«نساء داعش» في مخيم روج تحت رقابة صارمة... وينتظرن العودة إلى بلادهن

تحقيق لـ«الشرق الأوسط» من «النسخة الملونة» من «دويلة الهول» شمال شرقي سوريا

سيدتان في مخيم روج شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
سيدتان في مخيم روج شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

«نساء داعش» في مخيم روج تحت رقابة صارمة... وينتظرن العودة إلى بلادهن

سيدتان في مخيم روج شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
سيدتان في مخيم روج شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

قبل الدخول إلى مخيم روج، يطلب عناصر الأمن (الأسايش) التابعون لـ«الإدارة الذاتية» التأكد من هوية الزائر؛ فهذا المخيم بين أكثر المخيمات خطورة، لأنه يضم مئات النساء المتشددات، وهن زوجات عناصر تنظيم «داعش»، حاولن عدة مرات الهرب والفرار.
على طول سور المخيم وُضعت أبراج حراسة وكاميرات مراقبة وعناصر مدججون بالأسلحة.
ومخيم روج هو الجزء الثاني أو المشابه لمخيم الهول شرق سوريا، الذي ظهرت فيه خلال السنوات الماضية صور نساء متشحات بالسواد ومنتقبات لا يظهر منهنّ شيء؛ بينما يختلف المشهد اليوم، بعد تحول كثير من النساء فيه، ليظهرن دون نقاب يرتدين غطاء رأس وملابس زاهية. يقع المخيم في أقصى شمال شرقي سوريا بريف بلدة المالكية (ديريك) التابعة لمحافظة الحسكة، تقطنه نحو 800 عائلة، ويضم 2500 شخص، جميعهم من النساء والأطفال، بينهم لاجئات عراقيات ونازحات سوريات، إضافة إلى عائلات أجنبية لمسلحي «داعش» يتحدرون من جنسيات غربية وعربية، ومن دول الاتحاد الروسي.

أثناء الحديث مع إحدى النساء الألمانيات، وكانت تبلغ من العمر 40 سنة، أصلها من كوسوفو، تروي كيف تعرضت لكثير من التهديدات في مخيم الهول بعد رفضها لبس النقاب والخمار الأسود، ليتم ترحيلها وأطفالها الأربعة قبل عامين إلى مخيم روج، وأعربت عن أملها في العودة لبلدها الأصلي أو مكان إقامتها (ألمانيا): «أريد تربية أطفالي الصغار بعيداً عن هذا المكان. منذ وصولي لسوريا صيف 2015 وأنا أعيش يومياً فصلاً من هذه المأساة».
وقالت سيدة من طاجيكستان في عقدها الخامس بصوت مرتفع، وطلبت عدم تصويرها: «إلى متى سنبقى هنا؟ هل يشاهد العالم والحكومة الطاجيكية حالتنا؟ ألا ترأف لنا وتعيدنا لبلدنا وحياتنا الطبيعية».
ويضم المخيم سوقاً تتألف من مجموعة محال تجارية، منها الخضراوات والفاكهة، إلى جانب محال الألبسة والعطورات والكهربائيات، وقسمت إدارة المخيم أوقات التبضع إلى دوامين؛ وقت خاص بالعائلات القديمة، ووقت ثانٍ للنساء المتشددات، كي لا يتم حدوث احتكاك بينهنّ، خشية وقوع حالات شغب وفوضى بعد خلع كثيرات النقاب واللون الأسود.
وتضمّ السوق مكتباً خاصاً بالتحويلات المالية تخضع لرقابة مشددة من إدارة المخيم بالتنسيق مع أجهزة الأمن وغرفة عمليات التحالف الدولي؛ إذ تفرض إجراءات معقدة، ويُسمح للعائلة التي لا يزيد عدد أفرادها على 3 أشخاص بتسلُّم مبلغ 300 دولار أميركي فقط شهرياً. أما العائلات التي يزيد عدد أفرادها على 3 أشخاص فيسمح لهم بتسلم 500 شهرياً، وهذه القيود لمنع تجميع الأموال واستخدامها في عمليات الهروب.

زراعة الورود
وعند الاقتراب من خيمة البريطانية شميمة بيغوم «عروس داعش»، وإخبارها بوجود الصحافة، سارعت ودخلت خيمتها، وكانت دون نقاب، لكنها زرعت بعض النباتات الخضراء والزهور أمام مدخل الخيمة، في إشارة إلى أنها تبحث عن أي شيء لملء أوقاتها.
أما الفرنسية إيميلي كونيغ، المدرَجة لدى الأمم المتحدة على لوائحها السوداء للمقاتلين الأكثر خطورة بالعالم، وبعد مشاهدة الكاميرا، اكتفت بترديد التحية، واعتذرت عن الحديث، وذكرت أن السلطات الفرنسية تتابع بكثب التقارير والمواد الصحافية التي تشارك فيها، وتخشى أن ينعكس ذلك سلباً على ملفها لدى عودتها.
بين الخيام، كان بالإمكان سماع أغانٍ وموسيقى غربية تصدح بلغات أجنبية، بالوقت ذاته حوَّلت بعض النسوة المتطرفات خيمتها لعقد حلقات سرية لتعليم الأطفال الفكر المتطرف، وسماع أغانٍ متطرفة، وإعطاء دروس شرعية، وذكرت مسؤولة أمنية كيف كشفوا، بداية العام الحالي، العشرات من النساء اللواتي أعطين مثل تلك الدروس، لتقول: «بعد المداهمة ابتكرن حيلاً جديدة، بتقليل أعداد الأطفال، وتنظيم زيارتهم، وأنهم يسمعون أغاني خاصة ببلدانهم وثقافاتهم، بهدف ابتكار طرق جديدة للتخفي، وتربية جيل جديد من التطرف».

ولدى حديثها إلى جريدة «الشرق الأوسط»، قالت مديرة المخيم، نورة عبدو، إن المخيم مقسم إلى قسمين: الأول، وهو المخيم القديم، تأسس سنة 2015، يضم عائلات عراقية وسورية وبعض العوائل الأجنبية الذين استسلموا لـ«قوات سوريا الديمقراطية» في معاركها ضد التنظيم، شرق الفرات.
أما القسم الثاني، وهو منطقة التوسُّع، فتضم نحو 400 خيمة تسكنها أكثر من 300 عائلة تم استقبالهم من مخيم الهول المكتظ.
وتقول المسؤولة الكردية إن جميع النساء القاطنات في هذا القسم هن اللواتي حاولن الهرب، والمتشددات اللاتي اعتدين على نساء أخريات، «واللواتي شاركن في حوادث فوضى، وافتعلن حالات شغب، الأمر الذي دفع الإدارة لوضع قوانين صارمة، بحيث تمنع لبس النقاب والزي الأسود».

نداءات كردية
ولا تقتصر المعاناة في المخيم على نقص الأدوية والمساعدات الغذائية، بل تشمل غياب البنى التحتية الخدمية الأساسية، وتكرّر «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» نداءاتها إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية لمساعدتها على تحمل التكاليف وتأمين احتياجات المخيمات.
وحولت سيدة تركستانية خيمتها إلى محل تجاري صغير تبيع فيه السكاكر والموالح وبعض المواد الأساسية وأنواعاً من العطورات والماكياج، وقالت في حديثها: «كثير من النساء هنا يشترين العطور والماكياج، على الرغم من أن نساء متشددات اعتدين على أخريات بسبب وضع مساحيق التجميل ولبس السراويل وبنطلونات الجينز».

وأعربت سيدة مغربية (35 سنة) تتحدر من مدينة تطوان الساحلية المطلة على شواطئ البحر المتوسط، والآن تعيش وأطفالها في مخيم تصل درجات الحرارة فيه هذه الأيام إلى 45 درجة مئوية، عن أنها تحلم بالعودة إلى بلدها، وتنتظر بفارغ الصبر لحظة وصولها، بعد مضي 6 سنوات لها بسوريا، منها 5 سنوات عاشتها بالتنقل بين مخيمات الهول وروج، فيما رفضت مواطنة مصرية العودة لبلدها خشية من الملاحقة الأمنية، وأن ملفّ زوجها الذي التحق بالتنظيم بداية 2015، وحارب في صفوفه، سينعكس سلباً على مستقبل أطفالها ودراستهم وإكمال حياتهم بشكل طبيعي، وأنها ستقدم طلباً للجوء لدولة ثالثة تتقبلهم.
وشرحت إسبانية كانت بعمر 30 عاماً لكن بدا عليها أنها أكبر من عمرها بسبب التجارب المريرة التي مرت بها في هذه السن المبكرة، كانت ترتدي غطاء رأس لونه أحمر، وعباءة ذات لون فاتح، قصتها لتقول: «زوجي الإسباني قرر الالتحاق بتنظيم (داعش) نهاية 2014، وبعد وصولنا لسوريا بخمسة أشهر لقي مصرعه. كنت قد أنجبت منه طفلين؛ بنتاً وصبياً»، ثم تزوجت مرة ثانية من مقاتل سوري، وأنجبت منه طفلين، وهما ولدان، وقُتل في معارك الباغوز، وأكدت رغبتها في الخروج من المخيم، والعيش بسوريا، أو العودة لموطنها الأصلي: «هنا نعيش مرارة السكن تحت رحمة هذه الخيمة الساخنة أنا وأطفالي، ومرارة البعد عن أهلي وبلدي».
يُذكر أن «الإدارة الذاتية» طالبت مراراً الدول المعنية وحكومات دول التحالف الدولي باستعادة مواطنيها المحتجزين في السجون والمخيمات، أو إنشاء محكمة دولية لمحاكمة المتطرفين في سوريا، كما حثّت الأمم المتحدة أيضاً 57 دولة على إعادة رعاياها بلا تأخير؛ غير أن بضع دول أوروبية وعربية اكتفت باستعادة عدد محدود من الأطفال اليتامى.

3 أرامل يتحدثن لـ«الشرق الأوسط» عن «أسرار» أزواجهن «الدواعش»


مقالات ذات صلة

غياب التنسيق على الحدود السورية العراقية قد يدعم خلايا «داعش»

تحليل إخباري من العملية الأمنية في مدينة دمر وسط سوريا عقب هجوم «داعش» في ديسمبر الماضي (أرشيفية - وزارة الداخلية)

غياب التنسيق على الحدود السورية العراقية قد يدعم خلايا «داعش»

مخاوف من تحول الحدود السورية العراقية إلى مناطق هشة تتسرب منها خلايا تنظيم «داعش»

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (أرشيف - رويترز)

القوات النيجيرية تتصدى لأول هجوم كبير على مايدوغوري منذ سنوات

هاجم مسلّحون اليوم (الاثنين) مركزاً عسكرياً في ضاحية مايدوغوري مركز ولاية بورنو بشمال شرق نيجيريا، في أول هجوم من نوعه منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (مايدوغوري (نيجيريا))
أوروبا لقطة من فيديو التُقط في 10 مارس 2015 ونشره «داعش» تظهر المتطرف الفرنسي صبري الصيد وهو يخاطب الكاميرا باللغة الفرنسية في موقع غير مُعلن (أ.ف.ب)

فرنسا: أول محاكمة غيابية لـ«داعشي» متهم بالمشاركة في إبادة الإيزيديين

بدأت الاثنين في فرنسا محاكمة غيابية للمتطرف صبري الصيد المشتبه في مشاركته في الإبادة الجماعية بحق الأقلية الإيزيدية في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

توقيف شقيقين مغربيين في فرنسا للاشتباه بضلوعهما في «مخطط إرهابي»

أعلنت النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب توقيف شقيقين مغربيين يحملان الجنسية الإيطالية، بشبهة الضلوع في مخطط «دام ومعاد للسامية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي اعتقال عنصر من «داعش» من قبل قوى الأمن في شرق دير الزور (الداخلية السورية)

ضبط مستودع ضخم للسلاح على الحدود السورية مع العراق... واستهداف خلايا «داعش»

ضبطت مديرية الأمن الداخلي في مدينة البوكمال الحدودية مع العراق مستودع أسلحة ضخماً يحوي أسلحة ثقيلة وخفيفة وذخائر متنوعة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».