رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية: الرقابة ضرورة في زمن ثورة الاتصالات

خالد المالك أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الصحافة عمل استثماري ومنتج ربحي لا يشترط أن ينطق باسم الدولة ومؤسساتها

خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية
خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية
TT

رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية: الرقابة ضرورة في زمن ثورة الاتصالات

خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية
خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية

يعد خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية، من قدامى رؤساء التحرير في بلاده، حيث بدأ عمله رئيسا للتحرير منذ 45 عاما، وارتبط اسمه بنجاح صحيفته وعصرها الذهبي خلال مرحلتي رئاسته لتحريرها، حيث ترك كرسي رئاسة تحرير الجريدة مجبرا لمدة 14 عاما، ليعود إليها مجددا قبل 15 عاما، ويقود الجريدة إلى آفاق من النجاح والمنافسة القوية محليا، وتمكن المالك مع كوكبة من العاملين في مؤسسة «الجزيرة» الصحافية التي تصدر عنها الجريدة في إدارة الصحيفة بمواصفات مؤسساتية حقيقية جعلت الصحيفة تحقق السبق والتميز، بامتلاكها أقدم موقع إلكتروني، وأرشيف إلكتروني، يغطي الجريدة من أول صدورها قبل نصف قرن إلى اليوم، إضافة إلى امتلاكها باقات ومنتجات تقنية متعددة، وتسجيلها أنها أول من امتلك مقرا ومطبعة بين المؤسسات الصحافية المحلية، وتخريجها كوادر صحافية أصبح البعض منهم فيما بعد رؤساء تحرير، وآخرين تبوأوا مناصب قيادية في صحف أخرى داخل السعودية وخارجها.
«الشرق الأوسط» حاورت خالد المالك وخرجت بهذه الحصيلة من المعلومات.

* ماذا بقي في ذاكرتك عن صحافة الأفراد، وهل المقارنة بين صحافة الأفراد وصحافة المؤسسات عادلة بتفضيل الأولى على الثانية من ناحية الجرأة والمحتوى؟
- صحافة الأفراد لا يمكن أن تغيب عن الذهن، فهي بروادها ورموزها ومؤسسيها، وبالدور الطليعي الذي قامت به وتصدت له، إنما هي جزء من تاريخنا الثقافي والاجتماعي والسياسي والصحافي، مثلما كانت هي الصوت والمنبر ولسان حال شعب المملكة منذ بدء توحيدها على يد الملك عبد العزيز وإلى أن تم إيقافها بعد صدور نظام المؤسسات الصحافية.
ومقارنتها بصحافة المؤسسات مقارنة غير عادلة في كل شيء، إذ إنها تميل لصالح صحافة اليوم من حيث الإمكانات البشرية والفنية والمالية، بما في ذلك المحتوى، وما يتصل بالتقنية وثورة الاتصالات التي استفادت منها المؤسسات الصحافية، فقد كان ما يُسمى بصحافة الأفراد فقيرة في مواردها المالية، محدودة الإمكانات فنيا، ضعيفة تسويقيا، هي إلى الصحافة الأدبية المتخصصة أقرب منها إلى مفهوم الصحافة الحديثة، ومع هذا يسجل لأصحابها اقتحامهم لهذا الميدان مبكرا، وتفانيهم في إصدارها بقوالب مهنية تستجيب لتلك المرحلة من التاريخ، وتعبر عن ذائقة فنية وصحافية تلبي بها رغبات قرائها، حيث الأشعار والمقالات الأدبية والاهتمام بالثقافة، مع مساحة مقبولة من الحرية بما كانت تنشره من مقالات لكبار كتابها، لكنها لا تُقارن بالتأكيد بصحافة اليوم من حيث الإمكانات الكبيرة التي تخدم عملها وتساعد على تنوع ما يُنشر فيها، مع تمتعها هي الأخرى بمساحة معقولة من الجرأة في بعض ما يُنشر فيها.
* العاصمة السعودية يوجد بها جريدتان محليتان تتنافسان منذ عقود، هما «الجزيرة» و«الرياض»، فهل تحتاج المدينة التي تحتضن أكثر من 6 ملايين نسمة إلى أكثر من هاتين الجريدتين؟
- ربما كان هذا ضرورة حين صدرت هاتان الصحيفتان قبل نصف قرن، أما الآن فلا أعتقد، فالصحافة الورقية في العالم تعاني من مزاحمة ما يُسمى بالإعلام الجديد، وهناك صحف بالمملكة تأثرت كثيرا من منافسة الصحف الإلكترونية لها، ولا يزال الغموض يحيط بمستقبل الصحافة الورقية، ولهذا فإنَّ المجازفة بإصدار صحف ورقية جديدة سوف يكون هدرا للمال، دون أن يكتب لأي صحيفة ورقية جديدة النجاح، بدليل ما تعانيه الصحف التي صدرت أخيرا من شح في الإعلانات وفي الموارد المالية الأخرى، مع أنها تقدم عملا صحافيا جيدا، بل إن بعض الصحف القديمة بدأت هي الأخرى في التراجع إعلانيا، وتقلصت أرباحها عن ذي قبل، مما يعني أن الحاجة لم تعد قائمة لإصدار صحف ورقية جديدة.
* هناك عهدان لك مع رئاسة تحرير جريدة «الجزيرة» (العهد المالكي الأول، والعهد المالكي الثاني)، أيهما تراه عصرك وعصر «الجزيرة» الذهبي؟
- يفترض أن يوجه هذا السؤال لغيري، لكني لا أجد حرجا في الإجابة عليه، فـ«الجزيرة» في فترتي الأولى كما هي في الفترة الثانية بقيت دائما في الصف الأول من حيث المستوى والانتشار والأرباح وحجم الجهاز الصحافي والتأثير في المجتمع، وما كان هذا ليتحقق لولا دعم مجلس إدارة المؤسسة ومساعدة المدير العام وتعاون الزملاء من قيادات صحافية وإدارية وزملاء صحافيين وفنيين كثر بالمؤسسة.
* هل ما زلت مسكونا بهاجس إقالتك من كرسي رئاسة تحرير صحيفة «الجزيرة» قبل سنوات في حدث معروف للجميع، وهل ما زال الظرف الذي تسبب في هذه الإقالة ملازما لك ومؤثرا على عطائك وفضاء التحرك والرقيب في داخلك؟
- لم يبق من تلك الإقالة إلا الدروس التي تعلمتها والذكريات التي لن أنساها، وما عدا ذلك فأنا أمارس عملي وأتعامل معه كما كنت أفعل من قبل، أجتهد في أخذ القرار المناسب وبالشجاعة ذاتها والثقة والإيمان التي كنت وما زلت أحتمي بها في أسلوب عملي، بمعنى أن غيابي عن صحيفة «الجزيرة» أكثر من 14 عاما ثم عودتي لها منذ 15 عاما لم يغير من عطائي، ولا أشعر بما سميته في سؤالك تحرك الرقيب في داخلي إلا بمقدار ما يخدم صحيفة «الجزيرة» ويرضي ضميري وخدمة وطني.
* هل أنت راضٍ عن الأرقام التي تعلنونها يوميا عن إجمالي المطبوعات لأعداد الجريدة وصافي المبيعات والاشتراكات والنسخ المرتجعة؟
- أنا راضٍ كل الرضا عنها، فهي أرقام موثقة وتعلنها شركة محايدة وهي الشركة الوطنية للتوزيع التي تملكها المؤسسات الصحافية، لأنها تظهر مصداقية «الجزيرة» وشفافيتها بإعلان أرقام توزيعها يوميا دون بقية الصحف ولأول مرة في المملكة حيث يبلغ ما يطبع منها أكثر من 150 ألف نسخة يوميا، لكني أتطلع مع هذا الرقم الكبير أن نتمكن في المستقبل القريب من زيادة حجم المطبوع من الصحيفة لتلبية الطلب عليها.
* خضتم قبل سنوات معارك مع جارتكم «الرياض» وحصلت مناكفة بينكم وبين رئيس تحريرها تركي السديري حول حضور الجريدتين في البلاد وترتيبهما في الانتشار، وهي معارك غير معهودة من قبل، هل ترى أن هناك وجاهة لقيام مثل هذه المعارك؟
- السوق تتسع لـ«الجزيرة» و«الرياض» ولباقي الصحف السعودية والوافدة، فهناك قارئ وهناك معلن وهناك كاتب وكل من هؤلاء يختار صحيفته المفضَّلة، ولا قيمة أو تأثير لأي معارك من هذا النوع تقوم بين المسؤولين في الصحف في تغيير مسار وجهات نظر هؤلاء، لكن الإنسان يكون أحيانا في موقع الدفاع عن صحيفته حين يأتي من يجادل أو يسيء إليها فيخوض مضطرا معارك لا يؤمن بها، وبالتالي فأنا أنصح الصحافيين الشباب باعتبار أي معارك كتلك التي أشرت إليها في سؤالك إنما هي توجه لا يخدم العمل الصحافي ولا يضيف له أي قيمة يعتد بها، فالتعايش والتعاون وترك الحكم للقارئ في مستوى واختيار أي صحيفة هو الأسلوب الأمثل للمنافسة الشريفة.
* هيئة الصحافيين التي كنت نائبا لرئيس مجلس إدارتها لدورتين، هناك إجماع بأنها ولدت ميتة، وهذا الرأي لم يأت من فراغ.. أين يكمن الخلل في الهيئة وكيف لمست أداءها؟
- هذا كلام صحيح وواقعي، وأنا شريك في المسؤولية عن هذا الانطباع خلال مرحلة التأسيس وفي الدورتين اللتين كنت فيهما نائبا لرئيس مجلس الإدارة، ولهذا لا أملك إلا الاعتذار للزملاء لأننا لم نحقق شيئا يستجيب لتطلعاتهم، وبنظري فإنَّ الخلل يكمن في عدم تفرغ القائمين على الهيئة، وبالتالي ضعف الاهتمام بها، مع أن تنشيطها لا يتطلب إلا جزءا من أوقات أعضاء مجلس الإدارة، لو صاحبه حماس وسماع لوجهات نظر الصحافيين، كما أنني لا أعفي أعضاء الجمعية العمومية من المسؤولية، فالزملاء لم يقدّموا مقترحات تساعد المجلس على تبني الجيد منها.
* كرئيس تحرير لصحيفة ورقية، هل تراهن على صمود مثل هذا النوع من الصحافة أمام الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي؟
- لا أحد يراهن على المستقبل، فهذا في علم الغيب، ولكن في ظل المعطيات يمكن القول إن الصحافة الورقية ستبقى صامدة ما بقيت مساحات الإعلان فيها كما هي الآن، مستمرة طالما ظلت الصحافة الإلكترونية فقيرة إعلانيا، أراهن على استمرار الصحافة الورقية إذا ما استمرت الصحافة غير الورقية تعتمد على الاجتهادات والعمل الفردي غير المؤسساتي، وكذلك إذا ما استمر محتواها ضعيفا مقابل المحتوى الجيد في الصحافة الورقية، ومع هذا فإنَّ فرصة التعايش بينهما يمكن أن تستمر لسنوات قادمة وإلى أن يتغيّر الحال عمَّا هو عليه الآن.
* لماذا أغلب رؤساء التحرير لدينا في السعودية يعمرون في هذه المناصب؟
- إذا ما استثنينا 3 من رؤساء التحرير في 3 صحف، فإنَّ التدوير بين رؤساء التحرير في بقية الصحف هو السائد، بل وللحقيقة فإنَّ الصحف التي أمضى رؤساء تحريرها سنوات طويلة هي الصحف الأكثر نجاحا في الانتشار والإعلان وحجم الأرباح، وهي بميزانياتها الضخمة وعدد الصحافيين الكثر فيها هو ما جعلها تتمتع بهذا الوضع الصحافي المتميز ويبقى رؤساء تحريرها على رأس العمل كل هذا المدة الطويلة، ويجب ألا يغيب عن الأذهان أن المؤسسات الصحافية مؤسسات أهلية غير حكومية وإبقاء رؤساء التحرير أو الاستغناء عنهم تحكمه أسباب وقناعات تملك مجالس الإدارة والجمعيات العمومية بالمؤسسات الصحافية بناء عليها الإبقاء عليهم أو التفاهم على الاستغناء عنهم، ولو لم يكن أداء القدماء من رؤساء التحرير مرضيا ومنتجا لما بقوا كل هذه المدة الطويلة التي أشرت إليها في سؤالك.
* الدول المتقدمة لا يوجد بها حقيبة وزارية للإعلام، فهل تؤيد بقاء وزارات الإعلام في الدول العربية ودول العالم الثالث، أم ترى أن هناك ضرورة لإلغائها؟
- حتى الآن لا أجد أمامي مبررات مقنعة لإلغائها، وربما كان بقاؤها أفضل من إلغائها، على أن يواكب استمرارها تفعيل دورها في تطوير وسائل الإعلام وخدمة الإعلاميين، ضمن مواكبة وتفاعل ومتابعة للمستجدات والمتغيرات في مجال الإعلام، مع ملاحظة أن التشكيل الوزاري وعدد الحقائب الوزارية وتخصصاتها تختلف من دولة لأخرى ولا يقتصر ذلك على وزارات الإعلام فقط.
* أيهما أصعب عليك كرئيس تحرير (الرقابة الذاتية) أم الرقابة (الرسمية)، وهل يحتاج الواقع اليوم أمام ثورة الاتصالات والمعلومات المتوافرة بسهولة إلى رقابة؟
- لم أجرِّب الرقابة الرسمية بتفاصيلها ومتطلباتها منذ بدء عملي رئيسا للتحرير قبل 45 عاما، وبالتالي لا أملك ما أجيب به عن سؤالك، لكني أستطيع القول إن الرقابة الذاتية التي مارست فيها دور الرقيب كرئيس للتحرير كانت ولا تزال تعتمد على الخبرة والشعور بالمسؤولية، والبعد عن كل ما يشوه رسالة الصحيفة باجتهادات تصيب أحيانا وتخطئ أحيانا أخرى، وأعتقد أنه مع ثورة الاتصالات تكون وسائل الإعلام وبينها الصحف أكثر حاجة إلى مراجعة وتدقيق ما ينشر فيها، والتأكد من أنها تلتزم بأخلاقيات المهنة والسمو بالكلمة، حتى تحتفظ الصحيفة باحترام القراء لها وتحافظ على مصداقيتها، ومن دون أن تتخلى عن دورها ومسؤولياتها التي صدرت الصحيفة من أجلها.
* دخلت عالم التأليف وأنت رئيس تحرير في عهدك الثاني أيهما أصعب عالم التأليف أم رئاسة التحرير، وهل ثمة عامل مشترك يجمع بينهما؟
- التأليف كما العمل الصحافي مسارهما واحد، الفرق بينهما أن رئاسة التحرير تجعلك مسؤولا عن كل ما ينشر في الصحيفة لغيرك، في حين أن الكتاب هو بقلمك وجهدك الشخصي دون مشاركة فيه من آخرين، ولكل منهما خاصيته في الجهد والعمل، وكلاهما يمكن أن يوصف بالصعب إذا ما أراد رئيس التحرير (المؤلف) أن يرضي ضميره ويقدّم عملا يقتنع به ويقنع به غيره، والعامل المشترك بين أن تكون رئيسا للتحرير أو مؤلفا أو تجمع بينهما أنك تتعامل مع ثقافة وفكر وصحافة وتقدّم نفسك لقرائك بما يتحدث به كتابك أو صحيفتك.
* هل يُفترض أن تكون الصحافة في بلادنا ناطقة باسم الدولة ومؤسساتها، ومعبرة عن آلام وآمال مواطنيها، أم أنها منتج إعلامي ربحي؟
- لا يُفترض بالصحافة غير الحكومية، كالصحف السعودية، أن تكون ناطقة باسم الدولة ومؤسساتها، وهي كذلك بالنسبة للمملكة؛ إذ إن الناطق باسمها هي وسائل إعلامها الحكومية. أما أنها معبرة عن آلام وآمال المواطنين فهذا جزءٌ من رسالتها؛ وينبغي أن تقوم بذلك. وهذا لا يلغي أن الصحافة غير الحكومية عمل استثماري ومنتج إعلامي ربحي، كشأن كل استثمار في الإعلام في جميع دول العالم، كما لا يمنع أن تكون الصحافة غير الحكومية داعما ومساندا لتوجهات الدولة، بما يعزز أمنها واستقرارها وتقدمها.
* تميزت مؤسسة «الجزيرة» الصحافية بتبنيها كراسي بحثية في الجامعات.. ما الجدوى من هذه الكراسي وانعكاساتها على الطرفَيْن؟
- جاءت مشاركة «الجزيرة» بالكراسي البحثية في الجامعات السعودية دعما وتشجيعا منها لهذا التوجُّه الجميل من الجامعات، مع ما يكلفه ذلك من مال كثير، يُصرف من أرباح مؤسسة «الجزيرة» السنوية. وفائدة «الجزيرة» من الكراسي البحثية في الجامعات وجودها وحضورها بين القراء (النخبة) في الجامعات وبين طلابها وكوادرها حصريا. وفائدتها للجامعات أنها تستفيد من وسيلة إعلامية قوية وناجحة ومنتشرة في تبني بعض الأفكار والفعاليات الثقافية والعلمية، بما في ذلك إصدار الكتب، وإقامة ورش العمل، وتنظيم الندوات والمحاضرات، بحسب تخصص كل كرسي في كل جامعة. وهذه الشراكة تمكِّن صحيفة «الجزيرة» كما أشرت من اختيار النخبة ليكونوا من بين قرائها، وتمكِّن الجامعات من إيصال رسالتها عبر صحيفة «الجزيرة»، والاستفادة من الدعم الذي تقدمه الصحيفة لخدمة توجُّه الكراسي ضمن تخصصها. ويدخل ضمن هذا تبادل وجهات النظر بين الجامعات وصحيفة «الجزيرة»، وتبني بعض الأفكار، والعمل على تسويقها وإنجاحها.



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».