الاستراتيجية العليا مرة أخرى؟!

TT

الاستراتيجية العليا مرة أخرى؟!

الصراعات الكبرى في التاريخ قادت كلها إلى تغيرات كبرى في الجغرافيا والديمغرافيا وتوازن القوي وتوزيع الموارد والثروات. بحكم التعريف، فإن الصراع هو نتيجة استحكام تناقضات حادة لم يعد هناك سبيل إلى حلها إلا باستخدام القوة المسلحة. ولكن الاحتكام للسلاح بدوره يبدأ فصلا جديدا من الزمن، ونوعيات جديدة من التناقضات والتوازنات، ويصبح على أصحاب الحكمة والبصيرة أن يتعرفوا عليها مبكرا، ويتحسبوا لها، بحيث تجري «هندسة» الصراع الحالي بطريقة تخدم مصالحهم العليا. هذه الهندسة تمثل «الاستراتيجية العليا»، لأنها ليست معنية بإدارة معركة بعينها، وإنما هي معنية بإدارة الحرب العظمي وما سوف ينجم عنها من نتائج. حدث ذلك في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولدى البعض، فإنهما كانتا حربا واحدة ضد الفاشية والنازية والنزعات العسكرية، لأن في الأولى كانت الحكمة غائبة، والبصيرة عمياء. وفي النهاية، قادت الحرب إلى حرب باردة هذه المرة، ونشأت الأمم المتحدة، وتوازن للقوى ما زلنا نعرف بعضا منه حتى الآن.
الحرب العالمية الثالثة التي نشهدها الآن ضد الإرهاب هي في جوهرها بين العالم، ونوع جديد من الفاشية الدينية التي شنت حربا على دول كثيرة في أوقات مختلفة عبر ستة مسارح للعمليات، سبقت الإشارة إليها في مقالات سابقة. الجديد في هذا النوع الجديد من الفاشية أنه ليس فقط ضد الدول، وإنما هو ضد الحضارة الإنسانية بوجه عام عبرت عنه من خلال تدمير المتاحف والآثار التي وضعت علامات كبرى على التاريخ البشري. هذه الحرب تدخل الآن إلى مرحلة الاحتدام، وبعد أن كان الإرهاب يحقق نجاحات واسعة، ويضع دول العالم في موقع الدفاع، فإن المرحلة الجديدة تشتمل على مزيج من الهجوم والدفاع على الجبهتين. وبعد أن حققت مصر أول عملية هجوم مضاد على الموجة الفاشية انتهى إلى تحرير البلاد من يد جماعة الإخوان، ولكن المعركة لا تزال مستمرة. في العراق وسوريا توقف تمدد جماعة داعش أمام هجمات التحالف الدولي والإقليمي، وخلال الأيام الأخيرة أحرزت قوات عراقية نجاحا ملحوظا في عملية تحرير تكريت. وفي اليمن، فإن نجاة رئيس البلاد وذهابه إلى عدن، وضع نهاية لانتزاع الحوثيين شرعية الدولة في صنعاء بالقوة المسلحة. وبينما بدأت الحكومة النيجيرية هجوما مضادا على جماعة بوكو حرام؛ فإن جماعة طالبان أحرزت تقدما على حساب الحكومة الشرعية، وهو ما لم يتحقق في ليبيا التي تتصور الأمم المتحدة أنها يمكنها إقامة جبهة بين الحكومة الشرعية وجماعة الإخوان لمواجهة «داعش» الأكثر خطورة.
التفاصيل كثيرة لما يجري، ولكن الأشجار لا ينبغي لها أن تشغل عن الغابة العميقة خلفها، فحالة الانفجار التي جرت في المنطقة بدت كما لو كانت قد جاءت فجأة، ولكنها في الحقيقة كانت لها جذور كان متصورا أنه يمكن التعايش معها. وحتى عندما جرى ما جرى في الصومال والسودان وأفغانستان، فقد كان الظن أن الخطر كله يحدث في الأطراف بينما القلب سليم ومستقر بل ويعيش أياما طيبة. لم يكن الحال كذلك فجاءت انفجارات «الربيع العربي» لكي تضعف مناعة المنطقة كلها، فكان الهجوم على القلب في مصر وسوريا والعراق، وفي كل الاتجاهات المحيطة بشبه جزيرة العرب. ولكن، رغم بشاعة ووحشية الحرب، فإن نتيجتها بهزيمة الفاشية الدينية محسومة، ليس فقط لأن توازن القوى لا يسمح، أو لأن الفاشية فكرة خرقاء من الأصل لا تصلح لإدارة المجتمعات البشرية، وإنما لأن الجسد العربي أخذ في توليد المضادات الحيوية للمقاومة. وربما لم يحدث في التاريخ القريب أن كانت جماعات الفاشية بأشكالها المختلفة مكروهة من الجمهور العربي كما هو الحال الآن. لقد انكشف غطاء هؤلاء الفاشيين عن وجوه قبيحة، رجعية ومضادة للتقدم، ومحاربة لكل ما هو خير وطيب ومضيء.
ولكن هذا الانكشاف لا ينبغي له أن يشغلنا عن حقيقة أن الحرب قائمة ومستعرة، ولها ثمن فادح في المال والمدن، وأكثر فداحة في البشر وصورة الإسلام في العالم. وما لا يقل خطورة عن هذا وذاك، أن الحرب ذاتها باتت مجالا لعمليات هندسية تقوم بها أطراف إقليمية ودولية لتشكيل المنطقة من جديد. ولا يمكن فهم الدور الإيراني الحالي في عملية تحرير تكريت إلا من خلال خلق جسر عراقي إلى المشرق العربي كله في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين. ولا يمكن فهم نزول الحوثيين من معاقلهم في صعدة إلى العاصمة صنعاء إلا في إطار السعي الإيراني لخلق نقطة ابتزاز جديدة لدول مجلس التعاون الخليجي وفتح الطريق إلى القرن الأفريقي والإطلال على مضيق باب المندب؛ مفتاح البحر الأحمر إلى قناة السويس ومصر. وإذا كان ذلك هو حال إيران، فإن الولايات المتحدة بترددها وحيرتها بين قيادة الحرب ضد الفاشية الجديدة، كما فعلت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وبين تحقيق تسوية مع كل الأطراف المستعدة لتحمل أعباء الحرب بدلا منها سواء كانت إيران أو تركيا أو حتى نظام بشار الأسد إذا لزم الأمر. العالم العربي هو الآخر لديه حيرته الخاصة بين ضرورة هزيمة كل أشكال الإرهاب، وفي المقدمة منه «داعش»، وبين الخوف من نتائج هذا الانتصار. ولا يحل هذه المعضلة إلا وجود استراتيجية عربية عليا تتعامل مع هذه التناقضات. وحتى لحظة كتابة هذا المقال ترددت ثلاث أطروحات تمثل الفكر العربي الاستراتيجي في هذه المرحلة: الأولى المشاركة في التحالف الدولي والإقليمي الذي يهاجم «داعش» وقاعدتها في الموصل. والثانية تعتمد على مناشدة المجتمع الدولي أن يقوم بواجباته من خلال الأمم المتحدة. والثالثة تكوين قوة عسكرية عربية مشتركة لمواجهة الإرهاب أيا كانت الجبهات التي يوجد فيها.
وبصراحة، فإن مناشدة المجتمع الدولي لم تكن أبدا من الاستراتيجيات التي يمكن الاعتماد عليها، ولكن الاستراتيجية الأولى لا يمكنها أن تكون فعالة ما لم توجد الاستراتيجية الثالثة، لأنها تعطي المكون العربي للتحالف الدولي قدرة أكبر على التأثير، والتحرك بمرونة منفردا إذا لزم الأمر، وتعطي رسالة لمن يهمه الأمر أن الخروج من هذه الحرب بحالة من الهيمنة على المنطقة لن يكون مقبولا. ولعلنا نتذكر ما جرى في حرب تحرير الكويت عندما كان هناك تحالف دولي له قيادة، وآخر عربي تحت قيادة موحدة مستقلة. ساعتها لم تنته المعركة بتحرير الكويت فقط، وإنما كانت هناك رسالة لإيران أن العبث بأي من دول الخليج لن يكون مقبولا، وهو ما حدث فعلا بعد ذلك بدخول قوات مجلس التعاون الخليجي إلى البحرين، فحسم الأمر. التاريخ لا يعيد نفسه بالطبع، على الأقل حرفيا، ولكن الدروس باقية دوما لفترة طويلة.



ولي العهد يزور المسجد النبوي

(واس)
(واس)
TT

ولي العهد يزور المسجد النبوي

(واس)
(واس)

زار الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، المسجد النبوي، الجمعة، وأدى الصلاة في الروضة الشريفة، كما تشرف بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه رضوان الله عليهما.


ترمب يضغط بسيناريوهات قاسية ضد إيران

صورة نشرتها البحرية الأميركية أمس من فني يوجه مقاتلة على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (البحرية الأميركية)
صورة نشرتها البحرية الأميركية أمس من فني يوجه مقاتلة على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (البحرية الأميركية)
TT

ترمب يضغط بسيناريوهات قاسية ضد إيران

صورة نشرتها البحرية الأميركية أمس من فني يوجه مقاتلة على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (البحرية الأميركية)
صورة نشرتها البحرية الأميركية أمس من فني يوجه مقاتلة على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (البحرية الأميركية)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنه يدرس توجيه ضربة عسكرية محدودة لإيران، في إطار ضغوط متصاعدة وسيناريوهات قاسية تلوّح بها واشنطن، بالتزامن مع دخول حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد» إلى البحر المتوسط، لتنضم إلى قوة أميركية ضاربة في المنطقة.

وعند سؤال ترمب عما إذا كان يدرس شن هجوم محدود للضغط على إيران، من أجل إبرام اتفاق بشأن برنامجها النووي، قال للصحافيين في البيت الأبيض: «أعتقد أنه يمكنني القول إنني أدرس ذلك».

لكنّ مسؤولين أميركيين أبلغا «رويترز» بأن العملية قد تمتد لأسابيع وتشمل قصف منشآت أمنية وبنى تحتية نووية، فيما تبحث الإدارة سيناريوهات لضربات محدودة أو متصاعدة. وأشار المسؤولان إلى أن التخطيط العسكري بلغ مرحلة متقدمة، مع خيارات تشمل استهداف أفراد بعينهم، بل وحتى السعي إلى تغيير النظام إذا أمر بذلك ترمب.

في المقابل، حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن «الخيار العسكري لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأمور»، وسيجلب «عواقب كارثية»، معلناً أن طهران ستقدّم «مسودة اتفاق محتمل» خلال يومين أو ثلاثة بعد موافقة قيادتها. وقال إنه «لا حل عسكرياً» للبرنامج النووي، مؤكداً أن واشنطن لم تطلب «صفر تخصيب».


«مجلس السلام»... اختبار جديد لوعود ترمب

المشاركون في مؤتمر مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
المشاركون في مؤتمر مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

«مجلس السلام»... اختبار جديد لوعود ترمب

المشاركون في مؤتمر مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
المشاركون في مؤتمر مجلس السلام - 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شهدت واشنطن، أول من أمس، افتتاحاً رسمياً لمجلس السلام، في خطوة وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في صلب خطابه السياسي، مقدّماً نفسه رئيساً للسلام، ووجه رسالته أولاً إلى الداخل الأميركي؛ فالولايات المتحدة تدخل عاماً انتخابياً، حيث تتحوّل ملفات السياسة الخارجية إلى جزءٍ من المعركة الداخلية، ويصبح كل تحرّكٍ دبلوماسي اختباراً جديداً لصورة الدور الأميركي أمام الناخبين.

ومع الحشد العسكري الهائل بالمنطقة في ظل التصعيد مع إيران، يفرض السؤال التالي نفسه: «كيف يمكن أن تكون الخطط المتفائلة التي نوقشت بشأن غزة، واقعية، إذا ما وقع هجوم عسكري على إيران في غضون الأسبوعين المقبلين».

من جهة أخرى، وفور إعلان «اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة»، مساء أول من أمس، عن بدء استقبال طلبات التوظيف في قوة الشرطة الانتقالية، تهافت الشبان الغزيون على تقديم الطلبات.