«صليل الصوارم» والعودة إلى العجز الثقافي

ردود متهافتة على الحالة الإرهابية السوداء

جزء من «سليل الصوارم»
جزء من «سليل الصوارم»
TT

«صليل الصوارم» والعودة إلى العجز الثقافي

جزء من «سليل الصوارم»
جزء من «سليل الصوارم»

لم تكن المرة الوحيدة التي يُختبر فيها العرب ثقافيا وسياسيا، فهذه معركة الهوية بالدرجة الأولى، تلك المعركة الأزلية، تتجدد اليوم على وقع حدث دراماتيكي، لا يمكن اعتباره طارئا في منطقة بلاد الشام، فهو جزء من جغرافية المكان وتاريخه.
وربما كان ضرب متحف «الموصل» الأثري وتهريب المقتنيات النادرة والقطع القديمة إلى دول أوروبية تهافتت إلى شرائها، كان أحد أهم تجليات حرب الهوية، إن صحت التسمية، ثم قيام «داعش» بتجريف مدينة نمرود الموغلة في القدم لتضاف إلى باقي فصول الهزيمة الثقافية المتكررة على الأقل في العراق الجريح.
والسؤال يأتي ملحا باحثا عن إجابة: هل تترك شعوب المنطقة اليوم بصمة ثقافية تذكر وتؤرخ فيما لو تجرأوا بعد سنين على كتابة مرحلة تاريخية جَدّ مهمة، فالصراع الثقافي على عادته لا يمر بصمت كغيره من الصراعات، فهو يحمل آثارا أقسى على الصعيد النفسي، لا سيما إن أتى على هويات عرقية تميز الأمكنة، بما يشي بتغيير ديمغرافي وثقافي لن يعجب الكثيرون لكنه سيحصل في النهاية، فأي رد هنا يكون؟
ففي حرب عام 2003 عندما سقطت عاصمة الرشيد بغداد بيد القوات الأميركية، كانت الدبابة البطل الوحيد، كانت الطائرة العمود الفقري في الحرب الكبرى، كانت السلاح التقليدي وكانت المنطقة تتعرض لهجمة ثقافية رافقت العامل السياسي المستجد، فعشية غزو العراق لو تسعفنا الذاكرة، لنتذكر مدى الانتشار الواسع لفن عراقي هابط ملأ نحو 10 فضائيات، فجأة هكذا ظهرت كلها دفعة واحدة، وكان النجم العراقي المعروف باسم علاء سعد أحد أهم مفرزات الحرب العراقية وأحد أبرز نجوم الشاشة العربية الذي نال شهرة كبيرة يحسد عليها بعد ابتداعه رقصة على وقع الهزيمة السياسية قبل كل شيء، فبغداد سقطت أخلاقيا على ما.
ويتجلى ذاك السقوط في مشاهد الرقص والعري كحالة ثقافية نادرة، احتلت المشهد العربي، على الأقل في مخيلة الشارع، هذا ما حصل يومها بعد أيام من المعركة التي وقعت سريعا على أسوار العاصمة، أخفيت ملامحها واختفت معها التفاصيل وكأنها هربت من الذاكرة وأسدل ستار أسود اتشحت المدينة به لسنوات، وبرز الرد تزامنا مع انسحاب مفاجئ للنخب ودون ترتيب مسبق.
وكما العادة هنا في بقاع عربية يتصدى الشارع بكل أطيافه الشعبوية للموقف الكارثة، فمن منا لا يذكر موجة ثقافية انتشرت بقوة لا مثيل لها ليتحول إلى نموذج عربي فني، كأغنية «البرتقالة» وبعد السقوط المدوي لبلاد الرافدين، تأتي حرب غزة الأولى ليكون النجم الأول في العالم العرب هو شعبان عبد الرحيم ولتصبح 3 كلمات فقط لا غير «أنا بكره إسرائيل» شعارا ثقافيا مرددا من المحيط إلى الخليج، ووصل عدد المشاهدات لفيديو واحد على «يوتيوب» أكثر من مليون ونصف مشاهدة عربية، كرد على سقوط عاصمة عربية أولا، وتعرض شعب عربي لإبادة جماعية ثانيا.
حالة مثيرة تلك التي مرت بها المنطقة كرّسها فشل السياسات في كل مرة، ولم ينتبه أحد إلى إن كانت واحدة، وكان الرد واحدا أيضا، يختصر بمستويين: الأول ينحصر بما تردده النخبة عبر شاشات التلفزة عبر مطالبتها بدق ناقوس الخطر في وجه غزو ثقافي قادم لا محال يطال الشعوب يتطلب وعيا وإدراكا كبيرين لو أريد الخروج من عنق الزجاجة، والمستوى الآخر على النقيض تماما حيث الشارع يشتري إسطوانات شعبان (شعبولة) ويعلن حالة كراهية عامة لكل شيء تقريبا، وحسب مجلة «ورلد تريبيون» الأميركية التي أجرت دراسة أولية على الحالة العربية هذه لتخلص بالنهاية إلى نتيجة غريبة مفادها أنّ حالة ثقافية ما انتشرت كان رمزها وإيقونتها مغن شعبي هابط ساهم في إطلاق أول شرارة عنف وتعصب في المنطقة!
حصل هذا قبيل ما يسمى بالربيع العربي، فالموقف الراهن بات أكثر صعوبة لشرح بعض من صور الانحطاط الفكري، لا سيما في وقت يجري الحديث فيه عن بدايات تشكل الوعي السياسي والثقافي، أبدته الشرائح الاجتماعية في أكثر من بلد يأتي مسلحا بوسائل تقنية الأكثر تطورا على الإطلاق كشبكات التواصل الاجتماعي - الأداة الأهم في الثورات.
فبالتزامن مع العراق التي تمت الهزيمة فيه ثقافيا، وتكرست حالة اليأس والإحباط العربيين، يتكرر المشهد في الحرب السورية التي أفرزت النتيجة ذاتها بأدوات مختلفة، فاليوم تنتشر فيديوهات وأفلام ومجلات ثقافية «مجلة أنا أفكر» ومجلة «داعش بالمقلوب» كرد موجز ومباشر على الحالة الداعشية: فقبل أيام أعلن المصريون أنهم سيقضون على «داعش» بالدعاية المضادة، وبدأوا الرقص على أنشودة «صليل الصوارم» للشاعر الملقب «عبد الملك العودة» فظهرت مئات الأفلام، بل فضائيات تفتح النقاشات كل يوم حيال هاشتاغ يتصدر الإنترنت العربي تحت اسم «صليل الصوارم» مرفق بفيديوهات رقص شرقي على أنغام نشيد «داعش» الشهير الذي استخدم في كل إصدارات القتل والرعب.
ومع كل هذا وذاك لم يجرؤ أحد على استخدام توصيف «انحطاط ثقافي» فقد ذهب البعض إلى تفضيل تسميته بالرد الثقافي على الحالة الإرهابية السوداء التي أدخلت المنطقة بنفق مظلم، وقد يكون في ذلك شيء من الصحة وبعض الدقة، فالفرضية تقول أحيانا في جانب من جوانبها أنّ الهروب من العجز المعلن والقوة المسيطرة والهيمنة الراهنة يكون إلى ما هو مختلف ومتناقض تماما، فكانت فيديوهات الرقص الداعشية أبلغ رد على فيديوهات القتل الداعشية أيضا، بما يصب في مشهد عربي واحد وكأنها العودة إلى نقطة الصفر، العودة إلى ما قبل الحديث عن ثورات ترجمت تعابير من قبيل الحرية والعدالة وطالبت مرة من المرات بإفساح الدور لصوت المثقف لطالما بقي صامتا خانعا زمن الاستبداد، ليبقى السؤال معلقا إلى حين مؤجل: هل الأحداث أفرزت بصمة ثقافية ما أم ننتظر القليل من الوقت لتحسم الحرب نهائيا، ونجري تقييما عاما وموضوعيا لمرحلة ما قبل العودة إلى اليأس العربي القديم!



حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك
TT

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان، الشهر الماضي، اعترفت خلاله أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي، لإتمام بعض المهمات في كتابة روايتها الأخيرة. وصل السخط في البعض إلى حدّ المطالبة بسحب الجائزة العالمية من الأديبة. قالت توكارتشوك إنها اشتركت في نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي، وانبهرت من النتائج التي حصلت عليها، ووصفته بأنه «يوسّع الآفاق ويعمق التفكير الإبداعي».

ومن بين ما قالته إنها بينما كانت تكتب روايتها التي تصدر الخريف المقبل، وتدور أحداثها في القرن التاسع عشر، لجأت إلى برنامجها الأثير وسألته عن الأغاني التي رقصت عليها شخصياتها في تلك الفترة من الزمن لإتمام مشهد تكتبه عن حفل راقص. وحسب الأديبة، فإن أسماء إحدى الأغنيات لم تكن صحيحة، لذلك تحذر من الهلوسة.

اعترافات مثيرة

زادت تورتشوك الطين بلة حين شرحت أنها أحياناً تعود إلى برنامج الدردشة، وتسأله: «كيف يمكنني يا عزيزي أن أطور هذه الفكرة بشكل جميل؟»، وهو ما يعني أنها تطلب المساعدة حتى في بناء الرواية. واعتبرت الأديبة أن هذه التقنية حسب ما اكتشفت «لها نتائج وأبعاد لا تصدق».

انتشر الخبر، وتسبب بنقاشات واسعة، خصوصاً حول أحقية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الروايات، وفي العمليات الإبداعية بشكل عام. اضطرت الأديبة النوبيلية لإصدار بيان توضح فيه أنها لا تلجا للذكاء الاصطناعي في الكتابة، إنما في البحث عن المعلومات والأرشفة. وأوضحت أن كتابها الجديد، لم تكتبه باستخدام الذكاء الاصطناعي ولا بمساعدة أي شخص آخر. «لقد كتبتُ بمفردي لعقود عديدة»، وهي تتعامل مع هذه التقنية الحديثة كأداة تسمح لها بتوثيق الحقائق والتحقق منها بشكل أسرع، مستعيضة عما كانت تفعله حين تبحث في الكتب والمراجع.

الذكاء الاصطناعي قدر محتوم

بصرف النظر عن مدى استفادة النوبيلية الشهيرة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، وهي أديبة لها رواياتها وتاريخها ونتاجها المتميز، وهو ما يحمي نسبياً سمعتها الإبداعية. إلا أن الخطورة الفعلية هي في صعوبة مقاومة الأدباء لمهارات التطبيقات التوليدية. والسؤال المطروح، هل بقي للكاتب من وظيفة؟ وهل الإبداع عملية بشرية متجددة، أم قضية تقنية يمكن استنساخها وتقليدها؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل الذكاء الآلي سيكون سبباً في موت الإبداع والتجدد الإنسانيين؟

للأسف أياً تكن الإجابة ثمة من يعتقد أن فرملة هذا التطور التقني هو أمر شبه مستحيل، بسبب التنافس التجاري المتوحش بين الشركات الكبرى التي بلغت اسثماراتها مئات مليارات الدولارات، وهي تتنافس كي تتمكن من تعويض ما استثمرته في أسرع ما يمكن، قبل أن تحل بها خسارة فادحة. بالتالي يصعب التمييز في كلام مسؤولي هذه الشركات الكبرى بين الوعود الترويجية المزيفة والواقع الفعلي. لكن علماء كثيرين، بعضهم حاصلون على «نوبل» وجوائز علمية، يعتبرون أن العقل البشري بتمايزه لا يزال إلى الآن العامل الأساسي في الابتكار والتحليل والتفسير العلمي.

جوائز للبشر أم للآلة

لكن في خضم هذه الفوضى، فازت الكاتبة اليابانية ري كودان بجائزة «أكوتاغاوا» المرموقة عام 2024 رغم اعترافها بأن نحو 5 في المائة من روايتها «برج التعاطف في طوكيو» أنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأثارت جدلاً واسعاً. وبين من يريد أن يبيع الكتب ويربح المال بأي ثمن، ومن يود أن يستفيد من الأدوات المتوفرة ليدفع بإبداعه إلى الأمام، تختلف نوايا الكتاب وأهدافهم من استخدام التقنيات المتاحة. فقد خاض الكاتب الكندي المعروف ستيفن مارش مغامرته عام 2023 تحت اسم مستعار هو «أيدان مارشين»، وقام بإصدار رواية سماها «موت المؤلف». وقال إن 95 في المائة من النص تم توليده عبر الذكاء الاصطناعي. الرواية لم تكن بديعة، لكنها محاولة ووصفتها «نيويورك تايمز» بأنها «أول رواية ذكاء اصطناعي قابلة للقراءة إلى حدّ ما».

هناك من يعترف من الأدباء ومن لا يعترف بأن البرامج التوليدية باتت لا غنى عنها أثناء الكتابة، سواء في البحث أو الأرشفة. ومنهم من يبلغ به الحال حدّ المساعدة في تطوير الشخصيات والحبكات، أو البحث عن الاحتمالات الممكنة للأحداث، والاستخدامات تتوسع.

الأديبة أولغا توكارتشوك التي أثارت نقاشاً حساساً حول حدود إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي، هي واحدة من أبرز أدباء جيلها، إضافة إلى «نوبل» حاصلة على جائزة «بوكر مان». وهي ناشطة حقوقية وكتاباتها تعكس اهتمامها بالإنسان والهوية وسؤال الحرية والبيئة، وتحليل النفس البشرية. «عرفت بخصب خيالها السردي الذي يتميز بشغف موسوعي يجسّد عبور الحدود كوسيلة للحياة»، حسب لجنة «نوبل».

لذلك فإن رأيها في التحديات التي يتعرض لها الأدب، بسبب التطورات التقنية يجب أن يؤخذ على محمل الجد. وهو رأي انتشر كالنار في الهشيم لأنه تم تناقله بكثافة على وسائل التواصل عبر تسجيل مصور.

أصالة أم تزييف؟

تابعت توكارتشوك قائلةً: «على عكس ما يتردد، أعتقد أننا نحن الكُتّاب، بحكم خصوصية حرفتنا، سنكون الأكثر انسجاماً مع أدوات مثل الذكاء الاصطناعي». بالطبع لم يعتبر محبو توكارتشوك ما تقوله خبراً ساراً أو مطمئناً. وعلقت صحافية بولندية بالقول: «يجدر التذكير بأن هذه الجائزة تُؤكد على فردية الكتابة وأصالتها. ومن الصعب الحديث عن هذه الأصالة عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بإنشاء الحبكات والجمل نيابةً عنا. كما أن نماذج اللغة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تتعلم من أعمال الكُتّاب، بمن فيهم كُتّاب من بولندا، غالباً دون موافقتهم أو حتى علمهم».

لا روايات بعد اليوم

الأهم من اعتراف الأديبة باللجوء إلى النماذج التوليدية هو قولها إن روايتها التي تستعد لإصدارها ستكون الأخيرة من هذا الصنف الطويل الذي يحتاج جهد سنوات. «لأن العالم، يبدو وكأنه دخل في حالة جمود مدمر، ولم يعد يستحق روايات طويلة وشيقة. كما يتناقص عدد الراغبين في قراءة هذا النوع من الكتب باستمرار»، وتضيف أنه في الماضي، كانت هذه الكتب تحظى بشعبية كبيرة. «أما الآن، فبالنسبة للكثيرين، تُعد قراءة رواية تحدياً شاقاً». وهي تأسف لأن غالبية القراء يسعون لمعرفة نهاية روايتها التي قضت سبع سنوات في تأليفها «كتب يعقوب» وتقع في ألف صفحة باللجوء إلى ملخصات صغيرة، وهو ما يحرم العمل حقه والكاتب أن يرى مردوداً لجهده وصبره.

الخطير في الأمر أن نرى أديبة عالمية الصيت، بلغت 64 من عمرها، قضت عمرها كله في كتابة الروايات، نالت أعظم الجوائز، وتوجت متفوقة على كل أقرانها، تقول إن هذا الصنف من الكتابة لم يعد له من قراء، وتعبر عن يأسها ومرارتها وكأنما كل ما كتبته يفقد قيمته بسرعة. «أتألم حين أفكر في أن أعمالاً أدبية كلاسيكية، كرّس لها أفرادٌ ذوو وعي كامل حياتهم، تتلاشى. أشعر بأسف بالغ على بلزاك، وسيوران، ونابوكوف الفريد، لأنه على الرغم من حماسي، لا أعتقد أن أي غرفة دردشة حديثة قادرة على نقل مثل هذا المعنى الرائع».

الذكاء الاصطناعي في نظر توكارتشوك قد يكون وسيلةً لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق

ووسط يأس بلغ غايته تخبرنا توكارتشوك، وهي الأديبة التي اشتهرت بموسوعيتها، بأنها لن تكتب رواية طويلة بعد اليوم، وذلك «لأسباب مالية»، وتفضل أن تتفرغ لكتابة القصص القصيرة. «لا يستطيع أي ناشر في السوق الحالية تحمل عبء عمل ضخم بسعر معقول، ودفع أجر عادل. من جهة أخرى، بعد كل هذه السنوات، أرهقتني عملية الكتابة والطباعة جسدياً ونفسياً. لذلك، سأركز على القصص القصيرة».

الأدب لا يستحق التضحية

تقول: «إذا قارنا عدد الساعات التي قضيتها في تأليف (كتب يعقوب) بأجر عامل، فلن يشتريها أي ناشر». الذكاء الاصطناعي، في نظرها، قد يكون وسيلة لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق، مما يجعل إنتاج الروايات الطويلة مجدياً اقتصادياً. لكن هل حقاً بات الهدف الوحيد للكتّاب هو الربح المالي، ومن دون ذلك يتوقفون عن الكتابة. وإن كان الأمر كذلك فالأديبة البولندية حصدت من الأدب ما لم يحلم به غيرها. فإضافة إلى ما نالته من الجوائز، ترجمت إلى أكثر من 25 لغة وباعت ملايين النسخ. فهل حقاً لا يزال بمقدورها اعتبار نفسها مظلومة كأديبة وعليها أن تتوقف؟ ثم أليس هناك من عودة وحنين إلى كبار الكتاب الكلاسيكيين؟ وهناك طلب مستجد حتى على الكتب الورقية القديمة؟ فلماذا تستعجل أديبة بمستوى توكارتشوك وبحكمتها لاستخلاص النتائج؟

كتبت صحافية بولندية مرموقة رداً على الأديبة النوبلية تقول لها إن أي مجتمع يسعى باستمرار إلى إيجاد قدوة. وبالنسبة لكثيرين، كانت الحائزة البولندية على جائزة «نوبل» إحدى هذه القدوات. فهل ستظل كذلك بعد تصريحاتها الجريئة والمثيرة التي تستدعي إعادة التفكير في أمور عديدة حساسة ومفصلية؟

كلام توكارتشوك يكشف عن أزمة وجودية عميقة تواجه الأديب مهما بلغت مكانته، ومستواه الإبداعي وهو يعيش مزاحمة الآلة له، وتهميش دوره، ولجوء القراء لقرصنته، وتلخيص أعماله، والاكتفاء منها بما يختصره الذكاء الاصطناعي في جمل قليلة وسريعة.


رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة
TT

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية، في سنوات الشدّة حيث كانت تنطلق منها الرحلات طلباً للعيش نحو أطراف الجزيرة وبلاد الشام والعراق. فبعد وباء الطاعون الذي اجتاح الجزيرة العربيّة، يرتحل تسعة رجال يحلمون بالثراء من بريدة (في منطقة القصيم/ وسط السعودية) برّاً إلى الكويت. من بين هؤلاء الرجال «سَيْل»، الذي ترك وراءه أهلاً وزوجة أحزنَهم رحيله.

بعد تنقّله في عدّة أشغال، ينتهي الأمر بسَيْل غوّاصاً يجمع اللآلئ. وخلال رحلة بحريّة، تتحطّم إحدى السفن التي لم يكن من ركّابها، لكنّ مريدي السوء في بريدة يفتعلون خبر وفاته، فينشرونه على لسان «المهابيل».

بعد الكويت، يحطّ سَيْل الرحال في الهند، فـ«الهند هندك إذا قلّ ما عندك» كما يقول المثل في ذلك الزمان. وفعلاً يرتقي هناك في التجارة ويصبح ثريّاً، لكنّ طيف زوجته العنود لا يبارح مخيّلته.

الآن وقد حقّق ما اغترب لتحقيقه، فقد آن أوان العودة.

ويعود سَيْل إلى بلاده ثريّاً، لكنّه يعود «ميتاً» في سجلّات النفوس. كيف سيثبت أنه ما يزال حياً؟ وكيف سيستعيد زوجته التي تزوّجتْ في غيابه مرغمة؟!

وسبق لعبد الله العرفج أن أصدر روايتين: «غرناطة لا تعرفني» و«ريش أحمر»، ومجموعة قصصيّة بعنوان «وجوه لا ترى الشمس».

مقتطف من الرواية

كان في أثناء الطريق يفكّر كيف يخرج من المأزق الذي وضع نفسه فيه عندما قَبِلَ الذهاب معه، وماذا يقول له؟ هل يخفي عنه ما حدث؟ وكيف يخبره بأنّه ميت وأنّ زوجته تزوّجتْ غيره دون أن يشعر بالمهانة؟ لكنّه بالتأكيد لن يقول إنّه لم يفعل شيئاً في تلك الليلة السوداء.

حين وصلا إلى حديقة منزل أبي باسم، وجد نفسه يعترف، ويلوم المرأة التي أحبّها معتقداً أنّها خانتْه. كان أبو باسم يستمع إليه باهتمام مدركاً حجم الوجع الذي يعانيه.

– لا عليك، لكن لا تظلم المرأة؛ فقد غبتَ عنها سنين طويلة، وجاءتْها الأخبار بأنّكَ ميت.

– أَوَتُصدّق؟

– ألَم تُصدّق بريدة كلُّها؟

– حتّى لو متُّ، أليس من الوفاء أن تحترم ذكراي؟

...

–رفقاً بنفسكَ، ودعني أقل لكَ شيئاً مختلفاً قد يُنسيكَ ما أنتَ فيه.

– ماذا؟

– لديك رأس مال كبير، وطاقة وقدرة هائلتان على العمل، ولا ينقصكَ الذكاء، لا ينفعكَ جلوسكَ من دون عمل.

– لا أخفيكَ أبا باسم، كنتُ أفكّر في تصدير بعض الموادّ إلى المملكة.

– هذا بالضبط ما أردتُ أن أعرضه عليكَ، ومكتبكَ جاهز، منه تنطلق في أعمالكَ، وإذا لم يُعجبْكَ، بإمكانكَ تركه متى شئتَ، وهو مساهمة بسيطة منّي في هذا العمل المبارك. أؤيّدكَ في التصدير إلى بلدكَ، فهو على وشك نهضة وتأسيس دولة حديثة، وفي ظلّ هذا النموّ، سيَزداد استهلاك الناس لذلك أنصحكَ البدء بتصدير نوعَيْن من الأصناف هما الأرز والشاي بالدرجة الأولى، ثمّ التوابل. وهي متوفّرة في هذه البلاد وتَكلفتها قليلة جدّاً، وإن شئتَ التوسّع فأَضِف الأقمشة وغيرها ممّا اشتُهِرَتْ به الهند... بالنسبة إلى الشاي والأرز، الأفضل أن تتواصل مع أصحاب المزارع مباشرةً لِتَحصل على أسعار أرخص. أمّا التوابل، فليس أفضل من التعامل مع تُجّار التوابل الكبار في سوق التوابل العظيم، وسوف أعرفّكَ إلى وكلاء ومُوَزّعين جيّدين في نجد والحجاز والمنطقة الشرقيّة من المملكة.

... ولكن إيّاكَ أن تبقى طويلاً في بلاد الغربة.

– لماذا؟

– إن أطلتَ فإنّكَ لن ترى نجد مرّة ثانية، ستموت هنا، ولذلك أنصحكَ ألّا تطمع، وألّا تتزوّج من نساء هذه البلاد، ولا يغرّكَ جمالهنّ.

– مستحيل، لا أريد أن أموت هنا، تراب نجد بل غبارها أغلى بكثير من ذهب ممباي.

– إذن تعالَ معي لأُريكَ ما تبقّى لنا من نجد.

– أين؟

– إلى عنيزة الصغيرة، تعالَ معي.

... تناول (أبو قاسم) صندوقاً حديديّاً متوسّط الحجم. سحبَ من جَيبه مجموعة مفاتيح، أخذ يقلّبها واحداً تلو الآخر، ثمّ وضع إحداها بين إصبعَيه الواهنَين وفتح الصندوق الحديدي. أخرج من داخله صندوقاً خشبيّاً صغيراً، بدا مطليّاً بالذهب، ثم التفتَ إلى سَيْل وقال:

– ماذا تتوقّع أن يكون في داخله؟

– ذهب؟

– أغلى من الذهب.

– كافور؟

– أكيد أغلى من الكافور، الكافور رخيص يا سَيْل.

قالها وهو يضحك بصوت عالٍ.

– إذن ما هو الشيء الأغلى من الذهب؟

– دعنا نرَ.

أحضر مفتاحاً أصغر، وفتح الصندوق بسلاسة، وقرّبه من سَيْل قائلاً:

– اُنظر أو شُمَّ إن كنتَ لا ترى.

– رأيتُ؛ هذا تراب، هل يعني لك شيئاً؟

– نعم إنّه أغلى من الذهب، وأغلى من الكافور. هذا ترابٌ نجديّ، كلّما حَننتُ إليها فتحتُه وشممتُه.

قال ذلك بتأثُّر، ثمّ قرّبه من وجهه. في لحظة صمت، كان ينظر إلى الرمل بحنوّ ورهبة وسلام، وكان مصغياً باهتمام، وكأنّ حبّات الرمل تهمس إليه.


السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي
TT

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة كوسيلة للقتل، مع دقة علمية عالية في وصفها وتأثيرها، كما تربط بين أحداث أعمالها والحقائق العلمية والتاريخية حول التركيبات الدوائية الخطيرة، التي لم تكن مجرد أداة في حبكة درامية، بل عنصراً أساسياً في بناء الألغاز وتشويق القارئ.

ويمزج الكتاب، الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة، وترجمة داليا سابق، بين كواليس أدب الجريمة ودقة المختبرات العلمية، دون أن يتوقف عند حدود السرد القصصي، بل يغوص في جوانب جديدة من عبقرية ملكة الجريمة «أغاثا كريستي»، مستعرضاً كيف استغلت خبرتها العملية كممرضة وصيدلانية خلال الحرب لتوظيف السموم في رواياتها بدقة مذهلة.

يستعرض الكتاب 14 نوعاً مختلفاً من السموم، استُخدمت في أشهر جرائم المحقق هيركيول بوارو، والآنسة ماريل، موضحاً الخصائص الكيميائية لكل سم وتأثيراته الفتاكة على الجسم البشري، ولماذا اختارت كريستي هذا النوع أو ذاك تحديداً لإيقاع ضحاياها في شباك القاتل. وهذه السموم هي الزرنيخ، البيلادونا، السيانيد، الديجيتاليس، الأزيرن، الشوكران، الأكونيتين، النيكوتين، الأفيون، الفسفور، الريسن، الستركنين، الثاليوم، الفيرونال.

ويحتفي الكتاب في جانب من جوانبه بذكاء المرأة التي جعلت من الكيمياء سلاحاً أدبياً فتاكاً، ويقدم وجبة دسمة لكل محبي الغموض الذي سيرونه دليلاً مرجعياً ممتعاً سيغير من طريقتهم في قراءة القصص البوليسية، ويجعل من العلم شريكاً في فكّ طلاسم ما يسمى بالجريمة المثالية.

من فيلم جريمة في قطار الشرق السريع

تشير المؤلفة في البداية إلى أن المعرفة التي تحلت بها أغاثا كريستي فيما يتعلق بالسموم كانت بلا شك استثنائية، فقلة من الروائيين هم الذين يقرأ الأطباء أعمالهم، كونهم مصدراً مرجعياً لحلّ قضية تسمم حقيقية، لافتة إلى أن كريستي في أثناء الحرب العالمية الأولى تطوعت للعمل ممرضة لدى المستشفى المحلي في مدينة «توركواي»، جنوب غربي إنجلترا، حيث راقها العمل كثيراً، لكن عند افتتاح صيدلية جديدة بالمستشفى طرحت فكرة نقلها إليها، حيث تطلبت وظيفتها الجديدة مزيداً من التدريب، كما استوجبت اجتياز اختبارات معينة تؤهلها لوظيفة مساعد صيدلي، وهذا بالضبط ما نجحت فيه عام 1917.

في تلك الفترة، ولكثير من الأعوام اللاحقة، كانت تحضر الوصفات الطبية يدوياً في متجر كيميائي أو صيدلية المستشفى حيث توزن السموم والعقاقير الخطرة بحرص شديد، ثم يتفحصها الصيدلي قبل صرفها، وقد تضاف بعد ذلك المكونات غير الضارة مثل الصبغات أو الأطعمة حسب الذوق الشخصي للفرد.

أوضحت كريستي في سيرتها الذاتية أن هذا الأمر أدى إلى إعادة كثير من الأشخاص الأدوية التي ابتاعوها، لأنها بدت غريبة واختلف مذاقها عن المعتاد، لكن طالما يُحضّر الدواء المطلوب بالجرعات الصحيحة فإن الأمور تسير على ما يرام، لكن لا مفر من وقوع الأخطاء في بعض الأحيان.

تحضيراً لاختبار جمعية الصيادلة، درست كريستي الجوانب العملية والنظرية في علم الكيمياء والصيدلة بمساعدة زملائها بالصيدلية. وبالإضافة إلى عملها ودروسها بالمستشفى، تلقت تعليماً خاصاً من أحد الصيادلة التجاريين بمدينة توركواي، يدعى السيد «بي».

وفي أحد الأيام وضمن جزء من تدريبها، أراها السيد «بي» كيفية تحضير نوع معين من العقار الطبي بطريقة صحيحة، كانت مهمة دقيقة تتطلب كثيراً من المهارة، إذ كان يذيب زبدة الكاكاو ويضيف إليها الدواء المطلوب ثم ينتظر اللحظة المناسبة التي يخرج فيها العقار من القوالب المخصصة لها. بعد ذلك، يعمل على تعبئتها ويضع عليها الملصقات التي تشير إلى أن نسبة الدواء هي 1 في المائة من المحتوى الكلي للمنتج.

في إحدى المرات كانت كريستي مقتنعة أن الصيدلي ارتكب خطأ في نسبة الدواء، وأضاف جرعة تساوي واحداً إلى 10 من المنتج الكلي للدواء، أي أكثر من 10 مرات من الجرعة المطلوبة، ما قد يشكل خطراً على من يتلقاها. لذا راجعت حساباته في الخفاء، وتأكدت بنفسها من وقوع الخطأ بالفعل. لم تعرف كيف تواجه معلمها بالخطأ الواقع. وفي الوقت نفسه، تخوفت بشدة من فكرة صرف هذا الدواء القاتل. لذلك تظاهرت بالتعثر وأسقطت علب الدواء على الأرض، وسحقتها بقدمها عن عمد، لتتحقق من تلفها. وبعد إسهابها في الاعتذار وتنظيف الفوضى العارمة التي تسببت بها، قاما بتحضير مجموعة جديدة من الدواء، وهذه المرة بالجرعة الصحيحة.

اعتاد السيد بي إجراء حساباته باستخدام النظام المتري، في وقت ساد فيه استخدام النظام الإمبراطوري للقياس في أنحاء بريطانيا العظمى، لكن الكاتبة الملقبة بـ«ملكة أدب الجريمة»، لم تأمن للنظام المتري لأنه في حال وقوع خطأ تتضاعف العواقب 10 مرات، وهذا هو الخطر الأكبر، فبوضعه للنقطة العشرية في غير موضعها الصحيح ارتكب السيد «بي» خطأ فادحاً في تقدير نسب العقار، لذا فضّلت كريستي نظام الصيدلة التقليدي الذي استند إلى قياس الجرعات الدوائية بوحدات مختلفة.

وفي أحد الأيام، أخرج السيد «بي» من جيبه كتلة بنية اللون، وسألها عن ماهيتها، ترددت كريستي في إجابتها، فشرح لها أنها قطعة «كورار»، وهى مادة سامة استخدمها صيادو أميركا الجنوبية على أطراف سهامهم للصيد.

واللافت أن «الكورار» في الأساس هو مركب آمن صالح تماماً للأكل، لكنه مميت إذا حُقن مباشرة في الدم. أخبرها السيد «بي» أنه يحمله معه في كل مكان، لأنه يمنحه شعوراً بالقوة. وبعد ما يقارب 15 عاماً، أحيت أجاثا كريستي سرّ السيد «بي» المثير للريبة، عبر شخصية الصيدلي في روايتها «الحصان الأشهب».

واستطاعت مؤلفة الكتاب، كاثرين هاركاب، أن تمد جسراً فريداً بين العلوم المعقدة وعالم الأدب، حيث حصلت على درجة الدكتوراه في الكيمياء، لكن شغفها لم يتوقف عند حدود المختبرات، بل انتقل إلى مجال التواصل العلمي، حيث تخصصت في تفكيك العلوم الكامنة وراء القصص الخيالية والشخصيات الشهيرة، كما يغلب على أسلوبها الطابع الاستقصائي الذي يجمع بين الدقة الأكاديمية وروح الفضول، ما جعلها من أبرز الكتّاب الذين يعيدون قراءة ونقد الكلاسيكيات الأدبية من منظور علمي معاصر.