أحوال الرواية وتقنيات الشكل الروائي وأدب الاعتراف

مؤتمر الرواية العربية السادس في يومه الثاني

من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)
من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)
TT

أحوال الرواية وتقنيات الشكل الروائي وأدب الاعتراف

من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)
من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)

تواصلت فعاليات مؤتمر الرواية العربية السادس في يومه الثاني عبر جلسات ناقشت محاور المؤتمر الرئيسية، وموائد مستديرة حول فن الرواية، وعبر شهادات الروائيين العرب أيضا، التي تناولت تجاربهم وهمومهم.
وتواصل «الشرق الأوسط» استعراض عدد من المشاركات والأوراق البحثية للمؤتمر التي تركزت حول الرواية والخصوصية الثقافية: إشكالية الهجنة في المعمار الروائي العربي، الرواية وحدود النوع، وتقنيات الشكل الروائي في مصر والجزائر، وأدب الاعتراف كظاهرة.
وقد تطرق الروائي السعودي يحيى أمقاسم إلى قضية «الرواية والخصوصية الثقافية»، مشيرا إلى أن الكتابة الروائية العربية المعاصرة تشهد انفجارا في المنتج وتنوعا في اتجاهات الكتابة، وتنوعا في الموضوعات الروائية المعبرة عن الهويات الفرعية لأقاليم الوطن العربي الثقافية أيضا»، لافتا إلى أن هذه الهويات «هي التي تتضمن الكشف عن ملامح الهويات الفرعية في أبعادها المتنوعة، التي منها: الموروث الشعبي، والمعتقد الفكري وأشكال حضوره في السلوك البشري، والأشكال المادية للحياة (طرائق التعايش، فنون الطعام، والأزياء.. إلخ)، ودور المرأة والرجل، وطريقة النظرة إليهما».
وطرحت الأديبة السورية د. شهلا العجيلي، إشكالية الهجنة في المعمار الروائي العربي، موضحة أنها تعود إلى بواكير تشكل فن الرواية في البنية الاجتماعية الثقافية العربية، وذلك منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقالت: «يعد الصراع بين التأصيليين والتغريبيين أهم العوامل الثقافية التي أنتجت معمارا روائيا قلقا أو مهزوزا، إذ ظهر نتيجة أنصاف المواقف الثقافية، معمار روائي محير في تصنيفه، يستعير من شكل المرويات التراثية، مثلما يستعير من شكل الرواية الأوروبية التي كانت واحدا من المؤثرات التي أحدثت صدمة الحداثة».
ولفتت إلى أن «قلة من الروائيين حسموا موقفهم مع تلك الهجنة طيلة نصف قرن تقريبا، لقد ارتبط بهذا الشكل الهجين في معماره الروائي، تهجين في اللغات، والرؤى، على طريقة باختين، لكن هذه الهجنة الفكرية لم تخرج على رؤى ثلاث: التأصيلية، والتغريبية، والتوفيقية. لكن الشكل القلق للمعمار الروائي انتهى مع إجهاض مشروع النهضة لصالح مشروع الحداثة، التي دمغت ببصمتها مناحي الحياة المصرية، فالشامية، وهذا ما عالجته طلائع الروايات، مثل (وي، إذن لست بإفرنجي) لخليل الخوري، و(حديث عيسى بن هشام) للمويلحي، و(حسن العواقب أو غادة الزهراء) لزينب فواز».
وأوضحت: «لقد أقر الاستسلام لمشروع الحداثة شكل الرواية الأوروبية الحديثة، متعددة المشارب، الفرنسية، والإنجليزية، والروسية، ورسخ هذا الشكل بين الحربين العالميتين، وصار معترفا به ثقافيا للكتابة، ينافس الشعر، لأنه بات يمثل المجتمعات العربية البورجوازية الناشئة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تلك التي كشفت مشربا آخر للرواية، وهو الرواية الأميركية. وظلت الهجنة مرافقة لكل من سيرورة الكتابة الروائية العربية، ونقدها، لكنها خضعت لتفسيرات مختلفة منذ نكسة 1967، على مستوى الإبداع، ومنذ شيوع نظرية ما بعد الاستعمار على صعيد النقد، وخرجت تلك الهجنة عن الرؤى التصنيفية التي كبلتها بين تأصيل، وتغريب، وتوفيق».
وحول السرد وتجاوز حدود النوع، تطرق الشاعر والناقد يوسف نوفل، إلى انعكاس سمات كل عصر على فنونه؛ حيث تأثر السرد بـ«عصر الآيديولوجيا» في القرن التاسع عشر، وعصر «الذرة»، وثورة المعلومات والاتصال في القرن العشرين، وتقارب الفنون، كل ذلك أدى لتفتيت السرد وتحليله كما يفتت العلم الذرات إلى عوالم صغيرة: بناء، وشكل، وأنماط بشرية، ومواقف، وأحداث، ولغة ومفردات. وإلى التجريب، ومجافاة العقل والمنطق، ونبذ كل ما هو متفق عليه، والجمع بين المتناقضات، واهتزاز ما هو مقدس ومن المثل العليا، وتحول الزمن من ميكانيكيته المحكومة بعقارب الساعة إلى زمن ذاتي.
وقال: «استوعب السرد تلك التغيرات لتحتل الأفكار منزلة أكبر من الأشخاص، ولتتقارب المواقف التي تقوم عليها نظرية الأنواع الأدبية من الموقف: الغنائي، والملحمي، والدرامي»، مؤكدا: «لم يعد النوع الأدبي أسير تلك الصرامة والصفاء النوعي. بل التفرقة بين أشكال النوع الفني الواحد، حتى كان أثر نظرية (روح العصر) مع نظرية التطور، وآراء بندتو كروتشه. ومن هنا، عبر السرد من درجة (الصفاء والصرامة النوعية) إلى (إلغاء الحدود)، ثم (الموازاة الفنية)، وفيها مرونة التداخل، والامتزاج، وتطور النظرة إلى الحدود الفاصلة مع الاتساع الهائل في حجم الجمهور المتلقي ونوعياته ورغباته، وولادة أنواع، واستحداث أخرى أو تطويرها، وهكذا وجدنا (الوصل بين الجنسين)، و(الكتابة عبر النوعية)». ويتابع: «وبفضل انتشار ثقافة الصورة، ليقوم التصنيف النوعي على أساس التمازج، والتراسل، والتقارب، لا على أساس الإلغاء والمحو وإذابة الحدود».
ولفتت آمال الديب، إلى ظاهرة جديدة هي «أدب الاعتراف» على حد وصفها لانتشار «السيرة الروائية»، مطالبة بضرورة دراستها، قائلة: «مصطلح أدب الاعتراف يحرر الكاتب من وطأة مسؤوليته الأخلاقية في مجتمعنا الذي ما زال منغلقا على ما يجب وما ينبغي، وكيف تتحول الحياة المعيشة إلى مادة للحكي!». وتتابع: «على الرغم من أن أدب الاعتراف في الغرب هو أيضا مادة قابلة للحكي عن شخص الكاتب أو أحداثه، فإنه يستطيع أن يعترف بشكل غير مباشر، أو بخلط الواقع مع الخيال مع التجريب ناسجا عمله بمهارة، لذا نحن في حاجة إلى تعميق هذا الخيط الرفيع والاعتناء بدراسة ذلك الحقل البكر – ما زال – من حقول الرواية عربيا ومحليا».
وحول تطور الرواية في مصر، قالت الروائية د. إقبال بركة، ارتبطت بدايات الرواية المصرية بالمقاومة العربية للمظاهر الاجتماعية الغربية التي واكبت الاحتلال البريطاني في بداية القرن العشرين، واكتشف جيل الكتاب الصاعد في ذلك الوقت إمكانية استخدام العمل الروائي كوسيلة للتوعية إلى جانب المنشورات والمقالات والخطب التي لعبت دورا كبيرا في إذكاء الروح الوطنية. وعلى يدي ذلك الجيل تطورت الرواية من وسيلة للتوعية إلى عمل أدبي وطني. وضربت أمثلة، منها: «حديث عيسى بن هشام» للكاتب المصري محمد المويلحي، ورواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، وكتاب «الأيام» للدكتور طه حسين، ورواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي.
بينما يقول الناقد د. إبراهيم فتحي: «بدأت الرواية المصرية داخل الأوساط البرجوازية في القرن التاسع عشر، وكانت تتحرك داخل حبكات استطرادية، وتحتفي بالراهن والجزئي والعمليات النفسية حتى في انحطاطها، وتقنية تصوير الطباع والعادات في الـ(هنا) و(الآن) والوصف الممتد للمكان. وكانت أقرب إلى نزعة طبيعية بعيدة عن الواقعية، وفي الستينات، أعيد النظر في التقنيات وكثر وصف الواقعية بالتقليدية، ورأى الروائي الواقع بعينيه لا بعيني الآيديولوجية الرسمية، ولجأ إلى تقنية تصلح ممرا إلى الحداثة إلى تيار الشعور وعكس اتجاه الزمن والتوازي الأسطوري».
ويضيف: «في حقبة السبعينات والثمانينات، مثلت الأفعال والأحداث أنماطا أولية متصلة بشعائر الميلاد والوفاة ودوريات الحياة والخصوبة والتجدد أو الاضمحلال عند يوسف أبو رية ومحسن يونس. وجاء صهر تقنيات تراثية وحداثية (جمال الغيطاني)، أو صهر تقنيات واقعية وحداثية (أصلان، والبساطي، وخصوصا بهاء طاهر). وقد ظلت الرواية المصرية متنفسا لتقنيات متعددة حتى الرومانسية عند إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، وأمين يوسف غراب».
وأشار فتحي، إلى أن «بشائر الحداثة ظهرت باعتبارها عناصر انقلابية داخل التقليد الواقعي في اللص والكلاب لمحفوظ، والرجل الذي فقد ظله لفتحي غانم. وتحققت قطيعة حاسمة مع التقنية الواقعية عند صنع الله إبراهيم، فهو يكسر عامدا قواعد المنظور وتراتب أهمية الثيمات والأحداث. وتألقت الحداثة عند إدوار الخراط».
ويتوقف فتحي عند حقبة التسعينات، مشيرا إلى أن «التاريخ فيها كان قائما على أوهام الذاكرة والوجود متاهة عند مصطفى ذكري ومنتصر القفاش، وحدث التصدي لمسائل فلسفية روائية عندهما وعند منصورة عز الدين. وتعتمد ميرال الطحاوي على شعرية الأداء في إزالة الحواجز بين الحلم والصحو، والأسطورة والتاريخ، والخيال والذاكرة التسجيلية. وفي العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين اتسمت التقنية بالتشظي والتجريد أو الفانتازيا والعدمية، وتصدير التساؤل حول علاقتها بمسائل التدين أو الواقع الافتراضي أو التاريخ أو اللغة عند إبراهيم عبد المجيد، وعز الدين شكري، وأمينة زيدان، وهالة البدري، ثم عند طارق إبراهيم، وأحمد عبد اللطيف، ومحمد علاء الدين على نحو مزعج للثوابت».
أما عن الرواية الجزائرية، فألقى سمير قسيمي الضوء على «الغرائبية» كثيمة واضحة في روايات الجيل الثالث في الجزائر، سيما الروايات الصادرة بعيد عام 2009، وأهمها بحسبه روايات: «وصية المعتوه» لإسماعيل يبرير، «في رواية أخرى» لعلاوة حاجي، و«حروف الضباب» للخير شوار، و«مملكة الزيوان» وللحاج أحمد الصديق الزيواني. قائلا: «تحمل الرواية الجزائرية – الجيل الثالث – هواجس سردية مختلفة عن تلك التي ميزت جيل التأسيس والجيل الذي يليه. وبالتالي، فهي تخوض في مواضيع لم تعرفها الرواية الجزائرية من قبل، ويكتب وفق تقنيات يبدو أن انفتاح الروائي الجزائري على التجارب العالمية الأخرى ساهم في ترسيخها. كما لعب الواقع الجزائري، سيما في الفترة اللاحقة لما عرف في الجزائر بالعشرية السوداء، دورا في التمكين لرواية الجيل الثالث التي تتشارك في عمومها أسئلة تتعلق بشكل واضح بالوجود، من دون أن ترقى لتكون أسئلة وجودية»، مضيفا: «هناك انفصال واضح يريده الجيل الثالث عن هذا الواقع، بعد أن فشلت مواجهته سرديا عبر كتابات التسعينات التي وصفها الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطار بـ(الروايات المستعجلة)، ووصفها نقاد آخرون أنها مثلت أسوأ صور الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية منذ نهاية السبعينات».



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended