لبنان.. «العرف» دستور خفي

حكومات تؤلف خلافا للنصوص الدستورية.. والوزارات «مغانم»

لبنان.. «العرف» دستور خفي
TT

لبنان.. «العرف» دستور خفي

لبنان.. «العرف» دستور خفي

ينص الدستور اللبناني على قواعد واضحة تنظم عملية تأليف الحكومات وطريقة عملها، وكيفية استقالتها. غير أن هذه النصوص تصبح بمثابة الحبر على ورق عندما يتدخل «العرف» في أدق التفاصيل، خصوصا عندما يكون العرف دستورا، إذ يكاد يكون جزءا من الدستور نفسه لكنه غير مكتوب.. فقط «تفاهم» الزعماء حوله.
ويعد الدستور اللبناني «العرف» مصدرا للتشريع، أي بمعنى أن كل ما يتعارف عليه بين مكونات المجتمع اللبناني يصبح عرفا، إذا لم يعترض عليه أحد، وإذا استمر العمل به فترة طويلة. وأول الأعراف التي ابتدعها اللبنانيون كان التقاسم الطائفي للسلطة عام 1943. حينها اجتمع الزعماء اللبنانيون وتوافقوا على تقاسم السلطة بين المسيحيين والمسلمين، بحيث ينال المسيحيون 6 نواب مقابل 5 للمسلمين، وأن تكون رئاسة الجمهورية للموارنة، وكذلك قيادة الجيش وقيادة الأمن العام، فيما ينال المسلمون رئاستي مجلس النواب (الشيعة) والحكومة (السنة). لم يكن ثمة نص مكتوب، لكن تغيير هذا العرف استلزم حروبا أهلية طاحنة انتهت آخرها عام 1990 باتفاق الطائف الذي أقر المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، لكن هذه المرة بنص مكتوب، فيما بقي توزيع الرئاسات الثلاث «عرفا» معمولا به حتى اليوم.

أتى اتفاق الطائف يكرس العرف الطائفي بنص دستوري مكتوب، لكنه أضاف أيضا عرفا آخر غير مكتوب أتى بمثابة حل لمطالبة الطائفة الشيعية بتمثيلها في «توقيع» القوانين، حيث اقترح بداية رئيس مجلس النواب الحالي نبيه بري، في محادثات السلام التي عقدت في جنيف ولوزان منتصف الثمانينات، أي قبل التوصل إلى اتفاق الطائف عام 1989، أن يصار إلى استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية، بحيث يسند إلى الطائفة الشيعية لتشترك الطائفة في توقيع القوانين من خلاله، علما بأن حق توقيع القوانين يعود لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بالإضافة إلى الوزراء كل حسب اختصاصه، لكن هذا الاقتراح لم يبصر النور لمخالفته النظام البرلماني الذي لا يلحظ منصب نائب الرئيس.
وتجدد الاقتراح خلال المناقشات التي كانت تجري لإقرار الطائف من قبل رئيس مجلس النواب حسين الحسيني، لكنه لم يبصر النور أيضا. وقيل حينها إن تسوية جرت في الكواليس تقضي بالتعهد بإعطاء وزارة المال إلى الشيعة، كون وزير المال يوقع معظم القوانين التي تتعلق بإنفاق مالي، مما يجعله شريكا في القرار.
مشى هذا التقليد، في عدة حكومات، فكان النائب علي الخليل وزيرا للمال في حكومة الرئيس سليم الحص، في أول عهد الرئيس إلياس الهراوي الذي انتخب إثر تسوية الطائف، فيما أعطيت وزارة الدفاع إلى طائفة الروم الأرثوذكس، ووزارة الداخلية للموارنة، ووزارة الخارجية للطائفة السنية. وهذه الوزارات اصطلح على تسميتها بالوزارات السيادية التي تسند للطوائف الأربع الكبرى (الموارنة والسنة والشيعة والأرثوذكس)، فيما تتوزع بقية الحقائب الوزارية على بقية الطوائف. وفي الحكومة التي تلتها، والتي ألفها الرئيس عمر كرامي، حافظ الأخير على التقليد، فأسند وزارة المال إلى الوزير الخليل، لكنه أسند الداخلية إلى سني والخارجية إلى ماروني والدفاع إلى أرثوذكسي. وكذلك فعل الرئيس رشيد الصلح في حكومته التي كانت الثالثة في عهد الهراوي، والثانية بعد إقرار الطائف وتعديل الدستور، فكانت وزارة المال من نصيب الوزير أسعد دياب. وأسند أيضا الداخلية إلى سني والخارجية إلى ماروني والدفاع إلى أرثوذكسي.
ولم يصمد التقليد، ليتحول عرفا. ففي عام 1995 وصل الرئيس الراحل رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة. ولما كان مشروعه الاقتصادي يحتاج إلى حضور وازن لوزارة المال، طالب بإسناد الحقيبة إلى أحد المقربين منه، فؤاد السنيورة، لكن الأمر ووجه بالرفض، فكانت التسوية أن يكسر العرف من أجل الحريري لا من أجل غيره، فأسندت إليه الحقيبة، فيما عين السنيورة وزير دولة للشؤون المالية للقيام بمهام وزير المال التي لن يقوى الحريري على القيام بها بسبب التزاماته الأخرى. حينها أسندت وزارة الدفاع إلى الشيعة، فيما بقيت وزارة الخارجية من نصيب رئيس الجمهورية عبر صهره الوزير فارس بويز (ماروني) الذي شغل المنصب في الحكومتين السابقتين. وذهبت وزارة الداخلية إلى طائفة الروم الأرثوذكس.
وفي حكومة الحريري الثانية، تكرر السيناريو نفسه في التوزيع الطائفي، مما كسر العرف نهائيا ومهد في وقت لاحق لتولي السنيورة الحقيبة مباشرة، كما سمح للرئيس سليم الحص الذي شكل الحكومة بعد اعتذار الحريري عن عدم ترؤس أولى حكومات عهد الرئيس إميل لحود، بتعيين مسيحي من طائفة الروم الأرثوذكس في وزارة المال، وبقيت الدفاع مع الشيعة، فيما ذهبت الخارجية إلى الطائفة السنية، وبقيت الداخلية مع الأرثوذكس.
ومع عودة الحريري إلى الحكم بعد فوزه الساحق في انتخابات عام 2000، عادت المالية إلى وصايته، عبر السنيورة، فيما ذهبت الخارجية إلى الشيعة، للمرة الأولى، لتكرس في ما بعد عرفا بإعطاء هذه الوزارة للطائفة الشيعية لا يزال مستمرا حتى اليوم، مع خرق وحيد كان في حكومة الحريري الثانية، عندما أسندت الخارجية إلى وزير ماروني، وأعطيت فيها وزارة الدفاع للشيعة.
وفي حكومة الرئيس عمر كرامي التي تلتها في عام 2003، كانت وزارة الخارجية من نصيب الشيعة، ووزارة المال من نصيب الأرثوذكس، والدفاع للسنة والداخلية للموارنة. وفي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي تلت اغتيال الرئيس الحريري وسقوط حكومة كرامي، كانت وزارة المال من نصيب ماروني، ووزارة الدفاع من نصيب أرثوذكسي، ووزارة الداخلية من نصيب سني، فيما بقيت الخارجية مع الشيعة. واعتمد الترتيب نفسه في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى بعد انتخابات عام 2005، أما في حكومة السنيورة الثانية التي شكلت بعد تسوية الدوحة، والاتفاق الشهير الذي مهد لوصول الرئيس ميشال سليمان إلى السلطة، فقد أسندت وزارة الداخلية إلى ماروني، ووزارة الدفاع إلى أرثوذكسي، فيما أعطيت وزارة المال إلى السنة (الوزير محمد شطح الذي اغتيل في ديسمبر/ كانون الأول، الماضي)، وبقيت الخارجية شيعية.
وفي أولى حكومات الرئيس سعد الحريري، كان الترتيب ذاته: الخارجية شيعية، والمالية سنية والدفاع أرثوذكسية، والداخلية مارونية، وهو الترتيب نفسه الذي تكرر مع حكومة نجيب ميقاتي عام 2011 بعد إسقاط حكومة الحريري.
وإذا كانت «الوزارات السيادية» هي الأكثر أهمية، بالنسبة إلى الطوائف الكبرى، فإن بعض الوزارات تعطى أهمية وفقا لحاجات من يتولاها من الفرقاء السياسيين. فرئيس مجلس النواب نبيه بري رفض أن يدخل الحكومة الأولى في عهد الرئيس الهراوي، إلى أن أسندت إليه وزارة خاصة بالجنوب أعطته القدرة على تنفيذ المشاريع المختلفة في منطقة الجنوب التي يتركز فيها نفوذه السياسي والانتخابي. واستفاد بري من هذه الوزارة لتعزيز حضوره شعبيا عبر مشاريع المدارس والطرقات ومشاريع الري وسواها، ولهذا أيضا حافظ قدر الإمكان على وزارة الطاقة والموارد المائية التي بقيت من نصيب وزراء من حصته لفترة طويلة.
أما النائب وليد جنبلاط فكانت له وزارة مماثلة، هي وزارة المهجرين، التي سمحت له بتعزيز نفوذه في مناطق جبل لبنان، من حيث التقديمات. كما كانت وزارة الأشغال من حصته في معظم الوزارات التي شارك فيها بفريقه السياسي.
أما الرئيس رفيق الحريري فكان اهتمامه الأول اقتصاديا - ماليا - إعماريا. ولهذا سعى دائما للحصول على وزارات تتعلق بهذه المشاريع، فيما كان الرئيس إلياس الهراوي مهتما بمنصب وزير الخارجية. أما الجنرالان الآخران اللذان قدما إلى الرئاسة لاحقا، أي الرئيس إميل لحود والرئيس ميشال سليمان، فقد حرصا على نيل الوزارات الأمنية والعسكرية، فكانت وزارتا الدفاع والداخلية من حصتهما الدائمة.
وتبقى لكل وزارة قصتها وأهميتها، وفقا لحاجة الزعماء السياسيين إليها. فحلفاء سوريا كانوا يحصلون دائما على وزارة العمل التي تعنى بشؤون العمالة - وأكثرها في لبنان سورية - فكان يتولاها وزراء بعثيون أو وزراء من الحزب السوري القومي الاجتماعي، بشكل حصري. وعندما خرج الحزبان من الحكومة بعد عام 2005، تولاها حزب الله. أما وزارة الاتصالات فقد لمع نجمها مع دخول الجوال إلى لبنان، ومداخيله الهائلة. ثم تحولت الوزارة إلى حاجة أمنية، مع بدء عمليات الاغتيال وحاجة التحقيقات إلى تعاونها. وقد لقي المحققون صعوبات بالغة في التعامل مع هذه الوزارة عندما تولاها أعضاء في قوى «8 آذار». أما وزارة الطاقة والمياه فقد تحولت بين ليلة وضحاها إلى «سوبر وزارة» مع الاكتشافات النفطية الواعدة. ولهذا يتمسك بها النائب ميشال عون لتكون من حصة صهره وزيرها الحالي، فيما ينافسه عليها الرئيس بري الذي كان أول من أثار قضية التراخي اللبناني في التعامل مع ثروته النفطية، وطالما رفع الصوت عاليا لاستغلال هذه الثروة. وقد وصل الأمر بالوزير باسيل إلى ربط الوزارة بـ«حقوق المسيحيين» في لبنان، معتبرا أن «حقيبة النفط هي ضمانة جديدة للمسيحيين، فيها الإنماء المتوازن الغائب عنهم منذ 25 عاما»، متسائلا «هل يجوز حرمان الكتلة المسيحية الكبرى من حقيبة سيادية؟ ومن واجب المسيحيين أن يجمعوا على الأمر، فالكتلة المسيحية الكبرى هي يوم لنا ويوم لغيرنا، فهل يجوز أن يُحرم المسيحيون من حقيبة سيادية، وتُترك للمسيحيين مجددا الحقيبتان السياديتان الأقل شأنا؟ وهل أصبح دور المسيحيين فلكلورا؟ إن المسيحيين في هذا الوطن لا يمنع عنهم شيء لأنهم ضمانة كل شيء، وهم ليسوا متسولي مقاعد وحقائب». فكان أن دخل حزب الكتائب في بازار التنافس عارضا تسلمه هو هذه الحقيبة.

* التقسيم الطائفي

* منذ إقرار اتفاق الطائف، تمت المناصفة في مقاعد الحكومة بين المسيحيين والمسلمين. وتنص المادة 95 من الدستور اللبناني على أن «تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة». غير أن العرف تدخل مجددا في التقسيم، حيث ينص العرف غير المكتوب، كما يشير أحمد زين، الخبير القانوني اللبناني، على أن تكون الطوائف الثلاث الكبرى، الموارنة والسنة والشيعة، ممثلة بالعدد نفسه من الوزراء، فيما تذهب بقية المقاعد إلى الطوائف الأخرى. وهكذا انحصر التمثيل لدى الطوائف الإسلامية في السنة والشيعة والدروز الذين ينالون حصة مؤلفة من وزيرين إذا كانت الحكومة من 30 وزيرا. وهو رقم اعتمده الرئيس الراحل رفيق الحريري لتأمين مشاركة أكبر قدر ممكن من الطوائف. فالأقليات المسيحية يمكن أن تتمثل في وزارة من 30، فيما لا تمثل في وزارة من 24 كالتي هي مطروحة الآن. أما الأرمن فلا يحصلون على وزير إذا نقص عدد الوزراء عن 18. ويبقى العلويون، الذين لم تشملهم نعمة الوزارة أبدا، على الرغم من النفوذ السوري الكبير خلال التسعينات، فهم يحتاجون إلى وزارة من 35 مقعدا ليكون لهم ممثل فيها.
ويرفض الوزير السابق إدمون رزق نظرية تخصيص حقيبة لطائفة ما، مؤكدا أنه لم يجر في مداولات الطائف أي شيء في هذا الصدد. ويقول رزق «عندما كنا في (اجتماعات) الطائف، انطلقنا من مبدأ يقول إن لبنان بلد تعددي لا تمايز فيه لأحد». وأشار إلى أنه تقصد عندما عهد إليه وضع صيغة التعديلات الدستورية إيراد فقرة في المادة 95 تنص على إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وما يعادل الفئة الأولى، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة.
ويرى أن البحث في «المداورة» هو هرطقة لأنه ليس المطلوب المداورة بين الطوائف في الوزارات، بل وضع الوزراء في مكانهم المناسب من حيث الكفاءة والخبرة، مشددا على أن الوزارات «ليست إرثا، إنما هي مسؤولية في رقاب من يتولاها»، معتبرا أن الحديث عن المداورة يبيت في طياته المحاصصة. ويرى رزق أن ما يجري الآن هو التفتيش عن الحلول في المكان الخطأ، معتبرا أن «لبنان يحتاج اليوم إلى تنمية روح المواطنة وتجاوز العصبية الطائفية والمذهبية ومكافحة استفحال التكسبية العائلية».
ويشير رزق إلى تجربته كوزير عدل، حيث وصل إلى الوزارة فأجرى تعيينات شملت تعيين رئيس لمجلس القضاء الأعلى من الطائفة السنية، للمرة الأولى والأخيرة في تاريخ لبنان، حيث من المتعارف عليه أن يكون الرئيس مارونيا، كما عين قاضيا سنيا في مركز رئيس استئناف بعبدا الذي جرى العرف أن يكون مارونيا أيضا. لكن هذه التجربة انتهت مع رزق، فعادت الأمور إلى نصابها الأول بعد رحيله عن الوزارة ورحيل من عينهم.

* تأليف الوزارة.. بيد من؟

* السؤال من الصعب الإجابة عنه.. فقديما كان أمر تأليف الحكومة بيد رئيس الجمهورية الذي يختار رئيس الحكومة ويصدر معه التشكيلة الوزارية بعد جولة مشاورات، لكن عهد ما بعد الطائف حمل عرفا آخر تمثل بحق القوى السياسية في اختيار الوزراء والحقائب.
وينص الدستور على أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف وحدهما من يحق لهما تأليف الحكومة وتوقيع مرسوم تشكيلها، غير أن الواقع يشير إلى شيء مختلف، يصبح معه توقيع رئيس الجمهورية «إجراء شكليا» إلى حد بعيد، في ظل تنامي نفوذ القوى السياسية المتحكمة بالبرلمان. وهكذا يجد رئيس الجمهورية نفسه صاحب الحصة الأقل في الحكومة، فيما يضطر رئيس الحكومة إلى إجراء مفاوضات شاقة، تبعا لقوته البرلمانية.
ورغم أن العرف السائد هو بمثابة «الهرطقة» كما يؤكد رزق وغيره من الدستوريين، فإنه أمر واقع لا مفر منه. ويشير رزق إلى أنه اختير في عام 1973 ليكون وزيرا، من دون استشارة حزبه (حزب الكتائب) آنذاك، ومن دون اعتراض أحد.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.