المتحدث باسم «طالبان»: حكم الشريعة ليس محل مساومة

ذبيح الله شدد في حوار مع على ملاحقة «شبكات السلاح الناشطة تحت الأرض»

ذبيح الله مجاهد
ذبيح الله مجاهد
TT

المتحدث باسم «طالبان»: حكم الشريعة ليس محل مساومة

ذبيح الله مجاهد
ذبيح الله مجاهد

لسنوات عدة، كان المتحدث الرئيسي باسم «طالبان»، الملا ذبيح الله مجاهد، يتجنب الظهور علناً حتى عندما يحشد مئات آلاف الأنصار على الإنترنت، وينشر تغريدات عسكرية مباشرة عن مستجدات وتطورات الحرب. لكن بعد أيام على استيلاء «طالبان» على العاصمة كابل، عقب انهيار الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، برئاسة أشرف غني، قدم ذبيح الله مجاهد نفسه، بالصوت والصورة، علناً للمرة الأولى، وذلك في مؤتمر صحافي مفاجئ في العاصمة الأفغانية.
ولسنوات، تصاعد الجدل حول ما إذا كان مجاهد شخصًا واحدًا، وعُد اسمه بمثابة غطاء للجناح الإعلامي الواسع للحركة، بسبب سرعة تغطيته للأحدث اليومية من قندهار إلى هلمند إلى تورا بورا إلى جلال آباد (شرق أفغانستان)، ثم العاصمة كابل التي لم تتوقف فيها العمليات.
وسبق لـ«الشرق الأوسط» أن أجرت ثلاثة حوارات مع الملا ذبيح الله مجاهد الذي رشحته مصادر أفغانية لأن يكون وزير اتصالات «الإمارة الإسلامية» في الحكومة الجديدة التي ستعلن خلال أيام.
وفي أحد هذه الحوارات مع «الشرق الأوسط»، في أغسطس (آب) 2015، أكد الملا ذبيح الله وفاة الملا عمر، مؤسس الحركة، قبل عامين، حيث أُخفي نبأ وفاته ومكان دفنه بفتوى من القادة الدينيين للحركة. وقال ذبيح الله يومها إن الأمير الجديد يعرف أهمية التشاور، وكان يدير شؤون الإمارة لمدة 5 سنوات قبل تنصيبه.
هذه المرة، وبعد سقوط كابل في قبضة الحركة، وسيطرتها شبه التامة على جميع أنحاء أفغانستان، استجاب الملا ذبيح الله لطلب حوار من «الشرق الأوسط» عقب أيام من توقف الحرب، وإن تعذرت الاستجابة الفورية بسبب انشغاله في تثبيت أمور الدولة الجديدة، لكن بوساطة خاصة من الشيخ مهران خيل، أحد أبرز مساعديه، كتب لـ«الشرق الأوسط» عبر رسالة بالبريد الإلكتروني معتذراً: «آسفون على التأخير، وذلك لکثرة المشاغل... وإن شاء الله في المستقبل تکون لنا لقاءات متکررة مع جریدة (الشرق الأوسط) الموقرة».
وخلال الأيام العشرة الأخيرة للحرب، كان ذبيح الله يعلن سقوط كل مدينة جديدة بيد «طالبان» في تغريدات على «تويتر» بات معها وزير الإعلام الفعلي في النزاع الذي كانت تكسبه حركته بسرعة. ومع سيطرة الحركة الآن على السلطة، سيكون أمام مجاهد، أو «الشيخ ذبيح الله» كما يُطلق عليه، مهمة جديدة، وهي إقناع الأفغان والمجتمع الدولي بأن «طالبان» قادرة على الانتقال من القتال إلى الحكم السلمي. وفي انتظار حوار موسع، كان لنا مع ذبيح الله هذا الحوار السريع الذي تحدث فيه عن سيناريوهات ما بعد الفوز، مؤكداً أن الهدف هو تحقيق الأمن في أفغانستان، وطمأنة الجميع، ثم تأتي إعادة البناء بعد عقود من الحروب والاضطراب.
ولدى سؤاله حول اتهام «الإمارة»، عبر وثيقة أممية، باستهداف أفغان ساعدوا القوات الأجنبية، وأن الأكثر عرضة للخطر هم الذين كانوا يشغلون مناصب مسؤولة في صفوف القوات المسلحة الأفغانية وقوات الشرطة ووحدات الاستخبارات، قال ذبيح الله: «هناك عفو عام أصدرته (الإمارة) بشأن الفئات التي ذكرها التقرير، ومجاهدو الإمارة ملتزمون بتنفيذ أمر قيادتهم، ولكن العفو ليس مطلقاً، ولا يشمل الشبكات العاملة تحت الأرض التي تخزن سلاحاً ومتفجرات، وتعمل بشكل منظم، خصوصاً إذا كانوا من ذوي الخلفية العسكرية والاستخبارية». وأضاف: «نحن مسؤولون عن حماية أمن المدنيين الأبرياء، وتلك مسؤولية لا يمكننا التفريط بها مهما كان الابتزاز السياسي والإعلامي الذي نتعرض له».
وعن موعد إعلان «طالبان» سياساتها الجديدة في التعامل، أوضح: «نحن نتعامل مع الجميع في الداخل والخارج بحسن نية وانفتاح، طالما أن الطرف المقابل يتعامل معنا بالمثل، ولن نغير تلك الطريقة إلا في حالة تغيير الطرف الآخر قواعد التعامل المبني على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة».
وعن تفسيره لسرعة الفوز والغلبة في أفغانستان في غضون أيام، قال ذبيح الله: «لم تكن هناك سرعة في الفوز والغلبة في غضون أيام، فتلك مبالغات إعلامية تستخدم أحياناً للطعن السياسي والتشكيك. فقتال دام 20 عاماً ليس بالقتال السريع. فطبقاً لإمكاناتنا المتواضعة كان قتالنا للعدو استنزافياً، يعتمد على الوقت وطول مدة القتال التي كلما زادت زدنا قوة بالغنائم والسيطرة على الأرض. ومن الطبيعي أن نكون في نهاية الحرب في أقوى حالاتنا، ويكون العدو في أضعف حالاته. في العام الأخير، كان في يدنا كثير من الأسلحة والمعدات المتطورة التي كانت بحوزة العدو، والمدن التي سقطت بسرعة شهد بعضها سقوطاً متكرراً في السابق، ولكن لم نتمكن من الحفاظ عليها لأسباب تكتيكية».
وعن سرعة السيطرة على العاصمة كابل، كشف ذبيح الله: «استمر وجودنا العسكري فيها لسنوات قبل الفتح. وكون قوات العدو سقطت فجأة، فذلك يعود إلى أنها أيقنت من أن انتصارنا حتمي، ويئست من وضعها وتفككها وهبوط معنوياتها»، مضيفاً: «حربنا كانت طويلة جداً، وعشرون عاماً ليست بالوقت القصير، ولكن الإعلام الأميركي يؤثر على إعلام العالم، فيقول إنه تفاجأ بسقوط سريع، وهذا غير صحيح».
وعن سيناريوهات ما بعد الفوز، أكد ذبيح الله: «سيناريوهات ما بعد الفوز والتمكين هي تحقيق الأمن في البلاد، وطمأنة الجميع (…) ثم تأتي إعادة البناء بعد عقود من الحروب والاضطراب».
وحول توقعات الحكومة الجديدة في العاصمة كابل من الدول العربية والإسلامية، قال: «ننتظر من الدول العربية والإسلامية أن تكون عند مستوى حسن ظننا بها ومحبتنا لها، وأن تدرك أن انتصارنا على الأميركيين وحلفائهم هو انتصار لجميع العرب والمسلمين الذين نتمنى أن نراهم يعملون معنا بإخلاص في بناء بلدنا».
وعن أكثر دولة تشعر الحركة معها بالتوافق، قال: «أكثر دولة نشعر بتوافق معها هي أي دولة تشعر بتوافق معنا، وليس شرطاً أن توافق على كل ما نقول، بل المهم ألا تعمل على عرقلة أهدافنا في تطبيق (أحكام الشريعة)، وتأكيد استقرار البلاد، ورخاء الشعب الفقير الذي عانى طويلاً من الحروب وعدم الاستقرار».



ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.


زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.