أحوال الرواية وتقنيات الشكل الروائي وأدب الاعتراف

مؤتمر الرواية العربية السادس في يومه الثاني

من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)
من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)
TT

أحوال الرواية وتقنيات الشكل الروائي وأدب الاعتراف

من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)
من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)

تواصلت فعاليات مؤتمر الرواية العربية السادس في يومه الثاني عبر جلسات ناقشت محاور المؤتمر الرئيسية، وموائد مستديرة حول فن الرواية، وعبر شهادات الروائيين العرب أيضا، التي تناولت تجاربهم وهمومهم.
وتواصل «الشرق الأوسط» استعراض عدد من المشاركات والأوراق البحثية للمؤتمر التي تركزت حول الرواية والخصوصية الثقافية: إشكالية الهجنة في المعمار الروائي العربي، الرواية وحدود النوع، وتقنيات الشكل الروائي في مصر والجزائر، وأدب الاعتراف كظاهرة.
وقد تطرق الروائي السعودي يحيى أمقاسم إلى قضية «الرواية والخصوصية الثقافية»، مشيرا إلى أن الكتابة الروائية العربية المعاصرة تشهد انفجارا في المنتج وتنوعا في اتجاهات الكتابة، وتنوعا في الموضوعات الروائية المعبرة عن الهويات الفرعية لأقاليم الوطن العربي الثقافية أيضا»، لافتا إلى أن هذه الهويات «هي التي تتضمن الكشف عن ملامح الهويات الفرعية في أبعادها المتنوعة، التي منها: الموروث الشعبي، والمعتقد الفكري وأشكال حضوره في السلوك البشري، والأشكال المادية للحياة (طرائق التعايش، فنون الطعام، والأزياء.. إلخ)، ودور المرأة والرجل، وطريقة النظرة إليهما».
وطرحت الأديبة السورية د. شهلا العجيلي، إشكالية الهجنة في المعمار الروائي العربي، موضحة أنها تعود إلى بواكير تشكل فن الرواية في البنية الاجتماعية الثقافية العربية، وذلك منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقالت: «يعد الصراع بين التأصيليين والتغريبيين أهم العوامل الثقافية التي أنتجت معمارا روائيا قلقا أو مهزوزا، إذ ظهر نتيجة أنصاف المواقف الثقافية، معمار روائي محير في تصنيفه، يستعير من شكل المرويات التراثية، مثلما يستعير من شكل الرواية الأوروبية التي كانت واحدا من المؤثرات التي أحدثت صدمة الحداثة».
ولفتت إلى أن «قلة من الروائيين حسموا موقفهم مع تلك الهجنة طيلة نصف قرن تقريبا، لقد ارتبط بهذا الشكل الهجين في معماره الروائي، تهجين في اللغات، والرؤى، على طريقة باختين، لكن هذه الهجنة الفكرية لم تخرج على رؤى ثلاث: التأصيلية، والتغريبية، والتوفيقية. لكن الشكل القلق للمعمار الروائي انتهى مع إجهاض مشروع النهضة لصالح مشروع الحداثة، التي دمغت ببصمتها مناحي الحياة المصرية، فالشامية، وهذا ما عالجته طلائع الروايات، مثل (وي، إذن لست بإفرنجي) لخليل الخوري، و(حديث عيسى بن هشام) للمويلحي، و(حسن العواقب أو غادة الزهراء) لزينب فواز».
وأوضحت: «لقد أقر الاستسلام لمشروع الحداثة شكل الرواية الأوروبية الحديثة، متعددة المشارب، الفرنسية، والإنجليزية، والروسية، ورسخ هذا الشكل بين الحربين العالميتين، وصار معترفا به ثقافيا للكتابة، ينافس الشعر، لأنه بات يمثل المجتمعات العربية البورجوازية الناشئة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تلك التي كشفت مشربا آخر للرواية، وهو الرواية الأميركية. وظلت الهجنة مرافقة لكل من سيرورة الكتابة الروائية العربية، ونقدها، لكنها خضعت لتفسيرات مختلفة منذ نكسة 1967، على مستوى الإبداع، ومنذ شيوع نظرية ما بعد الاستعمار على صعيد النقد، وخرجت تلك الهجنة عن الرؤى التصنيفية التي كبلتها بين تأصيل، وتغريب، وتوفيق».
وحول السرد وتجاوز حدود النوع، تطرق الشاعر والناقد يوسف نوفل، إلى انعكاس سمات كل عصر على فنونه؛ حيث تأثر السرد بـ«عصر الآيديولوجيا» في القرن التاسع عشر، وعصر «الذرة»، وثورة المعلومات والاتصال في القرن العشرين، وتقارب الفنون، كل ذلك أدى لتفتيت السرد وتحليله كما يفتت العلم الذرات إلى عوالم صغيرة: بناء، وشكل، وأنماط بشرية، ومواقف، وأحداث، ولغة ومفردات. وإلى التجريب، ومجافاة العقل والمنطق، ونبذ كل ما هو متفق عليه، والجمع بين المتناقضات، واهتزاز ما هو مقدس ومن المثل العليا، وتحول الزمن من ميكانيكيته المحكومة بعقارب الساعة إلى زمن ذاتي.
وقال: «استوعب السرد تلك التغيرات لتحتل الأفكار منزلة أكبر من الأشخاص، ولتتقارب المواقف التي تقوم عليها نظرية الأنواع الأدبية من الموقف: الغنائي، والملحمي، والدرامي»، مؤكدا: «لم يعد النوع الأدبي أسير تلك الصرامة والصفاء النوعي. بل التفرقة بين أشكال النوع الفني الواحد، حتى كان أثر نظرية (روح العصر) مع نظرية التطور، وآراء بندتو كروتشه. ومن هنا، عبر السرد من درجة (الصفاء والصرامة النوعية) إلى (إلغاء الحدود)، ثم (الموازاة الفنية)، وفيها مرونة التداخل، والامتزاج، وتطور النظرة إلى الحدود الفاصلة مع الاتساع الهائل في حجم الجمهور المتلقي ونوعياته ورغباته، وولادة أنواع، واستحداث أخرى أو تطويرها، وهكذا وجدنا (الوصل بين الجنسين)، و(الكتابة عبر النوعية)». ويتابع: «وبفضل انتشار ثقافة الصورة، ليقوم التصنيف النوعي على أساس التمازج، والتراسل، والتقارب، لا على أساس الإلغاء والمحو وإذابة الحدود».
ولفتت آمال الديب، إلى ظاهرة جديدة هي «أدب الاعتراف» على حد وصفها لانتشار «السيرة الروائية»، مطالبة بضرورة دراستها، قائلة: «مصطلح أدب الاعتراف يحرر الكاتب من وطأة مسؤوليته الأخلاقية في مجتمعنا الذي ما زال منغلقا على ما يجب وما ينبغي، وكيف تتحول الحياة المعيشة إلى مادة للحكي!». وتتابع: «على الرغم من أن أدب الاعتراف في الغرب هو أيضا مادة قابلة للحكي عن شخص الكاتب أو أحداثه، فإنه يستطيع أن يعترف بشكل غير مباشر، أو بخلط الواقع مع الخيال مع التجريب ناسجا عمله بمهارة، لذا نحن في حاجة إلى تعميق هذا الخيط الرفيع والاعتناء بدراسة ذلك الحقل البكر – ما زال – من حقول الرواية عربيا ومحليا».
وحول تطور الرواية في مصر، قالت الروائية د. إقبال بركة، ارتبطت بدايات الرواية المصرية بالمقاومة العربية للمظاهر الاجتماعية الغربية التي واكبت الاحتلال البريطاني في بداية القرن العشرين، واكتشف جيل الكتاب الصاعد في ذلك الوقت إمكانية استخدام العمل الروائي كوسيلة للتوعية إلى جانب المنشورات والمقالات والخطب التي لعبت دورا كبيرا في إذكاء الروح الوطنية. وعلى يدي ذلك الجيل تطورت الرواية من وسيلة للتوعية إلى عمل أدبي وطني. وضربت أمثلة، منها: «حديث عيسى بن هشام» للكاتب المصري محمد المويلحي، ورواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، وكتاب «الأيام» للدكتور طه حسين، ورواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي.
بينما يقول الناقد د. إبراهيم فتحي: «بدأت الرواية المصرية داخل الأوساط البرجوازية في القرن التاسع عشر، وكانت تتحرك داخل حبكات استطرادية، وتحتفي بالراهن والجزئي والعمليات النفسية حتى في انحطاطها، وتقنية تصوير الطباع والعادات في الـ(هنا) و(الآن) والوصف الممتد للمكان. وكانت أقرب إلى نزعة طبيعية بعيدة عن الواقعية، وفي الستينات، أعيد النظر في التقنيات وكثر وصف الواقعية بالتقليدية، ورأى الروائي الواقع بعينيه لا بعيني الآيديولوجية الرسمية، ولجأ إلى تقنية تصلح ممرا إلى الحداثة إلى تيار الشعور وعكس اتجاه الزمن والتوازي الأسطوري».
ويضيف: «في حقبة السبعينات والثمانينات، مثلت الأفعال والأحداث أنماطا أولية متصلة بشعائر الميلاد والوفاة ودوريات الحياة والخصوبة والتجدد أو الاضمحلال عند يوسف أبو رية ومحسن يونس. وجاء صهر تقنيات تراثية وحداثية (جمال الغيطاني)، أو صهر تقنيات واقعية وحداثية (أصلان، والبساطي، وخصوصا بهاء طاهر). وقد ظلت الرواية المصرية متنفسا لتقنيات متعددة حتى الرومانسية عند إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، وأمين يوسف غراب».
وأشار فتحي، إلى أن «بشائر الحداثة ظهرت باعتبارها عناصر انقلابية داخل التقليد الواقعي في اللص والكلاب لمحفوظ، والرجل الذي فقد ظله لفتحي غانم. وتحققت قطيعة حاسمة مع التقنية الواقعية عند صنع الله إبراهيم، فهو يكسر عامدا قواعد المنظور وتراتب أهمية الثيمات والأحداث. وتألقت الحداثة عند إدوار الخراط».
ويتوقف فتحي عند حقبة التسعينات، مشيرا إلى أن «التاريخ فيها كان قائما على أوهام الذاكرة والوجود متاهة عند مصطفى ذكري ومنتصر القفاش، وحدث التصدي لمسائل فلسفية روائية عندهما وعند منصورة عز الدين. وتعتمد ميرال الطحاوي على شعرية الأداء في إزالة الحواجز بين الحلم والصحو، والأسطورة والتاريخ، والخيال والذاكرة التسجيلية. وفي العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين اتسمت التقنية بالتشظي والتجريد أو الفانتازيا والعدمية، وتصدير التساؤل حول علاقتها بمسائل التدين أو الواقع الافتراضي أو التاريخ أو اللغة عند إبراهيم عبد المجيد، وعز الدين شكري، وأمينة زيدان، وهالة البدري، ثم عند طارق إبراهيم، وأحمد عبد اللطيف، ومحمد علاء الدين على نحو مزعج للثوابت».
أما عن الرواية الجزائرية، فألقى سمير قسيمي الضوء على «الغرائبية» كثيمة واضحة في روايات الجيل الثالث في الجزائر، سيما الروايات الصادرة بعيد عام 2009، وأهمها بحسبه روايات: «وصية المعتوه» لإسماعيل يبرير، «في رواية أخرى» لعلاوة حاجي، و«حروف الضباب» للخير شوار، و«مملكة الزيوان» وللحاج أحمد الصديق الزيواني. قائلا: «تحمل الرواية الجزائرية – الجيل الثالث – هواجس سردية مختلفة عن تلك التي ميزت جيل التأسيس والجيل الذي يليه. وبالتالي، فهي تخوض في مواضيع لم تعرفها الرواية الجزائرية من قبل، ويكتب وفق تقنيات يبدو أن انفتاح الروائي الجزائري على التجارب العالمية الأخرى ساهم في ترسيخها. كما لعب الواقع الجزائري، سيما في الفترة اللاحقة لما عرف في الجزائر بالعشرية السوداء، دورا في التمكين لرواية الجيل الثالث التي تتشارك في عمومها أسئلة تتعلق بشكل واضح بالوجود، من دون أن ترقى لتكون أسئلة وجودية»، مضيفا: «هناك انفصال واضح يريده الجيل الثالث عن هذا الواقع، بعد أن فشلت مواجهته سرديا عبر كتابات التسعينات التي وصفها الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطار بـ(الروايات المستعجلة)، ووصفها نقاد آخرون أنها مثلت أسوأ صور الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية منذ نهاية السبعينات».



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.