انطلاق الملتقى الدولي السادس للرواية العربية اليوم

تأثير الفضاء الافتراضي على التقنيات السردية في العالم العربي

شعار المؤتمر
شعار المؤتمر
TT

انطلاق الملتقى الدولي السادس للرواية العربية اليوم

شعار المؤتمر
شعار المؤتمر

تنطلق اليوم فعاليات الملتقى الدولي السادس للرواية العربية بالقاهرة (من 15 إلى 18 مارس/ آذار الحالي)، المنعقد تحت عنوان «تحولات وجماليات الشكل الروائي»، بمشاركة 250 روائيًا وناقدًا من 20 دولة عربية وأجنبية. وتزامنا معه نستعرض هنا أوراقا بحثية تناقش محورين هامين من محاوره، وهما: «الرواية ووسائط التواصل الحديثة»، و«تطور التقنيات الروائية»، في محاولة لرصد أهم التحولات التي طرأت على فن الرواية في عصر الفضاء الافتراضي، باعتبارها من أهم الظواهر الأدبية الراهنة.
ففي ورقة بحثية بعنوان «الغرائبية في الرواية المعاصرة ما بين الحداثة المضللة والتمرد»، يقول الروائي أسامة حبشي: «في عصر الحداثة الزائفة (الإنترنت)، وصلت الرواية إلى منعطفها ورصيفها الأخير، حيث الخلق الغرائبي للبنية والشخوص والمكان عبر سرد غير مألوف. نعم بدأت تلك العجائبية منذ شهرزاد، ومرورا بأميركا اللاتينية على يد خوان رولفو في رائعته (بيدرو بارامو) ثم أوروبا عبر كالفينو وغيره، ولكنها كانت مجرد ومضات هنا وهناك، ولكن الرواية لم تجد مفرا من الانغماس في تلك الغرائبية والعجائبية».
بينما يرى أشرف الخريبي في ورقته المعنونة «الرواية ووسائل التواصل الحديثة»، أن «الإنترنت فتحت طوفان الكتابة المرسلة، وأن مواقع التواصل الاجتماعي فتحت الباب لأجناس أدبية غير حقيقية، وأصبحت الكتابة تتم في أجواء تفاعلية دون اعتبارات للجنس الأدبي»، لافتا إلى أن «الرواية الرقمية أصبحت آخر المستجدات، وأن ظهور المواقع المختصة بالكتابة الأدبية والفنية يعتبر بمثابة ورش أدبية تدرب الكتاب على أشكال الكتابة المختلفة، وأن (فيسبوك) ساهم في التعريف ببعض الكتاب وتسهيل النشر لهم فيما بعد»، معتبرا أن «الروايات الرقمية المسلسلة أصبح لها جمهورها ونقادها وتحظى بقدر كبير من التواصل والتفاعل».
وتوضح الناقدة المصرية أماني فؤاد في نقاشها حول «تراكب مستويات التقنية في الرواية المعاصرة»، أن «الفن مناوشة إيجابية وخلاقة مع ما يخلخل الواقع ويعريه ويجعلنا نراه على نحو آخر»، لكنها تؤكد أنه «لا سبيل للخروج الجذري الذي يهد أصول النوع الأدبي، لكن التجديد لا يخرج عن منظومة السرد الروائي ويقتصر على استخدام تنوعيات وأساليب ورؤى جديدة مثل تقنية (تعدد الأصوات) وقد تتداخل مع البولوفينية تنوعيات أخرى تمثلت في: طرق دفع الأصوات ذاتها وتشكيلها من ناحية، وفي تقاطع تقنيات سردية أخرى مع هذا التعدد». وترى أن «شروخات الواقع وتصدعاته أجبرت الروائي على ابتكار تقنيات أكثر تعقيدا كما هي الحياة، أو ربما لجعل النص يضيف شيئا جديدا خارج المتوقع».
ويطرح الروائي المغربي بهاء الطود مجموعة من الأفكار التي ترافقه أثناء فعل الكتابة، قائلا: «اليوم، ليس هناك رواية خالصة، ولم تعد الرواية ذلك الكون الأدبي المنغلق على نفسه، الرواية المعاصرة تكتب بالحواس ونتلقاها بالحواس، وبالإمكان تشغيل العين والسمع والذوق وأنت تتابع الوقائع وتلتقطها من حولك»، وهو يؤمن بأن «الواقع هو أكبر فانتازيا. حياة الناس مليئة بالخوارق والأساطير الشخصية التي تجعلنا نفتح العين في بلاهة أمامها، وأن ما تمليه علينا الابتكارات التكنولوجية الرهيبة المتلاحقة من إمكانات افتراضية خارقة جعلت الحياة تبدو كما لو أنها ضرب من السحر والشعوذة. من هذا استمد المعنى الغرائبي، وليس من الخرافات المجنحة».
لم تعد الرواية ذلك الفن البسيط الذي يكتب للتسلية، هكذا يرى الناقد المصري د. حامد أبو أحمد، أن «الرواية أصبحت فنا قويا معقدا يستحق أن يخصص له القارئ جزءا من وقته الثمين، فالتطور الذي حدث في التقنيات الروائية على مستوى العالم جعل منها فنا يحتاج لامتلاك ثقافة عميقة حتى يمكن استيعابها».
ومن التقنيات الجديدة، كما يرى، الاهتمام بما وراء التفاصيل الصغيرة في حياة أبطال الرواية، كما في رواية «كل الأسماء» لخوسيه ساراماجو. وأيضا «الحتمية» في تناول الشخصيات فمصائرها لا تخضع للمصادفة في عرف الكتاب الجدد، وهو ما سماه «المخيلة الإبداعية الحرة للكاتب التي توجهه نحو كتابة إبداع لا يخضع للمقاييس القديمة للفن». وهناك تقنية «الشبيه» التي تجعل من شخصيتين أو أكثر شخصية واحدة، وهو توجه نجده عن بورخيس في قصصه القصيرة، وكورتاثار في «الحجلة»، وأورهان باموق في «القلعة البيضاء» وغيرهم من الكتاب المحدثين. وهناك من يلجأ لتقنية «الكتابة بوصفها لعبة» وأبرزهم كورتاثار في مجموعته القصصية «قصص عن الكرونوبيوس والشهرة»، وأخيرا، يتوقف عند تقنية «أدب الاستثناء»، وهو البحث عن الأشياء التي يغفل عنها الناس والتوجه نحو أشياء لا يشعر بأهميتها الناس.
وعن «الرواية في وسائل التواصل.. (تويتر) نموذجا» يرى الروائي الإريتري حجي جابر أن «هناك ثورة سردية جديدة تفرض شروطها الخاصة ولا نعلم إلى أي مدى قد تتغير الصنعة الروائية لتوافق حالة الوسيط. فقد انتقلت سطوة وسائل الإعلام الاجتماعي إلى الأدب، والإبداع الروائي تحديدا، وحضور (فيسبوك) و(تويتر) أصبح مألوفا، بل أصبحت أعمالا كاملة تغرف من هذه العوالم الافتراضية، كما حدث مع تحويل مدونات إلى روايات شعبية ناجحة في مصر».
ويشير جابر إلى أن التجربة الغربية في هذا الصدد مختلفة كليا، وتمتاز بتعدد نماذجها كما اتسمت بالفرادة والإبداع في خلق نوع من التوأمة بين وسائل الإعلام الاجتماعي وبين العمل الروائي، كأن الأمر على قدر كبير من اليسر والبساطة. «من الصعب أن نجزم حاليا بنتيجة الصراع بين الرواية الورقية والإلكترونية»، هكذا يؤكد الكاتب المصري سعيد سالم، في ورقته «الرواية ووسائط التواصل الحديثة»، مشيرا إلى أن الرواية استفادت كثيرا من النشر الإلكتروني عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك لسهولة إنتاجها وتوزيعها في العالم خلال ثوان، فضلا عن إمكانية الحذف أو التعديل الفوري دول حاجة إلى وسطاء أو موزعين.
ويبرز سالم «أهم ميزات النشر الإلكتروني للرواية هو تفاعل القراء مع العمل والتواصل المباشر بينهم وبين الكاتب عبر البريد الإلكتروني أو الموقع بما يتيح له متابعة ردود الأفعال، وأيضا أنها تقضي على الارتفاع الجنوني لأسعار الروايات المطبوعة»، بينما يكمن العيب الخطير في النشر الإلكتروني وهو صعوبة الحفاظ على الملكية الفردية للنص المنشور.
ويطرق الكاتب الإيطالي مارتينو بيلتيري، بعدا جديدا في تأثر الفضاء الافتراضي على الرواية العربية؛ في ورقة بعنوان «الرواية العربية والتكنولوجيا: هل ساهمت وسائط الإعلام الجديد في انتشار الأدب العربي في الأسواق الغربية؟»، إذ يرى أن «النشر الإلكتروني يمثل تحديا كبيرا أمام النشر التقليدي، وأنه ساهم في فتح أسواق جديدة ومزيد من الفرص أمام الكتاب، ويجد أن هناك سوقا كبيرة أمام الأدب العربي في أوروبا خاصة مع تزايد أعداد المهاجرين إليها إلا أنه لا يتم الترويج للأدب العربي بالشكل المناسب». ويرى أن «هناك تخوفا من الأدباء العرب من خوض تجربة النشر الإلكتروني»، لافتا إلى أن الأدب العربي الحديث انطبع في ذهن القارئ الأوروبي بـ«ألف ليلة وليلة»، وأن التحدي الكبير أمام الأدب العربي هو محاولة التملص من هذا الكليشيه والنفاذ منه إلى ذائقة القارئ الأوروبي.
أما الناقد المغربي سعيد يقطين فهو يؤكد في ورقته «تطور التقنيات الروائية» أن أي تطور في التقنيات الروائية مرتبط بالضرورة بتطور الوسائط السردية، موضحا أن مع ظهور الثورة الرقمية منذ أواسط الثمانينات، تجاوزت الرواية البعد اللغوي، وأصبح بالإمكان توظيف علامات غير لغوية في الإبداع الروائي. وظهرت الرواية المترابطة (Hyper fiction) لتكون بداية تحول جديد على مستوى تقنيات الرواية.
وعن تأثير التكنولوجيا على الرواية العراقية، يقول الناقد غسان نجم: «الإنترنت تمنح عنصر المكان في الرواية الاتساع وتقتصر الزمان على اللحظية، ليحقق للروائي العجائبي الزمني بواقعية محضة»، كما عبر عدد من الروايات العراقية مثل «فيرجوالية» لسعد سعيد (2012) التي تعكس قدرة الروائي على تحويل الحوار إلى حدث بفعل تقنية «التنافذ»، ورواية «تحت سماء كوبنهاغن» للروائية حوراء النداوي (2010)، تظهر القدرة الروائية في الزج بالجسد الروائي بحدثه وسرده وأسئلته في التقنية الرقمية. أما «صفر واحد» لمرتضى كراز (2007) فهي رواية صورت طبيعة الحرب الأهلية بعد سقوط بغداد وكيف تحول الصراع الطائفي إلى صراع رقمي بدءا من عنوان الرواية الذي يشير لطبيعة النظام الثنائي للأرقام مثل لغة «البيسك». وفي رواية «لعنة ماركيز» لضياء الجبيلي (2007) يتشكل الحدث السردي في رسالتين رقميتين.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».