شعراء كأنهم مديرو علاقات عامة وآخرون زاهدون حتى الغياب

نوعان مختلفان تمام الاختلاف

محمود البريكان - عبد الوهاب البياتي - نزار قباني - حسب الشيخ جعفر
محمود البريكان - عبد الوهاب البياتي - نزار قباني - حسب الشيخ جعفر
TT

شعراء كأنهم مديرو علاقات عامة وآخرون زاهدون حتى الغياب

محمود البريكان - عبد الوهاب البياتي - نزار قباني - حسب الشيخ جعفر
محمود البريكان - عبد الوهاب البياتي - نزار قباني - حسب الشيخ جعفر

للشعراء طرقٌ كثيرةٌ للتعبير عن ذواتهم، والإعلان عن وجودهم، بصفتهم تجارب شعرية ثابتة على الأرض، ولكن على ما يبدو أن هناك اتجاهين أو خطين واضحين لمثل هذا الإعلان؛ هذان الخطان مختلفان تمام الاختلاف: الأول هو الخط الذي يتبنَّى الروح الدعائية، بحيث يتحول الشاعر إلى مدير علاقات عامة، يتواصل مع الجميع، ويعرف الجميع، وتجده حاضراً في أغلب الفعاليات، مشاركاً أو ضيفاً، وهذه كلها طاقات إضافية تضاف من خارج الشعر لتدعم المشروع الشعري، ولكنها في الوقت نفسه تسحب شاعرها للخوض في عالم العلاقات العامة الذي يخدم الشاعر -كما يظن. وأعتقد أن أكثر الشعراء العراقيين الذين يمكن أن نصفهم بهذه الخصيصة الشاعر عبد الوهاب البياتي، ومن العرب الشاعر نزار قباني، فحضورهما وعلاقاتهما تشيان بهذا الأمر بشكل واضح جلي.
وهذا الأمر لا يعني أنهما غير شاعرين، وأنهما من دون هذه العلاقات لا شيء لديهما، ولكن الظاهر عليهما أنهما انهمكا كثيراً بمسألة العلاقات العامة التي تخدم القصيدة. ومن هذين الشاعرين الكبيرين تناسل عدد من الشعراء توزعوا على أجيال مختلفة من الثقافة العربية، والعراقية على وجه التحديد، ليظهر لنا بين مدة وأخرى شعراء يشبهون البياتي وقبَّاني في طريقة إدارتهم لموهبتهم الشعرية. وهذا الأمر ليس خطأً أو حكماً معيارياً يسيء لهم، إنما توصيف لعدد من الشعراء في إدارة الموهبة الشعرية، وهي منطقة مختلفة تماماً عن موهبة الشعر، وكتابة القصيدة، ويقترب توصيف هؤلاء الشعراء من المصطلح الذي أطلقه فوزي كريم (شعراء الراية)، على الرغم من أن حديثه كان يتجه نحو الشعراء المؤدلجين، إلا أن المقاربة مع هذا المصطلح تتجه نحو فكرة الظهور وحب الوجود الدائم.
الاتجاه الآخر هم الشعراء الذين لا علاقة لهم بأي شيء مما ذكرناه أعلاه؛ لا ينشغلون بالعلاقات العامة، ولا يهمهم أن يكونوا شعراء معروفين، وليس لهم همٌّ سوى أن يكتبوا قصيدة، سواء وصلت للجمهور أم لم تصل، لم يحزنوا لأنهم لم يُدعوا لمهرجان، بل عدد كبير منهم يُدعى للمهرجان فيعتذر، تجدهم زاهدين بالأضواء واللقاءات، مكتفين بقلق الشعر وحزنه، ملتفين مع القصيدة فقط، على الرغم من أنهم مهمومون بتطوير النص الشعري، حاضرون على مستوى الفكر والوعي بمستويات القصيدة، وأين وصلت التجارب العالمية من ذلك، ولكنهم في الوقت نفسه يحملون صفة التقشف في اللغة، وفي العلاقات العامة، وفي الحضور، وفي كل شيء، لم يدخلوا بسجالات أو صراعات الأجيال التي تشبه صراعات الديكة، ولم يكونوا مهمومين بأن يكتبوا بيانات شعرية، ولم يحفلوا كثيراً بنشر نصوصهم.
أعتقد أن أشهر هؤلاء الشعراء الذين اعتزلوا الحياة الثقافية بشكل شبه نهائي محمود البريكان، ذلك الشاعر الذي يتحدث كثيرون عنه، وعن أهميته في الحداثة الشعرية العربية، بل وصل الحال أن يروي البريكان لمجموعة من أدباء البصرة في جلسة خاصة، كما يرويها الناقد د. سلمان الكاصد، حيث يقول إنهم سألوه عن دوره في حركة الشعر الحر، وأين محله ومحل السياب، فرد عليهم مشبهاً نفسه بالغوَّاص (غاص إلى أعماق البحر، واستخرج لؤلؤة وصعد بها، إلا أنه اختنق في البحر، فمدَّ يده التي تحمل اللؤلؤة، فاختطفها السياب). وهذا الكلام في غاية الخطورة والحساسية، تصوروا أن من يرى نفسه رائد الشعر الحديث في العالم العربي، ولكنه زاهد في نشر قصائده، ولم يبالِ إن ذكر اسمه أم لا، على الرغم من حرصه الشديد على نصوصه التي يُقال إنه كان يخبئها في مصرف في البصرة، بصفتها ودائع ثمينة. البريكان يقف في مقدمة الشعراء الذين زهدوا بكل شيء، بالحضور والنشر والأصدقاء والحوارات، واكتفى بمجموعة صغيرة جداً من أدباء البصرة، يراهم بين مدة وأخرى.
ومثل البريكان يأتي الشاعر حسب الشيخ جعفر الذي تجده غير مكترث بصراعات جيله، على الرغم من أنه أحد أهم الأسماء الشعرية فيه، ولكنه غير مبال على الإطلاق بما يدور حوله، حتى أنه لا يعرف كثيراً من الدراسات التي كُتبت عنه، ويصل الحال أن تُسمى إحدى دورات «المربد الشعري» باسمه، لكنه يعتذر عن الحضور مكتفياً بالصمت في بيته. كما أنه دُعي إلى سويسرا في إحدى المرات في مهرجان كبير، ولكنه اعتذر قبل المهرجان بأيام، وحين سئل عن عدم حضوره إلى سويسرا، قال «ما لي خلك»؛ أي إن مزاجه لا يسمح له بالسفر.
ربما يقول بعضهم إنَّ مثل هذه التصرفات تقع في خانة عدم المسؤولية واللامبالاة، وإنها ليست خصيصة تنفع الشاعر، ولكن الواقع أن حسب الشيخ جعفر ونموذجه أو نموذج البريكان كلما تكثف احتجابهم سُلِّط الضوءُ عليهم، وهذا ما سماه الدكتور «حيدر سعيد» بـ«شهوة الغياب»، في إحدى دراساته في ملف عن «البريكان» نشر في مجلة الأقلام بعد مقتله، بما معناه أنه مثلما للحضور والاندفاع نحو الظهور شهوة عارمة، فإن ذلك تقابله شهوة للغياب لا تقل أهمية عن الحضور، إلا أن «حسب الشيخ جعفر» غير مهتم أيضاً بحضوره أو غيابه، هو مهموم بالقصيدة وكتابتها، ولكنه مهتم بطباعة دواوينه. ففي زيارتنا الأخيرة له مع الدكتور «حسن ناظم»، وزير الثقافة، كان مهتماً بطباعة أعماله الشعرية، ويسأل عن تفصيلات دقيقة، ومن ثم تحدث عن أعماله النثرية، فأبدت الوزارة استعدادها لطباعة تلك الأعمال أيضاً.
إن هذه المسألة تنم عن حرص الشيخ جعفر على شعره، ووعيه بأهمية حضور ديوانه المطبوع بدلاً عنه، وهذا ما اختلف به عن البريكان الذي كان رافضاً لطباعة أي عملٍ من أعماله الشعرية.
بقيت ظلال البريكان وحسب الشيخ جعفر تمتدان على أسماء محددة من الأجيال التي تلتهما. فعلى الرغم من الانفتاح الكبير الذي نعيشه، واقتحام مواقع التواصل الاجتماعي حياتنا بشكل كبير، فإن هناك عدداً من الشعراء أصيبوا بعدوى الاحتجاب المؤقت أو الدائم، أو لأكن دقيقاً أصيبوا بعدوى الزهد بكثير من مظاهر الحياة الشعرية، فلم تكن تشغلهم كثيراً قضية المهرجانات ولا اللقاءات، ولم ينتموا للجروبات الشعرية التي تنتج شللاً متعاضدة بعضها مع بعض كأنها أقرب للأدلجة، هؤلاء أبناء الشعر المخلصون، وكم من الشعراء الرائعين أكلتهم الأيام واختفت أسماؤهم في طيات السنين، فيما هم يملكون من الإبداع ما لا يملكه شعراء الإعلان، إذا صحت التسمية. وأود هنا أن أمر -ولو سريعاً- على اسمين مهمين من شعرائنا: الأول من الشعراء الشباب، والثاني من جيلنا التسعيني.
علي عمار، شاعر شاب يسكن في ناحية الغراف في الناصرية، تعرفت عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وأظنه بسبب إشارة من الشاعر عماد جبار، حيث نوَّه بشاعريته، وحين قرأت له وجدته شاعراً مكتملاً عميق الرؤية محتشد الهموم، ولكنه يشبه أولئك الشعراء الزاهدين الذين لا يغريهم سفر، ولا تتملكهم الأضواء. وحين كنت أكتب هذه المقالة، فتحت «فيسبوك» فإذا بـعلي عمار ينشر نصاً جديداً في صفحته، يكرس فيه هذه الفكرة، فكرة الاختفاء والانعزال، ومن ثم التلاشي، حيث يقول:
حلمي
أنْ أغادر
ألا أواجه شمساً كشمس العراق
ألا يعود إلي برابطة أحدٌ
أنْ أصير غريباً
لأحظى بحريتي
ثم أركض وحدي
على شاطئ البحر
حتى تخور قواي
لأحتمل اللذة اللانهائية الصنع
وهي تسيل دماً ودموعاً
من الجسد الهشِّ
ثم أنام
إلى أبد الآبدين
واضحٌ ما لهذا النص من رغبة في الغياب بعيداً عن كل شيء، فيما يأخذ الشاعر حمدان طاهر منحى آخر في هذا التوجه، وهو الشاعر المنعزل عن صخب الأجيال وبياناتهم، وصراع الأشكال الشعرية وجنونها، لا يشغله من كل هذه الصراعات إلا كتابة نص عن الذين يشبهونه، ولا يهتم بذلك فيما بعد، أوصل النص لهم أم لم يصل. ولكن حمدان الزاهد بالضوء القانع كثيراً بما لديه تجده حريصاً أشد الحرص على نتاجه الشعري، وعلى طباعة دواوينه بتواصل دائب؛ هو يشبه حسب الشيخ جعفر إلى حد كبير، يهتم بروح الشعر، ويوثق تجربته الإبداعية، ولكنَّه لا يهتم كثيراً باللحظة التي يعيشها، ولا تغريه تفاصيل الشعراء وما وصلوا إليه، وحين أهداني مجموعته الأخيرة (تمسك بجناح فراشة)، الصادرة من منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، بدأت بقراءة نصوص هذه المجموعة، وإذا بهذه النصوص تعزز الفكرة التي كونتها عن حمدان في أن تجربته وسلوكه الشعري يرتبطان بخيط مع الشعراء الزاهدين كثيراً؛ انظروا ماذا يقول حمدان طاهر:
(أنا شاعر خجول| لا أعرف أن أقرأ في المهرجانات| ليس لي خبرة تذكر في مغازلة النساء| أعرف نساء كثيرات جداً| أعرف مثلاً أمي وزوجتي| أعرف المرأة الوحيدة| التي تجلس دائماً على عتبة الباب| أسألها كل يوم عن معنى جلوسها| بعد كل هذه السنين| لكنها تشير إلى المقبرة| أحب جميع الشعراء| ولا أستثني سوى من باع قلبه للشيطان| أحب من الشعر| ما قلت كلماته| وزاد في الروح أساه| ليس لي خبرة في الحديث| مع النقاد الذين يعملون| بعد الدوام الرسمي مثل شرطة آداب| لا أجيد الحديث عن نفسي| ولا أعرف الحفاظ على العلاقات| لدي يقينٌ بإنسانيتي| ولهذا يمكنكم حذف أول النص| وترك نهايته تمضي مثل نهر بين الحقول).
تعمدت أن أورد النص كاملاً، وهو نص أستطيع أن أقول عنه إنه اختصر سيرة وحياة وسلوك حمدان طاهر بكل شفافية وشعرية، هو فعلاً هذا حمدان بكل تفاصيله، الشاعر الذي يسير بوزن العربات الممتلئة بلا ضجيج ولا صخب، ولدينا أمثلة رائعة من هذا الاتجاه الشعري الذي يبني نفسه دون صخب ودون ضجيج، كالشاعر علي محمود خضير، وميثم الحربي، ومؤيد الخفاجي، وشعراء آخرين لهم حضور شعري في العراق، ولكنهم غائبون عن مقاهي المثقفين ونقاشاتهم.
ما أوردته من هذين الاتجاهين في سلوك الشعراء لا يعني تقييماً لشاعريتهم من عدمها، بل وددت أن أسلط بعض الضوء على الطريقين المختلفين للشعراء الذين يسكنون بيتاً واحداً، ولهم أبٌ واحد، هو الشعر، ولكن الأبناء يختلفون فيما بينهم، بين الملاصق لأبيه والدائر في الساحات والشوارع، لستُ مع أحد منهما، إنما لكل منهما اتجاه يسير فيه، ويظنه مفتاحه للشعر.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.