«صليل الصوارم» والعودة إلى العجز الثقافي

ردود متهافتة على الحالة الإرهابية السوداء

جزء من «سليل الصوارم»
جزء من «سليل الصوارم»
TT

«صليل الصوارم» والعودة إلى العجز الثقافي

جزء من «سليل الصوارم»
جزء من «سليل الصوارم»

لم تكن المرة الوحيدة التي يُختبر فيها العرب ثقافيا وسياسيا، فهذه معركة الهوية بالدرجة الأولى، تلك المعركة الأزلية، تتجدد اليوم على وقع حدث دراماتيكي، لا يمكن اعتباره طارئا في منطقة بلاد الشام، فهو جزء من جغرافية المكان وتاريخه.
وربما كان ضرب متحف «الموصل» الأثري وتهريب المقتنيات النادرة والقطع القديمة إلى دول أوروبية تهافتت إلى شرائها، كان أحد أهم تجليات حرب الهوية، إن صحت التسمية، ثم قيام «داعش» بتجريف مدينة نمرود الموغلة في القدم لتضاف إلى باقي فصول الهزيمة الثقافية المتكررة على الأقل في العراق الجريح.
والسؤال يأتي ملحا باحثا عن إجابة: هل تترك شعوب المنطقة اليوم بصمة ثقافية تذكر وتؤرخ فيما لو تجرأوا بعد سنين على كتابة مرحلة تاريخية جَدّ مهمة، فالصراع الثقافي على عادته لا يمر بصمت كغيره من الصراعات، فهو يحمل آثارا أقسى على الصعيد النفسي، لا سيما إن أتى على هويات عرقية تميز الأمكنة، بما يشي بتغيير ديمغرافي وثقافي لن يعجب الكثيرون لكنه سيحصل في النهاية، فأي رد هنا يكون؟
ففي حرب عام 2003 عندما سقطت عاصمة الرشيد بغداد بيد القوات الأميركية، كانت الدبابة البطل الوحيد، كانت الطائرة العمود الفقري في الحرب الكبرى، كانت السلاح التقليدي وكانت المنطقة تتعرض لهجمة ثقافية رافقت العامل السياسي المستجد، فعشية غزو العراق لو تسعفنا الذاكرة، لنتذكر مدى الانتشار الواسع لفن عراقي هابط ملأ نحو 10 فضائيات، فجأة هكذا ظهرت كلها دفعة واحدة، وكان النجم العراقي المعروف باسم علاء سعد أحد أهم مفرزات الحرب العراقية وأحد أبرز نجوم الشاشة العربية الذي نال شهرة كبيرة يحسد عليها بعد ابتداعه رقصة على وقع الهزيمة السياسية قبل كل شيء، فبغداد سقطت أخلاقيا على ما.
ويتجلى ذاك السقوط في مشاهد الرقص والعري كحالة ثقافية نادرة، احتلت المشهد العربي، على الأقل في مخيلة الشارع، هذا ما حصل يومها بعد أيام من المعركة التي وقعت سريعا على أسوار العاصمة، أخفيت ملامحها واختفت معها التفاصيل وكأنها هربت من الذاكرة وأسدل ستار أسود اتشحت المدينة به لسنوات، وبرز الرد تزامنا مع انسحاب مفاجئ للنخب ودون ترتيب مسبق.
وكما العادة هنا في بقاع عربية يتصدى الشارع بكل أطيافه الشعبوية للموقف الكارثة، فمن منا لا يذكر موجة ثقافية انتشرت بقوة لا مثيل لها ليتحول إلى نموذج عربي فني، كأغنية «البرتقالة» وبعد السقوط المدوي لبلاد الرافدين، تأتي حرب غزة الأولى ليكون النجم الأول في العالم العرب هو شعبان عبد الرحيم ولتصبح 3 كلمات فقط لا غير «أنا بكره إسرائيل» شعارا ثقافيا مرددا من المحيط إلى الخليج، ووصل عدد المشاهدات لفيديو واحد على «يوتيوب» أكثر من مليون ونصف مشاهدة عربية، كرد على سقوط عاصمة عربية أولا، وتعرض شعب عربي لإبادة جماعية ثانيا.
حالة مثيرة تلك التي مرت بها المنطقة كرّسها فشل السياسات في كل مرة، ولم ينتبه أحد إلى إن كانت واحدة، وكان الرد واحدا أيضا، يختصر بمستويين: الأول ينحصر بما تردده النخبة عبر شاشات التلفزة عبر مطالبتها بدق ناقوس الخطر في وجه غزو ثقافي قادم لا محال يطال الشعوب يتطلب وعيا وإدراكا كبيرين لو أريد الخروج من عنق الزجاجة، والمستوى الآخر على النقيض تماما حيث الشارع يشتري إسطوانات شعبان (شعبولة) ويعلن حالة كراهية عامة لكل شيء تقريبا، وحسب مجلة «ورلد تريبيون» الأميركية التي أجرت دراسة أولية على الحالة العربية هذه لتخلص بالنهاية إلى نتيجة غريبة مفادها أنّ حالة ثقافية ما انتشرت كان رمزها وإيقونتها مغن شعبي هابط ساهم في إطلاق أول شرارة عنف وتعصب في المنطقة!
حصل هذا قبيل ما يسمى بالربيع العربي، فالموقف الراهن بات أكثر صعوبة لشرح بعض من صور الانحطاط الفكري، لا سيما في وقت يجري الحديث فيه عن بدايات تشكل الوعي السياسي والثقافي، أبدته الشرائح الاجتماعية في أكثر من بلد يأتي مسلحا بوسائل تقنية الأكثر تطورا على الإطلاق كشبكات التواصل الاجتماعي - الأداة الأهم في الثورات.
فبالتزامن مع العراق التي تمت الهزيمة فيه ثقافيا، وتكرست حالة اليأس والإحباط العربيين، يتكرر المشهد في الحرب السورية التي أفرزت النتيجة ذاتها بأدوات مختلفة، فاليوم تنتشر فيديوهات وأفلام ومجلات ثقافية «مجلة أنا أفكر» ومجلة «داعش بالمقلوب» كرد موجز ومباشر على الحالة الداعشية: فقبل أيام أعلن المصريون أنهم سيقضون على «داعش» بالدعاية المضادة، وبدأوا الرقص على أنشودة «صليل الصوارم» للشاعر الملقب «عبد الملك العودة» فظهرت مئات الأفلام، بل فضائيات تفتح النقاشات كل يوم حيال هاشتاغ يتصدر الإنترنت العربي تحت اسم «صليل الصوارم» مرفق بفيديوهات رقص شرقي على أنغام نشيد «داعش» الشهير الذي استخدم في كل إصدارات القتل والرعب.
ومع كل هذا وذاك لم يجرؤ أحد على استخدام توصيف «انحطاط ثقافي» فقد ذهب البعض إلى تفضيل تسميته بالرد الثقافي على الحالة الإرهابية السوداء التي أدخلت المنطقة بنفق مظلم، وقد يكون في ذلك شيء من الصحة وبعض الدقة، فالفرضية تقول أحيانا في جانب من جوانبها أنّ الهروب من العجز المعلن والقوة المسيطرة والهيمنة الراهنة يكون إلى ما هو مختلف ومتناقض تماما، فكانت فيديوهات الرقص الداعشية أبلغ رد على فيديوهات القتل الداعشية أيضا، بما يصب في مشهد عربي واحد وكأنها العودة إلى نقطة الصفر، العودة إلى ما قبل الحديث عن ثورات ترجمت تعابير من قبيل الحرية والعدالة وطالبت مرة من المرات بإفساح الدور لصوت المثقف لطالما بقي صامتا خانعا زمن الاستبداد، ليبقى السؤال معلقا إلى حين مؤجل: هل الأحداث أفرزت بصمة ثقافية ما أم ننتظر القليل من الوقت لتحسم الحرب نهائيا، ونجري تقييما عاما وموضوعيا لمرحلة ما قبل العودة إلى اليأس العربي القديم!



«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان
TT

«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

«أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

عن الولع بالشعر والشغف به كحياة أخري متخيلة أكثر عدلاً وأماناً، وسط عالم لا يكف عن العبث والحروب تدور أجواء ديوان «أُنس الأشياء» للشاعرة السورية فاطما خضر. يتبدى هذا الولع في النبش الدائم والتوغل في دهاليز الشعر، والتعامل معه كأنه الحبيب العاشق، تخاصمه وتصالحه، وتفتش في جيوبه السرية عن معنى الوجود وحقيقة الحياة، وتعيشه كتوأمة للروح والموسيقى، وباسمه تهدي ديوانها إلى جبال مدينتها طرطوس وساحلها العظيم؛ فالشعر هو قوس البداية والنهاية، في ظلالهما يجدد القدرة على العطاء والحلم؛ لذلك تخاطبه الشاعرة دائماً باعتبار المخلِّص، وفي نص حمل الاسم نفسه «المخلِّص» تقول فيه:

«أكتب الشعر

لأني أولد

أكتب الشعر

لأني أموت»

لا تكتفي الشاعرة بهذه الصرخة الشديدة، المشرّبة بنوازع الميلاد والموت، بل تفتح النص نفسه على أفق دلالي يبدو أكثر رحابة، في تكثيف المعنى والإحساس بالفكرة، وما وراءها، فلا شيء سوى الشعر يمكن أن يلملم حياة ممزقة، ويردها إلى طبيعتها الإنسانية وفطرتها الأولى، ويعيد لها نوعاً من التوازن المفتقد، والذي أصبح بمنزلة جرح، مفتوح على جراح أكبر يتردد صداها بقوة في تداعيات الواقع والوجود:

«أيها الشعر التحفني

غيمة تعانق قمراً

لتداري حزنه...

أيها الشعر ارسمني

عشبة تعلو...

يعيدها المطلق

إلى التراب

أيها الشعر نادني باسمي

لتزهر كلماتٌ في غابات لساني

لمَّني

من بين إحالات العدم

بعثرني

بين تأويلات الوجود»

هذا التراوح بين الوجود والعدم تنعكس ظلاله على معمارية الديوان الصادر أخيراً عن دار النهضة ببيروت ويتشكل في 90 صفحة، وعبر 6 عناوين رئيسية تنضوي تحت كل عنوان منها 5 قصائد، وهو ما يضعنا أمام خماسيات شعرية تتلاقح فيما بينها من نص إلى آخر، كما تتفاوت في القصر والطول، بحسب الحالة الشعورية للذات الشاعرة. إذن ثمة وعي بالشعر، لكنه وعي مربك غير مطمئن لشيء، محاصر دائماً بالخوف والعبث والرتابة، والملل من حياة تكرر نفسها كل يوم، بحسب تداعيات الإرث والتقاليد، في هذا المناخ الجهم، كيف تكتسب القصيدة حيواتها: بالتجريب والمغامرة وكسر رتابة الشائع والمألوف، أم تظل معلقة في رقبة الشك والخوف، في انتظار معجزة، تناثرت شظاياها ما بين الأرض والسماء، ما بين الماضي والحاضر... ربما لذلك، يبدو الحل في التحايل على الحياة، واللعب على مساحات الوضوح والغموض، أو الأبيض والأسود، في الداخل والخارج معاً، لكنه تحايل زائف، يفتقد إرادة التشبث بالحياة، حيث يتحول الشعر إلى قناع لها، أو في أحسن الأحوال مرثية شجية لرحيلها المفاجئ... يتراءى ذلك في نص بعنوان «حيوات القصيدة - صفحة 13»... تقول فيه الشاعرة:

«لحظة ولادتها

تموت القصيدة

بعدما عاشت فكرة

سيرتها الأولى

تعود روحها

تحيا نشأة ثانية

أحياناً تتقمص حياة النسيان

تُهمل على رف ِّمكتبة

في انتظار أن يعاد لها النبض

بعضها يحظى بحياة مبتذلة

غزل بنات يذوب بسرعة

تاركاً دبقاً

يحدث أن

تعيش توأمة للموسيقى

تتوسد دفاتر العاشقين

تصاحب ليالي الأرق

ترافق الدروب».

وعلى المنوال نفسه، وفي محاولة للإمساك بسيكولوجيا الشعر، وتجلياته المباغتة تقول في نص بعنوان «إرباك - ص 17»:

«تربكني

مخاوف القصيدة

أحيطها بحرز يحميها

أدثرهما بما استطعت من الشعور

ثم أتركها تتجسد

غزالة معنى»

تتبدى فكرة القناع هنا في اللعب على وتر النقيض الضد «تقمص حياة النسيان»، بينما يبدو الشعر كأنه حالة من الإرباك، وصراع خفي بين الفكرة وولادتها، وأن القصيدة تحتاج إلى «حرز» ليصونها من كل هذا التداعي.

يعزز ذلك أن الرمز وحقوله الدلالية في الديوان ليس وسيطاً لشيء، إنما هو علامة، تكاد تكون مكتفية بذاتها، إلى حد الارتعاش والخوف من أن يظل الأمل معلقاً على جدار النسيان، بلا ذاكرة أو أثر يدل عليه؛ لذلك تسعى الذات إلى الماضي لاستحضار التاريخ ومعايشته من جديد، تاريخ سوريا القديم ومدنها التراثية وأساطيرها الخالدة، في تقاطع مع الواقع الراهن، وما آلت إليه البلاد من تردي الأوضاع على شتى الأصعدة... تقول في نص بعنوان «اقتلاع» ص 31:

«في حياة سابقة

حين كانت الأشياء

تتجسد في هيئتها الأولى

الصخور مليئة بالنبض

الينابيع تشدو

الهواء يحمل الأحلام

بحر فينيقيا عصي عن الخراب

السفن محملة بالزجاج الأول

بذور أبجدية أوغاريت أينعت

مسرح أمريت رحم الحضارة

أنوال تحيك البهجة

نساء تلوِّن المدى

ضفائرهن تراقص الريح»

يعتمد النص على بنية توصيفية تحيل إلى ما كان، ومن رحمه تستشرف ما قد يكون؛ لذلك تبرز المراودة وأنسنة الأشياء كركيزتين أساسيتين في الديوان، كما تتخفف النصوص من العلاقة التعليلية، التي تحبس الصورة الشعرية بين قوسي العلة والمعلول، من قبيل: «لتداري حزنه»، «لتزهر الكلمات في غابات لساني»، في المقابل تتكئ الذات الشاعرة على نفسها، تراود الشعر بتلقائية ومحبة، تفتح له كل النوافذ والأبواب، تعانقه جسداً وروحاً، وترجوه ألا يتأخر، حتى لا تغضب، والشعر بدوره يبادلها المشاعر نفسها، ويرجوها أن تتخفف قليلاً من القلق والإحساس الثقيل بوطأة الزمن، وتأخذ زينتها كاملة، حين تشرع في الكتابة، يتراءى هذا في نص بعنوان «صحبة صامتة - ص57» تقول فيه:

«أعيش في صحبة الأشياء

حرة من التعلق والجدال

حضوري خفيف أمام ثقل الكلام

منحتني الوحدة دلالها

أينعت وداعةً

من حقيبتي

يكاد المفتاح يثب

الخطى تعجِّل الطريق

البيت بأشيائه

ينتظر العناق

يطمئن بوصولي

يعشوشب المكان

تتسع العتبةُ

ينساب الماء نسيماً على جسدي

تتنفس المنشفة مسامي

تنسدل ملابسي هائمة

أزداد رقة

الثلاجة تناديني

تشدو الملاعقُ والصحون

تحتضن الألفة تعبي

دفتر يومياتي يتوق

ليطأ القلمُ أرضه

محملاً بتفاصيلي

أجلس أمام مكتبي

نظرات الكتب مزهرة على الرفوف

اقتباسات مبعثرة تبتسم

أنفاس الأوراق المطوية

لوحة المفاتيح تضاء

أثر أصابعي في روحهم

أصغي إلى الصمت

أتذوق اللذة

في أُنس الأشياء»

في الختام، يضعنا الديوان أمام ما يمكن تسميته «شعرية النمط» أو «الإطار»، لكن تبقى من السمات الفنية اللافت فيه التركيز على تفاصيل الحياة اليومية، وتصويرها ككائنات صديقة، وعلامة، توقظ الذاكرة وتفتحها على تداعيات الأمكنة والبشر، يبرز هذا على نحو خاص في فصل «تمارين على الحب»، فالشجرة والمقهى والظل والمجاز علامات لافتة على أن الحبَّ مرَّ من هنا.


«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي
TT

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

في خطوة مفاجئة، تم الإعلان عن «جائزة باسكال»، وهي الأولى من نوعها في فرنسا التي تُمنح لعمل أدبي تم تأليفه بالاشتراك بين بشري وذكاء اصطناعي. وتأتي الغرابة من أن الفرنسيين من أشد الرافضين للتدخل الآلي في الإبداع البشري، فما بالك بتتويجه!

ويأتي هذا الإعلان بعد جدال طويل أثاره وصول رواية الهايتي- الكندي ثيلسون أوريليان، صاحب رواية «كان هذا أو الموت» الصادرة عن «دار غراسيه للنشر» إلى نهائيات جائزة «غونكور» لتُتَّهم بعد ذلك بأن غالبيتها كُتبت رقمياً، وتُستبعد كلياً، وسط صدمة وارتباك في الأوساط الأدبية.

وكأي جائزة أدبية، ستعمل لجنة تحكيم متخصصة، تكون هذه المرة مؤلفة من خمسة أشخاص، بينهم نقاد صحافيون وكتاب، على قراءة الأعمال، المولدة آلياً وبشرياً، وتحديد الفائز. أما أولوية اللجنة، فهي «تقييم الجودة الجمالية والسردية والأسلوبية للمخطوطات، بشكل مستقل تماماً».

وتُقدَّم نسخة الرواية التي يُشترط ألا تكون صادرة سابقاً عن دار نشر، مع استثناء النشر الذاتي على منصات كـ«أمازون»، من خلال الموقع الإلكتروني، ويحدد صاحبها بشفافية تامة اسم البرنامج الذكي الذي استخدمه كي يتمكن من كتابة نصه. وحسب الإعلان فإن كل النماذج الذكية مسموح بها، ولا يوجد تقييد على الكُتَّاب. كما أن النص يُشترط أن يكون أدبياً، ولكن ليس من الضروري أن ينتمي إلى الجنس الروائي. فقد يكون سيرة ذاتية أو نصاً مفتوحاً؛ بل تُشجَّع بشكل خاص الأعمال غير الروائية، كالسير الذاتية، والمذكرات، وحتى المقالات الطويلة.

وليس من الواضح إن كانت مشاركة الكاتب للذكاء الاصطناعي في الكتابة، يفترض أن تقتصر على طرح الأسئلة على الآلة، وتوجيه النص، أم أن يعمل على الصياغة، وتوليد الأفكار، وإعادة توليف النص.

ولم يخبرنا بيان الجائزة من يملك مهارة كشف مدى تدخل الآلة، وما هو الجهد البشري المبذول في النص؟ فكل هذا لا يزال ضبابياً، ويُنتظر أن يسيل كثير من الحبر في مقبل الأيام.

ثمة اعتراف بأن مهمة لجان الجائزة لن تكون سهلة؛ لأنها في مواجهة تقنيات تتطور كل يوم، وهذا بحد ذاته يحتاج متابعة وفهماً حثيثين.

تم الإعلان عن الجائزة يوم 21 من الشهر الحالي، وبدأ موعد تسليم الروايات للدورة الأولى، وينتهي في الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وكما في الجوائز التقليدية، يتم اختيار قائمة أولية تضم عشرة مرشحين، قبل الإعلان عن الفائز في أوائل ديسمبر (كانون الأول)، الذي ستهتم الجائزة بنشر عمله وتأمين تغطية إعلامية واسعة النطاق له، بالتزامن مع حفل توزيع الجوائز. كما تُنشر الفكرة الأولية للعمل الفائز بموافقة المؤلف، لإثراء النقاش حول الكتابة المشتركة.

شارك في تأسيس الجائزة كل من فيليب رودريغيز وألبين سيرفيان وجيل مينتري، وهم رواد أعمال في مجال التكنولوجيا. رودريغيز هو شريك مؤسس في شركة الاستشارات الخاصة بعمليات الاندماج والاستحواذ «أفولتا»، ويعتبر شخصية بارزة في صناعة العملات المشفرة وتقنية «البلوك تشين»، وسيرفيان هو الرئيس السابق لمجلة «تيتو» ورائد أعمال في مجال الإعلام الرقمي، أما مينتري فهو يدرِّس في جامعة هارفارد وجامعة باريس 1 بانتيون- سوربون، ولكنه -وهذا الأهم- شارك في تأسيس منصة «إليكتيس» للتصويت الإلكتروني.

ومعرفة هوية المؤسسين ومهنهم البعيدة عن الأدب قد تفسر جرأتهم في خوض واحد من المجالات الحساسة بالنسبة للفرنسيين، أي الكتابة والإبداع، وخلط كل ذلك بالذكاء الاصطناعي، وأيضاً الجوائز الأدبية التي حظيت باستمرار بمكانة واحترام كبيرين. فما هو مطروح الآن معاكس تماماً للمزاج الفرنسي، وللرؤية الفرنسية للأدب بشكل خاص.

نقرأ على موقع الجائزة شرح مسهب: «فهي تعطَى لنص كُتب بالفرنسية، بصرف النظر عن جنسية كاتبه أو مكان إقامته»، بمعنى أنها فرنكوفونية، والنص الأدبي يتراوح طوله بين عشرة آلاف وخمسين ألف كلمة.

يذكِّرنا المنظمون على موقعهم الإلكتروني بأن «(جائزة باسكال) ليس هدفها قياس ما إذا كانت الآلة ستتفوق على الكاتب»؛ بل تهدف إلى تسليط الضوء على خمسة أهداف: توسيع آفاق التقدم البشري، وتطبيق الذكاء الاصطناعي، ودمج التقاليد الفرنسية للجوائز الأدبية مع صناعة الذكاء الاصطناعي، والشمولية الثقافية من خلال الذكاء الاصطناعي، وقياس قدرات الذكاء الاصطناعي في الأدب.

أما العمل الأدبي فلا بد من أن يكون مفيداً، أو يهدف إلى التنبيه بشأن أحد التحديات البيئية أو الاجتماعية أو الأخلاقية المعاصرة، أو المساعدة في حله «بطريقة مبتكرة».

تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت جزءاً من ورش الكتابة، والعمل على المخطوطات، والتأليف بشكل غير مباشر. لذا فإن «جائزة باسكال» تطرح السؤال بصوت عالٍ: «كيف يمكن أن يصبح العمل الفني عندما يتعاون المؤلف مع الآلة؟» وما يريدونه أيضاً هو مراكمة التجربة، ورؤية تطور المؤلفات من سنة إلى أخرى، وبالتالي قياس ما تتيحه الآلة من تحولات في بناء النص الأدبي.

وحسب ما تسرب فإن جاك أتالي، المستشار السابق للرئيس الراحل فرنسوا ميتران، سيكون ضمن لجنة هذه الدورة. وهو أمر لم يؤكد بعد. ولكن ما أُعلن عنه أن الجائزة لا تشترط وجود ناشر، وأنها تتولى بنفسها نشر النصوص التي تختارها بعد فوزها.

ويستفيد أصحاب المشروع من غياب قانون فرنسي ينظِّم هذا النوع من النشاطات الأدبية. وبالتالي حتى لو لم تكن الفكرة لها ما يكفي من المؤيدين وسط النخبة، فلا يوجد ما يمنع طرح مثل هذه الجائزة؛ خصوصاً أنها لا تشترط في المتقدمين أن يكونوا كتاباً محترفين. هذا يعني أن المشاركين سيكونون على الأرجح مجهولين من قبل القراء، وربما من التكنولوجيين المهرة، أكثر مما هم من عشاق اللغة وجهابذتها.

وتأتي هذه الجائزة في وقت يدين فيه المبدعون استخدام الذكاء الاصطناعي، ويطالبون بتطبيق قواعد وضوابط صارمة. ووصفت منصة «ليفر إبدو» الفرنسية التي تعنى بالكتب والنشر الجائزة بأنها أحد تداعيات «زلزال أوريليان». وللتذكير فقط، فالحديث هو عن كاتب رواية «كان هذا أو الموت» الذي فاز بجائزة «فناك» ثم وصل إلى أعتاب أهم جائزة أدبية فرنسية هي الـ«غونكور» في سبتمبر (أيلول)، وبدأ اتهامه بأن غالبية روايته كُتبت بالذكاء الاصطناعي. أثار الخبر ما يشبه الفضيحة؛ إذ كيف فات هذا الأمر ناشره الكندي، ومن ثم «غراسيه» واحده من أعرق دور النشر الفرنسية. وبسبب نكران الكاتب المستمر، بقيت قضيته موضع تجاذب، ودخلت فيها اتهامات بالعنصرية كونه ملوناً، إلى أن قررت لجنة الجائزة استبعاده نهائياً. وحارت المكتبات بين أن تواصل عرض روايته أو تسحبها من واجهاتها. ولم يضع حد للبلبلة سوى تأكيد ناشره مؤخراً بأن الكتاب ليس صناعة بشرية خالصة. وتأتي «جائزة باسكال» بعد هذه الجلبة، وكأنها رد غير مباشر على الأصوات القوية الرافضة للاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أما لماذا أُطلق اسم عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي بليز باسكال على الجائزة، فلأنه المفكر الغربي الوحيد الذي كان رائداً في مجال الأجهزة الميكانيكية، ومتقناً للغة في وقت واحد. ويستعير أصحاب المشروع أقوالاً لكاتبهم، منها: «كلما ازدادت فطنتك عثرتَ على أشخاص أكثر تميزاً».

لا تُمنح هذه الجائزة لمجرد كتاب جديد: «بل تُكرَّم الأعمال التي تُضيف مختلفاً، ولا تُعيد إنتاج صيغة سبق إنتاجها. وتسعى (باسكال) إلى استكشاف ما تُتيحه الآلات الذكية من إمكانات في مجال الإنتاج الفكري المفيد والفعَّال الذي يُسهم في الحفاظ على البشرية وبيئتها»، هذا على الأقل ما يعدنا به أصحاب المشروع.


الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
TT

الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)

مُنحت الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه جائزة «جورج بوشنر» الأدبية لعام 2026 من الأكاديمية الألمانية للغة والشعر، خلال حفل أقيم في مدينة دارمشتات جنوب غربي ألمانيا.

وقالت فونّيكه مساءً في مسرح الدولة: «أتقدم بالشكر الجزيل على جائزة بوشنر الرائعة. ما زلت أشعر بالذهول». وتُمنح الجائزة منذ عام 1951، وتبلغ قيمتها 50 ألف يورو، وتُعد من أبرز الجوائز الأدبية في العالم الناطق بالألمانية.

وقالت فونّيكه في كلمة الشكر التي ألقتها خلال تسلم الجائزة إن «أكثر ما أحب فعله في الكتابة، وأكثر ما أجيده، هو الشطب»، لافتة إلى أن هذا هو السبب في أن كتبها أصبحت قصيرة إلى هذا الحد مع مرور الوقت. وذكرت أنها عندما شرعت في كتابة كلمة الشكر، بدأت أيضاً في شطب أجزاء منها، حتى لم يتبقَّ في النهاية سوى جملة واحدة. وتابعت أنها قررت عندئذ أن تقرأ أعمال بوشنر بدلاً من ذلك، وأن تستقل القطار. وقالت: «كثيراً ما أقرأ في وسائل النقل العام؛ لأنني أستطيع التركيز جيداً هناك».

وروت الكاتبة ملاحظاتها عن الناس والبيئة المحيطة بهم، وخلصت إلى القول: «يسود خمول مروّع»، مضيفة أنها دائماً ما تكون لديها رغبة في أن تتأمل كل شيء، وتظل مندهشة منه.

وكانت لجنة التحكيم التابعة للأكاديمية الألمانية للغة والشعر قد قالت في حيثيات قرار منح الجائزة لفونّيكه إنها تأتي تكريماً لأعمالها السردية التي تتسم دائماً بعنصر المفاجأة والإحكام في بنائها. وأشارت إلى أن فنها الأدبي البارع يكشف الجانب الخيالي الكامن فيما يُفترض أنه تاريخي، ويتيح بذلك إلقاء نظرة كاشفة على تاريخ العلوم والاستعمار في أوروبا. وجاء في حيثيات اللجنة أيضاً أن روايات فونّيكه «تجمع، على نحو نادراً ما يحدث (في غيرها من الروايات)، بين المتعة السردية والتأمل الفكري العميق، في أسلوب يتسم بالفكاهة اللغوية الدقيقة والابتعاد عن الإحالة إلى الذات».

ومن بين الحاصلين سابقاً على الجائزة ماكس فريش عام 1958، وجونتر جراس عام 1965، وهاينريش بول عام 1967، وكذلك أوسفالد إيجر وأورزولا كريشل في الآونة الأخيرة. وتحمل الجائزة اسم الكاتب المسرحي والثوري جورج بوشنر، مؤلف مسرحية «فويتسيك». وُلد بوشنر عام 1813 في دوقية هيسن الكبرى آنذاك، وتوفي عام 1837 في زيوريخ.

كما مُنحت مؤرخة تاريخ العلوم آنكه ته هيسن، خلال الحفل نفسه، جائزة «زيغموند فرويد» للنثر العلمي. وحصل الكاتب والناقد الأدبي هيلموت بوتيجر على جائزة «يوهان هاينريش ميرك» للنقد الأدبي والمقالة. وتبلغ قيمة كل من الجائزتين 20 ألف يورو.