رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية: الرقابة ضرورة في زمن ثورة الاتصالات

خالد المالك أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الصحافة عمل استثماري ومنتج ربحي لا يشترط أن ينطق باسم الدولة ومؤسساتها

خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية
خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية
TT

رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية: الرقابة ضرورة في زمن ثورة الاتصالات

خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية
خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية

يعد خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية، من قدامى رؤساء التحرير في بلاده، حيث بدأ عمله رئيسا للتحرير منذ 45 عاما، وارتبط اسمه بنجاح صحيفته وعصرها الذهبي خلال مرحلتي رئاسته لتحريرها، حيث ترك كرسي رئاسة تحرير الجريدة مجبرا لمدة 14 عاما، ليعود إليها مجددا قبل 15 عاما، ويقود الجريدة إلى آفاق من النجاح والمنافسة القوية محليا، وتمكن المالك مع كوكبة من العاملين في مؤسسة «الجزيرة» الصحافية التي تصدر عنها الجريدة في إدارة الصحيفة بمواصفات مؤسساتية حقيقية جعلت الصحيفة تحقق السبق والتميز، بامتلاكها أقدم موقع إلكتروني، وأرشيف إلكتروني، يغطي الجريدة من أول صدورها قبل نصف قرن إلى اليوم، إضافة إلى امتلاكها باقات ومنتجات تقنية متعددة، وتسجيلها أنها أول من امتلك مقرا ومطبعة بين المؤسسات الصحافية المحلية، وتخريجها كوادر صحافية أصبح البعض منهم فيما بعد رؤساء تحرير، وآخرين تبوأوا مناصب قيادية في صحف أخرى داخل السعودية وخارجها.
«الشرق الأوسط» حاورت خالد المالك وخرجت بهذه الحصيلة من المعلومات.

* ماذا بقي في ذاكرتك عن صحافة الأفراد، وهل المقارنة بين صحافة الأفراد وصحافة المؤسسات عادلة بتفضيل الأولى على الثانية من ناحية الجرأة والمحتوى؟
- صحافة الأفراد لا يمكن أن تغيب عن الذهن، فهي بروادها ورموزها ومؤسسيها، وبالدور الطليعي الذي قامت به وتصدت له، إنما هي جزء من تاريخنا الثقافي والاجتماعي والسياسي والصحافي، مثلما كانت هي الصوت والمنبر ولسان حال شعب المملكة منذ بدء توحيدها على يد الملك عبد العزيز وإلى أن تم إيقافها بعد صدور نظام المؤسسات الصحافية.
ومقارنتها بصحافة المؤسسات مقارنة غير عادلة في كل شيء، إذ إنها تميل لصالح صحافة اليوم من حيث الإمكانات البشرية والفنية والمالية، بما في ذلك المحتوى، وما يتصل بالتقنية وثورة الاتصالات التي استفادت منها المؤسسات الصحافية، فقد كان ما يُسمى بصحافة الأفراد فقيرة في مواردها المالية، محدودة الإمكانات فنيا، ضعيفة تسويقيا، هي إلى الصحافة الأدبية المتخصصة أقرب منها إلى مفهوم الصحافة الحديثة، ومع هذا يسجل لأصحابها اقتحامهم لهذا الميدان مبكرا، وتفانيهم في إصدارها بقوالب مهنية تستجيب لتلك المرحلة من التاريخ، وتعبر عن ذائقة فنية وصحافية تلبي بها رغبات قرائها، حيث الأشعار والمقالات الأدبية والاهتمام بالثقافة، مع مساحة مقبولة من الحرية بما كانت تنشره من مقالات لكبار كتابها، لكنها لا تُقارن بالتأكيد بصحافة اليوم من حيث الإمكانات الكبيرة التي تخدم عملها وتساعد على تنوع ما يُنشر فيها، مع تمتعها هي الأخرى بمساحة معقولة من الجرأة في بعض ما يُنشر فيها.
* العاصمة السعودية يوجد بها جريدتان محليتان تتنافسان منذ عقود، هما «الجزيرة» و«الرياض»، فهل تحتاج المدينة التي تحتضن أكثر من 6 ملايين نسمة إلى أكثر من هاتين الجريدتين؟
- ربما كان هذا ضرورة حين صدرت هاتان الصحيفتان قبل نصف قرن، أما الآن فلا أعتقد، فالصحافة الورقية في العالم تعاني من مزاحمة ما يُسمى بالإعلام الجديد، وهناك صحف بالمملكة تأثرت كثيرا من منافسة الصحف الإلكترونية لها، ولا يزال الغموض يحيط بمستقبل الصحافة الورقية، ولهذا فإنَّ المجازفة بإصدار صحف ورقية جديدة سوف يكون هدرا للمال، دون أن يكتب لأي صحيفة ورقية جديدة النجاح، بدليل ما تعانيه الصحف التي صدرت أخيرا من شح في الإعلانات وفي الموارد المالية الأخرى، مع أنها تقدم عملا صحافيا جيدا، بل إن بعض الصحف القديمة بدأت هي الأخرى في التراجع إعلانيا، وتقلصت أرباحها عن ذي قبل، مما يعني أن الحاجة لم تعد قائمة لإصدار صحف ورقية جديدة.
* هناك عهدان لك مع رئاسة تحرير جريدة «الجزيرة» (العهد المالكي الأول، والعهد المالكي الثاني)، أيهما تراه عصرك وعصر «الجزيرة» الذهبي؟
- يفترض أن يوجه هذا السؤال لغيري، لكني لا أجد حرجا في الإجابة عليه، فـ«الجزيرة» في فترتي الأولى كما هي في الفترة الثانية بقيت دائما في الصف الأول من حيث المستوى والانتشار والأرباح وحجم الجهاز الصحافي والتأثير في المجتمع، وما كان هذا ليتحقق لولا دعم مجلس إدارة المؤسسة ومساعدة المدير العام وتعاون الزملاء من قيادات صحافية وإدارية وزملاء صحافيين وفنيين كثر بالمؤسسة.
* هل ما زلت مسكونا بهاجس إقالتك من كرسي رئاسة تحرير صحيفة «الجزيرة» قبل سنوات في حدث معروف للجميع، وهل ما زال الظرف الذي تسبب في هذه الإقالة ملازما لك ومؤثرا على عطائك وفضاء التحرك والرقيب في داخلك؟
- لم يبق من تلك الإقالة إلا الدروس التي تعلمتها والذكريات التي لن أنساها، وما عدا ذلك فأنا أمارس عملي وأتعامل معه كما كنت أفعل من قبل، أجتهد في أخذ القرار المناسب وبالشجاعة ذاتها والثقة والإيمان التي كنت وما زلت أحتمي بها في أسلوب عملي، بمعنى أن غيابي عن صحيفة «الجزيرة» أكثر من 14 عاما ثم عودتي لها منذ 15 عاما لم يغير من عطائي، ولا أشعر بما سميته في سؤالك تحرك الرقيب في داخلي إلا بمقدار ما يخدم صحيفة «الجزيرة» ويرضي ضميري وخدمة وطني.
* هل أنت راضٍ عن الأرقام التي تعلنونها يوميا عن إجمالي المطبوعات لأعداد الجريدة وصافي المبيعات والاشتراكات والنسخ المرتجعة؟
- أنا راضٍ كل الرضا عنها، فهي أرقام موثقة وتعلنها شركة محايدة وهي الشركة الوطنية للتوزيع التي تملكها المؤسسات الصحافية، لأنها تظهر مصداقية «الجزيرة» وشفافيتها بإعلان أرقام توزيعها يوميا دون بقية الصحف ولأول مرة في المملكة حيث يبلغ ما يطبع منها أكثر من 150 ألف نسخة يوميا، لكني أتطلع مع هذا الرقم الكبير أن نتمكن في المستقبل القريب من زيادة حجم المطبوع من الصحيفة لتلبية الطلب عليها.
* خضتم قبل سنوات معارك مع جارتكم «الرياض» وحصلت مناكفة بينكم وبين رئيس تحريرها تركي السديري حول حضور الجريدتين في البلاد وترتيبهما في الانتشار، وهي معارك غير معهودة من قبل، هل ترى أن هناك وجاهة لقيام مثل هذه المعارك؟
- السوق تتسع لـ«الجزيرة» و«الرياض» ولباقي الصحف السعودية والوافدة، فهناك قارئ وهناك معلن وهناك كاتب وكل من هؤلاء يختار صحيفته المفضَّلة، ولا قيمة أو تأثير لأي معارك من هذا النوع تقوم بين المسؤولين في الصحف في تغيير مسار وجهات نظر هؤلاء، لكن الإنسان يكون أحيانا في موقع الدفاع عن صحيفته حين يأتي من يجادل أو يسيء إليها فيخوض مضطرا معارك لا يؤمن بها، وبالتالي فأنا أنصح الصحافيين الشباب باعتبار أي معارك كتلك التي أشرت إليها في سؤالك إنما هي توجه لا يخدم العمل الصحافي ولا يضيف له أي قيمة يعتد بها، فالتعايش والتعاون وترك الحكم للقارئ في مستوى واختيار أي صحيفة هو الأسلوب الأمثل للمنافسة الشريفة.
* هيئة الصحافيين التي كنت نائبا لرئيس مجلس إدارتها لدورتين، هناك إجماع بأنها ولدت ميتة، وهذا الرأي لم يأت من فراغ.. أين يكمن الخلل في الهيئة وكيف لمست أداءها؟
- هذا كلام صحيح وواقعي، وأنا شريك في المسؤولية عن هذا الانطباع خلال مرحلة التأسيس وفي الدورتين اللتين كنت فيهما نائبا لرئيس مجلس الإدارة، ولهذا لا أملك إلا الاعتذار للزملاء لأننا لم نحقق شيئا يستجيب لتطلعاتهم، وبنظري فإنَّ الخلل يكمن في عدم تفرغ القائمين على الهيئة، وبالتالي ضعف الاهتمام بها، مع أن تنشيطها لا يتطلب إلا جزءا من أوقات أعضاء مجلس الإدارة، لو صاحبه حماس وسماع لوجهات نظر الصحافيين، كما أنني لا أعفي أعضاء الجمعية العمومية من المسؤولية، فالزملاء لم يقدّموا مقترحات تساعد المجلس على تبني الجيد منها.
* كرئيس تحرير لصحيفة ورقية، هل تراهن على صمود مثل هذا النوع من الصحافة أمام الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي؟
- لا أحد يراهن على المستقبل، فهذا في علم الغيب، ولكن في ظل المعطيات يمكن القول إن الصحافة الورقية ستبقى صامدة ما بقيت مساحات الإعلان فيها كما هي الآن، مستمرة طالما ظلت الصحافة الإلكترونية فقيرة إعلانيا، أراهن على استمرار الصحافة الورقية إذا ما استمرت الصحافة غير الورقية تعتمد على الاجتهادات والعمل الفردي غير المؤسساتي، وكذلك إذا ما استمر محتواها ضعيفا مقابل المحتوى الجيد في الصحافة الورقية، ومع هذا فإنَّ فرصة التعايش بينهما يمكن أن تستمر لسنوات قادمة وإلى أن يتغيّر الحال عمَّا هو عليه الآن.
* لماذا أغلب رؤساء التحرير لدينا في السعودية يعمرون في هذه المناصب؟
- إذا ما استثنينا 3 من رؤساء التحرير في 3 صحف، فإنَّ التدوير بين رؤساء التحرير في بقية الصحف هو السائد، بل وللحقيقة فإنَّ الصحف التي أمضى رؤساء تحريرها سنوات طويلة هي الصحف الأكثر نجاحا في الانتشار والإعلان وحجم الأرباح، وهي بميزانياتها الضخمة وعدد الصحافيين الكثر فيها هو ما جعلها تتمتع بهذا الوضع الصحافي المتميز ويبقى رؤساء تحريرها على رأس العمل كل هذا المدة الطويلة، ويجب ألا يغيب عن الأذهان أن المؤسسات الصحافية مؤسسات أهلية غير حكومية وإبقاء رؤساء التحرير أو الاستغناء عنهم تحكمه أسباب وقناعات تملك مجالس الإدارة والجمعيات العمومية بالمؤسسات الصحافية بناء عليها الإبقاء عليهم أو التفاهم على الاستغناء عنهم، ولو لم يكن أداء القدماء من رؤساء التحرير مرضيا ومنتجا لما بقوا كل هذه المدة الطويلة التي أشرت إليها في سؤالك.
* الدول المتقدمة لا يوجد بها حقيبة وزارية للإعلام، فهل تؤيد بقاء وزارات الإعلام في الدول العربية ودول العالم الثالث، أم ترى أن هناك ضرورة لإلغائها؟
- حتى الآن لا أجد أمامي مبررات مقنعة لإلغائها، وربما كان بقاؤها أفضل من إلغائها، على أن يواكب استمرارها تفعيل دورها في تطوير وسائل الإعلام وخدمة الإعلاميين، ضمن مواكبة وتفاعل ومتابعة للمستجدات والمتغيرات في مجال الإعلام، مع ملاحظة أن التشكيل الوزاري وعدد الحقائب الوزارية وتخصصاتها تختلف من دولة لأخرى ولا يقتصر ذلك على وزارات الإعلام فقط.
* أيهما أصعب عليك كرئيس تحرير (الرقابة الذاتية) أم الرقابة (الرسمية)، وهل يحتاج الواقع اليوم أمام ثورة الاتصالات والمعلومات المتوافرة بسهولة إلى رقابة؟
- لم أجرِّب الرقابة الرسمية بتفاصيلها ومتطلباتها منذ بدء عملي رئيسا للتحرير قبل 45 عاما، وبالتالي لا أملك ما أجيب به عن سؤالك، لكني أستطيع القول إن الرقابة الذاتية التي مارست فيها دور الرقيب كرئيس للتحرير كانت ولا تزال تعتمد على الخبرة والشعور بالمسؤولية، والبعد عن كل ما يشوه رسالة الصحيفة باجتهادات تصيب أحيانا وتخطئ أحيانا أخرى، وأعتقد أنه مع ثورة الاتصالات تكون وسائل الإعلام وبينها الصحف أكثر حاجة إلى مراجعة وتدقيق ما ينشر فيها، والتأكد من أنها تلتزم بأخلاقيات المهنة والسمو بالكلمة، حتى تحتفظ الصحيفة باحترام القراء لها وتحافظ على مصداقيتها، ومن دون أن تتخلى عن دورها ومسؤولياتها التي صدرت الصحيفة من أجلها.
* دخلت عالم التأليف وأنت رئيس تحرير في عهدك الثاني أيهما أصعب عالم التأليف أم رئاسة التحرير، وهل ثمة عامل مشترك يجمع بينهما؟
- التأليف كما العمل الصحافي مسارهما واحد، الفرق بينهما أن رئاسة التحرير تجعلك مسؤولا عن كل ما ينشر في الصحيفة لغيرك، في حين أن الكتاب هو بقلمك وجهدك الشخصي دون مشاركة فيه من آخرين، ولكل منهما خاصيته في الجهد والعمل، وكلاهما يمكن أن يوصف بالصعب إذا ما أراد رئيس التحرير (المؤلف) أن يرضي ضميره ويقدّم عملا يقتنع به ويقنع به غيره، والعامل المشترك بين أن تكون رئيسا للتحرير أو مؤلفا أو تجمع بينهما أنك تتعامل مع ثقافة وفكر وصحافة وتقدّم نفسك لقرائك بما يتحدث به كتابك أو صحيفتك.
* هل يُفترض أن تكون الصحافة في بلادنا ناطقة باسم الدولة ومؤسساتها، ومعبرة عن آلام وآمال مواطنيها، أم أنها منتج إعلامي ربحي؟
- لا يُفترض بالصحافة غير الحكومية، كالصحف السعودية، أن تكون ناطقة باسم الدولة ومؤسساتها، وهي كذلك بالنسبة للمملكة؛ إذ إن الناطق باسمها هي وسائل إعلامها الحكومية. أما أنها معبرة عن آلام وآمال المواطنين فهذا جزءٌ من رسالتها؛ وينبغي أن تقوم بذلك. وهذا لا يلغي أن الصحافة غير الحكومية عمل استثماري ومنتج إعلامي ربحي، كشأن كل استثمار في الإعلام في جميع دول العالم، كما لا يمنع أن تكون الصحافة غير الحكومية داعما ومساندا لتوجهات الدولة، بما يعزز أمنها واستقرارها وتقدمها.
* تميزت مؤسسة «الجزيرة» الصحافية بتبنيها كراسي بحثية في الجامعات.. ما الجدوى من هذه الكراسي وانعكاساتها على الطرفَيْن؟
- جاءت مشاركة «الجزيرة» بالكراسي البحثية في الجامعات السعودية دعما وتشجيعا منها لهذا التوجُّه الجميل من الجامعات، مع ما يكلفه ذلك من مال كثير، يُصرف من أرباح مؤسسة «الجزيرة» السنوية. وفائدة «الجزيرة» من الكراسي البحثية في الجامعات وجودها وحضورها بين القراء (النخبة) في الجامعات وبين طلابها وكوادرها حصريا. وفائدتها للجامعات أنها تستفيد من وسيلة إعلامية قوية وناجحة ومنتشرة في تبني بعض الأفكار والفعاليات الثقافية والعلمية، بما في ذلك إصدار الكتب، وإقامة ورش العمل، وتنظيم الندوات والمحاضرات، بحسب تخصص كل كرسي في كل جامعة. وهذه الشراكة تمكِّن صحيفة «الجزيرة» كما أشرت من اختيار النخبة ليكونوا من بين قرائها، وتمكِّن الجامعات من إيصال رسالتها عبر صحيفة «الجزيرة»، والاستفادة من الدعم الذي تقدمه الصحيفة لخدمة توجُّه الكراسي ضمن تخصصها. ويدخل ضمن هذا تبادل وجهات النظر بين الجامعات وصحيفة «الجزيرة»، وتبني بعض الأفكار، والعمل على تسويقها وإنجاحها.



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».