واشنطن مستعدة للاعتراف بحكومة «طالبانية» إذا كانت «لا تؤوي إرهابيين»

مروحية أميركية فوق كابل أمس مع تسارع عمليات الإجلاء من العاصمة الأفغانية (رويترز)
مروحية أميركية فوق كابل أمس مع تسارع عمليات الإجلاء من العاصمة الأفغانية (رويترز)
TT

واشنطن مستعدة للاعتراف بحكومة «طالبانية» إذا كانت «لا تؤوي إرهابيين»

مروحية أميركية فوق كابل أمس مع تسارع عمليات الإجلاء من العاصمة الأفغانية (رويترز)
مروحية أميركية فوق كابل أمس مع تسارع عمليات الإجلاء من العاصمة الأفغانية (رويترز)

مع دخول حركة «طالبان» إلى كابل، سرّعت إدارة الرئيس جو بايدن وتيرة عمليات الإجلاء للرعايا الأميركيين والأجانب، وكذلك كثير من المسؤولين في الحكومة الأفغانية والأفغان الذين كانوا يعملون مع الجيش الأميركي من العاصمة التي صارت الرمز الأخير لعودة الجماعة إلى الحكم بعد 20 عاماً من إطاحتها رداً على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ضد الولايات المتحدة.
وفيما سقطت الولايات والمدن الأفغانية الواحدة تلو الأخرى بسرعة قياسية على أيدي مقاتلي «طالبان» الذين دخلوا كابل مساء أمس، أعطت إدارة بايدن إشارة أولى إلى استعدادها للتعامل والاعتراف بحكومة أفغانية تهيمن عليها «طالبان» إذا كانت «تدعم الحقوق الأساسية» للشعب الأفغاني «ولا تؤوي إرهابيين».
وباشرت القوات الأميركية عمليات الإجلاء التي وصفت بأنها فوضوية ومحمومة للدبلوماسيين والمدنيين الأميركيين. وهبطت طائرات الهليكوبتر، الواحدة تلو الأخرى، ومنها طائرات هليكوبتر عملاقة بمحركين من طراز «تشينوك» وطائرات من طراز «بلاك هوك» السريعة التي كانت العمود الفقري للحرب الطاحنة، ثم أقلعت محملة بالركاب. وأضيئت سماء كابل بالقنابل المضيئة خلال ساعات الليل. وبين الذين جرى إجلاؤهم مجموعة أساسية من الدبلوماسيين الأميركيين الذين خططوا للبقاء في السفارة في كابل، وفقاً لمسؤول رفيع أضاف أنهم نُقلوا إلى مجمع في المطار الدولي. ووسط شعور بالذعر ساد كابل، تسابقت قوافل من المركبات المدرعة للبحث عن الأمان في مقر ما كان مركزاً لعمليات حلف شمال الأطلسي (الناتو). وحلقت طائرات «الأباتشي» الحربية في سماء المنطقة.
وامتلأ مدرج المطار ببدلات من الزي الرسمي لدول مختلفة. وانضم هؤلاء إلى مقاولين ودبلوماسيين ومدنيين حاولوا جميعاً اللحاق برحلة ما إلى الخارج. وتم منح أولئك الذين كانوا مؤهلين للطيران أساور خاصة، ما يدل على وضعهم على أنهم غير مقاتلين. لكن بالنسبة لملايين الأفغان، وبينهم عشرات الآلاف الذين ساعدوا الجهود الأميركية في البلاد لسنوات، لم تكن هناك أساور. كانوا عالقين في المدينة، لا يتساءلون عما إذا كانت «طالبان» ستدخل.
بينما دافع بايدن عن قراره البقاء وسحب آخر القوات الأميركية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر، أصبحت الإدارة قلقة بشكل متزايد في شأن الصور التي يمكن أن تثير كارثة أخرى في السياسة الخارجية؛ سقوط سايغون في نهاية حرب فيتنام عام 1975.
وعكس قرار بايدن إرسال الآلاف من الجنود حال التخبط التي تعانيها واشنطن، التي شهدت انتقادات لطريقة تعامل الإدارة الحالية وسوء تقديرها لمجريات الوضع مع سيطرة الحركة المتشددة على البلاد، بعدما أنفقت الولايات المتحدة نحو تريليون دولار، بما في ذلك زهاء 80 مليار دولار على إعادة بناء الجيش والقوى الأمنية الأخرى في أفغانستان. وعزا بايدن كثيراً من الفوضى إلى جهود الرئيس السابق دونالد ترمب لإنهاء الحرب، والتي اعتبر بايدن أنها وضعت في مكان صعب مع تحدي «طالبان» للحكومة الأفغانية. وقال بايدن: «عندما توليت المنصب، ورثت صفقة عقدها سلفي - ودعا إليها (طالبان) لمناقشتها في كامب ديفيد عشية 11 سبتمبر 2019 - ما جعل (طالبان) في موضع هو الأقوى عسكرياً منذ عام 2001»، مضيفاً: «كنت الرئيس الرابع الذي يترأس وجود القوات الأميركية في أفغانستان، اثنان من الجمهوريين، واثنان من الديمقراطيين. لن أمرر هذه الحرب إلى (رئيس) خامس».
وأذهل التقدم السريع لـ«طالبان» كثيرين في البيت الأبيض، علماً بأن «البنتاغون» وجّه تحذيرات كثيرة إلى بايدن، حتى قبل توليه منصبه في شأن احتمال اجتياح «طالبان» للجيش الأفغاني، لكن التقديرات الاستخباراتية، التي تبين الآن أنها أخطأت الهدف بشكل كبير، قدّرت أن ذلك يمكن يحصل في غضون 18 شهراً، وليس في أسابيع.
وكان بايدن أعطى «البنتاغون» مهلة حتى 31 أغسطس (آب) الحالي لاستكمال سحب القوات من أفغانستان. وكان من المقرر أن تُبقي الولايات المتحدة نحو 650 جندياً للمساعدة في حماية الوجود الدبلوماسي الأميركي في البلاد. وأكد بايدن أنه غير نادم على وقف الحرب. غير أن الجمهوريين انتقدوا الانسحاب باعتباره خطأ وسوء تخطيط، على رغم عدم وجود رغبة سياسية كبيرة من أي من الطرفين لإرسال قوات جديدة لمحاربة «طالبان». وقد أعطى توجيهات لوزير الخارجية أنتوني بلينكن لدعم الرئيس الأفغاني أشرف غني ورئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية عبد الله عبد الله وغيرهما والمشاركة مع القادة الإقليميين في السعي إلى تسوية سياسية مع «طالبان».
ودافع بلينكن أمس عن قرار بايدن سحب القوات من أفغانستان، حتى مع اقتراب سيطرة «طالبان» على السلطة، معتبراً أن الهجوم الحالي كان سيحصل حتى لو بقيت الولايات المتحدة. ولكنه أقر عبر شبكة «سي إن إن» للتلفزيون بأن قوات الأمن الأفغانية لم تكن قادرة على الدفاع عن البلاد، وأن هجوم «طالبان» تقدم بشكل أسرع مما كان متوقعاً. وقال: «كنا في أفغانستان لغرض واحد مهيمن، للتعامل مع الأشخاص الذين هاجمونا في 11 سبتمبر»، مضيفاً أنه «لهذا السبب ذهبنا إلى هناك قبل 20 عاماً.
وعلى مدى تلك السنوات العشرين، قدمنا (زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة) بن لادن إلى العدالة». واعتبر أنه «جرى إلى حد كبير تقليل التهديد الذي يشكله (تنظيم القاعدة) في أفغانستان على الولايات المتحدة، لدرجة عدم قدرته على شن مثل هذا الهجوم مرة أخرى من أفغانستان». وإذ كرر تصريحات الرئيس أن بقاء القوات الأميركية لن يغير النتيجة الحالية، رأى أن المنافسين الاستراتيجيين لأميركا «لن يفضلوا أي شيء أكثر» من بقاء القوات الأميركية في الشرق الأوسط لعدة سنوات أخرى. وقال بلينكن لـ«سي إن إن» أيضاً: «هذه ليست سايغون. لقد دخلنا أفغانستان قبل 20 عاماً في مهمة، هدفها تصفية حسابات مع من هاجمونا في 11 سبتمبر. لقد أنجزنا هذه المهمة».
وأوضح أن الولايات المتحدة «تضاعف جهودها» لإجلاء المترجمين الفوريين والمترجمين الأفغان المعرضين للخطر من «طالبان» بسبب مساعدة القوات الأميركية.
وعندما سئل عما إذا كانت الولايات المتحدة ستعترف في أي وقت بـ«طالبان» حكومة شرعية، أجاب أن «الحكومة الأفغانية المستقبلية التي تدعم الحقوق الأساسية لشعبها ولا تؤوي الإرهابيين هي حكومة يمكننا العمل معها والاعتراف بها».



سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.