري الذي يشير إلى تجارب تجديدية محددة في الشعر العربي تختلف عن تجارب شعراء الخمسينات مثلاً. ولذا فقد عمد النقاد إلى عدم إدراج الكتابات الشعرية التقليدية تحت شعرية الستينات، على الرغم من أنها من الناحية الزمنية ظهرت في الستينات وعاصرت تجارب الستينيين. وهذا تأكيد على أن مصطلح الجيل في عرف النقاد العراقيين لم يشمل كل النتاجات الشعرية التي تظهر خلال عقد ما، أو جيل معين، ضمن مواصفات شعرية ذلك الجيل، وإنما اشترط توافر الجذر الفني المحرك أساساً، كما اقترح بعض النقاد إدراج الشعراء الذين لم يدرجوا تحت باب الشعر الستيني تحت مصطلح جديد هو شعراء الجيل الضائع، وهو ما لم تفعله الناقدة عندما عمّمت توصيفاً غريباً يدرج جميع أنماط الكتابة الشعرية التسعينية، وأعني بها قصيدة العمود التقليدي المحدث، وقصيدة الشعر الحر، وقصيدة النثر، تحت باب مصطلح شعر ما بعد الحداثة.
وفي دفاعها عن اعتماد مصطلح «العمود» بديلاً عن «الجيل»، تذهب إلى أن العمود في امتداده النقدي الاصطلاحي التراثي يلخص القوانين العامة لشكل الصياغة ومحتواها التعبيري في الثلاثية البنائية (الصوت، التركيب، الدلالة)، وتراه أنموذجاً يختزل دلالته الشعرية ويدلّ عليها، ولا يعتمد البعد الزمني فيه إلا إطاراً خارجياً، غالباً ما تتجاوزه اللوحة التعبيرية، وتغادر حدوده الفنية. (ص8) فالناقدة تعتقد أن شعر الروّاد أو شعر التفعيلة وما تلته من موجات حداثية يمثل «عمود الحداثة» في امتداد الماهية الشعرية الحداثية التي دشنها الرواد، وفتحوا بها أبواب الحداثة. وجرياً على ذلك واستقراء لعنوان الكتاب فهي توحي بأن النص الكاشف عن شعر التسعينات العراقي يتمثل فيما تسميه «عمود ما بعد الحداثة» وتعترف الناقدة بأن استعارة مصطلح العمود هو محاكاة الرؤيا النقدية التراثية، كما أنها ترى أن هذا المصطلح يجسد الرغبة في تعميق روح الامتداد عبر التحول، واستقراء الدلالة النقدية التي يحملها مصطلح العمود. ومن جهة أخرى، فهي تعيد توصيف مشروع ما بعد الحداثة القائم على التشتت والتقويض واللامعيارية، وحمولات الفلسفة والفكر المتحكم في الرؤية الثقافية، وتسقطه قسراً على تجربة الشعر التسعيني بأجنحته الثلاثة؛ العمودي، والحر، وقصيدة النثر.
وفي تقديري أن شعر التسعينات بشكل خاص من خلال هيمنة شكله العمودي المسمى بقصيدة الشعر يمثل انتكاسة وارتداداً عن مشروع الحداثة، أو لا يقترب من شواطئ ما بعد الحداثة مطلقاً، وربما يمكن أن نستثني تجارب شعرية محدودة مثل شعر عارف الساعدي الذي يقترب، بصعوبة، من فكرة الحداثة، لكنه يظل بعيداً عمّا بعد الحداثة، إلى درجة كبيرة، لكننا من جهة أخرى نتفق مع الناقدة في أن بعض تجارب قصيدة النثر التسعينية، ومنها تجربة الشاعر عبد الأمير جرجس تقترب إلى حد كبير من ضفاف مشروع ما بعد الحداثة. كما يمكن لنا إدراج تجارب قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر التي تمثلها في الكتاب بشعر الشاعر مشتاق عباس ضمن مشروع قصيدة الحداثة.
وفي كتابي النقدي «رهانات شعراء الحداثة» (2019) وجدت صعوبة في تقييم وتقويم وتوصيف التجربة الشعرية التسعينية. وقد أشرت في حينها إلى أن قصيدة الشعر تلك ظلت متسمة بالاستسلام للموقف الغنائي الرومانسي والذاتي إلى درجة كبيرة، وهو موقف يذكرنا بكثير من تجارب الرومانسيين العرب من مهجريين وشاميين، بينما قصيدة الحداثة لم تعد - هذا إذا أردنا إدراج قصيدة الشعر إلى فضائها - تحتمل مثل هذا الغناء الرومانسي الحالم، وهذه النزعة النرجسية الشديدة والاقتناء بالذات، إذْ راحت قصيدة الحداثة تكشف عن رؤيا فلسفية، وربما متفلسفة للعالم والإنسان، ما جعلها تكتسب هدوءاً وعمقاً وتأملاً، وأكثر ميلاً للشعر المهموس الذي لا يطمح إلى ارتقاء منبر الخطابة المباشرة، فالملامح الحداثية التي أخذت بها قصيدة الشعر التسعينية لا تكفي، لأنها تضيع، في الغالب، داخل رؤيا عمودية. وألمحت إلى أن نخبة شعراء التسعينات تكمن في اقتصار ثقافتهم على الثقافة التراثية التقليدية أساساً، ولم يحاولوا الاطلاع على تجارب الشعر العالمي الحداثية عن طريق أصولها اللغوية أو مترجمة، كما أن مرجعياتهم الثقافية ظلت محدودة، وكانوا ينهلون من منابع محدودة، ويتعلمون بعضهم من بعض، وأحياناً يكررون نماذج معروفة مكررة. ويمكن القول إن ثقافتهم أقل بكثير من ثقافة شعراء الخمسينات.
ولذا، فإن التجربة الشعرية التسعينية العراقية بحاجة إلى إعادة قراءة وتأمل، وشخصياً لا أخفي إعجابي باجتهادات الناقد علي سعدون في كتابه «جدل النص التسعيني» (الصادر عام 2010) ففيه كثير من المعالجات التي اشتبكت مع طبيعة هذه التجربة الخلافية.
ومن ذلك نرى أن مصطلح العمود، الذي اجترحته الناقدة لا يفي بالغرض ليكون نصاً كاشفاً لتحديد خصائص أي تجريبية شعرية، ومنها شعر التسعينات العراقي، وإذا كنا بحاجة إلى معيار نحتكم إليه لمثل هذا التقييم يمكننا العودة إلى مفهوم الأدبية الذي سبق للناقد رومان جاكوبسن أن اقترحه، والذي أصبح فيما بعد مقابلاً ونظيراً لمفهوم الشعرية، إذ يرى جاكوبسن أن مفهوم الأدبية يذهب إلى الكشف عن المقومات التي تجعل من نص ما حاملاً لمقومات الأدبية، وكان جاكوبسن أحد أبرز ممثلي الشكلانية الروسية قد قال عام 1919 إن هدف علم الأدب ليس أدبياً. وبدلاً من البحث عن الخصائص المجردة مثل الخيال بوصفه أساس الأدبية، ركز الشكلانيون الروس على المحسنات البلاغية البارزة للعمل الأدبي، وخاصة الشعري، وهم يؤسسون للغتهم بمصطلحات عن الوزن والقافية وبقية الأنماط الصوتية والتكرار. وكانت «الأدبية» تفهم بوصفها نزعاً للمألوفية عن طريق سلسلة من الانزياحات عن اللغة «المعيارية» «أو الاعتيادية»، ولذا تبدو مثل علاقة بين التوظيفات المختلفة للغة، والتي تكون فيها التوظيفات المتناقضة عرضة للانتقال على وفق السياقات المتحولة.
ومن هنا نخلص إلى القول إن شعر التسعينات يستحق منا نحن النقاد جهداً استثنائياً لفحص مفاصله المختلفة، وحسناً فعلت الناقدة أ. د. بشرى موسى صالح بوقفتها النقدية الجادة واجتهادها النقدي الاصطلاحي لإعادة قراءة وفحص وتقويم شعر التسعينات العراقي. وهذا الأمر لا يمنع الدخول معها في سجال نقدي جاد حول بعض المفاهيم والمصطلحات والإجرائية التي اجترحتها أو أعادت تدويرها مثل مصطلح «العمود» وأحكامها الخاصة بمفهومي الحداثة وما بعد الحداثة، وارتباطها بحركات الحداثة الشعرية، وبشكل خاص شعر التسعينات العراقي الذي ألصقت به قسراً سمة ما بعد الحداثة وهو منها براء.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».