عودة سيف الإسلام القذافي تخلط أوراق الانتخابات الليبية

روسيا تراهن عليه من منطلق «منع الإقصاء»

جانب من اجتماع «ملتقى الحوار السياسي» الليبي بسويسرا في 3 يوليو (البعثة الأممية)
جانب من اجتماع «ملتقى الحوار السياسي» الليبي بسويسرا في 3 يوليو (البعثة الأممية)
TT

عودة سيف الإسلام القذافي تخلط أوراق الانتخابات الليبية

جانب من اجتماع «ملتقى الحوار السياسي» الليبي بسويسرا في 3 يوليو (البعثة الأممية)
جانب من اجتماع «ملتقى الحوار السياسي» الليبي بسويسرا في 3 يوليو (البعثة الأممية)

محاطاً بمسلحين، كان يتكئ سيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي على مقعد متواضع فور القبض عليه عقب اندلاع «ثورة 17 فبراير (شباط)» عام 2011. وهو ينظر في كفه اليمنى مضمدة بشاش أبيض؛ وقد بدا مكتئباً مندهشاً غاضباً. أما الآن، بعد نحو 10 سنوات، فقد أطلّ الرجل الذي كسا الشيب لحيته، على الليبيين وهو يجلس على كرسي وثير يلفه الغموض يحكي لهم قصته، ويروي أين كان، في ظهور من شأنه إعادة ترتيب التحالفات السياسية ثانية، ما قد يفتح الباب أمام صراع جديد لا يخلو من تعقيدات.
ما بين تاريخ اعتقال سيف القذافي قبل عقد من الزمان في بلدة أوباري (جنوب ليبيا) قُبيل لجوئه إلى دولة النيجر، وظهوره عبر مقابلة صحافية في مدينة الزنتان (جنوب غربي طرابلس)، جرت في نهر الحرب والسياسة مياه كثيرة، وانقسمت ليبيا إلى معسكرين. ومع الحديث عن قرب انتخابات رئاسية محتملة أعلن «الأسير المختفي» رغبته في «العودة التدريجية لاستعادة ليبيا»، بعكس رغبة خصومه المتنفذين في المشهد راهناً، لتبدأ مرحلة من خلط الأوراق وتزداد البلاد الجريحة ارتباكاً.
ارتفعت معنويات أنصار النظام الليبي السابق بإطلالة سيف الإسلام القذافي، الذي يلقبه بعضهم بـ«مانديلا ليبيا». إذ اعتبرها هؤلاء «شيئاً إيجابياً»، وحدثاً بدّد هواجس مقتله، في حين ذهب متابعون إلى القول إن ظهور نجل القذافي من شأنه تفكيك المشهد السياسي. ومن ثم، إعادة طرحه كـ«خيار ثالث» بين المعسكر الشرقي بقيادة المشير خلفية حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، والمعسكر الغربي الذي قد يفرز شخصية مدنية، في وجود منافسين محتملين آخرين مثل فتحي باشاغا، وزير الداخلية السابق، الذي اعتزم الترشح في الاستحقاقات المرتقبة.
- دعم قبائلي
وعلى الرغم من مقتل العقيد معمر القذافي في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، وتغييب نجله سيف عن الأنظار، لم يفقد أنصاره الأمل في عودة الابن إلى الساحة. وفي حديث إلى «الشرق الأوسط» يقول أحد قادة النظام السابق: «لم نكن في حاجة إلى مقالة الصحيفة الأميركية المكذوبة لتؤكد لنا أن الدكتور سيف على قيد الحياة... كنا نعلم أنه حر، لكنه كان ينتظر التوقيت الذي يعلن فيه عودته لاستعادة بلده، وقد أتى»!
حالة الثقة هذه التي عبّر عنها القيادي بالنظام السابق وجدت صداها لدى قطاع عريض من القبائل والمدن الليبية التي ما تزال تدين بالولاء لعهد القذافي، من مدينة بني وليد (شمال غربي البلاد)، إلى مدينة غات على مشارف الحدود مع الجزائر، إذ تعهد «المجلس الاجتماعي لقبائل الحزام الأخضر» بالاصطفاف خلف سيف الإسلام، ومساندته في المرحلة المقبلة «بغضّ النظر عن أي عوائق قد تعترض طريق ترشحه».
وخاطب «المجلس الاجتماعي» سيف الإسلام بالقول إن «الشرفاء والأحرار الذين يحبون القائد الرمز معمر القذافي، في مناطق الحزام الأخضر معكم بأصواتهم في صناديق الاقتراع، من أجل بناء مشروع ليبيا الغد والخروج من هذا النفق المظلم». والأجواء التي نقلها «المجلس الاجتماعي لقبائل الحزام الأخضر» تكاد تكون مماثلة لما عكسته مدن ومناطق لا تزال تحتفل إلى اليوم بذكرى «ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول)»، وترفع الرايات الخضراء في كل مناسبة، إشارة إلى حقبة الرئيس الراحل.
- محاكمة وحكم وإفراج
جدير بالذكر، أنه في نهاية يوليو (تموز) عام 2015 قضت محكمة استئناف طرابلس (دائرة الجنايات) في وسط العاصمة طرابلس بالإعدام رمياً بالرصاص على سيف الإسلام، و8 من المقربين من النظام السابق. إلا أن «كتيبة أبي بكر الصديق»، بمدينة الزنتان (170 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس) أطلقت سراحه يوم 11 يونيو (حزيران) 2017. وقالت حينذاك إنها «أطلقت سراحه بناءً على طلب من حكومة عبد الله الثني المؤقتة بشرق البلاد». ومع أن سيف الإسلام لم يُشاهَد في أي مكان عام منذ اعتقاله وهو في طريقه إلى النيجر وإطلاق سراحه من قبل الكتيبة، فإن بعض الأشخاص القريبين منه أبقوا على وجوده في المشهد السياسي من خلال التحدث باسمه، أو إصدار بيانات منسوبة له، تدفع به إلى الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. وللعلم، لا تزال المحكمة الجنائية الدولية تتمسك بتسليم سيف الإسلام لمحاكمته على ما سمته ارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» أبان محاولة والده قمع المتظاهرين ضد حكمه أثناء اندلاع أحداث 17 فبراير.
- عوائق قانونية
تغيرات المشهد العام في ليبيا على مدار السنتين الماضيتين بدّلت قناعات وفتحت شهية مغمورين للمنافسة في «الماراثون» الانتخابي المرتقب، ومن كان لا يجد غضاضة قبلاً في ممارسة سيف الإسلام لحقه الدستوري في الترشح على هذا المنصب بات اليوم يرى ضرورة إبراء ذمته أولاً أمام «الجنائية الدولية». لذا أخذت الأسئلة تتوالى حول حق نجل القذافي في الترشح لرئاسة ليبيا، وهنا يقول الصحافي الليبي مصطفى الفيتوري، الذي حضر محاكمة سيف الإسلام مراقباً مستقلاً بالمحكمة الجنائية الدولية: «لا أعلم إن كان سيف سيخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة أم لا، لكن لا شك أن أغلب مَن في المشهد الآن يخشون ظهوره، وهذا ما تجلى على إثر المقابلة الأخيرة مع (النيويورك تايمز)...».
ومضى الفيتوري يقول في حديثه إلى «الشرق الأوسط» موضحاً: «لا شك عندي أيضاً أن المعركة الآن تتركز حول أفضل السبل القانونية لمنعه من الترشح... وفي اعتقادي أنه لن يترشح لأن الانتخابات المقبلة لن تنهي المرحلة الانتقالية، ولذا أنصحه ومؤيديه بالتركيز على البرلمان، لأن أي رئيس مقبل سيكون محدود الصلاحيات والسلطات، ودوره سيكون احتفالياً شكلياً ليس إلا».
أيضاً ذهب أنصار النظام السابق إلى القول إن ظهور سيف بعدما اقتنع كثير بوفاته، أربك حسابات الساسة المسيطرين على المشهد العام. ورأوا أن مجلس النواب الذي يناقش قانون الانتخابات الآن يسعى لقطع الطريق على ترشح نجل القذافي بفرض شروط بعضها تعجيزية، متعللين بقول المستشار عقيلة صالح رئيس المجلس إنه «لا يحق لأي شخص محكوم عليه من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية الترشح لرئاسة الدولة الليبية».
هذا، وسبق لصالح القول قبل سنتين رداً على تساؤلات صحافية: «يحق لسيف القذافي الترشح لانتخابات الرئاسة، إذا لم يكن هناك مانع قضائي يحول دون ذلك». بيد أن مجلس النواب اشترط في مناقشة قانون الانتخابات ضرورة تزكية 20 نائباً للمترشح للرئاسة، وهو ما نظر إليه الفيتوري على أنه «محاولة أخرى لاحتكار حق الترشح بحجة تقليل عدد المتنافسين، وهذا من شأنه فتح باب الرشوة».
- «السجين والسجّان»
سيف القذافي، الذي ظل حبيس كهف وسط صحراء الزنتان حتى عام 2014، يقيم حالياً في فيلا فخمة من طابقين داخل مجمع مغلق بالمدينة. ولقد ظهر معتمراً عمامة سوداء ومرتدياً عباءة مطرزة بخيوط مذهبة، ليقول إن المتمردين الذي أسروه «أدركواً أخيراً أنه قد يكون حليفاً قوياً». ومن ثم قال إن السياسيين الليبيين الذين تعاقبوا على البلاد «لم يجلبوا إلا البؤس. حان الوقت للعودة إلى الماضي. البلد جاثٍ على ركبتيه، لا مال ولا أمن، لا توجد حياة هنا»!
وأمام هذه الدعوة، التي وصفها البعض - وخصوصاً في غرب ليبيا - عودة إلى الماضي، ينظر مراقبون إلى أنه في حال ما تمكن الفرقاء السياسيون من الانتهاء من إعداد قانون للانتخاب، بما يسمح لنجل القذافي بالترشح «فستكون ليبيا أمام مرحلة ملتهبة، ومعركة حامية... حتى إذ فشل سيف فيها فإنه سيكون رقماً صعباً في الآتي من الأيام».
أيضاً، رأى محلل سياسي كبير من مدينة مصراتة أن الصحيفة الأميركية حاولت استخدام سيف القذافي للترويج لبعض المرشحين المحتملين، مثل باشاغا، وربما الصديق الكبير محافظ المصرف المركزي، لكنه قال إن ظهور سيف «يبقى زلزالاً سياسياً من العيار الثقيل». ورصد المحلل السياسي أن «ردود الأفعال الواسعة في ليبيا لحديث سيف كشفت عن شعبية واسعة، وأنه منافس حقيقي، وهو ما دفع كثيراً من القوى السياسية بإعلان مواقف متشددة ضد ترشحه، في تناقض واضح مع البيانات والخطابات التي يصدرونها حول التداول السلمي على السلطة ومدنية الدولة».
في المقابل، أضعفت رصيد القذافي الابن، وجمعت ضده «الثوار» وخصوم الماضي، «اللغة» التي نقلتها الصحيفة عن سيف بحديثه عن مقتل سجناء معتقل أبو سليم الـ1200 عام 1996. بقوله إن «معظم الليبيين يعتقدون أن النظام كان متساهلاً جداً معهم، وإنه كان ينبغي قتل جميع السجناء».
- الرهان الروسي
من جهة ثانية، ليبيون كثيرون يرون أن سيف الإسلام، الذي لمح إلى خوض الانتخابات المقبلة، لديه فرصة ذهبية للاستفادة من الدعم الروسي له. فموسكو، تخلت عن دورها المتأرجح في ليبيا وراحت قبل 4 سنوات تفتح قنوات اتصال مع نجل القذافي «الأسير». وهي تدفع بقوة لإعادته للمشهد السياسي، وهذا ما أكد عليه ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي في تصريح قال فيه: «ينبغي أن يلعب سيف دوراً في المشهد السياسي الليبي، من قبيل عدم عزل أحد أو إقصائه عن أداء دور سياسي بناء».
منذ ذلك المنعطف، دخلت موسكو من ملف قصية سيف، وأبقت على اسمه حاضراً في غالبية لقاءات مسؤوليها، بل إنها استقبلت مندوبين عنه. وسبق لمحمد القيلوشي، عضو فريق العمل السياسي لسيف، القول لـ«الشرق الأوسط»، من موسكو، إنهم سلموا رسالة من سيف القذافي إلى الخارجية الروسية، وكان في استقبالهم بوغدانوف. كذلك أوضح القيلوشي أن رسالة سيف القذافي تؤكد على ضرورة أن «يبحث الليبيون أمورهم بأنفسهم، من دون إقصاء أو تمييز، لتحديد مصيرهم من خلال مصالحة شاملة، والترتيب للانتخابات المقبلة».
- تفكيك جبهات
في المقابل، يقلل مراقبون من قدرة سيف الإسلام، إذا ما سُمح له بخوض الانتخابات، على حسمها لمصلحته في ظل تشظي المشهد العام، وانقسامات حادة بين سيطرة «الجيش الوطني الليبي» على مناطق شرق البلاد، في مقابل غربها الذي يقتسمه متنافسون محتملون. لكن هذا الواقع لم يمنع أحد مشايخ قبيلة القذاذفة من القول لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «الواقع مغاير تماماً... فأنصار النظام السابق منتشرون في كل ربوع ليبيا وخارجها من مشرقها إلى غربها وجنوبها، وجميعهم ينتظرون عودة الدكتور سيف التي ستكون قريبة جداً، وفي هذا اليوم سنُري الجميع من أنفسنا خيراً».
وأضاف الشيخ القبلي أنه في حال توحّد كل محبي القائد الراحل وأنصاره، وإحجامهم عن المقاطعة، «سنتمكن من إحداث تغيير في معادلة الانتخابات»، لكني «أتوقع ألا تجرى (أي الانتخابات) لأسباب كثيرة، وهو ما سيفتح الباب لصراع مرير على السلطة».
وهنا عبّرت الدكتورة ربيعة أبوراص، عضو مجلس النواب عن دائرة حي الأندلس بطرابلس الكبرى، عن اعتقادها بأن خروج سيف الإسلام، في هذا الوقت «شيء إيجابي» والبلاد تتقدم نحو الاستقرار. وبالتالي لا بد في هذه المرحلة من «إدارة الصراع بشكل واضح بين الأطراف الليبية الرئيسية المتحكمة في قواعد اللعبة الأمنية والسياسية والمالية والاجتماعية». ووضعت أبوراص تصوراً لمعالجة الواقع الراهن عبر «الحوار المباشر والاتفاق على الخطوط العريضة للتعايش الذي يحدد موقع كل طرف ودوره، والابتعاد عن أسلوب الكوميديا السوداء في التعاطي مع القضايا الجوهرية التي تمس حياتنا بشكل مباشر، وتؤثر عليها».
والحال راهناً، أن ليبيا تقف أمام مفترق طرق، «كل يتحسس مسدسه» انتظاراً للحظة المرتقبة لإجراء الانتخابات، التي لم يتبق عليها إلا نحو 138 يوماً، في حين ما زال المتحاربون متمترسين على جبهات الاقتتال في محور سرت - الجفرة، وكل منهم يسعى للدفاع عن «مكتسبات» تحققت طوال 10 سنوات، بينما يبحث أنصار القذافي عن فرصة ثانية للحكم، عبر مسار ديمقراطي، يرونها قد اقتربت!
- الانتخابات الليبية... رهان «الفرصة الأخيرة»
> تسابق البعثة الأممية لدى ليبيا الزمن لدفع الفرقاء السياسيين إلى استثمار «الفرصة الأخيرة» لإنجاز «القاعدة الدستورية» التي ستجرى على أساسها الانتخابات الرئاسية والنيابية المرتقبة، يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. لكن منذ الإعلان عن انتخاب السلطة التنفيذية في اجتماعات جنيف، قبل 6 أشهر، لم يطرأ جديد يؤشر على الوصول إلى نقطة توافق. وهذه أهم محطاته خلال العام الحالي فقط...
> 5 فبراير (شباط)، أعلنت مندوبة الأمم المتحدة إلى ليبيا بـ«الإنابة» ستيفاني ويليامز، انتخاب محمد يونس المنفي رئيساً للمجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية».
> 20 مايو (أيار)، أكد بيان لمجموعة العمل السياسية للجنة المتابعة الدولية بشأن ليبيا على أن إجراء الانتخابات الوطنية في الموعد المحدد، ما يزال يتصدر سلم الأولويات بغية استكمال المرحلة التحضيرية في ليبيا والتحول الديمقراطي على النحو المتفق عليه في «خريطة الطريق» التي أقرها «ملتقى الحوار السياسي» الليبي.
> 21 مايو، المبعوث الأممي لدى ليبيا يان كوبيش، يقدم إحاطته أمام مجلس الأمن، مؤكداً فيها على أن المهمة الحاسمة للسلطات والمؤسسات الليبية تتمثل في ضمان إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية على النحو المنصوص عليه في خريطة الطريق، منوهاً إلى وجود تحسّن في الوضع الأمني بشكل كبير، رغم وقوع اشتباكات من وقت لآخر بين مختلف المجموعات المسلحة المتنافسة.
> 27 مايو، كوبيش يعلن انتهاء الاجتماع الافتراضي لـ«ملتقى الحوار السياسي» الليبي، مشيداً بـ«المشاورات الفاعلة» على مدار يومين.
> 24 يونيو (حزيران)، اللجنة الاستشارية المنبثقة عن «ملتقى الحوار السياسي» تعقد اجتماعاً تشاورياً لمدة 3 أيام تمهيداً لاجتماع الملتقى في سويسرا.
> في التوقيت ذاته، رحّب كوبيش، بنتائج مؤتمر «برلين 2» كخطوة مهمة نحو السلام المستدام في ليبيا الذي انتهى إلى مجموعة من التوصيات، من بينها ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الليبية المقررة في موعدها المحدد وعلى النحو المتفق عليه، والتمسك بخروج «المرتزقة» والقوات الأجنبية من أنحاء ليبيا، مع استمرار الحوار الوطني الشامل.
> 27 يونيو، اللجنة الاستشارية المنبثقة عن «ملتقى الحوار السياسي» تختتم اجتماعها التشاوري في تونس، وتثني البعثة وأعضاء اللجنة الاستشارية على عمل اللجنة القانونية التي نجحت في وضع مشروع للقاعدة الدستورية لإجراء الانتخابات الوطنية؛ البرلمانية والرئاسية.
> 3 يوليو (تموز) الأمم المتحدة تعلن فشل مباحثات جنيف في التوصل إلى اتفاق يمهد للانتخابات في ليبيا.
> 15 يوليو، كوبيش يعلن أمام مجلس الأمن أنه أجرى مشاورات مع مجموعة كبيرة من الأطراف الفاعلة في ليبيا لإقناعهم بالمحافظة على المسار المؤدي إلى انتخابات برلمانية ورئاسية وطنية شاملة.
> في التوقيت ذاته، عقدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اجتماعاً افتراضياً للجنة التوافقات المنبثقة عن «ملتقى الحوار السياسي» الليبي.
> 29 يوليو، انتهت اجتماعات اللجنة المكلفة من قبل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح مع المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في العاصمة الإيطالية روما، بحضور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لمناقشة مقترح إعداد قانون الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية. ورفعت نتائج أعمالها إلى مجلس النواب لمناقشتها.



«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
TT

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا، وذلك بعد أن قامت طهران بعمليات تغيير ديموغرافي في المنطقة، وإحلال سكان جدد من ميليشياتها بدل السكان الأصليين الذين تم تهجير غالبيتهم والاستيلاء على أملاكهم. الزائر اليوم للمنطقة يدرك، من أحاديث السكان، أن العام الذي مضى على إسقاط الأسد، «شهد عودة أعداد كبيرة من السكان الذين هجّرهم نظام الأسد والميليشيات الإيرانية والميليشيات الأخرى التابعة لإيران و(حزب الله) قسراً من منطقتهم ومنازلهم».

تقع «السيدة زينب»، على أطراف دمشق الجنوبية، وتتبع إدارياً محافظة ريف دمشق، وتبعد عن مركز العاصمة نحو 8 كيلومترات. وقبل اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد في مارس (آذار) 2011 كانت التركيبة السكانية للمنطقة عبارة عن خليط غالبيته من السُّنة، ويضم السكان الأصليين (الفلاحين) المنحدرين من الغوطة الشرقية، وآخرين من نازحي هضبة الجولان السوري المحتل، ولاجئين فلسطينيين، بالإضافة إلى قلة من أتباع المذهب الشيعي المنحدرين من بلدتي الفوعة وكفريا بريف إدلب، وآخرين غير سوريين قدِموا إليها من لبنان والعراق وبلدان الخليج وأقاموا فيها.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد سكانها؛ إذ يتحدث نشطاء عن أن عددهم بلغ نحو 136 ألف نسمة حسب إحصاء عام 2004، في حين تذكر دراسات أخرى أن العدد وصل إلى نحو 400 ألف شخص قبل اندلاع الثورة.

سوق «شارع التنين» حيث الحركة أفضل منها في سوق «بهمن» (الشرق الأوسط)

التغيير الديموغرافي تجاوز 08 %

منذ العام الأول لاندلاع الثورة، تدخلت إيران إلى جانب نظام الأسد، واتخذت من مسألة «الدفاع عن مقام السيدة زينب» الذي كان يؤمُّه آلاف الزوار من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، حجّة لجذب عشرات آلاف المسلحين إلى سوريا. وعملت، حسب تأكيدات مصادر محلية، مع نظام الأسد، على تهجير مقاتلي المعارضة المسلحة والاستيلاء على ممتلكاتهم، ومنحها لعائلات مقاتلي الميليشيات التابعة لها في المنطقة التي باتت المعقل الرئيسي لإيران في جنوب دمشق، وأُلبست الصبغة الإيرانية، وباتت توصف بأنها «مدينة إيرانية» وليست سورية، في ضوء تغيير أسماء شوارعها، والانتشار الكبير لصور رموز لإيران وأعلامها ورايات ميليشياتها، وتشييد وافتتاح مزيد من المراكز الدينية فيها.

تؤكد مصادر مقربة من الحكومة السورية، وأخرى محلية، لـ«الشرق الأوسط»، أن نسبة التغيير الذي أحدثته إيران في التركيبة السكانية لـ«السيدة زينب» والبلدات المحيطة بها، تجاوز الـ80 في المائة، بحيث أصبح السكان الأصليون أقلية ومعظمهم من كبار السن.

يذكر عنصر من قوى الأمن الداخلي، وهو من سكان المنطقة الأصليين، أنه عاد مع عائلته إلى منزله بعد تهجيرهم إلى الشمال السوري لأكثر من 12 عاماً. ويؤكد أنه «بعد بضعة أيام من سيطرة فصائل المعارضة وسقوط الأسد وفراره، وهروب الطغاة (في إشارة إلى قادة ومقاتلي الميليشيات الإيرانية) بدأ سكان المنطقة يعودون من الشمال ومحافظات أخرى، كما من دول اللجوء، والحكومة تعمل على إعادة أملاكهم إليهم، سواء كانت منازل أو محال تجارية أو أرضاً».

ولا يزال عدد كبير من أهالي بلدتي الفوعة وكفريا يقيمون في «السيدة زينب» بعد أن تم نقلهم إليها ضمن ما يُعرف بـ«اتفاق المدن الأربع» الذي تم التوصل إليه في عام 2017 بين «هيئة تحرير الشام» و«حركة أحرار الشام» من جهة، والنظام السوري و«حزب الله» والجانب الإيراني من جهة أخرى.

عرّف شاب على نفسه باسم «صالح»، وقال إنه تم إخراجه من بلدة الفوعة ونقله مع آخرين إلى «السيدة زينب»، حيث لا يزال يقيم فيها مع عائلته حتى اليوم. وبعد أن يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه مدني ولم ينضم إلى الميليشيات التابعة لإيران أو للنظام السابق، يؤكد أن أهالي الفوعة وكفريا المدنيين الذين لا يزالون يقيمون في «السيدة زينب»، لم يتعرضوا لأي مضايقات من سلطات الحكم الجديد، لكن من ارتكبوا جرائم بحق الأهالي واختفوا عن الأنظار تجري ملاحقتهم للقبض عليهم ومحاسبتهم.

وبموجب «اتفاق البلدات الأربع» تم إخراج 3800 شخص، بينهم مقاتلون من المعارضة المسلحة، من منطقة الزبداني بريف دمشق الغربي باتجاه محافظة إدلب، وإخراج 8000 شخص بينهم مسلحون من الميليشيات الموالية لنظام الأسد من بلدتي كفريا والفوعة باتجاه مناطق سيطرة النظام السابق وحلفائه.

سوق «بهمن» المجاور لمقام «السيدة زينب» وهو شبه خالٍ من المارة ويطلق عليه الأهالي حالياً اسم «شارع عبد الرحمن بن عوف» (الشرق الأوسط)

إعادة الحقوق لأصحابها

وتعمل الجهات المعنية في الحكومة السورية الجديدة على إعادة أملاك أهالي «السيدة زينب» الأصليين، إليهم. وتوضح المصادر المقربة من الحكومة أن العملية تتم «وفق ضوابط قانونية، تتضمن أن يقدم صاحب الحق طلباً إلى الجهة الحكومية المعنية، مرفقاً بأوراق ثبوتية تؤكد ملكيته المنزل أو المحل التجاري أو العقار... وبالنسبة إلى من أجبرتهم إيران على بيع ممتلكاتهم بالإكراه، فيجب عليهم أن يُحضروا شهوداً على ذلك، وفي حال ثبت أنهم أصحاب حقوق، تعاد أملاكهم إليهم».

وتتم إعادة الحقوق بعد عمليات تدقيق كبيرة في الأوراق الثبوتية التي يقدمها الأهالي، من الجهات المعنية؛ لأن هناك عمليات تزوير لوثائق ملكية جرت خلال سنوات الحرب، وفق قول المصادر نفسها.

ورغم ذلك، تؤكد المصادر أن عملية إعادة الأملاك إلى أصحابها تجري «بوتيرة سريعة؛ إذ لا يكاد يمر يوم إلا وتُعاد فيه أملاك إلى أصحابها، لكن الانتهاء من هذه العملية سيستغرق وقتاً طويلاً؛ نظراً إلى العدد الكبير للطلبات وعمليات التدقيق».

بدورها، تذكر مصادر محلية عدة أن طلبات إعادة الأملاك تُقدَّم إلى «هيئة الأملاك» في ناحية ببيلا الواقعة شمال «السيدة زينب». وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول منها على إحصائية لعدد العقارات والمنازل والمحال التجارية التي استولت عليها إيران، لكن لم يتسنَّ لها ذلك، وسط مؤشرات إلى احتمال أن يكون العدد كبيراً جداً.

وكشفت مصادر مطلعة، تتردد دائماً على «الهيئة»، عن أن طلبات استعادة الأملاك باتت تشكل «مجلداً ضخماً للغاية»، لافتةً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن عمليات استيلاء إيران على الأملاك وصلت إلى المناطق المحيطة بـ«السيدة زينب» من كل الجهات، حيث كانت تخطط لإنشاء ضاحية جنوبية في دمشق شبيهة بضاحية بيروت الجنوبية.

وبينما لا يزال مقام «السيدة زينب» يفتح أبوابه أمام زواره، يلفت الانتباه حالياً انعدام أفواج الزوار الذين كانوا يقصدونه بالآلاف من إيران والعراق ولبنان في سنوات ما قبل إسقاط النظام السابق.

وكانت مصادر محلية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» قبل سقوط النظام، عن أن قادة الميليشيات الإيرانية اشتروا بالإكراه عدداً كبيراً من المحال التجارية في أسواق «السيدة زينب»؛ طمعاً في إيراداتها المالية الضخمة، خصوصاً أن المنطقة تُعدّ وجهة للسياحة الدينية، حيث يبلغ عدد المحال التجارية فيها أكثر 500 محل، بالتوازي مع عمليات شراء مماثلة لأبنية ذات مساحات كبيرة وتحويلها فنادق، وصل عددها إلى نحو 50 فندقاً.

ووصلت عملية استملاك إيران وشرائها العقارات والأبنية خلال سنوات الحرب إلى مدينة دمشق؛ إذ سبق لخبير اقتصادي أن تحدث إلى «الشرق الأوسط»، بأنها سيطرت على سوق العقارات عبر شبكات من المؤسسات وتجار العقارات وبنوك إيرانية مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقدمت تسهيلات، ومنحت قروضاً كبيرة للراغبين في شراء العقارات في سوريا، فتملّك إيرانيون ومقاولون ورجال أعمال، وقادة وعناصر الميليشيات، آلاف العقارات في أكثر المناطق حيوية في دمشق وفي الوسط التجاري، في حين استملكت السفارة الإيرانية فنادق عدة، ومساحات واسعة خلف «مستشفى الرازي» على أوتوستراد المزة لإنشاء أبراج سكنية، إضافةً إلى تملك أراضٍ وعقارات في ريف دمشق.


تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
TT

تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته

على مسرحٍ أفريقي مضطربٍ تتقاطع في كواليسه «الانقلابات» مع الصراعات المسلحة، ويتداخل فوقه تنافسٌ دوليٌ حاد بين فرنسا وروسيا، يبرز فاوستين أركانج تواديرا قائداً سياسياً مثيراً للجدل في أفريقيا الوسطى، يخوض واحدة من أكثر الرحلات تعقيداً فيما يُعرف على نطاق واسع بـ«أرض الغابات». فمن قاعات الرياضيات إلى «دهاليز السلطة»، برز الرجل بوصفه أهم لاعب سياسي منذ التسعينات، حاملاً مشروعه لإعادة تشكيل موازين الحكم في دولة أرهقتها الحروب وخلخلتها هشاشة المؤسسات. دولة تتنازعها القوى الإقليمية والدولية، ويُثقل تاريخها إرثٌ طويل من الانقلابات التي هزّت أفريقيا الوسطى وغرب القارة، بحسب ما يقول محللون. في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي توجه أكثر من مليوني مواطن إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات تشمل الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية، وهي انتخابات تمثّل اختباراً سياسياً حاسماً لتواديرا؛ إذ يتشابك الاستحقاق الانتخابي مع جدل حول تمديد الولاية الرئاسية، وسط تطلعات لتعزيز الشرعية وبناء المؤسسات الهشة للدولة المثقلة بتحديات الأمن والتنمية.

من رحم أسرة بسيطة، ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحه، وأظهر تفوقاً نادراً فيه، حتى التحق بالقسم العلمي في بانغي، قبل أن يحصل على شهادة البكالوريا عام 1976.

استمر في مساره الأكاديمي، فحصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة بانغي عام 1981، ثم الماجستير في ساحل العاج، قبل أن يتوجه إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا ويحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام 1986.

وبعد عودته، التحق تواديرا بالعمل الأكاديمي، حيث أصبح عميد كلية ورئيساً في جامعة بانغي، واستمر في التدريس حتى بعد انتقاله للعمل الحكومي، متمسكاً برغبته في التواصل المباشر مع الطلاب والجمهور.

فمشوار أكاديمي استثنائي للبروفسور تواديرا في بلد يعاني من ندرة الأساتذة المؤهلين، أهداه صورة قيادية بعيدة عن الخطاب العسكري التقليدي، لكنه لم يبعده عن صراعات السلطة.

تحالفات محلية ودولية

وعلى الرغم من خلفيته العلمية، دخل تواديرا عالم السياسة الواقعية، حيث فرضت عليه الظروف بناء تحالفات محلية ودولية، خصوصاً مع روسيا والفصائل المسلحة المحلية والدولية. وقبل وصوله إلى قصر الرئاسة في 2016، شغل منصب رئيس الحكومة، ما منح مسار حكمه بعد ذلك قاعدة سياسية متينة، وخبرة واسعة أهلته لتكون صورة واضحة لمعادلات السياسية المعقدة في بلاده.أُعيد انتخاب تواديرا في 2020، وواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة، وإبرام اتفاقات سلام متقطعة مع فصائل مسلحة، مع اللجوء أحياناً إلى أدوات وأحلاف مثيرة للجدل على المستويين الداخلي والدولي.

ولطالما كان الأمن نقطة ضعف رئيسية في جمهورية أفريقيا الوسطى لسنوات، وقد ورث الرئيس تركة صراع بين تحالف «سليكا» المسلم وميليشيات «أنتي بالاكا» المسيحية، أدى إلى صراع طائفي واسع بعد الإطاحة بالرئيس فرنسوا بوزيزي عام 2013. وازدادت فصائل مسلحة محلية وتدخلات دولية وروسية وفرنسية أزمة البلاد تعقيداً، بحسب «مجموعة الأزمات الدولية».

وبعد انسحاب فرنسا من معادلة النفوذ في أفريقيا الوسطى، وتراجع فاعلية بعثات حفظ السلام التقليدية، اتجه قصر الرئاسة في عهد تواديرا نحو شراكة أمنية واقتصادية مع روسيا وشبكات مقاتلين خاصة تعرف إعلامياً بـ«فاغنر»، ثم وريثتها مجموعة «الفيلق الأفريقي».

الاعتماد على روسيا

ويبدو أن هذه المعادلة غير قابلة للتغيير؛ إذ لا يستبعد باحثون، ومنهم مستشارة «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتورة أماني الطويل، «استمرار تكريس اعتماد النظام الحاكم في أفريقيا الوسطى على الشركاء الخارجيين، وخصوصاً روسيا؛ إذ إن موسكو هي الضامن الأمني الأول لنظام الرئيس تواديرا، نظراً لسيطرتها الواسعة على الموارد الطبيعية وغياب أي منافس غربي بعد انسحاب فرنسا»، وفق ما قالت الطويل لـ«الشرق الأوسط».هذا الوضع منح الرئيس هامش مناورة داخلياً لمواجهة التهديدات، لكنه أثار اتهامات بانتهاكات حقوقية ومخاوف من فقدان السيادة الوطنية مقابل تنازلات على الموارد الطبيعية مثل الذهب والمعادن.

«أرض الغابات» ودوامة الانقلابات

وعلى الصعيد الإقليمي، عزز تواديرا مكانته بتعيينه في 2023 ميسراً للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا خلال الأزمة في الغابون، ما أسهم في صورته كقائد قادر على لعب دور إقليمي. كما ألغى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2024 الحظر عن الأسلحة المفروض على قواته المسلحة. كذلك أنهت عملية «كيمبرلي» تعليقها لصادرات الألماس الخام من أفريقيا الوسطى، علماً بأنها نظام دولي تم إنشاؤه للحد من تجارة الألماس الدموي؛ أي الألماس الذي يُستخدم لتمويل النزاعات المسلحة.وفي بلد لم تبارحه دوامة الانقلابات منذ استقلاله في ستينات القرن الماضي، لم تكن فترة ولاية الرئيس المنتخب تواديرا استثناءً من هذه الدائرة. ففي عام 2021، قاد الرئيس السابق فرنسوا بوزيزي محاولة «انقلاب فاشلة» ضد تواديرا، فانخرط الجيش الوطني، بدعم من قوات روسية ورواندية، في صدّ الجماعات المسلحة ودفعها إلى حدود البلاد، ما منح الرئيس تواديرا «نصراً عسكرياً» مؤقتاً استغله لتعزيز موقعه في حملته الانتخابية.

وتزداد المفارقات في «أرض الغابات» وضوحاً حين يظهر تدخل محمد حمدان دقلو «حميدتي» عام 2023، وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب في السودان، لإحباط مخطط انقلاب في جمهورية أفريقيا الوسطى عبر ضبط الحدود وتعطيل تحركات فصائل مسلحة.

محاولتا الانقلاب العسكري على حكم تواديرا لم تمنعاه من القيام بـ«انقلاب دستوري»، وفق وصف أماني الطويل، في 2023، حين أقرّت البلاد استفتاءً دستورياً أثار جدلاً واسعاً، مدّد فترة الولاية الرئاسية إلى سبع سنوات، وألغى القيد المتعلق بحصرها في ولايتين، ما فتح المجال أمام ترشحه لولاية ثالثة.

استقرار أم تمديد للحكم؟

مؤيدوه رأوا في ذلك خطوة نحو الاستقرار المؤسسي، بينما أعرب معارضون عن خشيتهم من مسار لتمديد الحكم بطريقة غير ديمقراطية، وهو ما حدا بمنظمة «المرصد من أجل الحوكمة الديمقراطية» إلى التقدم بطلب رسمي إلى المجلس الدستوري للطعن في ترشحه.أما على مستوى حياة المواطن العادي، فما زال البطء يهيمن على مؤشرات التنمية بشكل واضح؛ إذ يعتمد الاقتصاد على قطاعات محدودة، بينما تتحول الموارد الطبيعية إلى محور تنافس داخلي وخارجي.

ورغم رهان الحكومة على استثمارات جديدة لتمويل تكاليف الأمن، فإن مشكلات الشفافية والحوكمة ظلّت عقبة بنيوية حالت دون تحويل الثروات إلى نمو فعلي داخل الاقتصاد الوطني. وبقيت مناطق الشمال الشرقي مهمّشة ومحرومة من الخدمات والمشروعات الأساسية، في مقابل تركّز الجهود الحكومية في بانغي والمناطق الأكثر نمواً، وفق تقديرات منظمات المجتمع المدني وتحليلات معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا.

المعارضة عاجزة

ومع ذلك، يستبعد محللون، ومنهم الطويل، أي فرص للإطاحة بحكم تواديرا عبر صناديق الاقتراع، أو حتى اندلاع احتجاجات واسعة ضده، وهو ما عزته إلى «عجز المعارضة عن خلق وجود فعلي على الأرض بسبب التضييق والانقسام في بلد أنهكته الحروب بين المسلمين والمسيحيين».ويشار إلى أن أبرز خصوم فاوستين تواديرا في الانتخابات (تُعلن نتائجها خلال أيام)، هم أنيست جورج دولوغليه عن حزب «الاتحاد من أجل النهضة»، وهنري ماري دوندرا، مرشح مستقل ورئيس وزراء سابق، إلى جانب عدد من المرشحين الصغار المحدودي التأثير.

وعلى الصعيد الشخصي، لم تكن المفارقات والصراعات بعيدة عن حياة الرئيس تواديرا لكن بشكل ناعم، فهو «متعدد الزوجات»؛ إذ إنه متزوج من كل من بريجيت، وكذلك تينا تواديرا، ولديه ثلاثة أبناء، بينما ترد تقارير عن منافسة بين الزوجتين على لقب «السيدة الأولى» خلف الكواليس.

وسط هذه التفاعلات، يبقى السؤال المحوري أمام الرئيس تواديرا: هل سيقدّم تمديد فترة حكمه إطاراً حقيقياً لإرساء السلام والمؤسسات، أم أنه سيُعمّق الانقسام ويزيد الاعتماد على الفاعلين الخارجيين؟


الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)

تظل القارة الأفريقية بيئة خصبة للصراعات العرقية والدينية والسياسية، وفي قلبها تتشابك الأزمات الأمنية والاجتماعية في جمهورية أفريقيا الوسطى مع هشاشة مؤسساتها، كأنها أرض تئن تحت وطأة الصراعات المتواصلة.

ومع اندلاع حرب أهلية عام 2013، إثر انقلاب أطاح بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، تصاعدت التحديات والاقتتال الأهلي على أساس ديني بين فصيلين، أحدهما مسلم، والآخر مسيحي، ما استدعى تدخلاً دولياً عاجلاً تحت مظلة الأمم المتحدة لحماية المدنيين ودعم الاستقرار، رغم إدراك الجميع أن الحل لن يكون سريعاً أو سهلاً.

وفي أبريل (نيسان) 2014، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد في أفريقيا الوسطى، المعروفة باسم «مينوسكا»، لتكون ركيزة أساسية لمحاولة إعادة الاستقرار. وصُممت بعثة حفظ السلام لتعمل كـ«فرقة إطفاء دولية» تحاول السيطرة على ألسنة اللهب الصراعية المشتعلة في بلد تعصف به النزاعات المسلحة، وتتفكك فيه الدولة.

وتكفلت «مينوسكا» بمهام شاملة، شملت حماية المدنيين، ودعم الانتقال السياسي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة وسيادة القانون، في محاولة لإعادة بناء الدولة وسط فوضى مستمرة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، حقّقت البعثة بعض الإنجازات الملموسة. فقد نجحت في منع موجات من العنف الجماعي، ونزعت سلاح أكثر من 800 مقاتل منذ منتصف 2025، كما دمّرت بنية تحتية للفصائل المسلحة، ما ساهم في تقليل التهديد على المناطق السكنية. كما دعمت «مينوسكا» المسار السياسي، وعزّزت سلطة الدولة، وشجّعت على تنفيذ اتفاقيات السلام، وإصلاح قطاع الأمن، وإعادة دمج المقاتلين في المجتمع المدني، ما مثّل خطوة مهمة نحو استقرار جزئي.

وفيما يعكس التحديات السياسية والدولية المحيطة بعمل البعثة الدولية، مدّد مجلس الأمن الدولي مهمة قوات حفظ السلام، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لعام إضافي، وسط تحفظ أميركي عن القرار، تمثّل في امتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

إضافة إلى المهام الأمنية، لعبت «مينوسكا» دوراً محورياً في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق النائية، وتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقية، ما ساعد في دعم العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب. ففي مناطق ساخنة مثل أوت مبومو، جنوب شرقي البلاد، وسّعت البعثة وجودها منذ 2024 لتخفيف تهديد الفصائل المسلحة، وتمكين السلطات المدنية من استعادة السيطرة على الأرض.

ومع ذلك، لم تكن الإنجازات شاملة. فقد رفضت بعض الجماعات المسلحة الالتزام الكامل باتفاقيات السلام، واستمرت في نشاطها في مناطق يصعب الوصول إليها، بينما واجهت قوات حفظ السلام هجمات مباشرة واحتجاجات محلية، ما كشف هشاشة الوضع الأمني وصعوبة بناء ثقة كاملة مع السكان. كما عانت البعثة من تحديات هيكلية، مثل نقص الموارد وتأخر الانتشار في البداية، ما أعاق السيطرة الفورية على بعض المناطق.

ويبقى دور الأمم المتحدة في أفريقيا الوسطى رمزاً مزدوجاً، فهي تحمي المدنيين وتتيح وصول المساعدات، لكنها عاجزة عن إخماد الحرائق بالكامل. القوة موجودة، لكن تأثيرها محدود، والسلام جزئي وهشّ.

ويعتقد محللون أن السلام المستدام لن يتحقق إلا بتكامل الدعم الدولي مع بناء دولة وطنية قوية قادرة على توفير أمن دائم، وعدالة حقيقية، وتنمية شاملة، وهو تحدٍ عسير يشكّل رهاناً استراتيجياً للرئيس فاوستين أركانج تواديرا في الولاية الرئاسية الثالثة المتوقعة.

وتبرز هذه التحديات نفسها، بصورة أو أخرى، في دول أفريقية مختلفة، تضم بعثات للأمم المتحدة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وجنوب السودان، والسودان (إقليم دارفور سابقاً)، والصومال، حيث تسعى المنظمة الدولية إلى تقديم نموذج محدود لسلام مستدام في قارة تعاني أزمات متكررة ومعقدة.