أفلاطون أم أرسطو؟

تقليدان فلسفيان قديمان في عالم حديث

أرسطو
أرسطو
TT

أفلاطون أم أرسطو؟

أرسطو
أرسطو

لا أرى في السؤال الذي ينطوي عليه عنوان هذه المادّة رغبة عابرة في معرفة التوجّه الفلسفي لكلّ واحد منّا بقدر ما أحسبهُ سؤالاً يكشف جوابه الكثير من الخصائص الفكرية للفرد وطريقة رؤيته للحياة والأشياء والصيرورات العديدة في هذا العالم. يمكن - مثلاً - الاستشهاد بأحد كبار علماء الذكاء الصناعي والحوسبة الكمومية، ديفيد دويتش، الذي يرى أنّ مقاربتنا الفلسفية (أي بمعنى أدقّ: هل نعتمدُ مقاربة فلسفية أفلاطونية أم أرسطوية؟) هي التي ستفكّ مغاليق الذكاء الصناعي في نهاية المطاف، وهذا دليلٌ لا تعوزه مصداقية إضافية - كما أرى - في تأكيد أهمية رؤيتنا الفلسفية للعالم. هذه الموضوعة ذات أهمية حقيقية، عملية وفكرية معاً، وليست محض لعبة ذهنية يرادُ منها تعضيد موقف فلسفي في مواجهة موقف فلسفي آخر، كما تؤكّدُ هذه الموضوعة الأهمية الاستراتيجية لدراسة الفلسفة وتأريخها منذ وقت مبكّر في حياتنا.
لطالما سادت المقاربة الأفلاطونية في المساءلة الفلسفية تأريخ الفلسفة، وقد لوحظت سيادة هذا النمط الفلسفي في القرن السابع عشر وبخاصة في عصر عقلانية ديكارت ولايبنتز وسبينوزا ؛ لكنه ساد أيضاً في القرن العشرين وبخاصة مع تنامي النزعة المنطقية Logicism لبرتراند رسل الذي سعى بالاشتراك مع الفيلسوف ألفرد نورث وايتهد لإقامة المنطق والرياضيات على أسس رياضياتية صارمة. في المقابل، وجدت المقاربة السقراطية صدى لها عبر القرون وبخاصة في القرن الثامن عشر، حيث سادت التجريبية البريطانية التي قاد لواءها كلٌّ من جون لوك، الأسقف بيركلي، وديفيد هيوم، إلى جانب النزعة البراغماتية Pragmatism التي تسيّدت الفلسفة الأميركية في القرن التاسع عشر، وكان فرسانها جون ديوي، تشارلس ساندرس بيرس، وويليام جيمس.
هذان المزاجان الفلسفيان يمكن التمييز بينهما بدقة معقولة وفقاً للمرجعيات التالية:
أولاً: تركّز المقاربة الأفلاطونية على مبادئ تجريدية شاملة ؛ في حين تركّز المقاربة السقراطية على مبادئ محدّدة خاصة مستمدّة من العالم الواقعي ومحكومة به.
ثانياً: يسعى الأفلاطونيون إلى أسس المعرفة الآمنة غير المتحوّلة (عالم المُثُل الأفلاطونية) في حين يقبل السقراطيّون بأنّ مثل هذه الأسس هي - من المؤكّد تقريباً - عصية على البشر.
ثالثاً: يميل الأفلاطونيون لرؤية أي عنصر نقص أو عدم دقة مكتملة على أنه عنصر سيطيحُ بالنظام كله؛ في حين يعضّد السقراطيون عناصر الغموض والفوضى إلى الحد الذي يجعل منهما عناصر مناسبة لمعرفة أي موضوع في العالم الواقعي (ميكانيك الكم دليلاً).
لكن رغم وجود تمايزات أساسية وواضحة بين هذين المزاجين الفلسفيين فهناك دوماً خطرٌ قائم يواجه الفلسفة يتمثّلُ في أننا عندما نصنّفُ المفكّرين في مدارس فلسفية مختلفة فإننا نُعلي من شأن الاختلافات بين هاتين المقاربتين الفلسفيتين. ليس ثمة أحدٌ من المفكّرين الفلاسفة العِظام يتطابق كلياً مع القالب النمطي الذي تصفه توصيفات تعريفية على شاكلة: فيلسوف أفلاطوني «عقلاني» أو سقراطي «تجريبي». قد يكون أفلاطون طمح لبلوغ صرامة ويقينية المعرفة التي توفّرها الأشكال «الأفلاطونية»؛ لكنّ سقراط في محاوراته «السقراطية» لا يبلغ أبداً مثل هذا الحافات النهائية من المعرفة، والنتيجة هي أنّ سقراط لا ينفكّ يذكّرنا دوماً بالحدود المفروضة على معرفتنا، ويشجّعنا في الوقت ذاته على العيش مع معتقدات تبقى أقلّ من معرفة يقينية. لطالما تمّ تصوير سقراط على أنه الرجل الأكثر حكمة في أثينا لأنّ الشيء الوحيد الذي عرفه بيقينية كاملة هو أنه لا يعرف أي شيء بصورة مؤكدة باستثناء معرفته بعدم قدرته على بلوغ مرتبة المعرفة اليقينية بالأشياء.
وماذا عن أرسطو وهو الهرم الثالث في المثلث الفلسفي (سقراط - أفلاطون - أرسطو) ؟ يعدُّ أرسطو الوريث الشرعي للتراث الفلسفي السقراطي؛ ولكن برغم هذا ليس صحيحاً القولُ بأنّ أرسطو رفض كلّ المناهج الأفلاطونية. إنّ واحدة من أعظم مساهمات أرسطو الفلسفية حقاً كانت في الارتقاء بالمنطق الذي يتأسّسُ على مبادئ تجريدية، والذي يخلو من أي محتوى يرتبط بوقائع مادية أو تجريبية. الفرق بين أفلاطون وأرسطو (وكذلك المفكّرين الذين أعقبوهما) يكمن في الأهمية النسبية التي يقرنها كل مفكّر فيهم مع منهج المساءلة القَبْلية (أي الرياضياتية) أو البَعْدية (أي التجريبية): يميلُ المفكّر العقلاني الأفلاطوني أكثر من سواه نحو السعي وراء اليقينية والدقة الرياضياتية؛ في حين يتوقّع المفكّر التجريبي السقراطي الكثير من الغموض واللايقينية والمناطق الرمادية المشتركة من المعرفة. لا يعني هذا الأمر بأي شكل من الأشكال أنّ المفكّر التجريبي يمتلك رؤية غامضة أو غير دقيقة تجاه الرياضيات، مثلما لا يعني هذا الأمر أنّ المفكّر العقلاني يؤكّدُ دوماً أنّ كل فرق بين المنهجيْن الأفلاطوني والأرسطوي يجب أن يكون فرقاً واضحاً، وصارماً من غير تداخلات بينية بينهما.
هنا من المهمّ أن نتساءل: ما تأثيرُ هاتين المقاربتين الفلسفيتين على موضوعة الأبستمولوجيا (أصل المعرفة)؟ يجب منذ البدء أن يكون واضحاً أننا عندما نتوغّل في مبحث المعرفة سنُقابلُ أصنافاً مختلفة من النظريات، والأمر كله مرهونٌ في نهاية المطاف هل نعتمد مقاربة أفلاطونية أم أرسطوية في رؤيتنا الفلسفية؛ ومن هنا الأهمية الحاسمة لهاتين المقاربتين الفلسفيتين القديمتين في النظرية الحديثة للمعرفة. تحثّنا المقاربة الأفلاطونية على التمييز الصارم بين المعرفة Knowledge والاعتقاد Belief على أساس أنّ معرفة شيء ما ليست بالأمر الذي يكفي ليكون ذلك الشيء حقيقياً؛ إذ يجب في نهاية الأمر أن نتحصّل على ضمانة guarantee بأن يكون ذلك الشيء حقيقياً. الاعتقاد، وعلى العكس من المعرفة، يفتقد الإثبات أو التسويغ الكافي. يحثنا هذا الفارق بين الحقيقة والمعرفة على توصيف الكيفية التي بها يمكن تعريف المعرفة.
لكن على كل حال تبدو الأشياء مختلفة عن بعضها تماماً تبعاً للمنظور الأرسطوي. الفارق بين المعرفة والاعتقاد هو على الأغلب مسألة فرق في التمايز النسبي وليس فرقاً مطلقاً: كلّما استطعنا إقامة معتقداتنا على أسس صلبة سيكون من المسوّغ أكثر الإشارة إلى هذه المعتقدات باعتبارها تنطوي على معرفة؛ لكن ليس ثمة من معتقد مؤكّد لنا بما يكفي لكي ندّعي احتواءه على 100 في المائة من المعرفة، ويعود الأمر وراء ذلك - جزئياً - إلى عدم وجود أساس من الشواهد القوية في العالم تكفي لإسناد ودعم كلّ معتقداتنا. هكذا تعمل المقاربة الأرسطوية: بدلاً من تبديد الجهود في محاولات عبثية لبلوغ أسس قوية تسند معتقداتنا يكون من الأجدى والأفضل التركيز على كيفية جعل معتقداتنا تدعم بعضها وتتناغم مع المعطيات التي يقدّمها العالم المادي (أي تطابق المعتقدات مع المعطيات الاختبارية الواقعية).
يوجد انشقاق واضح أيضاً يكشف عن حاله بطريقة لا تخفى بين المقاربتين الأفلاطونية والأرسطوية تجاه الحقيقة. يريد المزاج الأفلاطوني إقامة «الحقيقة» باعتبارها أمراً واضحاً، مؤكّداً، وقابلاً للمعرفة، ويسعى هذا المزاج بخاصة نحو الحقائق (الخالدة) المستقلة عن الزمان والمكان: حقائق المنطق والرياضيات التي تبقى صحيحة إلى الأبد. البديل الأرسطوي يرى أنّ بعض الأشياء حقيقية أكثر من غيرها؛ لكن ليس سوى بضعة أشياء، أو ربما لا شيء أبداً، يحوز مرتبة أن يكون حقيقة أبدية خالدة وغير متغيّرة. الكينونات المرشّحة أفضل من سواها لكي تكون حقائق أبدية خالدة وغير متغيرة تبعاً للمقاربة الأرسطوية هي كينوناتٌ مماثلة لمكانة حقائق الرياضيات والمنطق في المقاربة الأفلاطونية.
تشغلُ هذه الموضوعات أهمية عظمى وبخاصة في عصرنا الحاضر (عصر ما بعد الحقيقة Post – Truth) لأنه صار عصراً تسوده نزعة شكوكية Skepticism عميقة بشأن كلّ من الحقيقة والمعرفة. صار من الأمور الجمعية الشائعة في أوساطنا المجتمعية العامة سماعُ بعض الناس يقولون «ما هو حقيقي بالنسبة لي قد لا يكون حقيقياً بالنسبة لآخرين» ، وهنا «الآخرون» قد يكونون أناساً من زمان آخر، أو مكان آخر، أو جماعة دينية أو سياسية تختلف عنّا، وفي الوقت الذي قد يَقْبَلُ فيه الناس أنّ الخبراء يحوزون بعضاً من المعرفة فثمة ميلٌ متزايد للقول إننا - كبشر - نحوز آراء مختلفة، وإننا نمتلك قدرة متكافئة على حيازة أي آراء - مهما تباينت - تجاه معظم الأشياء التي نحسبها مهمة ومؤثرة في تشكيل حياتنا وطريقة تفكيرنا.
بالعودة إلى سؤال البداية، يمكن القولُ: نحنُ كائنات أفلاطونية وأرسطوية بنسبٍ مختلفة تعتمدُ على ميولنا المعرفية (هل هي رياضياتية أم تجريبية)، وسيكون السعي لبلوغ كائن أرسطوي خالص أو أفلاطوني خالص نوعاً من المسعى اليوتوبي الذي قد يثيرُ فينا نوعاً من أحلام التخييل اللذيذة التي باتت تضيق مدياتها أمام البشر.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.