عادل أسعد الميري: مغرم بالأدب الفرنسي وتجمعني علاقة شخصية بعوالمه

صاحب «كل أحذيتي ضيقة» يرى أن هناك فوضى في الترجمة

عادل أسعد الميري
عادل أسعد الميري
TT

عادل أسعد الميري: مغرم بالأدب الفرنسي وتجمعني علاقة شخصية بعوالمه

عادل أسعد الميري
عادل أسعد الميري

علاقة حميمة تربط الكاتب والمترجم المصري عادل أسعد الميري بالكتابة الأدبية التي تستلهم روح الأمكنة، والاعترافات، وأصداء السيرة الذاتية. وقد انعكست هذه العلاقة على أعماله الروائية، وبخاصة «كل أحذيتي ضيقة» و«خيوط أقمشة الذات»، وكذلك في ترجماته المختارة من الأدب الفرنسي، وآخرها ترجمته رواية جوليان جرين «النومة الأخرى» الصادرة عن دار «العين» بالقاهرة.
هنا حوار معه حول هذه الأجواء، وأبرز مشكلات الترجمة في عالمنا العربي...
> ما الذي جذبك لترجمة رواية «النومة الأخرى»؟
- لأنني كنت طيلة عمري مغرماً بالأدب الفرنسي، وهناك علاقة شخصية تربطني بهذه الرواية بالذات. أتذكّر أنني كنت في العاشرة أقف أمام مكتبة صغيرة لبيع الكتب المستعملة في الإسكندرية، وحين وجدت هذه الرواية اشتريتها بقروش قليلة، وبدأت في قراءتها، إلا أن مستوى لغتي الفرنسية في ذلك الوقت لم يكن يسمح لي بقراءتها، فقلت في نفسي سيأتي اليوم الذي أقرأها فيه بسهولة، وسيأتي اليوم الذي أترجمها فيه إلى العربية.
> الأحلام في الأدب مادة ثرية للكتابة، برأيك ما الذي وجده بطل «جوليان جرين» في أحلامه؟
- في هذه الرواية تداخل واضح بين الواقع والخيال، فمثلاً حادثة زيارة البطل لمتجر بيع نماذج من تماثيل الآلهة اليونانية القديمة، جعل صورة هذه التماثيل تطارده في منامه وفي أحلام يقظته، وقُرب نهاية الرواية هناك المنزل المهجور الذي توقّف بناؤه بسبب الحرب العالمية الأولى، الذي كان البطل يتردّد عليه ليختلي فيه بنفسه، هل هذا واقع أم خيال؟ هو كان يهرب إلى خيالاته من واقعه الذي لم يكن يرضيه، وهذا هو معنى العنوان «النومة الأخرى»، أي هل كانت الخيالات واقعاً أم نتيجة نومة من نوع مختلف؟
> كتب بلاز سندرار «الدهشة» بروح جامحة تشارف اللامنطق، هل أحسست بهذا وأنت تترجم الرواية؟
- الشيء شديد الجاذبية في روايات بلاز سندرار بشكل عام، هو قدرته على التنقّل الدائم طوال حياته بين المهن والدول المختلفة، هذا هو الذي جذبني إليه في المقام الأول، فهو مولود في إيطاليا لأب مقتدر، أرسله في طفولته إلى مدرسة دولية للغات تعلم فيها 4 لغات، ثم انتقل إلى سويسرا ليدخل كلية الطب هناك، إلا أنه ذات يوم ترك الدراسة وقرّر اكتشاف الحياة، فأخذ قطاراً دون أن يعرف ما هي وجهته، وإذا بالقطار يخترق أوروبا الشرقية ويستـأنف الطريق إلى سانت بترسبورغ؛ حيث التقى على رصيف المحطّة برجلين، لم يكونا يتحدّثان بنفس اللغة فقام بالترجمة بينهما، فإذا بأحدهما يعرض عليه أن يعمل سكرتيراً له لمساعدته في التفاهم مع زبائنه لبيع المجوهرات. ذهب مع هذا التاجر إلى بكين في الصين ثم إلى أصفهان في إيران، ثم قرر أن يعمل بحاراً على الخطوط البحرية بين روتردام ونيويورك، وفي سنة 1907 حين شهدت أميركا وصول آلاف المهاجرين كان يقوم بالترجمة لهم في مكاتب الوصول إلى نيويورك، وهو ما ساعده في تجميع مادة روائية ثرّية. معروف أن هذه الرواية هي واحدة من 4 أعمال تشكل رباعية روائية، وقد ترجمت رواية ثانية من هذه الرباعية وهي رواية «المغامرة» وفيها يصف مثلاً معركة في روتردام بين بحّارة الدول المختلفة ليلة رأس السنة، ويصف مثلاً رحلة بحرية في المحيط الأطلنطي، وهكذا. أما الجزء الثالث من هذه الرباعية فهو عن «الذراع المفقودة» إذ فقد ذراعه اليمنى إثر انفجار قنبلة أثناء الحرب العالمية الأولى، ويحكي لنا فيها كيف استطاع أن يعيش بذراع واحدة، والجزء الرابع عن الأحداث القدرية في حياته، وأتمنى أن أقوم بترجمتهما كاملين.
> دخلت عالم الرواية من باب أدب «الاعترافات»... حدثنا عن تلك التجربة في ضوء كتابتك لـ«كل أحذيتي ضيقة».
- ظهرت «كل أحذيتي ضيّقة» سنة 2010. وهي كرّاسة كنت كتبتها أثناء تردّدي على أحد الأطباء النفسيين سنة 1998. وتحكي عن مشكلات الطفولة والمراهقة التي عانيت منها في مجتمع شبه مغلق، في مدينة طنطا (وسط دلتا مصر)، لأسرة من الطبقة المتوسّطة العليا، فالأب طبيب، إلا أن المعاناة جاءت من كون هذا الأب الطبيب مثالياً ملتزماً، وهو الذي دفعني إلى دخول كلية الطب، رغم أنني كنت أشعر أنني لن أكون طبيباً بأي حال من الأحوال، طباعي وشخصيتي لا تسمح لي بذلك. وقد تمكنت بصعوبة من إنهاء الدراسة في الكلية، إلا أنني اخترت بعد ذلك مهنة أخرى هي الإرشاد السياحي. أما أمي فكانت تعاني من حبّ التملّك، فلم تكن تسمح لي مثلاً باختيار ملابسي، بل هي التي كانت تشتريها لي وفقاً لذوقها هي، حتى وصولي إلى سن العشرين.
> هل شكلت لك «اعترافات» جان جاك روسو مرجعية في السيرة الذاتية؟
- أكثر نوع أدبي يثير اهتمامي هو أدب الاعترافات والسيرة الذاتية. قرأت لروسو رواية «إميل» التي تعرف كذلك باسم «التربية»، ويتحدّث فيها عن كيف ثقّف نفسه، وقرأت مقتطفات من الاعترافات، التي تدور في الأساس حول علاقاته العاطفية، إلا أنني لم أكتشف حقيقة روسو، إلا بعد قراءة «تأمّلات جوّال منفرد»، إذ اكتشفت حجم معاناته من عقدة البارانويا. لكن الأديب المصري الذي قرأته مبكّراً جداً وترك داخلي أثراً كبيراً، هو سلامة موسى، وقد كتب «تربية سلامة موسى»، وأسلوبي في «كل أحذيتي ضيقة» قريب الشبه به، وكذلك كتب موسى «التثقيف الذاتي» عن كيف ثقّف نفسه بنفسه، ومن الكتب التي أثرت في هذا السياق كتابان للعقاد، هما «أنا»، و«حياة قلم»، وكذلك «قصّة عقل» و«قصة نفس» لزكي نجيب محمود، وغيرها.
> طالما كان لباريس حضور واضح في أدب الرحلات والرواية العربية، حدثنا عن تجربة كتابتك لـ«تسكع على أرصفة باريس».
- ظللت طوال 15 عاماً أذهب إلى باريس كل صيف، لقضاء شهر أو شهرين أو 3 أشهر، في منزل أسرة زوجتي، وهو منزل من 3 طوابق وبحديقة كبيرة، كانت لنا فيه أنا وزوجتي حجرة دائمة. فكنت أغادر المنزل صباح كل يوم، وقد وضعت خطّة محكمة لاكتشاف باريس، مشياً على الأقدام، وباستعمال وسائل النقل العام، ثم زيارة القصور والقلاع والكنائس القديمة، التي تزخر بها باريس، وزيارة المتاحف، التي كانت غالباً متاحف للفنون الجميلة ولحضارات عريقة، اللوفر، ومركز بومبيدو، وقصر طوكيو، ومتحف أورسيه، والقصران الكبير والصغير، ومتحف كلوني، لقد زرت اللوفر مثلاً ليس أقل من 100 مرة، في كل مرة كنت أقرأ المكتوب عن فنان مثل رمبرانت أو مملينج وهما من المدرسة الهولندية في القرن السابع عشر. وقد وضعت في كرّاسة أسماء ومواقع 60 متحفاً داخل باريس الكبرى، ناهيكِ عن زيارة أصدقاء باريسيين كانوا غالباً من ضمن أفراد المجموعات السياحية، الذين كنت قد عملت معهم مرشداً سياحياً.
> في كتاباتك كثيراً ما تذوب الحدود بين الواقع والتخييل، هل تشغلك فكرة التصنيفات الأدبية؟
- لم تشغلني أبداً فكرة التصنيفات الأدبية، وقد استعمل إدوار الخرّاط عبارة «النوع العابر للأنواع»، كأن يكون في نفس العمل الأدبي قدر من الواقع الذي عاشه المؤلف، إلى جوار خيالات جامحة لا صلة لها بهذا الواقع، بالإضافة إلى معلومات توثيقية أو سيرة ذاتية، فأحد أعمالي الأخيرة «خيوط أقمشة الذات»، فصله الأول عن أفراد من أسرة والدتي كانوا مثاراً لاهتمامي، فخالها مثلاً كاد يكون من الضبّاط الأحرار، والفصل الثاني عن المدارس والمدرّسين الذين تركوا في حياتي آثاراً سلبية أو إيجابية، والفصل الثالث توثيق عن أهم الكتب التي قرأتها أثناء مراهقتي، والرابع عن أهم أفلام مراهقتي، والخامس عن الرحلة إلى إنجلترا سنة 1974. ومدينة «ستيفيندج» التي شهدت بداية وصولي إلى فكرة أن أكون حرّاً في اتخاذ القرارات في حياتي، وهي مدينة ريفية صغيرة، تقع على بعد 60 كيلومتراً إلى الشمال من لندن، أقمت فيها 4 أشهر في بيت شباب، وعملت هناك في مخبز آلي على بعد كيلومتر واحد من بيت الشباب. اليوم بعد نحو 50 عاماً لا أزال أتابع على «جوجل إيرث» الطريق اليومي الذي كنت أسلكه في الذهاب والإياب، بين بيت الشباب والمخبز الآلي. أما الفصل السادس فعن أحلامي التي جاءتني فعلاً في منامي.
> برأيك، ما أبرز إشكالات الترجمة في العالم العربي؟
- هناك فوضى في الترجمة، وبرأيي أهم هذه الإشكاليات عدم وجود خطّة واضحة، فقد أصدر «المركز القومي للترجمة» في مصر ما يقرب من 3 آلاف كتاب، دون خطّة واضحة، بل في الغالب تأتي الترجمات وفقاً لاقتراحات المترجمين. وبالنسبة لي، حصلت على دبلوم آثار مصرية سنة 1995. ودبلوم آثار إسلامية سنة 1997. وذهبت إلى المركز القومي لاقتراح ترجمة كتب في هذين العلمين، إلا أن اقتراحاتي لم تلقَ القبول. العمل الوحيد الذي ترجمته في هذا المجال هو «الفن المصري» لكريستيان زيجلر، التي كانت مديرة القسم المصري بمتحف اللوفر، وتم نشره في سلسلة «مصريات» بهيئة الكتاب، وكذلك كتاب عن «تأثير مصر القديمة على الديانة المسيحية»، وهو دراسة عن مؤلفات ثروت الأسيوطي، ونشرته دار «آفاق»، وكان بإمكاني ترجمة المزيد، كان يمكنني تقديم 10 عناوين، إلا أنني لم أجد أي تشجيع.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.