الحكي من وراء قناع أم كلثوم

محمد بركة يروي قصتها المحجوبة في «حانة السِّت»

الحكي من وراء قناع أم كلثوم
TT

الحكي من وراء قناع أم كلثوم

الحكي من وراء قناع أم كلثوم

تبدو فكرة التقمص مفتاحاً مهماً في رواية «حانة الست»، الصادرة حديثاً عن دار المثقف بالقاهرة للكاتب محمد بركة، فالراوي يتقمص سيرة حياة أم كلثوم ويجعلها تروي قصتها المحجوبة في إطار علاقة شبه تفاعلية معها، كما يشي عنوان الرواية، محتفظاً بمسافة مرنة بينه وبين الشخصية، توفر له متابعة الوقائع والأحداث، وما تتكشف عنه من أسرار ومفاجآت، في حياة امرأة تربعت على عرش الغناء العربي وصارت عنواناً له ورمزاً لخلوده.
يراوح الراوي (الكاتب) في الحكي من وراء قناع أم كلثوم، ما بين دور المراقب المحايد الذي يوفر فضاءً آمناً للبطلة للتعبير عن بوحها واعترافاتها ولو في شكل أسئلة، بعضها يظل عصياً عن الإجابة، ثم الراوي العليم الذي لملم قصاصات هذه السيرة من التاريخ والمتون والهوامش، وما جاء على ألسنة عشاقها ومعجبيها، وما كتب وصوِّرَ عنها، ويقر منوهاً في ختام الرواية بأن «الوقائع التي وردت فيها حول حياة السيدة أم كلثوم صاغها خيال المؤلف استناداً إلى وقائع مغيّبة ومنسية».
على ضوء ذلك يمنح المؤلف خياله حرية الشطح فيبدو وكأنه صوت البطلة، ينبش في مساحة وعيها ولا وعيها، ليظل هذا الصوت مستيقظاً يحكي، ويسمعه القارئ بلهفة، بينما يتراوح أفق التخييل للوقائع والأحداث ما بين الخفّة والثقل، فثمة وقائع مكتملة بذاتها، وثمة أخرى تـحتاج إلى هذا النبش، وما بين هذه وتلك ثمة مسحة من التزيد، تصل أحياناً إلى حد افتعال المفارقة والسخرية الخشنة لملء الفراغات والشقوق. من هذه المفارقات الخشنة لقطة عابرة (ص39) تصور انتقام البطلة من غريمتها التي تعودت مضايقتها في الكُتّاب، تذهب مبكراً لتكسِّر لوحها الإردواز، لكنها تفاجأ برجل مفتول الشارب (مفتش من وزارة المعارف) يغريها بقطعة من الشوكولاته وهو يسألها عن اسمها، ويثني على حرصها على التعليم والذهاب مبكراً.
يدعم هذا النبش فضاءُ حكي مفتوح، منفلت من قبضة التراتب الزمني كما يحدث في كتابة السيرة الذاتية. وهو ما يطالعنا في العتبة التمهيدية للرواية على لسان البطلة الراوية فيما يشبه شرطاً قاطعاً للحياة والوجود داخل الرواية وخارجها قائلة: «لا تعرف الأشباح الانفعال، لكن هذا الرجل الذي يحمل الغلاف توقيعه كمؤلف فعلها، جعلني بهدوئه القاتل أنفعل حقاً، كنت أنا الشبح الهائم في سديم العالم الآخر أكثر حرارة وحيوية منه، أتعب قلبي، لكن للأسف هو فقط من يصلح لهذه المهمة. استعدت هدوئي وقلت: ستتحرك عبر الزمن صعوداً وهبوطاً حسب ما أمليه عليك، دون أدنى التزام بترتيب الأحداث».
تظل كاف التشبيه التي تنعت بها أم كلثوم المؤلف (كمؤلف) نقطة فارقة في الرواية، مشكلة خيطاً شفيفاً بين الوهم بالحقيقة والحقيقة نفسها، حتى يبدوا في لحظات كثيرة وكأنهما قناع لزمن آخر، زمن وطن تنكشف صورته وملامحه على شتى المستويات الإنسانية في ظلال وطوايا تلك الوقائع، وفي مفاضل تاريخية فارقة. حيث تعاصر صاحبة القصة المحجوبة وطنها في لحظات صعوده وتحرره من أقصى الملكية إلى أقصى الثورة، ثم في لحظات هزيمته وانكساره.
لا تنشغل الرواية عبر 290 صفحة، بما يمكن تسميته بـ«ذاتية أم كلثوم»، وهو الوجه الآخر المتخفي داخل تجاويف القناع، حيث نستشرف صورة امرأة مغلوبة على أمرها، لا تملك، على حد قولها «أنوثة هند رستم ولا دلع شادية»، وبرأيي يشكل هذا المنحى مدخلاً مهماً لم تنبش فيه الرواية بشكل عميق، لفهم العلامات والدلالات والرموز الكامنة تحت قشرة الوعي واللاشعور، ويمكن أن نتلمس ملامحه واقعياً في حياتها العاطفية، فرغم ما حققته من مجد وشهرة، ارتضتْ بـ«فتافيت» الغرام والحب، وأن تكون الرقم الثاني في معادلة الحياة الزوجية، بينما هي الرقم الأول في معادلة الحياة الفنية. كل من أحبتهم ووقعت في غرامهم، وحامت الشبهات حولهم بالزواج منها، بداية من أستاذها وحبيبها الملحن أبو العلا محمد، والملحن محمود الشريف حتى الطبيب الشهير أحمد الحفناوي، الوحيد الذي أغلقت عليه دفتر حياتها العاطفية وكان يكبرها بـ17عاماً. كلهم كانوا متزوجين ولديهم أبناء وأسر مستقرة... لقد وعت أم كلثوم وبحساسية من هذه الذاتية أن المجد ليس ستراً للبدن كالزواج، إنما هو موهبة تتطلب مغامرة ومقدرة فائقة على الكدح والنضال من أجل تنميتها، وهو ما حققته بجدارة وامتياز، وجسدته الرواية.
لكن في هذه العباءة لا جديد محجوباً وفارقاً في سيرة البطلة: كفاحها وصعودها من القاع إلى القمة، مكائدها وحروبها الصغيرة مع أقرانها والتي وصل بعضها إلى المحاكم (زكريا أحمد على سبيل المثال)، أغلبها مرمي على قارعة الطريق، ومتناثر في أضابير الميديا والإنترنت.
الجديد برأيي هو تعامل الرواية مع فضاء الطفولة مسرح السرد الأساسي، حيث يتوغل السرد بسلاسة لغوية وأسلوبية، تمتزج في روائحها عادات وتقاليد القرية المصرية القحة في ذلك الزمن الغابر، ويكتسب فعل الحكي بكل تقاطعاته مع الألم والحزن واللعب حيوية المعايشة لصورة يعلق بها غبار الذاكرة والتاريخ.
مناخات طفولة تعيسة وشقية عاشتها أم كلثوم بقريتها «طماي الزهايرة» بمحافظة الدقهلية (شمال القاهرة)، وفي كنف أسرة فقيرة تعاني من شظف العيش: أب يعمل إماماً ومؤذناً لمسجد بالقرية، ومنشداً للتواشيح والأذكار الدينية في الموالد والأفراح، ولا يستطيع أن يسد رمق أسرته، وأم رءوم تحبو على أسرتها، وتصر على تعليم ابنتها أم كلثوم القراءة والكتابة وحفظ القرآن. يكتشف الأب بالصدفة جمال صوتها فيضمها لبطانته، بجوار شقيقها الأكبر خالد، لكن تحت قناع زي صبي بعقال بدوي، مراعاة للتقاليد الاجتماعية والدينية، ورويداً رويداً يتحسن دخل الأسرة. لكن الرواية تغفل في سياق هذه الطفولة وجود «سيدة» الأخت الكبرى لأم كلثوم، فلم نسمع لها صوتاً في فضاء ذلك المسرح الشجي، والذي لا يخلو من ألاعيب الصبا الغضة المرحة. تحضر سيدة في القاهرة وبعدما تـخطو أم كلثوم خطواتها الشابة المطمئنة فوق سلم الشهرة. تقول لأحمد رامي وهو يراها لأول مرة ويتلبس علية الأمر: «صحيح أنا التي ربيت أم كلثوم على يدي وأعتبرها مثل ابنتي، لكني في النهاية أختها الكبرى، خدامتك سيدة» (ص 166).
على مدار الرواية لا تلعب أم كلثوم دور الراوية لحياتها فقط، وإنما تتحول إلى قناع لها، عبر مؤلف تحول بدوره للعبة لا تخلو من ذكاء أدبي، وأصبح شاهد عيان على تحولات الشخصية عبر مجموعة من المرايا، تنداح ما بين ماضي البطلة، وحاضرها الغائب، ولحظة الكتابة عنها. وخلال ذلك يتكسر بعضها ويتهشم ويتحول إلى شظايا، خاصة في المسافة بين الشخصية وقناعها، التي ترفض أن تتوحد به وتذوب فيه، وتعيشه، ليس كغاية، إنما كوسيلة تساعد على توسيع زوايا الرؤية، وكشف المهمش المسكوت عنه والمنسي داخل شقوق زمن مضطرب وقاس، وحياة تقلبت ما بين أقصى درجات الجوع والفقر والحرمان، وأقصى درجات الرغد والشبع والشهرة.
لا تنجو الرواية من لطشات بها قدر من المبالغة في التخييل، بعضها مقبول يمكن هضمه في سياق السرد، مثل وصف أحمد رامي بـ«شاعري الخصوصي»، ومحمد عبد الوهاب «العبقري الأصلع»، وعبد الحليم حافظ «ابن السهوكة»، وأسمهان «القطة السورية» ، لكن يبدو شاذاً وغير مقبول وصف سيد درويش «فنان الشعب»، الذي رحل عن 31 عاماً بأنه «لم يخلص لشيء في حياته قدر إخلاصه للكوكايين والويسكي والفشل» (ص 135). سيد درويش حفظت أم كلثوم الكثير من ألحانه وغنتها في حفلات خاصة، تذكر الرواية ذلك، بل تكشف أن أول لقاء غنت فيه مع محمد عبد الوهاب كان بمنزل أبو بكر خيرت: «غنيت أنا والنجم الصاعد مونولوجاً من أوبريت العشرة الطيبة التي لحنها سيد درويش» (ص 243)
لم تكن أم كلثوم شتامة، بل كانت تعي أن الوفاء من شرف الخصومة. تذكر الرواية أنه بعد موت زكريا أحمد الذي جرجرها في المحاكم في واقعة شهيرة، اختيرت عضواً في لجنة جوائز الدولة التقديرية في الفنون، وأعطت صوتها له وأصرت على يأخذ الجائزة، رغم أن اللائحة تقصرها على الأحياء، فأعطيت له، وتم بعد ذلك تعديل اللائحة.
تبقى من الأشياء الفنية اللافتة في الرواية تنوع الإيقاع، وكأنه صدى لتنوع حركة السرد صعوداً وهبوطاً، ينعكس ذلك على اللغة فتفيض بروح شاعرية شديدة الدراما في مشهد الختام... تقول أم كلثوم وهي طريحة الصراع مع مرض الفشل الكلوي وكأنها تسترجع شريط حياتها في لحظة فاصلة: «صانعة الأضواء تتأذى من الأضواء لمرض مفاجئ. تلك هي المفارقة التي ربيتها في الركن غير المشمس من شرفتي. تحولت النبتة إلى يرقة، ثم حطت على كتفي على هيئة فراشة رقيقة تدعى (جريفز) أو مرض النشاط المفرط».
نجح محمد بركة في أن يجعل خيوط السرد في الرواية سلسة ومشوقة، تلتقي وتفترق، بل تتعقد أحياناً، بحسب تفاصيل الحكاية واقعياً وما تخلفه وراءها من فجوات تشبه الأسرار، وهو ما يجعل فعل التقمص مرناً، يوازن بين طاقة الانفعال والإسقاط النفسي على عوالم الشخصية الروائية وبين وظيفتي التعبير والتفسير، التي من خلالها يتبادل الكاتب قناعي الراوي العليم والمراقب، وكأنهما قناع واحد لأم كلثوم.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.