شعراء كأنهم مديرو علاقات عامة وآخرون زاهدون حتى الغياب

نوعان مختلفان تمام الاختلاف

محمود البريكان - عبد الوهاب البياتي - نزار قباني - حسب الشيخ جعفر
محمود البريكان - عبد الوهاب البياتي - نزار قباني - حسب الشيخ جعفر
TT

شعراء كأنهم مديرو علاقات عامة وآخرون زاهدون حتى الغياب

محمود البريكان - عبد الوهاب البياتي - نزار قباني - حسب الشيخ جعفر
محمود البريكان - عبد الوهاب البياتي - نزار قباني - حسب الشيخ جعفر

للشعراء طرقٌ كثيرةٌ للتعبير عن ذواتهم، والإعلان عن وجودهم، بصفتهم تجارب شعرية ثابتة على الأرض، ولكن على ما يبدو أن هناك اتجاهين أو خطين واضحين لمثل هذا الإعلان؛ هذان الخطان مختلفان تمام الاختلاف: الأول هو الخط الذي يتبنَّى الروح الدعائية، بحيث يتحول الشاعر إلى مدير علاقات عامة، يتواصل مع الجميع، ويعرف الجميع، وتجده حاضراً في أغلب الفعاليات، مشاركاً أو ضيفاً، وهذه كلها طاقات إضافية تضاف من خارج الشعر لتدعم المشروع الشعري، ولكنها في الوقت نفسه تسحب شاعرها للخوض في عالم العلاقات العامة الذي يخدم الشاعر -كما يظن. وأعتقد أن أكثر الشعراء العراقيين الذين يمكن أن نصفهم بهذه الخصيصة الشاعر عبد الوهاب البياتي، ومن العرب الشاعر نزار قباني، فحضورهما وعلاقاتهما تشيان بهذا الأمر بشكل واضح جلي.
وهذا الأمر لا يعني أنهما غير شاعرين، وأنهما من دون هذه العلاقات لا شيء لديهما، ولكن الظاهر عليهما أنهما انهمكا كثيراً بمسألة العلاقات العامة التي تخدم القصيدة. ومن هذين الشاعرين الكبيرين تناسل عدد من الشعراء توزعوا على أجيال مختلفة من الثقافة العربية، والعراقية على وجه التحديد، ليظهر لنا بين مدة وأخرى شعراء يشبهون البياتي وقبَّاني في طريقة إدارتهم لموهبتهم الشعرية. وهذا الأمر ليس خطأً أو حكماً معيارياً يسيء لهم، إنما توصيف لعدد من الشعراء في إدارة الموهبة الشعرية، وهي منطقة مختلفة تماماً عن موهبة الشعر، وكتابة القصيدة، ويقترب توصيف هؤلاء الشعراء من المصطلح الذي أطلقه فوزي كريم (شعراء الراية)، على الرغم من أن حديثه كان يتجه نحو الشعراء المؤدلجين، إلا أن المقاربة مع هذا المصطلح تتجه نحو فكرة الظهور وحب الوجود الدائم.
الاتجاه الآخر هم الشعراء الذين لا علاقة لهم بأي شيء مما ذكرناه أعلاه؛ لا ينشغلون بالعلاقات العامة، ولا يهمهم أن يكونوا شعراء معروفين، وليس لهم همٌّ سوى أن يكتبوا قصيدة، سواء وصلت للجمهور أم لم تصل، لم يحزنوا لأنهم لم يُدعوا لمهرجان، بل عدد كبير منهم يُدعى للمهرجان فيعتذر، تجدهم زاهدين بالأضواء واللقاءات، مكتفين بقلق الشعر وحزنه، ملتفين مع القصيدة فقط، على الرغم من أنهم مهمومون بتطوير النص الشعري، حاضرون على مستوى الفكر والوعي بمستويات القصيدة، وأين وصلت التجارب العالمية من ذلك، ولكنهم في الوقت نفسه يحملون صفة التقشف في اللغة، وفي العلاقات العامة، وفي الحضور، وفي كل شيء، لم يدخلوا بسجالات أو صراعات الأجيال التي تشبه صراعات الديكة، ولم يكونوا مهمومين بأن يكتبوا بيانات شعرية، ولم يحفلوا كثيراً بنشر نصوصهم.
أعتقد أن أشهر هؤلاء الشعراء الذين اعتزلوا الحياة الثقافية بشكل شبه نهائي محمود البريكان، ذلك الشاعر الذي يتحدث كثيرون عنه، وعن أهميته في الحداثة الشعرية العربية، بل وصل الحال أن يروي البريكان لمجموعة من أدباء البصرة في جلسة خاصة، كما يرويها الناقد د. سلمان الكاصد، حيث يقول إنهم سألوه عن دوره في حركة الشعر الحر، وأين محله ومحل السياب، فرد عليهم مشبهاً نفسه بالغوَّاص (غاص إلى أعماق البحر، واستخرج لؤلؤة وصعد بها، إلا أنه اختنق في البحر، فمدَّ يده التي تحمل اللؤلؤة، فاختطفها السياب). وهذا الكلام في غاية الخطورة والحساسية، تصوروا أن من يرى نفسه رائد الشعر الحديث في العالم العربي، ولكنه زاهد في نشر قصائده، ولم يبالِ إن ذكر اسمه أم لا، على الرغم من حرصه الشديد على نصوصه التي يُقال إنه كان يخبئها في مصرف في البصرة، بصفتها ودائع ثمينة. البريكان يقف في مقدمة الشعراء الذين زهدوا بكل شيء، بالحضور والنشر والأصدقاء والحوارات، واكتفى بمجموعة صغيرة جداً من أدباء البصرة، يراهم بين مدة وأخرى.
ومثل البريكان يأتي الشاعر حسب الشيخ جعفر الذي تجده غير مكترث بصراعات جيله، على الرغم من أنه أحد أهم الأسماء الشعرية فيه، ولكنه غير مبال على الإطلاق بما يدور حوله، حتى أنه لا يعرف كثيراً من الدراسات التي كُتبت عنه، ويصل الحال أن تُسمى إحدى دورات «المربد الشعري» باسمه، لكنه يعتذر عن الحضور مكتفياً بالصمت في بيته. كما أنه دُعي إلى سويسرا في إحدى المرات في مهرجان كبير، ولكنه اعتذر قبل المهرجان بأيام، وحين سئل عن عدم حضوره إلى سويسرا، قال «ما لي خلك»؛ أي إن مزاجه لا يسمح له بالسفر.
ربما يقول بعضهم إنَّ مثل هذه التصرفات تقع في خانة عدم المسؤولية واللامبالاة، وإنها ليست خصيصة تنفع الشاعر، ولكن الواقع أن حسب الشيخ جعفر ونموذجه أو نموذج البريكان كلما تكثف احتجابهم سُلِّط الضوءُ عليهم، وهذا ما سماه الدكتور «حيدر سعيد» بـ«شهوة الغياب»، في إحدى دراساته في ملف عن «البريكان» نشر في مجلة الأقلام بعد مقتله، بما معناه أنه مثلما للحضور والاندفاع نحو الظهور شهوة عارمة، فإن ذلك تقابله شهوة للغياب لا تقل أهمية عن الحضور، إلا أن «حسب الشيخ جعفر» غير مهتم أيضاً بحضوره أو غيابه، هو مهموم بالقصيدة وكتابتها، ولكنه مهتم بطباعة دواوينه. ففي زيارتنا الأخيرة له مع الدكتور «حسن ناظم»، وزير الثقافة، كان مهتماً بطباعة أعماله الشعرية، ويسأل عن تفصيلات دقيقة، ومن ثم تحدث عن أعماله النثرية، فأبدت الوزارة استعدادها لطباعة تلك الأعمال أيضاً.
إن هذه المسألة تنم عن حرص الشيخ جعفر على شعره، ووعيه بأهمية حضور ديوانه المطبوع بدلاً عنه، وهذا ما اختلف به عن البريكان الذي كان رافضاً لطباعة أي عملٍ من أعماله الشعرية.
بقيت ظلال البريكان وحسب الشيخ جعفر تمتدان على أسماء محددة من الأجيال التي تلتهما. فعلى الرغم من الانفتاح الكبير الذي نعيشه، واقتحام مواقع التواصل الاجتماعي حياتنا بشكل كبير، فإن هناك عدداً من الشعراء أصيبوا بعدوى الاحتجاب المؤقت أو الدائم، أو لأكن دقيقاً أصيبوا بعدوى الزهد بكثير من مظاهر الحياة الشعرية، فلم تكن تشغلهم كثيراً قضية المهرجانات ولا اللقاءات، ولم ينتموا للجروبات الشعرية التي تنتج شللاً متعاضدة بعضها مع بعض كأنها أقرب للأدلجة، هؤلاء أبناء الشعر المخلصون، وكم من الشعراء الرائعين أكلتهم الأيام واختفت أسماؤهم في طيات السنين، فيما هم يملكون من الإبداع ما لا يملكه شعراء الإعلان، إذا صحت التسمية. وأود هنا أن أمر -ولو سريعاً- على اسمين مهمين من شعرائنا: الأول من الشعراء الشباب، والثاني من جيلنا التسعيني.
علي عمار، شاعر شاب يسكن في ناحية الغراف في الناصرية، تعرفت عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وأظنه بسبب إشارة من الشاعر عماد جبار، حيث نوَّه بشاعريته، وحين قرأت له وجدته شاعراً مكتملاً عميق الرؤية محتشد الهموم، ولكنه يشبه أولئك الشعراء الزاهدين الذين لا يغريهم سفر، ولا تتملكهم الأضواء. وحين كنت أكتب هذه المقالة، فتحت «فيسبوك» فإذا بـعلي عمار ينشر نصاً جديداً في صفحته، يكرس فيه هذه الفكرة، فكرة الاختفاء والانعزال، ومن ثم التلاشي، حيث يقول:
حلمي
أنْ أغادر
ألا أواجه شمساً كشمس العراق
ألا يعود إلي برابطة أحدٌ
أنْ أصير غريباً
لأحظى بحريتي
ثم أركض وحدي
على شاطئ البحر
حتى تخور قواي
لأحتمل اللذة اللانهائية الصنع
وهي تسيل دماً ودموعاً
من الجسد الهشِّ
ثم أنام
إلى أبد الآبدين
واضحٌ ما لهذا النص من رغبة في الغياب بعيداً عن كل شيء، فيما يأخذ الشاعر حمدان طاهر منحى آخر في هذا التوجه، وهو الشاعر المنعزل عن صخب الأجيال وبياناتهم، وصراع الأشكال الشعرية وجنونها، لا يشغله من كل هذه الصراعات إلا كتابة نص عن الذين يشبهونه، ولا يهتم بذلك فيما بعد، أوصل النص لهم أم لم يصل. ولكن حمدان الزاهد بالضوء القانع كثيراً بما لديه تجده حريصاً أشد الحرص على نتاجه الشعري، وعلى طباعة دواوينه بتواصل دائب؛ هو يشبه حسب الشيخ جعفر إلى حد كبير، يهتم بروح الشعر، ويوثق تجربته الإبداعية، ولكنَّه لا يهتم كثيراً باللحظة التي يعيشها، ولا تغريه تفاصيل الشعراء وما وصلوا إليه، وحين أهداني مجموعته الأخيرة (تمسك بجناح فراشة)، الصادرة من منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، بدأت بقراءة نصوص هذه المجموعة، وإذا بهذه النصوص تعزز الفكرة التي كونتها عن حمدان في أن تجربته وسلوكه الشعري يرتبطان بخيط مع الشعراء الزاهدين كثيراً؛ انظروا ماذا يقول حمدان طاهر:
(أنا شاعر خجول| لا أعرف أن أقرأ في المهرجانات| ليس لي خبرة تذكر في مغازلة النساء| أعرف نساء كثيرات جداً| أعرف مثلاً أمي وزوجتي| أعرف المرأة الوحيدة| التي تجلس دائماً على عتبة الباب| أسألها كل يوم عن معنى جلوسها| بعد كل هذه السنين| لكنها تشير إلى المقبرة| أحب جميع الشعراء| ولا أستثني سوى من باع قلبه للشيطان| أحب من الشعر| ما قلت كلماته| وزاد في الروح أساه| ليس لي خبرة في الحديث| مع النقاد الذين يعملون| بعد الدوام الرسمي مثل شرطة آداب| لا أجيد الحديث عن نفسي| ولا أعرف الحفاظ على العلاقات| لدي يقينٌ بإنسانيتي| ولهذا يمكنكم حذف أول النص| وترك نهايته تمضي مثل نهر بين الحقول).
تعمدت أن أورد النص كاملاً، وهو نص أستطيع أن أقول عنه إنه اختصر سيرة وحياة وسلوك حمدان طاهر بكل شفافية وشعرية، هو فعلاً هذا حمدان بكل تفاصيله، الشاعر الذي يسير بوزن العربات الممتلئة بلا ضجيج ولا صخب، ولدينا أمثلة رائعة من هذا الاتجاه الشعري الذي يبني نفسه دون صخب ودون ضجيج، كالشاعر علي محمود خضير، وميثم الحربي، ومؤيد الخفاجي، وشعراء آخرين لهم حضور شعري في العراق، ولكنهم غائبون عن مقاهي المثقفين ونقاشاتهم.
ما أوردته من هذين الاتجاهين في سلوك الشعراء لا يعني تقييماً لشاعريتهم من عدمها، بل وددت أن أسلط بعض الضوء على الطريقين المختلفين للشعراء الذين يسكنون بيتاً واحداً، ولهم أبٌ واحد، هو الشعر، ولكن الأبناء يختلفون فيما بينهم، بين الملاصق لأبيه والدائر في الساحات والشوارع، لستُ مع أحد منهما، إنما لكل منهما اتجاه يسير فيه، ويظنه مفتاحه للشعر.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.