جهود لإنقاذ «الخريطة الروسية» جنوب سوريا بعد تعثرها في درعا

مطلوبان رفضا التهجير إلى شمال البلاد قبل انسحاب «الفرقة الرابعة» من المدينة

TT

جهود لإنقاذ «الخريطة الروسية» جنوب سوريا بعد تعثرها في درعا

تكثفت أمس الجهود لإنقاذ «الخريطة الروسية» بعد تعثر في تطبيق اتفاق توصلت إليه اللجنة المركزية للتفاوض في درعا البلد مع وفد النظام السوري برعاية الجانب الروسي بمشاركة «الفيلق الخامس» المدعوم من قاعدة حميميم، ذلك أن الناطق الرسمي والممثل للجنة التفاوض المركزية في درعا البلد المحامي عدنان المسالمة أعلن أمس انهيار الاتفاق الذي توصلت إليه اللجنة مع أطراف التفاوض، ذلك بعد رفض الشخصين المطلوب تهجيرهما للخروج من درعا البلد.
وكان الشخصان المطلوبان تعهدا أمام عشائر المدينة بالخروج وقبول التهجير ما مهد للاتفاق مع الجانب الروسي واللجنة الأمنية، لكن تراجعهما المفاجئ عن التهجير أدى إلى استئناف الأعمال العسكرية والقصف وحصار المدينة وعرقلة الاتفاق الذي بدأ تنفيذه عصر الثلاثاء، ودخلت الشرطة الروسية والفيلق الخامس إلى درعا البلد لتثبيت وقف إطلاق النار والبدء بتنفيذ مراحل الاتفاق.
والشخصان هما محمد المسالمة الملقب بـ«هفو»، ومؤيد حرفوش وهم قائدان سابقان في فصائل معارضة جنوب سوريا بمدينة درعا البلد، متهمين من النظام السوري بتشكيل مجموعات مسلحة في المدينة، وتطالب اللجنة الأمنية والجانب الروسي بتهجيرهما كشرط أساسي للاتفاق، في حين أوضح المتهمان موقفهما أنه «من المفترض أولاً أن يتم انسحاب الفرقة الرابعة ومن ثم تبدأ عملية التهجير».
وعلى أثر ذلك، انسحبت الشرطة العسكرية الروسية وقوات الفيلق الخامس من النقطة التي انشأها في مدينة درعا البلد عند الساعة العاشرة ليل الثلاثاء - الأربعاء، التي من المفترض وفقاً للاتفاق أن تكون نقطة دائمة لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار، وافتتاح مركز التسوية، وإجراء التسويات للأهالي، وحتى استكمال باقي بنود الاتفاق. وأكدت مصادر محلية أنه ستكون هناك مساع جديدة من الفيلق الخامس بعد حالة الانقسام التي صدرت من المطلوبين للتهجير.

- مرحلة أولى
وتضمنت المرحلة الأولى من الاتفاق في مدينة درعا البلد المتفق عليها بين الأطراف بما فيها الجانب الروسي ولجان التفاوض ومحمد المسالمة ومؤيد الحرفوش، إيقاف العمليات العسكرية في درعا البلد، ودخول الشرطة العسكرية الروسية وتثبيت نقطة لها جنوب درعا البلد، ثم تهجير مجموعة كل من محمد المسالمة ومؤيد حرفوش من درعا البلد مع ضمان قوات الفيلق الخامس انسحاب قوات الفرقة الرابعة من محيط المنطقة المحاصرة جنوب درعا البلد.
وطالبت لجنة درعا البلد ووجهاء المدينة وعشائرها في بيان صدر الأربعاء محمد المسالمة ومؤيد حرفوش بالخروج فوراً من مدينة درعا البلد دون قيد أو شرط، وتحمليهما مسؤولية «كامل التداعيات، نتيجة تعنتهم والتسويف والمماطلة في تنفيذ رغبة أهالي درعا»، معلنين براءتهم من أعمالهم وسلوكهم.
وقال عدنان المسالمة الممثل للجنة درعا البلد أمام الجانب الروسي في تصريح له على صفحته الشخصية: «كنا بصَدد اتفاق يجنبنا الحصار والحرب ويحفظ كرامتنا وأمننا يقتضي بدخول الفيلق مع الشرطة الروسية إلى محيط درعا وبهذا يتوقف القصف نهائيا ثم يتم فتح حاجز السرايا لدخول الناس والخروج منه، ويدخل بعدها مخفر الشرطة كما كان سابقا وننتهي من الحالة التي كنا فيها على أن يخرج شخصان متهمان من قبل النظام بأنهما يشكلان مجموعة غير منضبطة وبعد وساطة وجهاء عشائر لدى هذين الشخصين وأخذ موافقتهما على الرحيل الطوعي إلا أنهما رفضا الخروج بعد ذلك مما أدى إلى انهيار الاتفاق».
بدوره، علق محمد المسالمة عبر تسجيلات صوتية اطلعت عليها «الشرق الأوسط» أنه يرفض الخروج لأن الاتفاق «بني على انسحاب قوات النظام السوري من مناطق درعا البلد الجنوبية النخلة والشياح والزمل، مقابل تهجيرهم من درعا البلد، في حين لم تخرج قوات النظام والفرقة الرابعة، وتستمر في حصار المدينة، ولا ضامن حقيقيا لانسحابها بعد تهجيرهما، كما أن الفرقة الرابعة أخلت بالاتفاق فعاودت إغلاق طريق السرايا بعد فتحه من قبل قوات الفيلق الخامس والشرطة الروسية، وأطلقت النار على الأهالي أثناء تجمعهم للعودة إلى المدينة، مؤكداً موقفه وقبوله للتهجير مع مجموعته، بعد انسحاب قوات النظام والفرقة الرابعة من المناطق المحددة».

- انتقادات
وتعرض محمد المسالمة للعديد من الانتقادات من مواقفه المتناقضة، بعد أن قبل بشرط التهجير الثلاثاء، والتوصل لحل سلمي في المدينة، بات يطالب بانسحاب الفرقة الرابعة من مناطق درعا البلد الجنوبية، وأنها شرط من شروط قبوله التهجير في حين أن الاتفاق كان ينص على انسحاب قوات الفرقة الرابعة بضمان الجانب الروسي والفيلق الخامس، وأنه يتلقى تعليمات لعرقلة الاتفاق واستمرار الأعمال العسكرية، وإفشال أي مساع للحلول السلمية في درعا البلد.
ورد مؤيد الحرفوش على التهم الموجهة إليهما بعرقلة الاتفاق وانهياره بعد رفضهما الخروج، بأنه «لا جدية لدى الفرقة الرابعة بالانسحاب من أطراف درعا البلد، وأنهما يرفضان جميع التهم والانتقادات الموجهة إليهما، وأن اللجنة المركزية ووجهاء المنطقة أخلوا بالاتفاق بأن تهجيرهم مشروط ببدء انسحاب الفرقة الرابعة من بعض النقاط التي يتمركز بها في محيط درعا البلد، وأنهما يدافعان عن المدينة لعدم دخول الميليشيات الإيرانية والفرقة الرابعة إليها، وأن ذلك جاء دفاعاً عن الأرض والعرض، وأن من يقول كلمة الحق يتهم بأنه داعشي ويطالب بتهجيره، وأنهم يرفضون أي اتفاق لا يحفظ كرامة الأهالي».
وأظهر شريط مصور بثه ناشطون في مدينة درعا، لحظة إطلاق النار من قبل قوات النظام السوري مساء الثلاثاء على أهالي درعا البلد أثناء تجمعهم عند معبر السرايا الفاصل بين درعا المحطة ودرعا البلد، بعد فتحه من قبل قوات الفيلق الخامس المدعوم من روسيا، وقتل نتيجة ذلك شاب من أبناء درعا البلد وأصيب آخرون جراء إطلاق نار عليهم من عناصر الحاجز.

- تراجع
وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن قوات النظام السوري أعادت إغلاق المعبر بعد إطلاق النار على الأهالي، وأوقفت الحافلة التي كانت تنقل المنشقين عن الجيش السوري من أبناء مدينة درعا البلد، وعددهم ثمانية وهم رافضون للتسوية وراغبون بعدم العودة لقطعهم العسكرية، وبقيت لمدة ساعتين في مدينة درعا المحطة برفقة قوات الفيلق الخامس المشرفة على عملية التهجير. وأوضح أن الحافلات تم توقيفها لأنه كان من المفترض أن تصل حافلة أخرى تنقل المطلوبين الاثنين (محمد المسالمة «هفو» ومؤيد حرفوش) مع الراغبين من أبناء المدينة بالتهجير، وبعد رفض المطلوبين الاثنين للتهجير لحين انسحاب قوات النظام من المناطق الجنوبية في درعا البلد، توقفت الحافلة التي كانت تقل المنشقين الثمانية، ثم أكملت طريقها إلى الشمال السوري برفقة قوات الفيلق الخامس والشرطة العسكرية الروسية، وأعلنوا صباح الأربعاء وصولهم إلى مناطق سيطرة المعارضة في ريف حلب شمال سوريا».
وكانت أطراف التفاوض في درعا توصلت يوم الثلاثاء لاتفاق يقضي بترحيل الراغبين وإنشاء نقطتين للشرطة الروسية والفيلق الخامس في مدينة درعا البلد عند منطقة البحار، وأخرى عند مدخل السرايا الفاصل بين مدينة درعا المحطة ودرعا البلد، وتأطير السلاح الموجود في مدينة درعا البلد مع بعض التشكيلات المحلية في درعا، وانسحاب قوات «الفرقة الرابعة» من المدينة وفك الحصار عنها، وإجراء تسويات جديدة للراغبين، ودخول الشرطة المدينة إلى مركزها في قسم المنشية بدرعا البلد، مع تفعيل مؤسسات الدولة في المدينة، وإنهاء الأعمال العسكرية في المدينة، بإشراف الشرطة الروسية و«الفيلق الخامس».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.