ناشرون عراقيون: قطاع النشر هش حتى قبل الجائحة... ولا بد من تغيير أساليب العمل

دور النشر العربية... متغيرات جديدة وخطط لما بعد كورونا (2 - 2)

جانب من شارع المتنبي
جانب من شارع المتنبي
TT

ناشرون عراقيون: قطاع النشر هش حتى قبل الجائحة... ولا بد من تغيير أساليب العمل

جانب من شارع المتنبي
جانب من شارع المتنبي

نشرنا في الحلقة الأولى من ملف «دور النشر العربية في ظل كورونا وخطط هذه الدور لما بعدها»، شهادات عن الوضع القاتم التي مر بها قطاع النشر كما في كل القطاعات الأخرى، وتصورات واقتراحات لحلول تتماشى مع المتغيرات الجديدة لناشرين من السعودية ومصر ولبنان. وفي هذه الحلقة الثانية والأخيرة، مساهمات من ناشرين في العراق والمغرب:

من العراق، تقول د. غادة العاملي مدير عام «مؤسسة المدى»، التي تملك واحدة من أهم وأنشط دور النشر في العراق والوطن العربي وهي دار المدى،: «كما في العديد من البلدان العربية قطاع النشر منذ بداية انتشار الجائحة نهاية 2019 وبداية 2020. وما زالت آثارها مستمرة... بالنسبة للطبع، ونحن نطبع في لبنان بسبب الجودة وتوفر مواد الطبع بنفس الوقت، تأثرت المطابع هناك، وانعكس ذلك على جودة الطباعة. وبالنسبة للتوزيع نحن نعتمد بشكل أساسي على المعارض، وبسبب «كورونا» ألغيت جميع المعارض التي تقام سنوياً في البلدان العربية، وهو ما أدى لانخفاض مؤشر التوزيع، بالإضافة إلى أن المعارض هي فرصة لأصحاب دور النشر والناشرين لتبادل العناوين الحديثة بغرض التسويق... وهي أيضاً فرصة للقاء الناشرين وجمهور المعارض في البلدان التي تقام فيها والذين ينتظرون هذه المعارض بسبب الأسعار المخفضة. غياب المعارض قلل نسبة الشراء وبالتالي نسبة التوزيع».
وكانت دار «المدى» التابعة للمؤسسة، قد أقامت معرضاً على أرض الواقع في الأيام الأخيرة لعام 2020 وهو المعرض الثاني بعد معرض الشارقة، وخصصت مبلغ الأرباح في المعرض لشراء الكتب من الناشرين، لتهديها للجامعات العراقية والمكتبات العامة، مساهمة منها في التقليل من الأثر الذي أحدثته «كورونا».
ولعل من الأسباب التي فاقمت هذه الأزمة هو غياب الدعم الحكومي للناشرين أيضاً، وكذلك انتشار ظاهرة قرصنة العديد من العناوين في أسواق الكتب، وهذا الأمر أدى إلى مضاربات أثرت على سعر الكتاب الحقيقي، مما ترك أثره على الناشرين بشكل عام.
ومن المشاكل الأخرى، كما تضيف مدير عام مؤسسة المدى، هي عدم وصول الكتاب بشكل سريع بسبب الجائحة، حيث إن شحن الكتب الواصلة يتأخر أحياناً إلى ثلاثة أشهر، وهو ما أجبر العديد من القراء إلى اقتناء الكتب (المهكرة)، وفي الوقت نفسه نشطت بعض المواقع في الترويج بعيداً عن المسائلة القانونية، بعرض الكتب بنسخة الـ«بي دي إف»، وهذا ما أدى إلى خسارة للناشر وحتى مؤلف الكتاب. وأنا هنا أتحدث عن الدور التي تلتزم مع المؤلف بعقود طويلة المدى، وليس عن الدور التي تتقاضى أجوراً لقاء نشر الكتاب. و«نحن في (المدى) من الدور التي حافظت على طريقة تعاملها، وصارت أكثر انتقاءً للعناوين واختيارها، خاصة تلك التي تحقق الانتشار وباعتبار (المدى) مؤسسة ثقافية لها توجهاتها وفلسفتها».
ولكن، هل تغير أسلوب العمل الآن في ظل المتغيرات الجديدة وهل هناك خطط اعتمدتموها لما بعد كورونا؟
تجيب د. غادة العاملي: «على الناشر أن يمتثل لمثل هذه التغيرات. وقد لاحظنا تغيرات جدية لبعض الناشرين في تغيير أسلوب العمل منها أولاً إعادة النظر بمواقعها الإلكترونية حيث أسلوب البيع المباشر واستحداث إيصال الكتاب إلى القارئ مقابل أجور زهيدة جداً... والآن صار الناشر يطبع كمية قليلة تلبي الحاجة لمدة سنة واحدة، وصار التحويل إلى طباعة الديجيتال يعني كميات قليلة لكنها جيدة، وعند الحاجة يطبع كميات أخرى. وبالطبع، تختلف سياقات مهنة النشر في العالم العربي، عن تلك التي في الغرب، ففي الغرب توجد قنوات وشركات توزيع تتكفل بهذه المهمة، وهي طرق بيع غير معتادة في عالمنا العربي، إضافة إلى المكتبات الضخمة والتي يرتادها جمهور واسع».
شارع المتنبي لم يعد كما كان
من جهته، يقول مدير دار الرافدين محمد هادي، الناشر العربي هو الذي ينشر ويوزع، والعصب الرئيسي في التوزيع هي معارض الكتب، حيث يلتقي الناشر بالمؤلف والمترجم وبالموزع والمكتبي وبالصحافي المهتم بالشأن الثقافي وبالقارئ... إلخ. وللأسف، مهنة النشر عربياً، تعاني أساساً من الضعف وقلة الدعم، ويعتبر قطاع النشر أساساً قطاعاً هشاً، فلما ضرب فيروس كورونا، كان له وقعاً كبيراً على هذا القطاع. المشكلة الأكبر هي إلغاء معارض الكتب كافة، حتى جاء معرض الشارقة نوفمبر (تشرين الثاني) 2020) وبعدها معرض العراق ديسمبر (كانون الأول) 2020، الذي نظمته مؤسسة المدى بالتعاون مع جمعية الناشرين والكتبيين في العراق. هذان المعرضان يحسب لهما أنهما كسرا الحصار المطبق على الناشر، وكانت خطوة شجاعة من المنظمين، تحملوا مسؤولياتها وتخطوا عقباتها.
والملاحظ هو عدم تحرك المؤسسات الحكومية لدعم هذا القطاع في العراق، ولذلك كان على الناشر أن يواجه هذه الأزمة لوحده، وكانت الحلول تبعاً لذلك فردية وجزئية، منها ترشيد التكلفة وكم ونوع الإصدارات، ومحاولات تسويق بشتى الوسائل، حيث نجد ازدهاراً لمبيعات الأونلاين، لكن هذا أثر سلباً على حركة القراء في بؤر الكتاب وأماكن وجود المكتبات. فشارع المتنبي وهو واحد من أهم أسواق الكتب في الوطن العربي والذي يشهد إقبالاً كبيراً من جمهور القراء، أصبح بفضل الجائحة مقفراً. وعموماً، في العراق الوضع يختلف عن باقي الدول بسبب الفوضى التي يعيشها البلد. شعوب البلدان المرفهة تكون ميالة للقراءة فكيف ببلد يعيش في أزمات متتالية منذ عام 1980 ولغاية الآن، أن تكون حركة القراءة فيه بشكل موازٍ لبقية أقرانه من الدول؟
ويرى مدير دار عدنان للنشر، محمد عدنان أنه «مع تفشي الوباء لم تتأثر حركة بيع الكتاب بشكل كبير، لكن في مجال النشر نستطيع الجزم بأن أغلب دور النشر لم تستطع طباعة أي كتاب بسبب غلق المطابع، كما فرضت الجهات المختصة حظراً طويل الأمد ولأجل غير معروف، في أول شهر أغلقت جميع المكاتب لكن مع بداية الشهر الثاني كانت الفرصة متاحة لنا ولمكتبات أخرى لبيع الكتب من خلال توفير خدمة توصيل الكتب إلى المنزل، فكان الإقبال لافت للنظر بسبب عكوف أغلب القراء داخل منازلهم، مما زادهم لهفة لقراءة الكتب الجديدة، ويشير إلى أنهم استغلوا الوقت بالتجهيز للكتب العازمين على طباعتها من خلال القراءة اللغوية والإخراج والمراجعات وتصميم الأغلفة وغيرها، ومع رجوع الحياة إلى طبيعتها وانحسار القيود عدنا لطبع الكتب لكن بصورة قليلة ليس كالسابق بسبب العجز الذي أصاب سوق النشر وتوقف أغلب المعارض الدولية والتي تشكل أساس مبيعات الناشر العربي».
ويؤكد مدير دار «سطور للنشر» بلال محسن البغدادي، أن تداعيات جائحة كورونا: «أضافت لنا مشكلة أخرى، فليس من المعقول إقامة معارض للكتب، أو ندوة نقاشية عن كتاب صادر حديثاً، أو حفل توقيع للكتاب، من دون تقارب اجتماعي، وهو ما أثر سلباً على هذه التجارة التي هي بالأساس كانت متعثرة بسبب تطورات السوشيال ميديا والقراءة الإلكترونية، فضلاً عن قرصنة الكتب المطبوعة عن دور النشر الرصينة واستنساخها بطبعات رديئة ورخيصة تغري القارئ لاقتنائها». وهو يقترح إعادة النظر بمستوى سعر الكتاب، ليتناسب مع الأوضاع الاقتصادية للقارئ، واستحداث منصات إلكترونية رصينة لتسويق الكتاب الإلكتروني الذي يطلق موازياً لأي إصدار ورقي جديد، وتكون تحت إشراف جمعية الناشرين حصرياً».
رئيس جمعية الناشرين والكتبيين في العراق إيهاب القيسي يشير إلى أن الخيار الوحيد للناشرين هو التعامل مع الموجود، وذلك عن طريق الاعتماد على المتوفر في المستودعات وتنشيط الصفحات الإلكترونية، والاعتماد على التوصيل المنزلي، والبيع عبر صفحات السوشيال ميديا. وهو يرى أن الخطط الأولية هي تقليل كميات الطباعة والتوجه لما هو ضروري حصراً، وتقوية المنافذ الإلكترونية وتخفيض الأسعار بالعرض عبر صفحات السوشيال ميديا. وضع الناشر العربي سيكون صعباً جداً، وستنحسر المنافسة على المؤسسات ودور النشر الرصينة التي ستستطيع اجتياز الأزمة الحالية».
وعن دور الجمعية في تجاوز هذه الأزمة، يقول القيسي: «عملت الجمعية على فتح قنوات تواصل بين الناشرين العراقيين ومحطات البيع الإلكتروني خارج العراق، وتوفير أجنحة للناشرين الجدد في المعارض العربية القليلة التي أقيمت خلال هذه الفترة وكانت هذه الأجنحة مجانية وبتكليف موظف تعتمده الجمعية للإشراف على الجناح لتقليل النفقات على الناشر المبتدئ وتسهيل إيصال كتابه خارج العراق».


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
كتب امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان

«الشرق الأوسط» (بيروت)

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.


«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»
TT

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش. بدأ حياته عاملاً مُحتالاً صغيراً، يُهرِّب السجائر عبر الحدود، ويلهث في الكويت خلف اللذائذ العابرة، قبل أن يندمج في جماعة «الدعوة والتبليغ»، ثم تنصل منها ليصعد كأب كاريزمي لجماعة أُصولية مفتونة بالرؤى والأساطير، وصولاً إلى اللحظة الفارقة، حين قاد هجوماً على الحرم، وبايع فيه «المهدي» المزعوم، بين الركن والمقام، حيث كشف الحجاب عنه، إيذاناً بالملحمة النهائية.

ويطرح كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» مقاربة نقدية ورؤية تفكيكية مغايرة لسيرة جهيمان، وهو صادر عن دار جداول للنشر والترجمة، ومن تأليف الدكتورة لطيفة الشعلان، أستاذة علم النفس بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وعضوة مجلس الشورى السعودي، وهو يعالج الاختزالات التقليدية التي تقف عند حدود التحليل السياسي أو التشخيص الباثولوجي الإكلينيكي لـ«جهيمان العتيبي»، وتغوص في أعماق «سيكولوجيا الوعي المهدوي»، متتبعة مسارات القلق الوجودي وسؤال المعنى لدى شخصية هذه التراجيديا المؤلمة.

قصور الاختزال

لا تعلق الباحثة كل المسؤولية على «اليقين المهدوي» الذي أدّى بطبيعة الحال دوراً حاسماً في الحراك الذي انتهى بالاقتحام، لكنه لا يُقدِّم سوى نصف الإجابة عن السؤال التاريخي المُحيِّر، إذ يكمن النصف الآخر في بنية هذه الذات التي سمحت لهذا الإيمان أن يتشكّل، بكل ذلك الصدق والتماسك، وصولاً إلى اللحظة الفاصلة وما ترتّب عليها.

تضمنت نشأة جهيمان - في مرحلتي الطفولة والمراهقة - استدماجاً للمشاعر المُرتبطة بواقعة «السبلة» (1347 هـ / 1929 م)، وهي المشاعر التي سادت محيطه الاجتماعي، من الأُسرة والمسجد، وصولاً إلى القبيلة، ومن المُحتمل أن الحنين كان يشدّه إلى ماضي أسلافه، بحديث يُراوح بين التبجيل والأسى.

لكن الباحثة ترى أن هذه الاستحضارات الوجدانية تظل هامشية في سياق الدراما المهولة، التي بلغت ذروتها في عملية الاقتحام.«مجتمع الأوهام»

يكشف الكتاب عن كيفية تشكل «مجتمع أوهام» متكامل داخل أروقة الجماعة، حيث أصبحت مرويات الفتن وأشراط الساعة محاكاة يومية استهلكت وجدان الأفراد، لينكمش الواقع تدريجياً لصالح عالم موازٍ.

ولعبت «الأحلام والمنامات» دوراً محورياً في تغذية هذا الوهم؛ إذ وثقت الجماعة وصنفت ملفات تضم ما لا يقل عن 270 مناماً، تحولت من مجرد شطحات نفسية إلى «تأكيدات غيبية» يستند إليها الأفراد.

وتجلت المأساة في كون الفكرة المهدوية نشأت في فضاء هامشي عبر المزاح والمداعبات، قبل أن تتلقفها بيئة الإشارات والرموز، وتشكّلت دائرة ارتدادية خادعة، تبشير «محمد بن عبد الله» بنفسه بناءً على نبوءات ورؤى، ليصادق جهيمان عليها ويمررها للأتباع، الذين يعودون بدورهم للمهدي المزعوم كبراهين تصديق، لتستحيل كل ذات إلى مرآة تعكس ضلال الأخرى وتمنحها الشرعية.

هذه البدايات التي اتسمت بالخِفة العابرة، سُرعان ما وجدت في بيئة الإشارات والرموز والأحلام تربة خصبة للتشابك والنمو الملحمي، ليتكفل جهيمان بنقلها من سياق الهمس الخجول إلى صعيد «الحقيقة الكونية»، التي شكّلت في نهاية المطاف تلك التراجيديا التاريخية.

تقول الباحثة: «بفعل ذلك الاستغراق، كان الواقع ينكمش ويضيق تدريجياً لينغلق على عالم موازٍ، يحكمه مناخ غرائبي مشدود إلى الغيب، استهلك وجدان هؤلاء الرجال، وأخرجهم من سياق الواقع إلى حيِّز الانتظار الملحمي. ومع ذلك، لم يكن اليقين بظهور «المهدي» على درجة واحدة من الاستقرار في النفوس، إذ ظل بعضهم متوجساً حيال هذه الدعوى، وإن استمروا في فلك الجماعة، مدفوعين إما بالارتهان للآيديولوجية الرامية إلى التغيير الديني والأخلاقي، وإما انشداداً إلى سطوة القائد وشخصيته الكاريزمية».

القطيعة والإنكار

يرصد الكتاب محطات مفصلية شكلت الوعي الحركي لجهيمان، أبرزها حادثة تكسير «ألمانيكانات» والصور بالمدينة المنورة عام 1965، التي لم تكن مجرد اعتراض باليد، بل أعلنت قطيعة نهائية مع عالمه الراهن وموت براءته السياسية، لتتأسس بعدها بعام واحد (1966) الجماعة السلفية المحتسبة، التي انشق عنها هو الآخر، منفرداً بخط أكثر صرامة وتشدداً.

ومع حلول عام 1978، استقرت فكرة المهدوية في ذهنه، ليبدأ التحرك نحو السلاح عبر المهربين، ترتيباً لإطلالة القرن الهجري الجديد.

ورغم الحصار والتطورات الميدانية أثناء المواجهة داخل الحرم المكي، انقاد جهيمان لسيطرة يقينه اللامعقول؛ حيث مارس حالة نموذجية من «الانفصال عن الواقع»، وحين تسرب الشك بين صفوف أتباعه عقب مقتل «المهدي المزعوم»، واجه ذلك بغضب حاد، معتبراً إياه إرجافاً، مصرّاً على أن المهدي لا يُقتل، بل ينتظر «الخسف بالجيش».

تقول الباحثة: «تُوفِّر الرؤى الأُخروية للمؤمنين بها على المدى القصير شعوراً بالراحة والسكينة، وأملاً باكتمال المعنى، لكن هذا الاستقرار سرعان ما يضطرب حين تمرّ الأيام دون تحقق وعد الخلاص، وحينذاك يزداد الإحباط وتتراكم مشاعر الخواء والاغتراب، ما يُحيل هذه الرؤى الغيبية ذاتها إلى قوة ديناميكية تدفع أصحابها دفعاً نحو الكارثة».

غربة الروح وسؤال المعنى

تجلت لدى جهيمان رمزية بالغة، في اهتمامه المُفرط بالترتيب الزماني والمكاني للعلامات المرتبطة بخروج «المهدي»، ومحاولة مطابقتها قسرياً مع واقع السعودية المُعاش خلال سبعينات القرن العشرين.

لقد اندفع جهيمان تحت وطأة الاغتراب وانسداد الأفق في قفزة نحو اللامعقول، مسكوناً بقلق وجودي جارف سعى من خلاله إلى إعادة هيكلة الوجود، عبر تسريع المسير العنيف من الحاضر المأزوم إلى الغيب المنتظر؛ لتنتهي تلك المأساة باستسلامه الإجهادي، وصمته الواجم أثناء رحلته الأخيرة نحو القصاص، مخلفاً وراءه واحدة من أقسى السرديات المسيانية في التاريخ الحديث.

ورصدت الباحثة من خلال مصادرها، ومن بينهم مسؤول أمني مطلع على تفاصيل القضية، أن جهيمان لم يُبد أي مقاومة لحظة اعتقاله، إذ كان الإجهاد قد نال منه، وخلال مجريات التحقيق ظهر متماسكاً، مختزلاً العملية بأكملها في صورة اجتهاد تبيَّن أنه في غير محله.

وفي رحلته الأخيرة نحو تنفيذ حُكم القتل، برفقة سعيد بن عبد اللّه - شقيق «المهدي» - وأربعة محكومين آخرين، كان جهيمان واجماً طوال الطريق، شأنه في ذلك شأن رفاقه الخمسة الآخرين، فلم ينبس بكلمة واحدة.

وترى الباحثة أن «جهيمان يبقى حالة استثنائية مُتفرِّدة في يقينه المُطلق بأنه يُعاصر أواخر الزمان، وهو يقين استبدّ بمداركه وهيمن عليها، وصاغ خياراته الوجودية، ورسم مصيره الشخصي ومصائر الآخرين من حوله. فقد تجاوز هذا الاعتقاد كل حد مُتصور ليستحيل قوة تاريخية كبرى، أحدثت تأثيرات عميقة ومتعددة الأبعاد».


امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»
TT

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان والحب المنقطع، وتعيش صراعاً متواصلاً مع ذاكرتها وهويتها... تكبر المرأة وهي تحمل اسماً لا يشبهها، ووجوهاً كثيرة تخفي وراءها الخوف والذنب والوحدة.

في هذه الرواية (256 صفحة) يتسع السرد ليكشف لا عن تاريخ عائلة فحسب بل عن مجتمع، وسط التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر من أواخر الثمانينات إلى سنوات العنف المسلح.

إنها رواية عن آثار العنف المتوارث، وتبعات الفقد، والخوف من الأمومة، وتضحية النساء بذواتهن داخل الأسرة والزواج، إلى جانب محاولات استعادة الصوت والحلم من خلال التعليم والرسم والحب.

جاء في كلمة الناشر:

«لا جدار أبيض في منزل كاملة. هناك، تعيش وحيدة، محاطة بوجوه لا تعرفها. وجوه نساء من دون ملامح أو مشوّهة الملامح تكتظّ بها الجدران كيفما التفتت. لكنَّ وجهاً غريباً يبدأ، خارج حدود ذلك المنزل المتخم بالرسومات، بالظهور أمام كاملة في كلّ انعكاس: على واجهات المحالّ، ونوافذ الحافلات، والزجاج البارد للثلاجات. وجه امرأة لا تعرفها... لكن، مع ذلك، يبدو مألوفاً بشكل مقلق.

تخبر المحيطين بها أنَّ امرأة تلاحقها، وتترصدها. لكن لا أحد يصدقها، فلا تجد أمامها سوى العودة إلى الماضي، ومخالفة أهمّ قاعدة وضعتها لنفسها: ثلاث أيادٍ لن تسمح بأن تمسك بها يوماً: يد غريب، ويد عدوّ، ويد الذكريات.

في رحلةٍ تعود بها إلى ما حاولت طويلاً دفنه في غياهب ذاكرتها، تجد كاملة نفسها أمام سؤالٍ لم يخطر لها يوماً أن تطرحه:

هل يمكن للإنسان أن يفقد وجهه فعلاً، أم أنّ الحياة هي من تغيّره بصمت حتى يعجز عن التعرف إليه؟

من تكون المرأة التي تظهر في المرايا؟ ولماذا يبدو وجهها مألوفاً إلى هذا الحدّ؟». وكانت وئام شرماطي قد أصدرت روايتين: «قبر مكشوف على السماء» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة القلم الذهبي و«المرأة التي لا تشبه اسمها».