ناشرون عراقيون: قطاع النشر هش حتى قبل الجائحة... ولا بد من تغيير أساليب العمل

دور النشر العربية... متغيرات جديدة وخطط لما بعد كورونا (2 - 2)

جانب من شارع المتنبي
جانب من شارع المتنبي
TT

ناشرون عراقيون: قطاع النشر هش حتى قبل الجائحة... ولا بد من تغيير أساليب العمل

جانب من شارع المتنبي
جانب من شارع المتنبي

نشرنا في الحلقة الأولى من ملف «دور النشر العربية في ظل كورونا وخطط هذه الدور لما بعدها»، شهادات عن الوضع القاتم التي مر بها قطاع النشر كما في كل القطاعات الأخرى، وتصورات واقتراحات لحلول تتماشى مع المتغيرات الجديدة لناشرين من السعودية ومصر ولبنان. وفي هذه الحلقة الثانية والأخيرة، مساهمات من ناشرين في العراق والمغرب:

من العراق، تقول د. غادة العاملي مدير عام «مؤسسة المدى»، التي تملك واحدة من أهم وأنشط دور النشر في العراق والوطن العربي وهي دار المدى،: «كما في العديد من البلدان العربية قطاع النشر منذ بداية انتشار الجائحة نهاية 2019 وبداية 2020. وما زالت آثارها مستمرة... بالنسبة للطبع، ونحن نطبع في لبنان بسبب الجودة وتوفر مواد الطبع بنفس الوقت، تأثرت المطابع هناك، وانعكس ذلك على جودة الطباعة. وبالنسبة للتوزيع نحن نعتمد بشكل أساسي على المعارض، وبسبب «كورونا» ألغيت جميع المعارض التي تقام سنوياً في البلدان العربية، وهو ما أدى لانخفاض مؤشر التوزيع، بالإضافة إلى أن المعارض هي فرصة لأصحاب دور النشر والناشرين لتبادل العناوين الحديثة بغرض التسويق... وهي أيضاً فرصة للقاء الناشرين وجمهور المعارض في البلدان التي تقام فيها والذين ينتظرون هذه المعارض بسبب الأسعار المخفضة. غياب المعارض قلل نسبة الشراء وبالتالي نسبة التوزيع».
وكانت دار «المدى» التابعة للمؤسسة، قد أقامت معرضاً على أرض الواقع في الأيام الأخيرة لعام 2020 وهو المعرض الثاني بعد معرض الشارقة، وخصصت مبلغ الأرباح في المعرض لشراء الكتب من الناشرين، لتهديها للجامعات العراقية والمكتبات العامة، مساهمة منها في التقليل من الأثر الذي أحدثته «كورونا».
ولعل من الأسباب التي فاقمت هذه الأزمة هو غياب الدعم الحكومي للناشرين أيضاً، وكذلك انتشار ظاهرة قرصنة العديد من العناوين في أسواق الكتب، وهذا الأمر أدى إلى مضاربات أثرت على سعر الكتاب الحقيقي، مما ترك أثره على الناشرين بشكل عام.
ومن المشاكل الأخرى، كما تضيف مدير عام مؤسسة المدى، هي عدم وصول الكتاب بشكل سريع بسبب الجائحة، حيث إن شحن الكتب الواصلة يتأخر أحياناً إلى ثلاثة أشهر، وهو ما أجبر العديد من القراء إلى اقتناء الكتب (المهكرة)، وفي الوقت نفسه نشطت بعض المواقع في الترويج بعيداً عن المسائلة القانونية، بعرض الكتب بنسخة الـ«بي دي إف»، وهذا ما أدى إلى خسارة للناشر وحتى مؤلف الكتاب. وأنا هنا أتحدث عن الدور التي تلتزم مع المؤلف بعقود طويلة المدى، وليس عن الدور التي تتقاضى أجوراً لقاء نشر الكتاب. و«نحن في (المدى) من الدور التي حافظت على طريقة تعاملها، وصارت أكثر انتقاءً للعناوين واختيارها، خاصة تلك التي تحقق الانتشار وباعتبار (المدى) مؤسسة ثقافية لها توجهاتها وفلسفتها».
ولكن، هل تغير أسلوب العمل الآن في ظل المتغيرات الجديدة وهل هناك خطط اعتمدتموها لما بعد كورونا؟
تجيب د. غادة العاملي: «على الناشر أن يمتثل لمثل هذه التغيرات. وقد لاحظنا تغيرات جدية لبعض الناشرين في تغيير أسلوب العمل منها أولاً إعادة النظر بمواقعها الإلكترونية حيث أسلوب البيع المباشر واستحداث إيصال الكتاب إلى القارئ مقابل أجور زهيدة جداً... والآن صار الناشر يطبع كمية قليلة تلبي الحاجة لمدة سنة واحدة، وصار التحويل إلى طباعة الديجيتال يعني كميات قليلة لكنها جيدة، وعند الحاجة يطبع كميات أخرى. وبالطبع، تختلف سياقات مهنة النشر في العالم العربي، عن تلك التي في الغرب، ففي الغرب توجد قنوات وشركات توزيع تتكفل بهذه المهمة، وهي طرق بيع غير معتادة في عالمنا العربي، إضافة إلى المكتبات الضخمة والتي يرتادها جمهور واسع».
شارع المتنبي لم يعد كما كان
من جهته، يقول مدير دار الرافدين محمد هادي، الناشر العربي هو الذي ينشر ويوزع، والعصب الرئيسي في التوزيع هي معارض الكتب، حيث يلتقي الناشر بالمؤلف والمترجم وبالموزع والمكتبي وبالصحافي المهتم بالشأن الثقافي وبالقارئ... إلخ. وللأسف، مهنة النشر عربياً، تعاني أساساً من الضعف وقلة الدعم، ويعتبر قطاع النشر أساساً قطاعاً هشاً، فلما ضرب فيروس كورونا، كان له وقعاً كبيراً على هذا القطاع. المشكلة الأكبر هي إلغاء معارض الكتب كافة، حتى جاء معرض الشارقة نوفمبر (تشرين الثاني) 2020) وبعدها معرض العراق ديسمبر (كانون الأول) 2020، الذي نظمته مؤسسة المدى بالتعاون مع جمعية الناشرين والكتبيين في العراق. هذان المعرضان يحسب لهما أنهما كسرا الحصار المطبق على الناشر، وكانت خطوة شجاعة من المنظمين، تحملوا مسؤولياتها وتخطوا عقباتها.
والملاحظ هو عدم تحرك المؤسسات الحكومية لدعم هذا القطاع في العراق، ولذلك كان على الناشر أن يواجه هذه الأزمة لوحده، وكانت الحلول تبعاً لذلك فردية وجزئية، منها ترشيد التكلفة وكم ونوع الإصدارات، ومحاولات تسويق بشتى الوسائل، حيث نجد ازدهاراً لمبيعات الأونلاين، لكن هذا أثر سلباً على حركة القراء في بؤر الكتاب وأماكن وجود المكتبات. فشارع المتنبي وهو واحد من أهم أسواق الكتب في الوطن العربي والذي يشهد إقبالاً كبيراً من جمهور القراء، أصبح بفضل الجائحة مقفراً. وعموماً، في العراق الوضع يختلف عن باقي الدول بسبب الفوضى التي يعيشها البلد. شعوب البلدان المرفهة تكون ميالة للقراءة فكيف ببلد يعيش في أزمات متتالية منذ عام 1980 ولغاية الآن، أن تكون حركة القراءة فيه بشكل موازٍ لبقية أقرانه من الدول؟
ويرى مدير دار عدنان للنشر، محمد عدنان أنه «مع تفشي الوباء لم تتأثر حركة بيع الكتاب بشكل كبير، لكن في مجال النشر نستطيع الجزم بأن أغلب دور النشر لم تستطع طباعة أي كتاب بسبب غلق المطابع، كما فرضت الجهات المختصة حظراً طويل الأمد ولأجل غير معروف، في أول شهر أغلقت جميع المكاتب لكن مع بداية الشهر الثاني كانت الفرصة متاحة لنا ولمكتبات أخرى لبيع الكتب من خلال توفير خدمة توصيل الكتب إلى المنزل، فكان الإقبال لافت للنظر بسبب عكوف أغلب القراء داخل منازلهم، مما زادهم لهفة لقراءة الكتب الجديدة، ويشير إلى أنهم استغلوا الوقت بالتجهيز للكتب العازمين على طباعتها من خلال القراءة اللغوية والإخراج والمراجعات وتصميم الأغلفة وغيرها، ومع رجوع الحياة إلى طبيعتها وانحسار القيود عدنا لطبع الكتب لكن بصورة قليلة ليس كالسابق بسبب العجز الذي أصاب سوق النشر وتوقف أغلب المعارض الدولية والتي تشكل أساس مبيعات الناشر العربي».
ويؤكد مدير دار «سطور للنشر» بلال محسن البغدادي، أن تداعيات جائحة كورونا: «أضافت لنا مشكلة أخرى، فليس من المعقول إقامة معارض للكتب، أو ندوة نقاشية عن كتاب صادر حديثاً، أو حفل توقيع للكتاب، من دون تقارب اجتماعي، وهو ما أثر سلباً على هذه التجارة التي هي بالأساس كانت متعثرة بسبب تطورات السوشيال ميديا والقراءة الإلكترونية، فضلاً عن قرصنة الكتب المطبوعة عن دور النشر الرصينة واستنساخها بطبعات رديئة ورخيصة تغري القارئ لاقتنائها». وهو يقترح إعادة النظر بمستوى سعر الكتاب، ليتناسب مع الأوضاع الاقتصادية للقارئ، واستحداث منصات إلكترونية رصينة لتسويق الكتاب الإلكتروني الذي يطلق موازياً لأي إصدار ورقي جديد، وتكون تحت إشراف جمعية الناشرين حصرياً».
رئيس جمعية الناشرين والكتبيين في العراق إيهاب القيسي يشير إلى أن الخيار الوحيد للناشرين هو التعامل مع الموجود، وذلك عن طريق الاعتماد على المتوفر في المستودعات وتنشيط الصفحات الإلكترونية، والاعتماد على التوصيل المنزلي، والبيع عبر صفحات السوشيال ميديا. وهو يرى أن الخطط الأولية هي تقليل كميات الطباعة والتوجه لما هو ضروري حصراً، وتقوية المنافذ الإلكترونية وتخفيض الأسعار بالعرض عبر صفحات السوشيال ميديا. وضع الناشر العربي سيكون صعباً جداً، وستنحسر المنافسة على المؤسسات ودور النشر الرصينة التي ستستطيع اجتياز الأزمة الحالية».
وعن دور الجمعية في تجاوز هذه الأزمة، يقول القيسي: «عملت الجمعية على فتح قنوات تواصل بين الناشرين العراقيين ومحطات البيع الإلكتروني خارج العراق، وتوفير أجنحة للناشرين الجدد في المعارض العربية القليلة التي أقيمت خلال هذه الفترة وكانت هذه الأجنحة مجانية وبتكليف موظف تعتمده الجمعية للإشراف على الجناح لتقليل النفقات على الناشر المبتدئ وتسهيل إيصال كتابه خارج العراق».


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.