عودة سيف الإسلام القذافي تخلط أوراق الانتخابات الليبية

روسيا تراهن عليه من منطلق «منع الإقصاء»

جانب من اجتماع «ملتقى الحوار السياسي» الليبي بسويسرا في 3 يوليو (البعثة الأممية)
جانب من اجتماع «ملتقى الحوار السياسي» الليبي بسويسرا في 3 يوليو (البعثة الأممية)
TT

عودة سيف الإسلام القذافي تخلط أوراق الانتخابات الليبية

جانب من اجتماع «ملتقى الحوار السياسي» الليبي بسويسرا في 3 يوليو (البعثة الأممية)
جانب من اجتماع «ملتقى الحوار السياسي» الليبي بسويسرا في 3 يوليو (البعثة الأممية)

محاطاً بمسلحين، كان يتكئ سيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي على مقعد متواضع فور القبض عليه عقب اندلاع «ثورة 17 فبراير (شباط)» عام 2011. وهو ينظر في كفه اليمنى مضمدة بشاش أبيض؛ وقد بدا مكتئباً مندهشاً غاضباً. أما الآن، بعد نحو 10 سنوات، فقد أطلّ الرجل الذي كسا الشيب لحيته، على الليبيين وهو يجلس على كرسي وثير يلفه الغموض يحكي لهم قصته، ويروي أين كان، في ظهور من شأنه إعادة ترتيب التحالفات السياسية ثانية، ما قد يفتح الباب أمام صراع جديد لا يخلو من تعقيدات.
ما بين تاريخ اعتقال سيف القذافي قبل عقد من الزمان في بلدة أوباري (جنوب ليبيا) قُبيل لجوئه إلى دولة النيجر، وظهوره عبر مقابلة صحافية في مدينة الزنتان (جنوب غربي طرابلس)، جرت في نهر الحرب والسياسة مياه كثيرة، وانقسمت ليبيا إلى معسكرين. ومع الحديث عن قرب انتخابات رئاسية محتملة أعلن «الأسير المختفي» رغبته في «العودة التدريجية لاستعادة ليبيا»، بعكس رغبة خصومه المتنفذين في المشهد راهناً، لتبدأ مرحلة من خلط الأوراق وتزداد البلاد الجريحة ارتباكاً.
ارتفعت معنويات أنصار النظام الليبي السابق بإطلالة سيف الإسلام القذافي، الذي يلقبه بعضهم بـ«مانديلا ليبيا». إذ اعتبرها هؤلاء «شيئاً إيجابياً»، وحدثاً بدّد هواجس مقتله، في حين ذهب متابعون إلى القول إن ظهور نجل القذافي من شأنه تفكيك المشهد السياسي. ومن ثم، إعادة طرحه كـ«خيار ثالث» بين المعسكر الشرقي بقيادة المشير خلفية حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، والمعسكر الغربي الذي قد يفرز شخصية مدنية، في وجود منافسين محتملين آخرين مثل فتحي باشاغا، وزير الداخلية السابق، الذي اعتزم الترشح في الاستحقاقات المرتقبة.
- دعم قبائلي
وعلى الرغم من مقتل العقيد معمر القذافي في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، وتغييب نجله سيف عن الأنظار، لم يفقد أنصاره الأمل في عودة الابن إلى الساحة. وفي حديث إلى «الشرق الأوسط» يقول أحد قادة النظام السابق: «لم نكن في حاجة إلى مقالة الصحيفة الأميركية المكذوبة لتؤكد لنا أن الدكتور سيف على قيد الحياة... كنا نعلم أنه حر، لكنه كان ينتظر التوقيت الذي يعلن فيه عودته لاستعادة بلده، وقد أتى»!
حالة الثقة هذه التي عبّر عنها القيادي بالنظام السابق وجدت صداها لدى قطاع عريض من القبائل والمدن الليبية التي ما تزال تدين بالولاء لعهد القذافي، من مدينة بني وليد (شمال غربي البلاد)، إلى مدينة غات على مشارف الحدود مع الجزائر، إذ تعهد «المجلس الاجتماعي لقبائل الحزام الأخضر» بالاصطفاف خلف سيف الإسلام، ومساندته في المرحلة المقبلة «بغضّ النظر عن أي عوائق قد تعترض طريق ترشحه».
وخاطب «المجلس الاجتماعي» سيف الإسلام بالقول إن «الشرفاء والأحرار الذين يحبون القائد الرمز معمر القذافي، في مناطق الحزام الأخضر معكم بأصواتهم في صناديق الاقتراع، من أجل بناء مشروع ليبيا الغد والخروج من هذا النفق المظلم». والأجواء التي نقلها «المجلس الاجتماعي لقبائل الحزام الأخضر» تكاد تكون مماثلة لما عكسته مدن ومناطق لا تزال تحتفل إلى اليوم بذكرى «ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول)»، وترفع الرايات الخضراء في كل مناسبة، إشارة إلى حقبة الرئيس الراحل.
- محاكمة وحكم وإفراج
جدير بالذكر، أنه في نهاية يوليو (تموز) عام 2015 قضت محكمة استئناف طرابلس (دائرة الجنايات) في وسط العاصمة طرابلس بالإعدام رمياً بالرصاص على سيف الإسلام، و8 من المقربين من النظام السابق. إلا أن «كتيبة أبي بكر الصديق»، بمدينة الزنتان (170 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس) أطلقت سراحه يوم 11 يونيو (حزيران) 2017. وقالت حينذاك إنها «أطلقت سراحه بناءً على طلب من حكومة عبد الله الثني المؤقتة بشرق البلاد». ومع أن سيف الإسلام لم يُشاهَد في أي مكان عام منذ اعتقاله وهو في طريقه إلى النيجر وإطلاق سراحه من قبل الكتيبة، فإن بعض الأشخاص القريبين منه أبقوا على وجوده في المشهد السياسي من خلال التحدث باسمه، أو إصدار بيانات منسوبة له، تدفع به إلى الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. وللعلم، لا تزال المحكمة الجنائية الدولية تتمسك بتسليم سيف الإسلام لمحاكمته على ما سمته ارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» أبان محاولة والده قمع المتظاهرين ضد حكمه أثناء اندلاع أحداث 17 فبراير.
- عوائق قانونية
تغيرات المشهد العام في ليبيا على مدار السنتين الماضيتين بدّلت قناعات وفتحت شهية مغمورين للمنافسة في «الماراثون» الانتخابي المرتقب، ومن كان لا يجد غضاضة قبلاً في ممارسة سيف الإسلام لحقه الدستوري في الترشح على هذا المنصب بات اليوم يرى ضرورة إبراء ذمته أولاً أمام «الجنائية الدولية». لذا أخذت الأسئلة تتوالى حول حق نجل القذافي في الترشح لرئاسة ليبيا، وهنا يقول الصحافي الليبي مصطفى الفيتوري، الذي حضر محاكمة سيف الإسلام مراقباً مستقلاً بالمحكمة الجنائية الدولية: «لا أعلم إن كان سيف سيخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة أم لا، لكن لا شك أن أغلب مَن في المشهد الآن يخشون ظهوره، وهذا ما تجلى على إثر المقابلة الأخيرة مع (النيويورك تايمز)...».
ومضى الفيتوري يقول في حديثه إلى «الشرق الأوسط» موضحاً: «لا شك عندي أيضاً أن المعركة الآن تتركز حول أفضل السبل القانونية لمنعه من الترشح... وفي اعتقادي أنه لن يترشح لأن الانتخابات المقبلة لن تنهي المرحلة الانتقالية، ولذا أنصحه ومؤيديه بالتركيز على البرلمان، لأن أي رئيس مقبل سيكون محدود الصلاحيات والسلطات، ودوره سيكون احتفالياً شكلياً ليس إلا».
أيضاً ذهب أنصار النظام السابق إلى القول إن ظهور سيف بعدما اقتنع كثير بوفاته، أربك حسابات الساسة المسيطرين على المشهد العام. ورأوا أن مجلس النواب الذي يناقش قانون الانتخابات الآن يسعى لقطع الطريق على ترشح نجل القذافي بفرض شروط بعضها تعجيزية، متعللين بقول المستشار عقيلة صالح رئيس المجلس إنه «لا يحق لأي شخص محكوم عليه من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية الترشح لرئاسة الدولة الليبية».
هذا، وسبق لصالح القول قبل سنتين رداً على تساؤلات صحافية: «يحق لسيف القذافي الترشح لانتخابات الرئاسة، إذا لم يكن هناك مانع قضائي يحول دون ذلك». بيد أن مجلس النواب اشترط في مناقشة قانون الانتخابات ضرورة تزكية 20 نائباً للمترشح للرئاسة، وهو ما نظر إليه الفيتوري على أنه «محاولة أخرى لاحتكار حق الترشح بحجة تقليل عدد المتنافسين، وهذا من شأنه فتح باب الرشوة».
- «السجين والسجّان»
سيف القذافي، الذي ظل حبيس كهف وسط صحراء الزنتان حتى عام 2014، يقيم حالياً في فيلا فخمة من طابقين داخل مجمع مغلق بالمدينة. ولقد ظهر معتمراً عمامة سوداء ومرتدياً عباءة مطرزة بخيوط مذهبة، ليقول إن المتمردين الذي أسروه «أدركواً أخيراً أنه قد يكون حليفاً قوياً». ومن ثم قال إن السياسيين الليبيين الذين تعاقبوا على البلاد «لم يجلبوا إلا البؤس. حان الوقت للعودة إلى الماضي. البلد جاثٍ على ركبتيه، لا مال ولا أمن، لا توجد حياة هنا»!
وأمام هذه الدعوة، التي وصفها البعض - وخصوصاً في غرب ليبيا - عودة إلى الماضي، ينظر مراقبون إلى أنه في حال ما تمكن الفرقاء السياسيون من الانتهاء من إعداد قانون للانتخاب، بما يسمح لنجل القذافي بالترشح «فستكون ليبيا أمام مرحلة ملتهبة، ومعركة حامية... حتى إذ فشل سيف فيها فإنه سيكون رقماً صعباً في الآتي من الأيام».
أيضاً، رأى محلل سياسي كبير من مدينة مصراتة أن الصحيفة الأميركية حاولت استخدام سيف القذافي للترويج لبعض المرشحين المحتملين، مثل باشاغا، وربما الصديق الكبير محافظ المصرف المركزي، لكنه قال إن ظهور سيف «يبقى زلزالاً سياسياً من العيار الثقيل». ورصد المحلل السياسي أن «ردود الأفعال الواسعة في ليبيا لحديث سيف كشفت عن شعبية واسعة، وأنه منافس حقيقي، وهو ما دفع كثيراً من القوى السياسية بإعلان مواقف متشددة ضد ترشحه، في تناقض واضح مع البيانات والخطابات التي يصدرونها حول التداول السلمي على السلطة ومدنية الدولة».
في المقابل، أضعفت رصيد القذافي الابن، وجمعت ضده «الثوار» وخصوم الماضي، «اللغة» التي نقلتها الصحيفة عن سيف بحديثه عن مقتل سجناء معتقل أبو سليم الـ1200 عام 1996. بقوله إن «معظم الليبيين يعتقدون أن النظام كان متساهلاً جداً معهم، وإنه كان ينبغي قتل جميع السجناء».
- الرهان الروسي
من جهة ثانية، ليبيون كثيرون يرون أن سيف الإسلام، الذي لمح إلى خوض الانتخابات المقبلة، لديه فرصة ذهبية للاستفادة من الدعم الروسي له. فموسكو، تخلت عن دورها المتأرجح في ليبيا وراحت قبل 4 سنوات تفتح قنوات اتصال مع نجل القذافي «الأسير». وهي تدفع بقوة لإعادته للمشهد السياسي، وهذا ما أكد عليه ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي في تصريح قال فيه: «ينبغي أن يلعب سيف دوراً في المشهد السياسي الليبي، من قبيل عدم عزل أحد أو إقصائه عن أداء دور سياسي بناء».
منذ ذلك المنعطف، دخلت موسكو من ملف قصية سيف، وأبقت على اسمه حاضراً في غالبية لقاءات مسؤوليها، بل إنها استقبلت مندوبين عنه. وسبق لمحمد القيلوشي، عضو فريق العمل السياسي لسيف، القول لـ«الشرق الأوسط»، من موسكو، إنهم سلموا رسالة من سيف القذافي إلى الخارجية الروسية، وكان في استقبالهم بوغدانوف. كذلك أوضح القيلوشي أن رسالة سيف القذافي تؤكد على ضرورة أن «يبحث الليبيون أمورهم بأنفسهم، من دون إقصاء أو تمييز، لتحديد مصيرهم من خلال مصالحة شاملة، والترتيب للانتخابات المقبلة».
- تفكيك جبهات
في المقابل، يقلل مراقبون من قدرة سيف الإسلام، إذا ما سُمح له بخوض الانتخابات، على حسمها لمصلحته في ظل تشظي المشهد العام، وانقسامات حادة بين سيطرة «الجيش الوطني الليبي» على مناطق شرق البلاد، في مقابل غربها الذي يقتسمه متنافسون محتملون. لكن هذا الواقع لم يمنع أحد مشايخ قبيلة القذاذفة من القول لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «الواقع مغاير تماماً... فأنصار النظام السابق منتشرون في كل ربوع ليبيا وخارجها من مشرقها إلى غربها وجنوبها، وجميعهم ينتظرون عودة الدكتور سيف التي ستكون قريبة جداً، وفي هذا اليوم سنُري الجميع من أنفسنا خيراً».
وأضاف الشيخ القبلي أنه في حال توحّد كل محبي القائد الراحل وأنصاره، وإحجامهم عن المقاطعة، «سنتمكن من إحداث تغيير في معادلة الانتخابات»، لكني «أتوقع ألا تجرى (أي الانتخابات) لأسباب كثيرة، وهو ما سيفتح الباب لصراع مرير على السلطة».
وهنا عبّرت الدكتورة ربيعة أبوراص، عضو مجلس النواب عن دائرة حي الأندلس بطرابلس الكبرى، عن اعتقادها بأن خروج سيف الإسلام، في هذا الوقت «شيء إيجابي» والبلاد تتقدم نحو الاستقرار. وبالتالي لا بد في هذه المرحلة من «إدارة الصراع بشكل واضح بين الأطراف الليبية الرئيسية المتحكمة في قواعد اللعبة الأمنية والسياسية والمالية والاجتماعية». ووضعت أبوراص تصوراً لمعالجة الواقع الراهن عبر «الحوار المباشر والاتفاق على الخطوط العريضة للتعايش الذي يحدد موقع كل طرف ودوره، والابتعاد عن أسلوب الكوميديا السوداء في التعاطي مع القضايا الجوهرية التي تمس حياتنا بشكل مباشر، وتؤثر عليها».
والحال راهناً، أن ليبيا تقف أمام مفترق طرق، «كل يتحسس مسدسه» انتظاراً للحظة المرتقبة لإجراء الانتخابات، التي لم يتبق عليها إلا نحو 138 يوماً، في حين ما زال المتحاربون متمترسين على جبهات الاقتتال في محور سرت - الجفرة، وكل منهم يسعى للدفاع عن «مكتسبات» تحققت طوال 10 سنوات، بينما يبحث أنصار القذافي عن فرصة ثانية للحكم، عبر مسار ديمقراطي، يرونها قد اقتربت!
- الانتخابات الليبية... رهان «الفرصة الأخيرة»
> تسابق البعثة الأممية لدى ليبيا الزمن لدفع الفرقاء السياسيين إلى استثمار «الفرصة الأخيرة» لإنجاز «القاعدة الدستورية» التي ستجرى على أساسها الانتخابات الرئاسية والنيابية المرتقبة، يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. لكن منذ الإعلان عن انتخاب السلطة التنفيذية في اجتماعات جنيف، قبل 6 أشهر، لم يطرأ جديد يؤشر على الوصول إلى نقطة توافق. وهذه أهم محطاته خلال العام الحالي فقط...
> 5 فبراير (شباط)، أعلنت مندوبة الأمم المتحدة إلى ليبيا بـ«الإنابة» ستيفاني ويليامز، انتخاب محمد يونس المنفي رئيساً للمجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية».
> 20 مايو (أيار)، أكد بيان لمجموعة العمل السياسية للجنة المتابعة الدولية بشأن ليبيا على أن إجراء الانتخابات الوطنية في الموعد المحدد، ما يزال يتصدر سلم الأولويات بغية استكمال المرحلة التحضيرية في ليبيا والتحول الديمقراطي على النحو المتفق عليه في «خريطة الطريق» التي أقرها «ملتقى الحوار السياسي» الليبي.
> 21 مايو، المبعوث الأممي لدى ليبيا يان كوبيش، يقدم إحاطته أمام مجلس الأمن، مؤكداً فيها على أن المهمة الحاسمة للسلطات والمؤسسات الليبية تتمثل في ضمان إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية على النحو المنصوص عليه في خريطة الطريق، منوهاً إلى وجود تحسّن في الوضع الأمني بشكل كبير، رغم وقوع اشتباكات من وقت لآخر بين مختلف المجموعات المسلحة المتنافسة.
> 27 مايو، كوبيش يعلن انتهاء الاجتماع الافتراضي لـ«ملتقى الحوار السياسي» الليبي، مشيداً بـ«المشاورات الفاعلة» على مدار يومين.
> 24 يونيو (حزيران)، اللجنة الاستشارية المنبثقة عن «ملتقى الحوار السياسي» تعقد اجتماعاً تشاورياً لمدة 3 أيام تمهيداً لاجتماع الملتقى في سويسرا.
> في التوقيت ذاته، رحّب كوبيش، بنتائج مؤتمر «برلين 2» كخطوة مهمة نحو السلام المستدام في ليبيا الذي انتهى إلى مجموعة من التوصيات، من بينها ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الليبية المقررة في موعدها المحدد وعلى النحو المتفق عليه، والتمسك بخروج «المرتزقة» والقوات الأجنبية من أنحاء ليبيا، مع استمرار الحوار الوطني الشامل.
> 27 يونيو، اللجنة الاستشارية المنبثقة عن «ملتقى الحوار السياسي» تختتم اجتماعها التشاوري في تونس، وتثني البعثة وأعضاء اللجنة الاستشارية على عمل اللجنة القانونية التي نجحت في وضع مشروع للقاعدة الدستورية لإجراء الانتخابات الوطنية؛ البرلمانية والرئاسية.
> 3 يوليو (تموز) الأمم المتحدة تعلن فشل مباحثات جنيف في التوصل إلى اتفاق يمهد للانتخابات في ليبيا.
> 15 يوليو، كوبيش يعلن أمام مجلس الأمن أنه أجرى مشاورات مع مجموعة كبيرة من الأطراف الفاعلة في ليبيا لإقناعهم بالمحافظة على المسار المؤدي إلى انتخابات برلمانية ورئاسية وطنية شاملة.
> في التوقيت ذاته، عقدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اجتماعاً افتراضياً للجنة التوافقات المنبثقة عن «ملتقى الحوار السياسي» الليبي.
> 29 يوليو، انتهت اجتماعات اللجنة المكلفة من قبل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح مع المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في العاصمة الإيطالية روما، بحضور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لمناقشة مقترح إعداد قانون الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية. ورفعت نتائج أعمالها إلى مجلس النواب لمناقشتها.



ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.