ناشرون عراقيون: قطاع النشر هش حتى قبل الجائحة... ولا بد من تغيير أساليب العمل

دور النشر العربية... متغيرات جديدة وخطط لما بعد كورونا (2 - 2)

جانب من شارع المتنبي
جانب من شارع المتنبي
TT

ناشرون عراقيون: قطاع النشر هش حتى قبل الجائحة... ولا بد من تغيير أساليب العمل

جانب من شارع المتنبي
جانب من شارع المتنبي

نشرنا في الحلقة الأولى من ملف «دور النشر العربية في ظل كورونا وخطط هذه الدور لما بعدها»، شهادات عن الوضع القاتم التي مر بها قطاع النشر كما في كل القطاعات الأخرى، وتصورات واقتراحات لحلول تتماشى مع المتغيرات الجديدة لناشرين من السعودية ومصر ولبنان. وفي هذه الحلقة الثانية والأخيرة، مساهمات من ناشرين في العراق والمغرب:

من العراق، تقول د. غادة العاملي مدير عام «مؤسسة المدى»، التي تملك واحدة من أهم وأنشط دور النشر في العراق والوطن العربي وهي دار المدى،: «كما في العديد من البلدان العربية قطاع النشر منذ بداية انتشار الجائحة نهاية 2019 وبداية 2020. وما زالت آثارها مستمرة... بالنسبة للطبع، ونحن نطبع في لبنان بسبب الجودة وتوفر مواد الطبع بنفس الوقت، تأثرت المطابع هناك، وانعكس ذلك على جودة الطباعة. وبالنسبة للتوزيع نحن نعتمد بشكل أساسي على المعارض، وبسبب «كورونا» ألغيت جميع المعارض التي تقام سنوياً في البلدان العربية، وهو ما أدى لانخفاض مؤشر التوزيع، بالإضافة إلى أن المعارض هي فرصة لأصحاب دور النشر والناشرين لتبادل العناوين الحديثة بغرض التسويق... وهي أيضاً فرصة للقاء الناشرين وجمهور المعارض في البلدان التي تقام فيها والذين ينتظرون هذه المعارض بسبب الأسعار المخفضة. غياب المعارض قلل نسبة الشراء وبالتالي نسبة التوزيع».
وكانت دار «المدى» التابعة للمؤسسة، قد أقامت معرضاً على أرض الواقع في الأيام الأخيرة لعام 2020 وهو المعرض الثاني بعد معرض الشارقة، وخصصت مبلغ الأرباح في المعرض لشراء الكتب من الناشرين، لتهديها للجامعات العراقية والمكتبات العامة، مساهمة منها في التقليل من الأثر الذي أحدثته «كورونا».
ولعل من الأسباب التي فاقمت هذه الأزمة هو غياب الدعم الحكومي للناشرين أيضاً، وكذلك انتشار ظاهرة قرصنة العديد من العناوين في أسواق الكتب، وهذا الأمر أدى إلى مضاربات أثرت على سعر الكتاب الحقيقي، مما ترك أثره على الناشرين بشكل عام.
ومن المشاكل الأخرى، كما تضيف مدير عام مؤسسة المدى، هي عدم وصول الكتاب بشكل سريع بسبب الجائحة، حيث إن شحن الكتب الواصلة يتأخر أحياناً إلى ثلاثة أشهر، وهو ما أجبر العديد من القراء إلى اقتناء الكتب (المهكرة)، وفي الوقت نفسه نشطت بعض المواقع في الترويج بعيداً عن المسائلة القانونية، بعرض الكتب بنسخة الـ«بي دي إف»، وهذا ما أدى إلى خسارة للناشر وحتى مؤلف الكتاب. وأنا هنا أتحدث عن الدور التي تلتزم مع المؤلف بعقود طويلة المدى، وليس عن الدور التي تتقاضى أجوراً لقاء نشر الكتاب. و«نحن في (المدى) من الدور التي حافظت على طريقة تعاملها، وصارت أكثر انتقاءً للعناوين واختيارها، خاصة تلك التي تحقق الانتشار وباعتبار (المدى) مؤسسة ثقافية لها توجهاتها وفلسفتها».
ولكن، هل تغير أسلوب العمل الآن في ظل المتغيرات الجديدة وهل هناك خطط اعتمدتموها لما بعد كورونا؟
تجيب د. غادة العاملي: «على الناشر أن يمتثل لمثل هذه التغيرات. وقد لاحظنا تغيرات جدية لبعض الناشرين في تغيير أسلوب العمل منها أولاً إعادة النظر بمواقعها الإلكترونية حيث أسلوب البيع المباشر واستحداث إيصال الكتاب إلى القارئ مقابل أجور زهيدة جداً... والآن صار الناشر يطبع كمية قليلة تلبي الحاجة لمدة سنة واحدة، وصار التحويل إلى طباعة الديجيتال يعني كميات قليلة لكنها جيدة، وعند الحاجة يطبع كميات أخرى. وبالطبع، تختلف سياقات مهنة النشر في العالم العربي، عن تلك التي في الغرب، ففي الغرب توجد قنوات وشركات توزيع تتكفل بهذه المهمة، وهي طرق بيع غير معتادة في عالمنا العربي، إضافة إلى المكتبات الضخمة والتي يرتادها جمهور واسع».
شارع المتنبي لم يعد كما كان
من جهته، يقول مدير دار الرافدين محمد هادي، الناشر العربي هو الذي ينشر ويوزع، والعصب الرئيسي في التوزيع هي معارض الكتب، حيث يلتقي الناشر بالمؤلف والمترجم وبالموزع والمكتبي وبالصحافي المهتم بالشأن الثقافي وبالقارئ... إلخ. وللأسف، مهنة النشر عربياً، تعاني أساساً من الضعف وقلة الدعم، ويعتبر قطاع النشر أساساً قطاعاً هشاً، فلما ضرب فيروس كورونا، كان له وقعاً كبيراً على هذا القطاع. المشكلة الأكبر هي إلغاء معارض الكتب كافة، حتى جاء معرض الشارقة نوفمبر (تشرين الثاني) 2020) وبعدها معرض العراق ديسمبر (كانون الأول) 2020، الذي نظمته مؤسسة المدى بالتعاون مع جمعية الناشرين والكتبيين في العراق. هذان المعرضان يحسب لهما أنهما كسرا الحصار المطبق على الناشر، وكانت خطوة شجاعة من المنظمين، تحملوا مسؤولياتها وتخطوا عقباتها.
والملاحظ هو عدم تحرك المؤسسات الحكومية لدعم هذا القطاع في العراق، ولذلك كان على الناشر أن يواجه هذه الأزمة لوحده، وكانت الحلول تبعاً لذلك فردية وجزئية، منها ترشيد التكلفة وكم ونوع الإصدارات، ومحاولات تسويق بشتى الوسائل، حيث نجد ازدهاراً لمبيعات الأونلاين، لكن هذا أثر سلباً على حركة القراء في بؤر الكتاب وأماكن وجود المكتبات. فشارع المتنبي وهو واحد من أهم أسواق الكتب في الوطن العربي والذي يشهد إقبالاً كبيراً من جمهور القراء، أصبح بفضل الجائحة مقفراً. وعموماً، في العراق الوضع يختلف عن باقي الدول بسبب الفوضى التي يعيشها البلد. شعوب البلدان المرفهة تكون ميالة للقراءة فكيف ببلد يعيش في أزمات متتالية منذ عام 1980 ولغاية الآن، أن تكون حركة القراءة فيه بشكل موازٍ لبقية أقرانه من الدول؟
ويرى مدير دار عدنان للنشر، محمد عدنان أنه «مع تفشي الوباء لم تتأثر حركة بيع الكتاب بشكل كبير، لكن في مجال النشر نستطيع الجزم بأن أغلب دور النشر لم تستطع طباعة أي كتاب بسبب غلق المطابع، كما فرضت الجهات المختصة حظراً طويل الأمد ولأجل غير معروف، في أول شهر أغلقت جميع المكاتب لكن مع بداية الشهر الثاني كانت الفرصة متاحة لنا ولمكتبات أخرى لبيع الكتب من خلال توفير خدمة توصيل الكتب إلى المنزل، فكان الإقبال لافت للنظر بسبب عكوف أغلب القراء داخل منازلهم، مما زادهم لهفة لقراءة الكتب الجديدة، ويشير إلى أنهم استغلوا الوقت بالتجهيز للكتب العازمين على طباعتها من خلال القراءة اللغوية والإخراج والمراجعات وتصميم الأغلفة وغيرها، ومع رجوع الحياة إلى طبيعتها وانحسار القيود عدنا لطبع الكتب لكن بصورة قليلة ليس كالسابق بسبب العجز الذي أصاب سوق النشر وتوقف أغلب المعارض الدولية والتي تشكل أساس مبيعات الناشر العربي».
ويؤكد مدير دار «سطور للنشر» بلال محسن البغدادي، أن تداعيات جائحة كورونا: «أضافت لنا مشكلة أخرى، فليس من المعقول إقامة معارض للكتب، أو ندوة نقاشية عن كتاب صادر حديثاً، أو حفل توقيع للكتاب، من دون تقارب اجتماعي، وهو ما أثر سلباً على هذه التجارة التي هي بالأساس كانت متعثرة بسبب تطورات السوشيال ميديا والقراءة الإلكترونية، فضلاً عن قرصنة الكتب المطبوعة عن دور النشر الرصينة واستنساخها بطبعات رديئة ورخيصة تغري القارئ لاقتنائها». وهو يقترح إعادة النظر بمستوى سعر الكتاب، ليتناسب مع الأوضاع الاقتصادية للقارئ، واستحداث منصات إلكترونية رصينة لتسويق الكتاب الإلكتروني الذي يطلق موازياً لأي إصدار ورقي جديد، وتكون تحت إشراف جمعية الناشرين حصرياً».
رئيس جمعية الناشرين والكتبيين في العراق إيهاب القيسي يشير إلى أن الخيار الوحيد للناشرين هو التعامل مع الموجود، وذلك عن طريق الاعتماد على المتوفر في المستودعات وتنشيط الصفحات الإلكترونية، والاعتماد على التوصيل المنزلي، والبيع عبر صفحات السوشيال ميديا. وهو يرى أن الخطط الأولية هي تقليل كميات الطباعة والتوجه لما هو ضروري حصراً، وتقوية المنافذ الإلكترونية وتخفيض الأسعار بالعرض عبر صفحات السوشيال ميديا. وضع الناشر العربي سيكون صعباً جداً، وستنحسر المنافسة على المؤسسات ودور النشر الرصينة التي ستستطيع اجتياز الأزمة الحالية».
وعن دور الجمعية في تجاوز هذه الأزمة، يقول القيسي: «عملت الجمعية على فتح قنوات تواصل بين الناشرين العراقيين ومحطات البيع الإلكتروني خارج العراق، وتوفير أجنحة للناشرين الجدد في المعارض العربية القليلة التي أقيمت خلال هذه الفترة وكانت هذه الأجنحة مجانية وبتكليف موظف تعتمده الجمعية للإشراف على الجناح لتقليل النفقات على الناشر المبتدئ وتسهيل إيصال كتابه خارج العراق».


مقالات ذات صلة

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

كتب فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا في 1900، وتزامن رحيله مع انطواء صفحة القرن التاسع عشر. لكن تأثيره ما زال ممتداً حتى اليوم في مجالات الفلسفة

د. ماهر شفيق فريد
كتب مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

طرح العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز 2026)، مجموعة من الملفات الثقافية، بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة،

ميرزا الخويلدي (الدمام - السعودية)
كتب التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

في أزقة مدينة نابولي الإيطالية، حيث تتدلى الزهور من الشرفات وتختلط رائحة البحر بدخان الأفران، وُلدت البيتزا كوجبة سريعة تسد جوع العمال والفقراء،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
كتب همنغواي

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة

ندى حطيط

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون
TT

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا في 1900، وتزامن رحيله مع انطواء صفحة القرن التاسع عشر. لكن تأثيره ما زال ممتداً حتى اليوم في مجالات الفلسفة وعلم النفس والفكر السياسي. تشهد بذلك عشرات الدراسات الصادرة عنه بمختلف اللغات خلال القرن الماضي، وفي هذه الألفية الثالثة. وأحدث هذه الدراسات كتاب صادر في 2025 عن دار «أركتوروس للنشر»، في لندن، عنوانه «فردريك نيتشه: المفكر الذي شق درباً جديداً وأحدث ثورة في الفلسفة»

Friedrich Nietzsche: The Ground - Breaking Thinker who Revolutionized Philosophy

من تأليف توني لي مورال Tony Lee Moral.

كان لنيتشه حضور في حقلنا الثقافي منذ العقود الأولى من القرن العشرين؛ فقد كتب الرواد، من أمثال عباس محمود العقاد وعلي أدهم، مقارنين فلسفته في القوة بفلسفة المتنبي. وأخرج عبد الرحمن بدوي كتاباً عنه، وكذلك فعل فؤاد زكريا في مرحلة لاحقة. وترجم فيلكس فارس كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، كما تجد لنيتشه ذكراً، يطول أو يقصر، في تواريخ الفلسفة، والفلسفة الوجودية خاصة، في عديد من الكتب لمؤلفين عرب.

أهم معالم الطريق في حياة نيتشه هي مولده في 1844، التحاقه بجامعة بون ليدرس اللاهوت وفِقْه اللغتين اليونانية واللاتينية، ثم التحاقه بجامعة لايبتسغ حيث تعرف على فكر أرتور شوبنهاور، أداؤه الخدمة العسكرية لعام واحد في الجيش البروسي، صداقته للموسيقار ريتشارد فاغنر (تحطمت علاقتهما فيما بعد كما تحطمت علاقته بأصدقاء آخرين)، اشتغاله أستاذاً لفقه اللغة بجامعة بازل في سويسرا، بدء مسيرته في التأليف بإصدار كتابه «مولد التراجيديا من روح الموسيقى» في 1872، هجرته إلى إيطاليا وانهيار قواه العقلية حتى وفاته بالتهاب رئوي وجلطة في سن الخامسة والخمسين. وقد تولت أخته إليزابيث إصدار مؤلفاته بعد وفاته، ولكنها للأسف تلاعبت في نصوصه بما زيَّف حقيقته، إرضاء للسلطات النازية التي تبنَّته (كما تبنت فاغنر) مع أن نيتشه من النازية براء.

وفي حياته الخاصة كان نيتشه معذّباً؛ عانى طيلة عمره من عدد من الأمراض: نوبات صداع عنيف، وآلام في العينين، واضطرابات معدية، ودفتيريا ودوسنتاريا، ونوبات اكتئاب. ولم يعرف السعادة في الحب، ولا هو تزوج. وكانت في حياته قصة حب بلا أمل للو أندرياس سالومي، وهي شابة روسية لامعة مهتمة بالفلسفة وعلم النفس والأدب كانت (مثل مي زيادة) أنثى فريدة انجذب إليها كثير من مفكري العصر وأدبائه. لقد كان نيتشه نموذجاً للمفكر المنعزل (عاش في إيطاليا بين ثلوج جبال الألب، ووصف الفلسفة بأنها طريقة للعيش بين «الجليد والجبال العالية»). وزاده انعزالاً أن أفكاره الجريئة كانت صادمة لمعاصريه، وموضع هجوم من أغلب المشتغلين بالفلسفة.

وفلسفة نيتشه في القوة رد فعل إزاء معاناته الشخصية؛ فهو من ناحية يؤكد الجانب التراجيدي في الوجود. ومن ناحية أخرى يبذل محاولة بطولية لتجاوز المعاناة وارتقاء قمم فكرية ووجدانية عالية رغم أوجاع البدن والنفس. ومن أقواله: «إن ما لا يقتلني يقويني».

بلغ من نبوغ نيتشه أنه تعلَّم أبجدية اللغة اليونانية القديمة والعزف على البيانو في سن الثالثة. وفي سنوات دراسته أُولِع بالأدب ونظم شعراً وانجذب إلى موسيقى موزار وبيتهوفن. كان أدباؤه المفضلون هم شعراء المأساة الإغريقية، إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديز، وشعراؤه الأثيرون هم بايرون وهولدرلين. وكان قارئاً نهماً يقضي الليل كله في القراءة، وقد غمس قدميه في دلو مليء بماء مثلّج كي يظل صاحياً!

تناول نيتشه في كتاباته قضايا جوهرية، مثل معنى الحياة والحرية الفردية والمواضعات الاجتماعية. وأشاد بما دعاه الإنسان الأعلى (السوبرمان) قائلاً إنه سيعلو على الإنسان الحالي، كما علا الإنسان الحالي على القردة. وفلسفته إيجابية تقدس القوة والغلبة ولا تخلو من تعالٍ ذكوري على المرأة (له في ذلك أقوال سيئة السمعة مثل: «أذاهب أنت إلى المرأة؟ لا تنس إذن سوطك»). وهو لا يقدم إجابات جاهزة قدر ما يطرح أسئلة تحث على التفكير.

ولا يملك المرء إلا أن يشعر بالأسى؛ إذ يرى هذا الذهن الجبار ينحدر في أواخر أيامه إلى هاوية الجنون. ومن مظاهره شعور مفرط بالعظمة يجعل نيتشه يكتب أشياء من قبيل: «لماذا كنتُ حكيماً إلى هذا الحد؟»، و«لماذا كانت كتبي جيدة هكذا؟».

ويوقع رسائله باسم «دويو نيزوس» أو «المصلوب» (متقمِّصاً شخصية المسيح). ويرى بعض الباحثين أنه كان مصاباً بالزهري، مما أدى إلى شلل تدريجي وتدهور للنسيج المخي.

لكن التراث الذي خلفه يبقى من بعده. لقد تلقف منه الناقد والفيلسوف الدنماركي جورج براندز فكرة الإنسان الأعلى. واهتم به الكاتب المسرحي السويدي سترندبرغ. ورسم المصوِّر إدوارد مونج لوحته المسماة «الصرخة» من وحي كتاباته.

وعلى الصعيد الفكري، ألقى هايدغر سلسلة محاضرات عن نيتشه في جامعة فرايبورغ. وأعاد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتبه عن تاريخ الجنس ومؤسسات السجن والمدرسة والمستشفى أفكار نيتشه عن إرادة القوة والتنافس على السيطرة والعقوبة. أما الفلاسفة الوجوديون (مثل سارتر وكامو)، فقد طوروا أفكار نيتشه ومضوا بها إلى آفاق أبعد.

ونظريات فرويد عن اللاشعور تدين بالكثير لنيتشه، وكذلك الشأن مع يونغ الذي اقتبس من كتاب «هكذا تكلم زرادشت» مفهوم الفردية والتميُّز ومجاوزة الذات.

وامتد تأثيره إلى مفكري ما بعد الحداثة، مثل جاك دريدا وجول ديلوز، وذلك في نظرياتهم عن الصدق والتفسيرات وديناميات المعرفة.

ومن الأدباء الذين اهتموا بنيتشه جويس وكافكا وهرمان هسه، وتوماس مان في روايته «الجبل السحري»، ود. ه. لورنس في «نساء عاشقات»، وويليام فوكنر في «الصخب والعنف»، وصمويل بكيت في «في انتظار غودو»، ونابوكوف في «لوليتا».

هكذا يظل فكر نيتشه المثير للخلاف ولا يخلو من متناقضات قوة حيوية في الفكر المعاصر واستكشافاً راديكالياً لقضايا الأخلاق والدين والثقافة والفن، ومنصة وثب نقفز منها (سواء وافقناه أو خالفناه) إلى فهم أعمق لمعنى وجودنا ولدوافعنا ومحركات السلوك لدى الآخرين.


مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

طرح العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز 2026)، مجموعة من الملفات الثقافية، بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرزُ ملفات العدد ملفُ «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، الذي تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر مقالات عدة تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهو «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان «عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026»، احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها بافتتاحية العدد، ذكرت رئيسة التحرير أن صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد سيكون بثلاث لغات: العربية، والفرنسية، والإنجليزية.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية... بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام لـ«الرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية»، مقالاً ناقش فيه واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والثانية ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تُفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها بأن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي؛ فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، الأستاذة المساعدة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة الخرطوم.

في هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس.

وكتب الدكتور يوسف إسماعيلي، الخبير في «مركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها» في المغرب، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

يقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بوصفها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية، إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.


التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»
TT

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

في أزقة مدينة نابولي الإيطالية، حيث تتدلى الزهور من الشرفات وتختلط رائحة البحر بدخان الأفران، وُلدت البيتزا كوجبة سريعة تسد جوع العمال والفقراء، وضرورة عملية فرضها الأمر الواقع، وليست كطبق فاخر يكتسب شهرة عالمية ويوحد بين مختلف الثقافات والشعوب، ويكتب قصة مشوقة عن الهجرة والطبقات الاجتماعية والذوق الشعبي وتحولات العالم الحديث.

في كتابه «البيتزا: تاريخ وحكايات»، الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة آلاء أحمد جاد، يتتبع الباحث الإيطالي لوكا تشيزاري رحلة هذا الطعام، بعيداً عن الحكايات المكررة التي تختزلها في قصة ملكة إيطالية تسمى «مارغريتا» حملت أشهر أنواع تلك الوجبة اسمها.

ويوضح المؤلف أن البيتزا ليست اختراعاً مفاجئاً، بل ثمرة تاريخ طويل من الخبز المسطح الذي عرفته شعوب البحر المتوسط منذ قرون، فقد عرف الإغريق والرومان وغيرهم أشكالاً متعددة من العجين المخبوز الذي يُضاف إليه الزيت والأعشاب والجبن، غير أن نابولي هي التي منحت هذه الفكرة شخصيتها الحديثة.

واللافت أن الطماطم، التي تبدو اليوم عنصراً لا يمكن فصلها عن البيتزا، لم تكن جزءاً أصيلاً من المطبخ الإيطالي، فقد وصلت إلى أوروبا بعد اكتشاف القارة الأميركية، وظلت لفترة طويلة موضع شك؛ إذ اعتقد بعض الناس أنها نبات ضار غير صالح للأكل.

ومع الوقت، وجدت طريقها إلى مطابخ جنوب إيطاليا، خصوصاً بين الفقراء الذين رأوا فيها مكوناً رخيصاً ومشبعاً، هنا بدأت ملامح البيتزا «النابولية» تتشكل: خبز دائري ساخن، وطماطم، وزيت، وثوم أو جبن، يؤكل باليد في الشارع دون أطباق أو مراسم.

كانت نابولي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مدينة مكتظة، تعج بالعمال والحرفيين والباعة والبحارة، فظهرت الحاجة إلى طعام يمكن شراؤه بثمن زهيد، وتناوله أثناء العمل أو في الطريق، بل إن بعض الباعة كانوا يبيعونها بنظام الدفع المؤجل للفقراء. ولهذا ارتبطت البيتزا في بدايتها بالطبقات الشعبية، ونظر إليها كثير من أبناء الطبقات الميسورة باعتبارها طعاماً بسيطاً لا يليق بالموائد الراقية.

ومن أشهر القصص المرتبطة بها حكاية «بيتزا مارغريتا»، التي يُقال إنها صُنعت تكريماً للملكة مارغريتا عام 1889 بألوان العلم الإيطالي: الأحمر للطماطم، والأبيض للموزاريلا، والأخضر للريحان، لكن لوكا تشيزاري يدعو إلى التعامل بحذر مع هذه الرواية، فالكثير من تفاصيلها اكتسبت شهرتها لاحقاً، حين احتاجت البيتزا إلى أسطورة وطنية تمنحها مكانة أكثر رفعة، فالحقيقة الأهم أن هذا الطبق كان موجوداً قبل القصة، وأن شهرته لم تأتِ من القصور، بل من الشوارع.

التحول الأكبر حدث مع موجات الهجرة الإيطالية إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث حمل المهاجرون معهم وصفاتهم وحنينهم إلى نابولي، فظهرت مطاعم البيتزا في أحياء الإيطاليين بنيويورك وشيكاغو ومدن أخرى.

هناك تغيرت البيتزا لتلائم المكونات الجديدة والشهية الأميركية، فكبرت أحجامها، وتنوعت إضافاتها، وصارت جزءاً من ثقافة المدن الحديثة، قبل أن تعود إلى أوروبا والعالم في صورة مختلفة وأكثر انتشاراً.

وهكذا أصبحت البيتزا مرآة لثقافة الشعوب: في نابولي تحكي عن الفقر والابتكار اليومي، وفي أميركا تروي قصة الهجرة والاندماج، وفي العالم المعاصر تعكس سرعة الحياة والعولمة وقدرة الطعام على عبور الحدود.