جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين

وصلت إلى الرئاسة في ذروة أزمة سياسية ودستورية غير مسبوقة

جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين
TT

جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين

جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين

في الثاني عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 تولّت المحامية والنجمة التلفزيونية جانين آنييز مهام رئاسة جمهورية بوليفيا، لتصبح المرأة الثانية التي تتبوأ هذا المنصب في بلادها بعد ليديا تيخادا التي تولّته لفترة سنتين أواخر العقد الثامن من القرن الماضي. إلا أن رئاسة آنييز، التي كانت مؤقتة، لم تدم سوى أحد عشر شهراً بعدما تراجعت عن قرارها الترشّح للانتخابات الرئاسية عن التيار اليميني. وبالنتيجة، أسفرت الانتخابات عن فوز الاشتراكي لويس آرسي الذي تسلّم منها الرئاسة في الثامن من نوفمبر 2020.
وكان وصول آنييز إلى سدة الرئاسة البوليفية قد حصل في ذروة أزمة سياسية ودستورية غير مسبوقة، بدأت باستقالة الرئيس الاشتراكي إيفو موراليس تحت وطأة الضغوط التي تعرّض لها من قادة الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة ولجوئه إلى سفارة المكسيك خوفاً من اعتقاله. وبعد ذلك، خروجه من بوليفيا تحت حماية دبلوماسية إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، ومنها إلى العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، حيث عاد ليقود المعارضة ضد آنييز والقوى اليمينية التي كانت تدعمها بتأييد من الولايات المتحدة.
وفي الرابع عشر من مارس (آذار) الفائت صدر عن النيابة العامة البوليفية قرار بإيداع آنييز الحبس الاحترازي في انتظار محاكمتها بتهمة التمرّد والإرهاب والتآمر، وذلك بسبب دورها في الأحداث التي أدت إلى استقالة موراليس وانتهت بوصولها إلى الرئاسة. ويوم السبت الماضي حاولت آنييز الانتحار في زنزانتها بعدما مدّد القضاء فترة اعتقالها ستة أشهر إضافية، إلا أن الأطباء تمكنوا من إنقاذها بعدما أقدمت على قطع شرايين معصمها وتركت رسالة تقول فيها إنها لم تعد لديها رغبة في الحياة.
نشأت جانين آنييز في بيئة ريفية فقيرة في بوليفيا. وهي الصغيرة بين سبعة أشقاء تعيلهم والدة مدرّسة، لتنتقل لاحقاً وهي في الثامنة عشرة من عمرها إلى العاصمة لا باز، حيث التحقت بعدد من معاهد الإرساليات الأميركية لتدرس اللغة الإنجليزية وإدارة الأعمال. ومن ثم، انتقلت هذه المرأة الطموح إلى مدينة ترينيداد، حيث تعرّفت على زوجها الأول الذي كان ناشطاً سياسياً في حزب الوحدة المدنية اليميني قبل أن يصبح رئيساً للمجلس البلدي.
في تلك الفترة كانت آنييز تتابع تحصيلها الجامعي وتتخرّج محامية متخصّصة في القانون الدستوري، لتبدأ بعد ذك مسيرة إعلامية ناجحة كنجمة تلفزيونية، قبل أن تنخرط في العمل السياسي كعضو بارز في اللجنة التنفيذية للحركة الديمقراطية الاجتماعية.
في عام 2006، عندما كانت لا تزال في التاسعة والثلاثين من عمرها، فازت في الانتخابات لعضوية الجمعية التأسيسية المكلّفة وضع دستور جديد للبلاد. وفي عام 2009 فازت بعضوية مجلس الشيوخ. ثم كرّرت فوزها في انتخابات عام 2014. وهكذا، أصبحت النائب الثاني لرئيس المجلس قبل اندلاع الأزمة السياسية والدستورية التي نشأت عن استقالة إيفو موراليس.

تنحّي موراليس
في الحادي عشر من نوفمبر 2019 أعلن موراليس تخلّيه عن رئاسة بوليفيا بعدما تخلّى عن تأييده قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، بل وطالبوه بالاستقالة إثر فوزه بولاية ثالثة في الانتخابات التي خاضها في أعقاب تعديل الدستور الذي كان يمنع تولّي الرئاسة لأكثر من ولايتين. وعندما رفض نائب الرئيس الفارو غارسيّا ورئيسة مجلس الشيوخ آدريانا سالفاتييرا ورئيس مجلس النواب فيكتور بوردا تولّي الرئاسة تضامناً مع موراليس، واحتجاجاً على ما وصفوه بـ«الانقلاب على الشرعية»، اتجهت الأنظار إلى جانين آنييز كمرشحة لتولّي الرئاسة الشاغرة، لكن السياسية اليمينية وجدت نفسها تواجه معارضة الأغلبية البرلمانية المؤيدة لموراليس.
مع هذا، في الثاني عشر من نوفمبر 2019، بدعم الأجهزة الأمنية والعسكرية، جرى إعلان تنصيب جانين آنييز رئيسة لبوليفيا في جلسة برلمانية خاطفة رفضت الغالبية الاشتراكية حضورها بحجة مخالفتها للدستور. وفي اليوم التالي، أعلنت المحكمة الدستورية أن انتخاب آنييز قد تمّ «وفقاً للأصول المرعيّة حفاظاً على استمرارية السلطة التنفيذية في انتظار إجراء انتخابات رئاسية واشتراعية جديدة».
وبالتالي، بينما كانت معظم المدن والأرياف البوليفية تشهد احتجاجات شعبية واسعة ضد «الانقلاب» الذي أطاح موراليس، كانت «حكومة» آنييز منكبّة على وضع قانون يمهّد لانتخابات جديدة تفتح الطريق أمام الخروج من الأزمة التي كانت بدأت تهدد باندلاع حرب أهلية في بوليفيا. وبعد شهرين من المفاوضات المكثّفة بين القوى البرلمانية، على وقع الاضطرابات وأعمال العنف التي أوقعت عشرات القتلى في العاصمة وضواحيها، توصّل الطرفان المتنازعان إلى اتفاق حول قانون ينظّم الانتخابات. وبموجب هذا القانون يمنع موراليس من الترشّح مقابل تعهد الحكومة بسحب القوات المسلّحة من مناطق الاحتجاجات، وإسقاط المرسوم الذي يمنح الجيش والأجهزة الأمنية حصانة ضد الملاحقات القانونية، والإفراج عن المعتقلين من أنصار موراليس وتأمين الحماية للقادة السياسيين والنقابيين المؤيدين للرئيس السابق والتعويض على عائلات الضحايا الذين سقطوا في الاحتجاجات خلال الأزمة.

تغييرات الساسة الخارجية
اتسمت رئاسة آنييز القصيرة بتغييرات جذرية في السياسة الخارجية لبوليفيا بعد سنوات طويلة من حكم اليساري موراليس، الذي كان وثّق علاقات بلاده مع المعسكر الاشتراكي في أميركا اللاتينية. وبعد أيام قليلة من توليها الرئاسة عمدت آنييز إلى إقالة 85 في المائة من سفراء بوليفيا المعتمدين في الخارج واستعاضت عنهم بمفوّضين غير دبلوماسيين مقرّبين من خطها السياسي اليميني ومن القوات المسلّحة.
كذلك، منذ تولّيها الرئاسة ندّدت آنييز بالتدخلات الخارجية في شؤون بوليفيا، مشيرة بالتحديد إلى كولومبيا والبيرو وكوبا وفنزويلا. واتهمت هذه البلدان بالتحريض المباشر على المواجهات العنيفة التي شهدتها بوليفيا طوال أشهر بعد الانتخابات الرئاسية وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبعدما ألقت قوات الأمن البوليفية القبض على مواطنين أرجنتينيين وأعضاء سابقين في «القوات المسلحة الثورية» الكولومبية بتهمة التخطيط لأعمال الشغب، فإنها اعتقلت عدداً من «العملاء» الكوبيين بتهمة توزيع الأموال على مناصرين للرئيس السابق إيفو موراليس. وردّت كوبا على الاتهامات بأن الأموال التي كانت في حوزة المعتقلين كانت مخصّصة لرواتب الأطباء الكوبيين الذين يعملون في بوليفيا بموجب اتفاق للتعاون الثنائي بين البلدين، ثم قرّرت إعادة أكثر من 725 طبيباً لأسباب أمنية. وكانت وزارة الصحة البوليفية قد ادعت أنه بعد مراجعة الوثائق الشخصية للكوبيين في بوليفيا، تبيّن لها أن معظمهم لا يحمل شهادة في الطب ويكلّفون الخزينة العامة أكثر من 8 ملايين دولار سنوياً تصبّ معظمها في ميزانية النظام الكوبي. وفي مطلع العام الماضي، قرّرت آنييز قطع علاقات بلادها الدبلوماسية مع كوبا، متهمة هافانا بالتدخل في شؤون بوليفيا الداخلية وتقويض سيادتها الوطنية.
وبالنسبة لفنزويلا، وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على تولّيها مهام الرئاسة، أعلنت آنييز اعترافها بالزعيم المعارض خوان غوايدو (المدعوم من واشنطن) رئيساً مؤقتاً لفنزويلا. وقرّرت قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام نيكولاس مادورو اليساري وأمهلت البعثة الدبلوماسية الفنزويلية ثلاثة أيام لمغادرة البلاد. وكذلك طلبت من غوايدو تعيين سفير جديد لفنزويلا في بوليفيا.

معاداة المكسيك والأرجنتين
حتى العلاقات بين بوليفيا والمكسيك لم تسلم هي أيضاً من الاهتزازات مع وصول آنييز إلى الرئاسة؛ وذلك بسبب منح الحكومة المكسيكية حق اللجوء السياسي لموراليس وتسهيل خروجه من لا باز. وكان الأخير قد لجأ إلى السفارة المكسيكية التي رفضت تسليمه إلى الحكومة البوليفية، التي فرضت قواتها الأمنية طوقاً أمنياً حول مبنى السفارة لأسابيع عدة قبل أن تسمح بخروج موراليس ومغادرته البلاد على متن طائرة رسمية مكسيكية.
ولاحقاً، مع وصول موراليس إلى الأرجنتين تلبية لدعوة الرئيس الجديد البرتو فرنانديز بعد يومين من انتخابه، شهدت العلاقات الأرجنتينية البوليفية توتراً متزايداً؛ إذ عرض فرنانديز على الرئيس البوليفي السابق الإقامة في بلاده كلاجئ سياسي يتمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها أي مواطن أرجنتيني من حيث حرية التعبير والتفكير والإدلاء بما يريد من تصريحات. وأيضاً، سمحت له الحكومة الأرجنتينية بتنظيم اجتماعات مع أنصاره والقيام بأنشطة سياسية من دون قيود.
في المقابل، بطبيعة الحال، رحّبت الولايات المتحدة من جهتها بوصول آنييز إلى الرئاسة. وأعلنت رغبتها في التعاون مع حكومتها لتنظيم انتخابات جديدة في أقرب الآجال، وإرسال سفير جديد إلى بوليفيا بعد عشر سنوات من سحب سفيرها السابق على عهد موراليس.
غير أنه، بعد الانتخابات الرئاسية والاشتراعية التي كانت مقررة في مايو (أيار) من العام الفائت وجرى تأجيلها إلى أكتوبر (تشرين الأول) بسبب من جائحة «كوفيد - 19» وجدت آنييز نفسها في محيط داخلي وخارجي مختلف كلّياً عن الذي كانت تتحرك فيه إبّان فترة توليها الرئاسة. إذ أسفرت الانتخابات عن فوز واضح للمرشح الاشتراكي الذي يدعمه موراليس، وحصول الأحزاب اليسارية المؤيدة له على الغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب، وجرى هذا تقريباً بالتزامن تقريباً مع انتقال الرئاسة الأميركية من دونالد ترمب إلى جو بايدن.

نهاية «شهر العسل»
وحقاً، في الثالث عشر من مارس الفائت داهمت قوة من الشرطة منزل آنييز واقتادتها إلى السجن؛ تنفيذاً لمذكرة جلب صدرت عن النيابة العامة، وقضت بإيداعها الحبس الاحترازي، إلى جانب أربعة من الوزراء السابقين في حكومتها. وحصل هذا، مع أن التحقيقات الجارية في ملف القضية كانت تتناول الأحداث التي سبقت استقالة موراليس، أي قبل أن تتولّى آنييز مهام الرئاسة.
وعلى الأثر، أثار اعتقال الرئيسة البوليفية السابقة موجة من الاحتجاجات المحلية والإقليمية، كانت أبرزها التصريحات التي صدرت عن الأمين العام لمنظمة البلدان الأميركية لويس الماغرو الذي قال، إن القضايا القانونية الكبرى التي تتناول فترة حكم موراليس وآنييز، بما فيها تلك التي تشمل «جرائم ضد الإنسانية»، يجب أن تنظر فيها الهيئات والمحاكم الدولية. واعتبر الماغرو أن القضاء البوليفي الخاضع للسلطة السياسية «ليس موضع ثقة للنظر في هذه القضايا». وأعلن أنه سيبادر شخصياً إلى إحالة هذه القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية. لكن الحكومة البوليفية التي يرأسها لويس آرسي رفضت تصريحات الماغرو التي وصفتها بالتدخل غير المقبول، واعتبرت اقتراحه غير قانوني.
من جهة ثانية، منظمات حقوقية غربية مثل «العفو الدولية» و«هيومان رايتس ووتش» أيضاً أعربت عن شكوكها في شرعية توقيف آنييز بتهمة التآمر والانقلاب على الحكم. ورأت في قرار النيابة العامة استخداماً للقضاء بهدف تحقيق غايات سياسية. وبينما اعتبرت المعارضة اليمينية أن اعتقال الرئيسة السابقة «خطوة استبدادية»، قال الرئيس البوليفي الأسبق كارلوس ميسا، إن تصرّف السلطات مع آنييز هو «من أسوأ أنواع المعاملة»، متهما الرئيس الحالي بـ«ممارسة العنف الكيدي والنزعة الانتقامية».
هذا، وبعدما تمكّن الأطباء من إنقاذ آنييز في زنزانة السجن، صرّح وكيل دفاعها بأنها «في وضع صحي سيئ جداً وتحتاج إلى الراحة لكونها في حال من الوهن والاكتئاب العميق». وقال ناطق بلسان الاتحاد الأوروبي إنهم في الاتحاد يتابعون «بقلق شديد» الأنباء عن وضع الرئيسة البوليفية السابقة. وأعرب عن أمله في أن تضمن السلطات المسؤولة حقها في الصحة الجسدية والنفسية التامة.
أخيراً، تجدر الإشارة أن آنييز البالغة من العمر 54 سنة لا تزال في انتظار المحاكمة بتهمة الإبادة والإرهاب والتآمر خلال الأحداث التي جرت في بداية ولايتها القصيرة. وهي الأحداث التي أدت إلى وقوع أكثر من 30 قتيلاً ومئات الجرحى في الاشتباكات العنيفة التي دارت بين أنصار الرئيس الأسبق إيفو موراليس والقوى الأمنية. وقد رفضت النيابة العامة البوليفية حتى الآن مطالب عائلة آنييز ووكلاء الدفاع بنقلها إلى عيادة خاصة لمعالجتها.
وتقول ابنة آنييز عن أمها «تعيش في اضطراب دائم ومن دون راحة؛ إذ لا تعرف ماذا يعدّون لها... تخديرها أو تسميمها أو نقلها إلى مصير مجهول». وكانت الرئيسة السابقة قد نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي قبل محاولتها الانتحار رسالة جاء فيها «لم تعد عندي أي رغبة في الحياة. لا أريد تناول المزيد من الأدوية. إنني أطلب من سلطات السجن أن تقول لي ما هي الأدوية التي اتناولها».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.