لبنان.. «العرف» دستور خفي

حكومات تؤلف خلافا للنصوص الدستورية.. والوزارات «مغانم»

لبنان.. «العرف» دستور خفي
TT

لبنان.. «العرف» دستور خفي

لبنان.. «العرف» دستور خفي

ينص الدستور اللبناني على قواعد واضحة تنظم عملية تأليف الحكومات وطريقة عملها، وكيفية استقالتها. غير أن هذه النصوص تصبح بمثابة الحبر على ورق عندما يتدخل «العرف» في أدق التفاصيل، خصوصا عندما يكون العرف دستورا، إذ يكاد يكون جزءا من الدستور نفسه لكنه غير مكتوب.. فقط «تفاهم» الزعماء حوله.
ويعد الدستور اللبناني «العرف» مصدرا للتشريع، أي بمعنى أن كل ما يتعارف عليه بين مكونات المجتمع اللبناني يصبح عرفا، إذا لم يعترض عليه أحد، وإذا استمر العمل به فترة طويلة. وأول الأعراف التي ابتدعها اللبنانيون كان التقاسم الطائفي للسلطة عام 1943. حينها اجتمع الزعماء اللبنانيون وتوافقوا على تقاسم السلطة بين المسيحيين والمسلمين، بحيث ينال المسيحيون 6 نواب مقابل 5 للمسلمين، وأن تكون رئاسة الجمهورية للموارنة، وكذلك قيادة الجيش وقيادة الأمن العام، فيما ينال المسلمون رئاستي مجلس النواب (الشيعة) والحكومة (السنة). لم يكن ثمة نص مكتوب، لكن تغيير هذا العرف استلزم حروبا أهلية طاحنة انتهت آخرها عام 1990 باتفاق الطائف الذي أقر المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، لكن هذه المرة بنص مكتوب، فيما بقي توزيع الرئاسات الثلاث «عرفا» معمولا به حتى اليوم.

أتى اتفاق الطائف يكرس العرف الطائفي بنص دستوري مكتوب، لكنه أضاف أيضا عرفا آخر غير مكتوب أتى بمثابة حل لمطالبة الطائفة الشيعية بتمثيلها في «توقيع» القوانين، حيث اقترح بداية رئيس مجلس النواب الحالي نبيه بري، في محادثات السلام التي عقدت في جنيف ولوزان منتصف الثمانينات، أي قبل التوصل إلى اتفاق الطائف عام 1989، أن يصار إلى استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية، بحيث يسند إلى الطائفة الشيعية لتشترك الطائفة في توقيع القوانين من خلاله، علما بأن حق توقيع القوانين يعود لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بالإضافة إلى الوزراء كل حسب اختصاصه، لكن هذا الاقتراح لم يبصر النور لمخالفته النظام البرلماني الذي لا يلحظ منصب نائب الرئيس.
وتجدد الاقتراح خلال المناقشات التي كانت تجري لإقرار الطائف من قبل رئيس مجلس النواب حسين الحسيني، لكنه لم يبصر النور أيضا. وقيل حينها إن تسوية جرت في الكواليس تقضي بالتعهد بإعطاء وزارة المال إلى الشيعة، كون وزير المال يوقع معظم القوانين التي تتعلق بإنفاق مالي، مما يجعله شريكا في القرار.
مشى هذا التقليد، في عدة حكومات، فكان النائب علي الخليل وزيرا للمال في حكومة الرئيس سليم الحص، في أول عهد الرئيس إلياس الهراوي الذي انتخب إثر تسوية الطائف، فيما أعطيت وزارة الدفاع إلى طائفة الروم الأرثوذكس، ووزارة الداخلية للموارنة، ووزارة الخارجية للطائفة السنية. وهذه الوزارات اصطلح على تسميتها بالوزارات السيادية التي تسند للطوائف الأربع الكبرى (الموارنة والسنة والشيعة والأرثوذكس)، فيما تتوزع بقية الحقائب الوزارية على بقية الطوائف. وفي الحكومة التي تلتها، والتي ألفها الرئيس عمر كرامي، حافظ الأخير على التقليد، فأسند وزارة المال إلى الوزير الخليل، لكنه أسند الداخلية إلى سني والخارجية إلى ماروني والدفاع إلى أرثوذكسي. وكذلك فعل الرئيس رشيد الصلح في حكومته التي كانت الثالثة في عهد الهراوي، والثانية بعد إقرار الطائف وتعديل الدستور، فكانت وزارة المال من نصيب الوزير أسعد دياب. وأسند أيضا الداخلية إلى سني والخارجية إلى ماروني والدفاع إلى أرثوذكسي.
ولم يصمد التقليد، ليتحول عرفا. ففي عام 1995 وصل الرئيس الراحل رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة. ولما كان مشروعه الاقتصادي يحتاج إلى حضور وازن لوزارة المال، طالب بإسناد الحقيبة إلى أحد المقربين منه، فؤاد السنيورة، لكن الأمر ووجه بالرفض، فكانت التسوية أن يكسر العرف من أجل الحريري لا من أجل غيره، فأسندت إليه الحقيبة، فيما عين السنيورة وزير دولة للشؤون المالية للقيام بمهام وزير المال التي لن يقوى الحريري على القيام بها بسبب التزاماته الأخرى. حينها أسندت وزارة الدفاع إلى الشيعة، فيما بقيت وزارة الخارجية من نصيب رئيس الجمهورية عبر صهره الوزير فارس بويز (ماروني) الذي شغل المنصب في الحكومتين السابقتين. وذهبت وزارة الداخلية إلى طائفة الروم الأرثوذكس.
وفي حكومة الحريري الثانية، تكرر السيناريو نفسه في التوزيع الطائفي، مما كسر العرف نهائيا ومهد في وقت لاحق لتولي السنيورة الحقيبة مباشرة، كما سمح للرئيس سليم الحص الذي شكل الحكومة بعد اعتذار الحريري عن عدم ترؤس أولى حكومات عهد الرئيس إميل لحود، بتعيين مسيحي من طائفة الروم الأرثوذكس في وزارة المال، وبقيت الدفاع مع الشيعة، فيما ذهبت الخارجية إلى الطائفة السنية، وبقيت الداخلية مع الأرثوذكس.
ومع عودة الحريري إلى الحكم بعد فوزه الساحق في انتخابات عام 2000، عادت المالية إلى وصايته، عبر السنيورة، فيما ذهبت الخارجية إلى الشيعة، للمرة الأولى، لتكرس في ما بعد عرفا بإعطاء هذه الوزارة للطائفة الشيعية لا يزال مستمرا حتى اليوم، مع خرق وحيد كان في حكومة الحريري الثانية، عندما أسندت الخارجية إلى وزير ماروني، وأعطيت فيها وزارة الدفاع للشيعة.
وفي حكومة الرئيس عمر كرامي التي تلتها في عام 2003، كانت وزارة الخارجية من نصيب الشيعة، ووزارة المال من نصيب الأرثوذكس، والدفاع للسنة والداخلية للموارنة. وفي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي تلت اغتيال الرئيس الحريري وسقوط حكومة كرامي، كانت وزارة المال من نصيب ماروني، ووزارة الدفاع من نصيب أرثوذكسي، ووزارة الداخلية من نصيب سني، فيما بقيت الخارجية مع الشيعة. واعتمد الترتيب نفسه في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى بعد انتخابات عام 2005، أما في حكومة السنيورة الثانية التي شكلت بعد تسوية الدوحة، والاتفاق الشهير الذي مهد لوصول الرئيس ميشال سليمان إلى السلطة، فقد أسندت وزارة الداخلية إلى ماروني، ووزارة الدفاع إلى أرثوذكسي، فيما أعطيت وزارة المال إلى السنة (الوزير محمد شطح الذي اغتيل في ديسمبر/ كانون الأول، الماضي)، وبقيت الخارجية شيعية.
وفي أولى حكومات الرئيس سعد الحريري، كان الترتيب ذاته: الخارجية شيعية، والمالية سنية والدفاع أرثوذكسية، والداخلية مارونية، وهو الترتيب نفسه الذي تكرر مع حكومة نجيب ميقاتي عام 2011 بعد إسقاط حكومة الحريري.
وإذا كانت «الوزارات السيادية» هي الأكثر أهمية، بالنسبة إلى الطوائف الكبرى، فإن بعض الوزارات تعطى أهمية وفقا لحاجات من يتولاها من الفرقاء السياسيين. فرئيس مجلس النواب نبيه بري رفض أن يدخل الحكومة الأولى في عهد الرئيس الهراوي، إلى أن أسندت إليه وزارة خاصة بالجنوب أعطته القدرة على تنفيذ المشاريع المختلفة في منطقة الجنوب التي يتركز فيها نفوذه السياسي والانتخابي. واستفاد بري من هذه الوزارة لتعزيز حضوره شعبيا عبر مشاريع المدارس والطرقات ومشاريع الري وسواها، ولهذا أيضا حافظ قدر الإمكان على وزارة الطاقة والموارد المائية التي بقيت من نصيب وزراء من حصته لفترة طويلة.
أما النائب وليد جنبلاط فكانت له وزارة مماثلة، هي وزارة المهجرين، التي سمحت له بتعزيز نفوذه في مناطق جبل لبنان، من حيث التقديمات. كما كانت وزارة الأشغال من حصته في معظم الوزارات التي شارك فيها بفريقه السياسي.
أما الرئيس رفيق الحريري فكان اهتمامه الأول اقتصاديا - ماليا - إعماريا. ولهذا سعى دائما للحصول على وزارات تتعلق بهذه المشاريع، فيما كان الرئيس إلياس الهراوي مهتما بمنصب وزير الخارجية. أما الجنرالان الآخران اللذان قدما إلى الرئاسة لاحقا، أي الرئيس إميل لحود والرئيس ميشال سليمان، فقد حرصا على نيل الوزارات الأمنية والعسكرية، فكانت وزارتا الدفاع والداخلية من حصتهما الدائمة.
وتبقى لكل وزارة قصتها وأهميتها، وفقا لحاجة الزعماء السياسيين إليها. فحلفاء سوريا كانوا يحصلون دائما على وزارة العمل التي تعنى بشؤون العمالة - وأكثرها في لبنان سورية - فكان يتولاها وزراء بعثيون أو وزراء من الحزب السوري القومي الاجتماعي، بشكل حصري. وعندما خرج الحزبان من الحكومة بعد عام 2005، تولاها حزب الله. أما وزارة الاتصالات فقد لمع نجمها مع دخول الجوال إلى لبنان، ومداخيله الهائلة. ثم تحولت الوزارة إلى حاجة أمنية، مع بدء عمليات الاغتيال وحاجة التحقيقات إلى تعاونها. وقد لقي المحققون صعوبات بالغة في التعامل مع هذه الوزارة عندما تولاها أعضاء في قوى «8 آذار». أما وزارة الطاقة والمياه فقد تحولت بين ليلة وضحاها إلى «سوبر وزارة» مع الاكتشافات النفطية الواعدة. ولهذا يتمسك بها النائب ميشال عون لتكون من حصة صهره وزيرها الحالي، فيما ينافسه عليها الرئيس بري الذي كان أول من أثار قضية التراخي اللبناني في التعامل مع ثروته النفطية، وطالما رفع الصوت عاليا لاستغلال هذه الثروة. وقد وصل الأمر بالوزير باسيل إلى ربط الوزارة بـ«حقوق المسيحيين» في لبنان، معتبرا أن «حقيبة النفط هي ضمانة جديدة للمسيحيين، فيها الإنماء المتوازن الغائب عنهم منذ 25 عاما»، متسائلا «هل يجوز حرمان الكتلة المسيحية الكبرى من حقيبة سيادية؟ ومن واجب المسيحيين أن يجمعوا على الأمر، فالكتلة المسيحية الكبرى هي يوم لنا ويوم لغيرنا، فهل يجوز أن يُحرم المسيحيون من حقيبة سيادية، وتُترك للمسيحيين مجددا الحقيبتان السياديتان الأقل شأنا؟ وهل أصبح دور المسيحيين فلكلورا؟ إن المسيحيين في هذا الوطن لا يمنع عنهم شيء لأنهم ضمانة كل شيء، وهم ليسوا متسولي مقاعد وحقائب». فكان أن دخل حزب الكتائب في بازار التنافس عارضا تسلمه هو هذه الحقيبة.

* التقسيم الطائفي

* منذ إقرار اتفاق الطائف، تمت المناصفة في مقاعد الحكومة بين المسيحيين والمسلمين. وتنص المادة 95 من الدستور اللبناني على أن «تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة». غير أن العرف تدخل مجددا في التقسيم، حيث ينص العرف غير المكتوب، كما يشير أحمد زين، الخبير القانوني اللبناني، على أن تكون الطوائف الثلاث الكبرى، الموارنة والسنة والشيعة، ممثلة بالعدد نفسه من الوزراء، فيما تذهب بقية المقاعد إلى الطوائف الأخرى. وهكذا انحصر التمثيل لدى الطوائف الإسلامية في السنة والشيعة والدروز الذين ينالون حصة مؤلفة من وزيرين إذا كانت الحكومة من 30 وزيرا. وهو رقم اعتمده الرئيس الراحل رفيق الحريري لتأمين مشاركة أكبر قدر ممكن من الطوائف. فالأقليات المسيحية يمكن أن تتمثل في وزارة من 30، فيما لا تمثل في وزارة من 24 كالتي هي مطروحة الآن. أما الأرمن فلا يحصلون على وزير إذا نقص عدد الوزراء عن 18. ويبقى العلويون، الذين لم تشملهم نعمة الوزارة أبدا، على الرغم من النفوذ السوري الكبير خلال التسعينات، فهم يحتاجون إلى وزارة من 35 مقعدا ليكون لهم ممثل فيها.
ويرفض الوزير السابق إدمون رزق نظرية تخصيص حقيبة لطائفة ما، مؤكدا أنه لم يجر في مداولات الطائف أي شيء في هذا الصدد. ويقول رزق «عندما كنا في (اجتماعات) الطائف، انطلقنا من مبدأ يقول إن لبنان بلد تعددي لا تمايز فيه لأحد». وأشار إلى أنه تقصد عندما عهد إليه وضع صيغة التعديلات الدستورية إيراد فقرة في المادة 95 تنص على إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وما يعادل الفئة الأولى، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة.
ويرى أن البحث في «المداورة» هو هرطقة لأنه ليس المطلوب المداورة بين الطوائف في الوزارات، بل وضع الوزراء في مكانهم المناسب من حيث الكفاءة والخبرة، مشددا على أن الوزارات «ليست إرثا، إنما هي مسؤولية في رقاب من يتولاها»، معتبرا أن الحديث عن المداورة يبيت في طياته المحاصصة. ويرى رزق أن ما يجري الآن هو التفتيش عن الحلول في المكان الخطأ، معتبرا أن «لبنان يحتاج اليوم إلى تنمية روح المواطنة وتجاوز العصبية الطائفية والمذهبية ومكافحة استفحال التكسبية العائلية».
ويشير رزق إلى تجربته كوزير عدل، حيث وصل إلى الوزارة فأجرى تعيينات شملت تعيين رئيس لمجلس القضاء الأعلى من الطائفة السنية، للمرة الأولى والأخيرة في تاريخ لبنان، حيث من المتعارف عليه أن يكون الرئيس مارونيا، كما عين قاضيا سنيا في مركز رئيس استئناف بعبدا الذي جرى العرف أن يكون مارونيا أيضا. لكن هذه التجربة انتهت مع رزق، فعادت الأمور إلى نصابها الأول بعد رحيله عن الوزارة ورحيل من عينهم.

* تأليف الوزارة.. بيد من؟

* السؤال من الصعب الإجابة عنه.. فقديما كان أمر تأليف الحكومة بيد رئيس الجمهورية الذي يختار رئيس الحكومة ويصدر معه التشكيلة الوزارية بعد جولة مشاورات، لكن عهد ما بعد الطائف حمل عرفا آخر تمثل بحق القوى السياسية في اختيار الوزراء والحقائب.
وينص الدستور على أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف وحدهما من يحق لهما تأليف الحكومة وتوقيع مرسوم تشكيلها، غير أن الواقع يشير إلى شيء مختلف، يصبح معه توقيع رئيس الجمهورية «إجراء شكليا» إلى حد بعيد، في ظل تنامي نفوذ القوى السياسية المتحكمة بالبرلمان. وهكذا يجد رئيس الجمهورية نفسه صاحب الحصة الأقل في الحكومة، فيما يضطر رئيس الحكومة إلى إجراء مفاوضات شاقة، تبعا لقوته البرلمانية.
ورغم أن العرف السائد هو بمثابة «الهرطقة» كما يؤكد رزق وغيره من الدستوريين، فإنه أمر واقع لا مفر منه. ويشير رزق إلى أنه اختير في عام 1973 ليكون وزيرا، من دون استشارة حزبه (حزب الكتائب) آنذاك، ومن دون اعتراض أحد.



ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.