لبنان.. «العرف» دستور خفي

حكومات تؤلف خلافا للنصوص الدستورية.. والوزارات «مغانم»

لبنان.. «العرف» دستور خفي
TT

لبنان.. «العرف» دستور خفي

لبنان.. «العرف» دستور خفي

ينص الدستور اللبناني على قواعد واضحة تنظم عملية تأليف الحكومات وطريقة عملها، وكيفية استقالتها. غير أن هذه النصوص تصبح بمثابة الحبر على ورق عندما يتدخل «العرف» في أدق التفاصيل، خصوصا عندما يكون العرف دستورا، إذ يكاد يكون جزءا من الدستور نفسه لكنه غير مكتوب.. فقط «تفاهم» الزعماء حوله.
ويعد الدستور اللبناني «العرف» مصدرا للتشريع، أي بمعنى أن كل ما يتعارف عليه بين مكونات المجتمع اللبناني يصبح عرفا، إذا لم يعترض عليه أحد، وإذا استمر العمل به فترة طويلة. وأول الأعراف التي ابتدعها اللبنانيون كان التقاسم الطائفي للسلطة عام 1943. حينها اجتمع الزعماء اللبنانيون وتوافقوا على تقاسم السلطة بين المسيحيين والمسلمين، بحيث ينال المسيحيون 6 نواب مقابل 5 للمسلمين، وأن تكون رئاسة الجمهورية للموارنة، وكذلك قيادة الجيش وقيادة الأمن العام، فيما ينال المسلمون رئاستي مجلس النواب (الشيعة) والحكومة (السنة). لم يكن ثمة نص مكتوب، لكن تغيير هذا العرف استلزم حروبا أهلية طاحنة انتهت آخرها عام 1990 باتفاق الطائف الذي أقر المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، لكن هذه المرة بنص مكتوب، فيما بقي توزيع الرئاسات الثلاث «عرفا» معمولا به حتى اليوم.

أتى اتفاق الطائف يكرس العرف الطائفي بنص دستوري مكتوب، لكنه أضاف أيضا عرفا آخر غير مكتوب أتى بمثابة حل لمطالبة الطائفة الشيعية بتمثيلها في «توقيع» القوانين، حيث اقترح بداية رئيس مجلس النواب الحالي نبيه بري، في محادثات السلام التي عقدت في جنيف ولوزان منتصف الثمانينات، أي قبل التوصل إلى اتفاق الطائف عام 1989، أن يصار إلى استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية، بحيث يسند إلى الطائفة الشيعية لتشترك الطائفة في توقيع القوانين من خلاله، علما بأن حق توقيع القوانين يعود لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بالإضافة إلى الوزراء كل حسب اختصاصه، لكن هذا الاقتراح لم يبصر النور لمخالفته النظام البرلماني الذي لا يلحظ منصب نائب الرئيس.
وتجدد الاقتراح خلال المناقشات التي كانت تجري لإقرار الطائف من قبل رئيس مجلس النواب حسين الحسيني، لكنه لم يبصر النور أيضا. وقيل حينها إن تسوية جرت في الكواليس تقضي بالتعهد بإعطاء وزارة المال إلى الشيعة، كون وزير المال يوقع معظم القوانين التي تتعلق بإنفاق مالي، مما يجعله شريكا في القرار.
مشى هذا التقليد، في عدة حكومات، فكان النائب علي الخليل وزيرا للمال في حكومة الرئيس سليم الحص، في أول عهد الرئيس إلياس الهراوي الذي انتخب إثر تسوية الطائف، فيما أعطيت وزارة الدفاع إلى طائفة الروم الأرثوذكس، ووزارة الداخلية للموارنة، ووزارة الخارجية للطائفة السنية. وهذه الوزارات اصطلح على تسميتها بالوزارات السيادية التي تسند للطوائف الأربع الكبرى (الموارنة والسنة والشيعة والأرثوذكس)، فيما تتوزع بقية الحقائب الوزارية على بقية الطوائف. وفي الحكومة التي تلتها، والتي ألفها الرئيس عمر كرامي، حافظ الأخير على التقليد، فأسند وزارة المال إلى الوزير الخليل، لكنه أسند الداخلية إلى سني والخارجية إلى ماروني والدفاع إلى أرثوذكسي. وكذلك فعل الرئيس رشيد الصلح في حكومته التي كانت الثالثة في عهد الهراوي، والثانية بعد إقرار الطائف وتعديل الدستور، فكانت وزارة المال من نصيب الوزير أسعد دياب. وأسند أيضا الداخلية إلى سني والخارجية إلى ماروني والدفاع إلى أرثوذكسي.
ولم يصمد التقليد، ليتحول عرفا. ففي عام 1995 وصل الرئيس الراحل رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة. ولما كان مشروعه الاقتصادي يحتاج إلى حضور وازن لوزارة المال، طالب بإسناد الحقيبة إلى أحد المقربين منه، فؤاد السنيورة، لكن الأمر ووجه بالرفض، فكانت التسوية أن يكسر العرف من أجل الحريري لا من أجل غيره، فأسندت إليه الحقيبة، فيما عين السنيورة وزير دولة للشؤون المالية للقيام بمهام وزير المال التي لن يقوى الحريري على القيام بها بسبب التزاماته الأخرى. حينها أسندت وزارة الدفاع إلى الشيعة، فيما بقيت وزارة الخارجية من نصيب رئيس الجمهورية عبر صهره الوزير فارس بويز (ماروني) الذي شغل المنصب في الحكومتين السابقتين. وذهبت وزارة الداخلية إلى طائفة الروم الأرثوذكس.
وفي حكومة الحريري الثانية، تكرر السيناريو نفسه في التوزيع الطائفي، مما كسر العرف نهائيا ومهد في وقت لاحق لتولي السنيورة الحقيبة مباشرة، كما سمح للرئيس سليم الحص الذي شكل الحكومة بعد اعتذار الحريري عن عدم ترؤس أولى حكومات عهد الرئيس إميل لحود، بتعيين مسيحي من طائفة الروم الأرثوذكس في وزارة المال، وبقيت الدفاع مع الشيعة، فيما ذهبت الخارجية إلى الطائفة السنية، وبقيت الداخلية مع الأرثوذكس.
ومع عودة الحريري إلى الحكم بعد فوزه الساحق في انتخابات عام 2000، عادت المالية إلى وصايته، عبر السنيورة، فيما ذهبت الخارجية إلى الشيعة، للمرة الأولى، لتكرس في ما بعد عرفا بإعطاء هذه الوزارة للطائفة الشيعية لا يزال مستمرا حتى اليوم، مع خرق وحيد كان في حكومة الحريري الثانية، عندما أسندت الخارجية إلى وزير ماروني، وأعطيت فيها وزارة الدفاع للشيعة.
وفي حكومة الرئيس عمر كرامي التي تلتها في عام 2003، كانت وزارة الخارجية من نصيب الشيعة، ووزارة المال من نصيب الأرثوذكس، والدفاع للسنة والداخلية للموارنة. وفي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي تلت اغتيال الرئيس الحريري وسقوط حكومة كرامي، كانت وزارة المال من نصيب ماروني، ووزارة الدفاع من نصيب أرثوذكسي، ووزارة الداخلية من نصيب سني، فيما بقيت الخارجية مع الشيعة. واعتمد الترتيب نفسه في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى بعد انتخابات عام 2005، أما في حكومة السنيورة الثانية التي شكلت بعد تسوية الدوحة، والاتفاق الشهير الذي مهد لوصول الرئيس ميشال سليمان إلى السلطة، فقد أسندت وزارة الداخلية إلى ماروني، ووزارة الدفاع إلى أرثوذكسي، فيما أعطيت وزارة المال إلى السنة (الوزير محمد شطح الذي اغتيل في ديسمبر/ كانون الأول، الماضي)، وبقيت الخارجية شيعية.
وفي أولى حكومات الرئيس سعد الحريري، كان الترتيب ذاته: الخارجية شيعية، والمالية سنية والدفاع أرثوذكسية، والداخلية مارونية، وهو الترتيب نفسه الذي تكرر مع حكومة نجيب ميقاتي عام 2011 بعد إسقاط حكومة الحريري.
وإذا كانت «الوزارات السيادية» هي الأكثر أهمية، بالنسبة إلى الطوائف الكبرى، فإن بعض الوزارات تعطى أهمية وفقا لحاجات من يتولاها من الفرقاء السياسيين. فرئيس مجلس النواب نبيه بري رفض أن يدخل الحكومة الأولى في عهد الرئيس الهراوي، إلى أن أسندت إليه وزارة خاصة بالجنوب أعطته القدرة على تنفيذ المشاريع المختلفة في منطقة الجنوب التي يتركز فيها نفوذه السياسي والانتخابي. واستفاد بري من هذه الوزارة لتعزيز حضوره شعبيا عبر مشاريع المدارس والطرقات ومشاريع الري وسواها، ولهذا أيضا حافظ قدر الإمكان على وزارة الطاقة والموارد المائية التي بقيت من نصيب وزراء من حصته لفترة طويلة.
أما النائب وليد جنبلاط فكانت له وزارة مماثلة، هي وزارة المهجرين، التي سمحت له بتعزيز نفوذه في مناطق جبل لبنان، من حيث التقديمات. كما كانت وزارة الأشغال من حصته في معظم الوزارات التي شارك فيها بفريقه السياسي.
أما الرئيس رفيق الحريري فكان اهتمامه الأول اقتصاديا - ماليا - إعماريا. ولهذا سعى دائما للحصول على وزارات تتعلق بهذه المشاريع، فيما كان الرئيس إلياس الهراوي مهتما بمنصب وزير الخارجية. أما الجنرالان الآخران اللذان قدما إلى الرئاسة لاحقا، أي الرئيس إميل لحود والرئيس ميشال سليمان، فقد حرصا على نيل الوزارات الأمنية والعسكرية، فكانت وزارتا الدفاع والداخلية من حصتهما الدائمة.
وتبقى لكل وزارة قصتها وأهميتها، وفقا لحاجة الزعماء السياسيين إليها. فحلفاء سوريا كانوا يحصلون دائما على وزارة العمل التي تعنى بشؤون العمالة - وأكثرها في لبنان سورية - فكان يتولاها وزراء بعثيون أو وزراء من الحزب السوري القومي الاجتماعي، بشكل حصري. وعندما خرج الحزبان من الحكومة بعد عام 2005، تولاها حزب الله. أما وزارة الاتصالات فقد لمع نجمها مع دخول الجوال إلى لبنان، ومداخيله الهائلة. ثم تحولت الوزارة إلى حاجة أمنية، مع بدء عمليات الاغتيال وحاجة التحقيقات إلى تعاونها. وقد لقي المحققون صعوبات بالغة في التعامل مع هذه الوزارة عندما تولاها أعضاء في قوى «8 آذار». أما وزارة الطاقة والمياه فقد تحولت بين ليلة وضحاها إلى «سوبر وزارة» مع الاكتشافات النفطية الواعدة. ولهذا يتمسك بها النائب ميشال عون لتكون من حصة صهره وزيرها الحالي، فيما ينافسه عليها الرئيس بري الذي كان أول من أثار قضية التراخي اللبناني في التعامل مع ثروته النفطية، وطالما رفع الصوت عاليا لاستغلال هذه الثروة. وقد وصل الأمر بالوزير باسيل إلى ربط الوزارة بـ«حقوق المسيحيين» في لبنان، معتبرا أن «حقيبة النفط هي ضمانة جديدة للمسيحيين، فيها الإنماء المتوازن الغائب عنهم منذ 25 عاما»، متسائلا «هل يجوز حرمان الكتلة المسيحية الكبرى من حقيبة سيادية؟ ومن واجب المسيحيين أن يجمعوا على الأمر، فالكتلة المسيحية الكبرى هي يوم لنا ويوم لغيرنا، فهل يجوز أن يُحرم المسيحيون من حقيبة سيادية، وتُترك للمسيحيين مجددا الحقيبتان السياديتان الأقل شأنا؟ وهل أصبح دور المسيحيين فلكلورا؟ إن المسيحيين في هذا الوطن لا يمنع عنهم شيء لأنهم ضمانة كل شيء، وهم ليسوا متسولي مقاعد وحقائب». فكان أن دخل حزب الكتائب في بازار التنافس عارضا تسلمه هو هذه الحقيبة.

* التقسيم الطائفي

* منذ إقرار اتفاق الطائف، تمت المناصفة في مقاعد الحكومة بين المسيحيين والمسلمين. وتنص المادة 95 من الدستور اللبناني على أن «تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة». غير أن العرف تدخل مجددا في التقسيم، حيث ينص العرف غير المكتوب، كما يشير أحمد زين، الخبير القانوني اللبناني، على أن تكون الطوائف الثلاث الكبرى، الموارنة والسنة والشيعة، ممثلة بالعدد نفسه من الوزراء، فيما تذهب بقية المقاعد إلى الطوائف الأخرى. وهكذا انحصر التمثيل لدى الطوائف الإسلامية في السنة والشيعة والدروز الذين ينالون حصة مؤلفة من وزيرين إذا كانت الحكومة من 30 وزيرا. وهو رقم اعتمده الرئيس الراحل رفيق الحريري لتأمين مشاركة أكبر قدر ممكن من الطوائف. فالأقليات المسيحية يمكن أن تتمثل في وزارة من 30، فيما لا تمثل في وزارة من 24 كالتي هي مطروحة الآن. أما الأرمن فلا يحصلون على وزير إذا نقص عدد الوزراء عن 18. ويبقى العلويون، الذين لم تشملهم نعمة الوزارة أبدا، على الرغم من النفوذ السوري الكبير خلال التسعينات، فهم يحتاجون إلى وزارة من 35 مقعدا ليكون لهم ممثل فيها.
ويرفض الوزير السابق إدمون رزق نظرية تخصيص حقيبة لطائفة ما، مؤكدا أنه لم يجر في مداولات الطائف أي شيء في هذا الصدد. ويقول رزق «عندما كنا في (اجتماعات) الطائف، انطلقنا من مبدأ يقول إن لبنان بلد تعددي لا تمايز فيه لأحد». وأشار إلى أنه تقصد عندما عهد إليه وضع صيغة التعديلات الدستورية إيراد فقرة في المادة 95 تنص على إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وما يعادل الفئة الأولى، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة.
ويرى أن البحث في «المداورة» هو هرطقة لأنه ليس المطلوب المداورة بين الطوائف في الوزارات، بل وضع الوزراء في مكانهم المناسب من حيث الكفاءة والخبرة، مشددا على أن الوزارات «ليست إرثا، إنما هي مسؤولية في رقاب من يتولاها»، معتبرا أن الحديث عن المداورة يبيت في طياته المحاصصة. ويرى رزق أن ما يجري الآن هو التفتيش عن الحلول في المكان الخطأ، معتبرا أن «لبنان يحتاج اليوم إلى تنمية روح المواطنة وتجاوز العصبية الطائفية والمذهبية ومكافحة استفحال التكسبية العائلية».
ويشير رزق إلى تجربته كوزير عدل، حيث وصل إلى الوزارة فأجرى تعيينات شملت تعيين رئيس لمجلس القضاء الأعلى من الطائفة السنية، للمرة الأولى والأخيرة في تاريخ لبنان، حيث من المتعارف عليه أن يكون الرئيس مارونيا، كما عين قاضيا سنيا في مركز رئيس استئناف بعبدا الذي جرى العرف أن يكون مارونيا أيضا. لكن هذه التجربة انتهت مع رزق، فعادت الأمور إلى نصابها الأول بعد رحيله عن الوزارة ورحيل من عينهم.

* تأليف الوزارة.. بيد من؟

* السؤال من الصعب الإجابة عنه.. فقديما كان أمر تأليف الحكومة بيد رئيس الجمهورية الذي يختار رئيس الحكومة ويصدر معه التشكيلة الوزارية بعد جولة مشاورات، لكن عهد ما بعد الطائف حمل عرفا آخر تمثل بحق القوى السياسية في اختيار الوزراء والحقائب.
وينص الدستور على أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف وحدهما من يحق لهما تأليف الحكومة وتوقيع مرسوم تشكيلها، غير أن الواقع يشير إلى شيء مختلف، يصبح معه توقيع رئيس الجمهورية «إجراء شكليا» إلى حد بعيد، في ظل تنامي نفوذ القوى السياسية المتحكمة بالبرلمان. وهكذا يجد رئيس الجمهورية نفسه صاحب الحصة الأقل في الحكومة، فيما يضطر رئيس الحكومة إلى إجراء مفاوضات شاقة، تبعا لقوته البرلمانية.
ورغم أن العرف السائد هو بمثابة «الهرطقة» كما يؤكد رزق وغيره من الدستوريين، فإنه أمر واقع لا مفر منه. ويشير رزق إلى أنه اختير في عام 1973 ليكون وزيرا، من دون استشارة حزبه (حزب الكتائب) آنذاك، ومن دون اعتراض أحد.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟