تونس: منع سفر مزيد من الوزراء والمسؤولين والقضاة

الإفراج عن رئيس حزب... وتزايد الدعوات لتشكيل حكومة

TT

تونس: منع سفر مزيد من الوزراء والمسؤولين والقضاة

تزايدت في تونس وتيرة الدعوات التي وجهها جامعيون مستقلون وسياسيون وحقوقيون ونقابيون للتعجيل بالإعلان عن اسم رئيس الحكومة الجديدة، و«خريطة الطريق» لإخراج البلاد من أزمتها السياسية التي تسببت فيها قرارات 25 يوليو (تموز) الماضي، ومن بينها إسقاط الحكومة وحل البرلمان وإلحاق كل السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية بمؤسسة رئاسة الجمهورية.
لكن وليد الحجام، مستشار الرئيس التونسي قيس سعيّد، وجه مجدداً «تطمينات» إلى الرأي العام التونسي والدولي حول «تمسك تونس بالديمقراطية»، مع إعطاء أولوية مطلقة لمعالجة معضلة الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، ومحاصرة وباء كورونا.
ونشر الحقوقي والأكاديمي نوفل سعيّد، شقيق الرئيس التونسي، أمس (الثلاثاء)، «تدوينة» جديدة لمحاولة طمأنة النخب بعد تعاقب التصريحات المتخوفة على «المكاسب الديمقراطية» و«إنجازات ما بعد ثورة 2011، ودستور يناير (كانون الثاني) 2014»، قائلاً: «لا رجوع إلى الوراء؛ يعني لا رجوع إلى منظومة ما قبل 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010، ولا رجوع إلى منظومة 14 يناير (كانون الثاني) 2011، ولا رجوع إلى منظومة الاستبداد، ولا رجوع إلى منظومة الالتفاف على الثورة».
- إفراج... وقرارات تحقيق
وأكدت مصادر رسمية، أمس (الثلاثاء)، الإفراج عن سعيد الجزيري، البرلماني رئيس «حزب الرحمة» رئيس إذاعة «القرآن الكريم»، الذي أوقف قبل يومين، وسط تساؤلات عن مصير عدد من نواب البرلمان والسياسيين والوزراء والمسؤولين السابقين والقضاة الذين فتح القضاء تحقيقات ضدهم، فيما فرضت وزارة الداخلية على عشرات منهم «مؤقتاً» إجراءات منع السفر أو الإقامة الجبرية.
وقد نفى رئيس الحكومة الأسبق زعيم حزب «تحيا تونس» الإشاعات التي تحدثت عن اعتقاله، مع عدد من وزرائه وقيادات حزبه ومستشاريه في الحكومة، فيما لوحظ «اختفاء» عدد من كبار السياسيين، بينهم زعيم حزب «قلب تونس» رجل الأعمال نبيل القروي، وعدد من كبار النواب التابعين لكتلته.
لكن الناطق باسم القطب القضائي المالي أصدر بلاغاً جديداً، أكد فيه قرارات بمنع السفر عن عدد من الوزراء وكبار المسؤولين في حكومة يوسف الشاهد، بينهم وزير الصناعة والطاقة والمناجم سليم الفرياني، والوزير الكاتب العام للحكومة عبد اللطيف حمام، وعن نواب وبرلمانيين ومسؤولين كبار عن إنتاج الفوسفات والأسمدة الكيمياوية، بعد اتهامات خطيرة لهم بالفساد و«تهريب» مئات آلاف الأطنان.
يذكر أن إنتاج القطاع قد تراجع من أكثر من 8 ملايين طن سنوياً في 2010 إلى نحو 3 ملايين طن فقط «بعد ثورة 2011».
وفي السياق ذاته، نوه الوزير البرلماني السابق عماد الدايمي، رئيس مرصد «رقابة»، بإقدام السلطات على فتح ما وصفه بـ«ملفات الفساد الكبيرة» في قطاعات الفوسفات والنقل الجوي وشركة الطيران والتهريب. وعد الدايمي وعدد من رؤساء الجمعيات غير الحكومية «فتح هذه الملفات بعد قرارات 25 يوليو (تموز) انتصاراً لأنصار مكافحة الفساد».
وأكدت مصادر مسؤولة لـ«الشرق الأوسط» أن بعض من فتح تحقيق معهم أو منعوا من السفر اختفوا أو سافروا، من بينهم رجل الأعمال البرلماني لطفي علي، وشقيقه عبد الوهاب حفيظ.
وكان الرئيس قيس سعيد، ومقربون منه وقياديون في نقابات العمال، قد اتهموا مراراً هذين التاجرين وغيرهما بـ«التورط في التهريب» و«تعطيل إنتاج المناجم»، وعمل شركة النقل الحديدي بهدف إبرام صفقات لنقل الفوسفات براً على متن شاحنات خاصة تابعة لشركاتهم بأضعاف سعر نقله عبر القطارات التي يجري منذ 10 أعوام تعطيل سيرها عبر الإضرابات والاعتصامات العشوائية.
- خريطة «الطريق»
وإذ يتطلع المراقبون في الداخل والخارج إلى القرارات التي سوف تصدر عن قصر الرئاسة في قرطاج أو «خريطة الطريق السياسية»، تعمقت الاختلافات والتقديرات لسيناريوهات الخروج من الأزمة السياسية. وتنوعت ردود الفعل واختلفت المقاربات بين الخبراء والسياسيين الداعمين لقيس سعيد وخصومهم بعد المحادثة السياسية التي أجراها سعيّد مع نظيريه الفرنسي الرئيس إيمانويل ماكرون، والجزائري عبد المجيد تبون.
تبون رفض الكشف عن فحوى حديثه مع سعيّد، واكتفى بالإعلان عن «احترام مبدأ عدم التدخل» في الشأن الداخلي لتونس، وأورد أن نظيره التونسي أحاطه علماً بمعطيات مهمة. وفي المقابل، كشف البلاغ الصادر بعد محادثة سعيد مع ماكرون أن الرئيس التونسي أعلم مخاطبه الفرنسي بأنه يتمسك بموقفه المعارض للخلط بين «الشرعية والمشروعية».
وسبق لسعيد أن دافع مراراً عن وجهة نظره هذه عند حديثه عن أزمات تونس وليبيا وفلسطين والعالم. ويعد سعيّد أن «الشرعية القانونية والدستورية والانتخابية» التي كان يتمتع بها البرلمان وحكومة هشام المشيشي وبقية مؤسسات الحكم ليست كافية، وأن «الأهم هي المشروعية الشعبية». ويرى أن غالبية المواطنين محرومون من ممارسة حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، وحقهم في العلاج والتطعيم المجاني للوقاية من كورونا، لذلك نزلوا بعشرات الآلاف في تحركات احتجاجية، كان آخرها يوم 25 يوليو (تموز) الماضي لـ«المطالبة بإسقاط كامل منظومة الحكم القديمة التي أفرزتها انتخابات 2011 و2014 و2019».
وجاءت محاثة قيس سعيّد وماكرون بعد سلسلة من المحادثات التي أجراها الرئيس التونسي مع شخصيات عربية ودولية، كان من بينها وزير الخارجية الأميركي بلينكن، ومستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وقد تضمنت البلاغات بعد المحادثات مع بلينكن وسوليفان وشخصيات دولية أخرى تعهداً بـ«استئناف المسار الديمقراطي» و«العمل البرلماني» في أقرب وقت.
وفي المقابل، تضمن البلاغ الصادر بعد المحادثة مع الرئيس الفرنسي إعلاناً عن تمسك قيس سعيّد بموقفه الذي يعد أن «الأهم هو المشروعية والانحياز للشارع، وليس التمسك بالشرعية القانونية والدستورية»، بما فهم منه أنه تلويح بعدم استئناف البرلمان عمله قريباً.
وهنا، برزت تباينات في ردود أفعال السياسيين والخبراء التونسيين. وقد تصدر المساندين بقوة لتفسير سعيّد عدد من الخبراء من بين زملائه السابقين في كلية الحقوق، مثل البرلماني رابح الخرايفي، والخبيرة سلسبيل القليبي، والأكاديمي أمين محفوظ.
وفي المقابل، نشرت وسائل الإعلام التونسية سلسلة من الحوارات مع شخصيات حقوقية ونقابية وحزبية وسياسية تطالب بـ«العودة إلى الشرعية الدستورية والقانونية والانتخابية» بعد مرور الـ30 يوماً التي أورد بلاغ لرئاسة الجمهورية يوم 25 يوليو (تموز) الماضي أنها ستكون «لاتخاذ إجراءات استثنائية بهدف التصدي لخطر داهم يهدد الدولة، وفق الفصل (80) من الدستور».
وقد أقر أستاذ القانون الدستوري الكبير سليم اللغماني بأنّ تونس وصلت إلى «الطريق المسدود يوم 25 يوليو (تموز) الماضي بسبب تعطل دواليب الدولة، وأهمها المؤسسة التشريعية، إضافة إلى انتفاء العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية».
وعد سليم اللغماني أنه ينبغي اليوم حسم الخلافات في المرحلة المقبلة، عبر احترام «الشرعية الدستورية والقانونية، بما في ذلك في صورة وجود نية لحل البرلمان الحالي». وأورد اللغماني أن «الأسلم أن يعلن سعيّد عن حكومته الجديدة، ويعرضها على البرلمان بعد استئناف عمله يوم 26 أغسطس (آب) أو بعد ذلك بقليل. ويمكنه أن يعرض تشكيلة حكومية لا يمكن للبرلمان الحالي أن يصادق عليها. وفي تلك الحالة، يسمح له الدستور بحل البرلمان، والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة».
لكن عددا من الخبراء الدستوريين، مثل الصغير الزكراوي وهيكل بن محفوظ وسليم اللغماني، يتساءلون اليوم بوضوح عن «السيناريوهات السياسية المحتملة لما بعد الثلاثين يوماً التي أعلن عنها الرئيس قيس سعيّد يوم 25 يوليو (تموز)، وإذا لم يكن وارداً أن يمددها مرة أو مرتين».
وتتعمق الهوة بين السياسيين والخبراء القانونيين والحقوقيين بسبب التزام قيس سعيّد الصمت منذ أكثر من أسبوعين.
وجاءت محادثاته مع الرئيسي الفرنسي ماكرون، والجزائري عبد المجيد تبون، وعدد من قادة العالم، لتعمق التناقضات بين أنصار «العودة للشرعية الدستورية والقانونية» ودعاة القطع مع «كل منظومات ما بعد 2011 و2014 و2019 القانونية والدستورية، وأن يستبدل بها قرارات رئاسية سياسية تتجاوب مع الشارع، وتستمد مشروعيتها من الشعب، وليس من نصوص الدستور والقوانين». وفي كل الأحوال، يبدو أن مرحلة المخاض سوف تطول وتتجاوز موعد 25 أغسطس (آب).



إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.