كارثة مرفأ بيروت تمزق ستار «الدولة الفاشلة»

المخاطر ارتفعت والاقتصاد مفلس وسط توسع الفقر وذل العيش

امرأة تسير وسط الأنقاض التي خلفها الانفجار في  مرفأ بيروت أغسطس الماضي (رويترز)
امرأة تسير وسط الأنقاض التي خلفها الانفجار في مرفأ بيروت أغسطس الماضي (رويترز)
TT

كارثة مرفأ بيروت تمزق ستار «الدولة الفاشلة»

امرأة تسير وسط الأنقاض التي خلفها الانفجار في  مرفأ بيروت أغسطس الماضي (رويترز)
امرأة تسير وسط الأنقاض التي خلفها الانفجار في مرفأ بيروت أغسطس الماضي (رويترز)

يضع المراقبون والمحللون في إدارات ووحدات الأبحاث داخل لبنان ولدى المؤسسات الدولية، خطاً عريضاً تحت تاريخ الرابع من أغسطس (آب) 2020 ليس بصفته يوم الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت وبما حصده من ضحايا وتدمير شبه تام للمرفق الحيوي، ونحو ثلث أحياء وسط العاصمة وقلبها النابض فحسب، بل بحقيقة تحوله مفصلا حاسما بين مرحلتي الدولة المتعثرة في جبه أزمات اقتصادية ومالية صعبة، وبين واقع اللادولة الغارقة في فشل ذريع لكامل منظومات السلطة والإدارة والسقوط المدوي لمؤسساتها ولقطاعاتها الاقتصادية والنقدية، بلوغا إلى تقويض مقومات العيش لنحو 6 ملايين نسمة من السكان.
فالمقدمات السابقة للانفجار لم تكن عادية في وقائعها وتأثيراتها. وهي وإن انفصلت عنه تماما في خلفية الأسباب المادية البحت، إنما تطابقت معه في المساهمة الوازنة في حصيلة التدمير المنهجي الذي سببه الفساد للبلاد ومؤسساتها. كما أن الحدث الجلل الذي باغت العالم أجمع بشدته وإدراجه كثالث أكبر انفجار غير نووي في التاريخ، وبلغت موجات عصفه وصداها الصوتي جزيرة قبرص، وقع فعليا بينما كانت رقعة الخلافات السياسية داخل البلاد تتسع وتغذي الفوضى النقدية العارمة، ليتعمق معها الانحدار في مستوى القعرين الاقتصادي والمعيشي.
هكذا اكتمل المحتوى السوريالي للمشهد اللبناني بين أحداث متلاحقة، وتوج باستقالة حكومة الرئيس حسان دياب بعد يومين من الكارثة، لتتحول حكومة تصريف الحد الأدنى لمهام السلطة التنفيذية، معلقة بذلك المفاوضات الخاصة بخطة الإنقاذ والتعافي التي تم عرضها بتراء على إدارة صندوق النقد الدولي بسبب تشرذم الفريق اللبناني وتباعد المقاربات بين الحكومة ولجنة المال النيابية والبنك المركزي وجمعية المصارف.
لاحقا تضاعفت تباعا، ككرة الثلج، أكلاف المعالجة لفجوة مالية تباينت التقديرات على احتسابها بين 55 مليار دولار و90 ملياراً، وسط جدل عقيم لتحديد الجهة التي تتحمل الخسائر. وذلك على منوال التسعير التشاركي للجدليات الداخلية في تبادل الاتهامات وكرات المسؤولية عقب نحو 9 أشهر من انفجار غضب شعبي عارم حمل تسمية ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وترجمته سلسلة متصلة، على مدار الأسابيع والأشهر اللاحقة، من المظاهرات والتحركات الاعتراضية التي لم تخل في محطات كثيرة من ردود عنيفة تولتها السلطات وبعض الأطراف الداخلية ذات السطوة.
والمثير في الوقائع التالية التي جردتها «الشرق الأوسط» مع عدد من الخبراء، والمعززة بتفشي وباء «كورونا» وبتفاقم العجز في المالية العامة، تعميم حالة «عدم الاكتراث» والأشبه بالإنكار التي اعتمدتها في إدارة التعامل مع الثورة الشعبية واحتجاجاتها العارمة، على الكارثة المستجدة في المرفأ، وتعمد وضع البلاد وقطاعاتها على مسار انحداري حاد، ارتقت معه المخاطر العامة وانعدام الثقة الداخلية والخارجية إلى درجات مذهلة.
كل ذلك يجري بدفع «عاقل» من الأطراف الداخلية المسيطرة على القرار الداخلي والسلطات الدستورية ومؤسسات إدارة الدولة. فهي تعاملت مع الانفجار الهائل بمنطق يغلب عليه الطابع الأمني، وواظبت على وصفات تسكين الآلام عبر الإنفاق غير المدروس من الاحتياط الحر للعملات الصعبة لدى البنك المركزي، فيما تكفلت مواقفها اللامبالية غالبا بفرك الجروح الغائرة في اقتصاد البلاد وقوت سكانها بالملح.
أكثر من ذلك، تقدمت الأطراف المقررة بعناد غريب لحيازة صفة «الدولة الفاشلة». فعمدت، بالتكافل والتضامن إلى التعامل بسلبية مشهودة مع المجتمع الدولي ومؤسساته الناشطة وباستخفاف صريح مع مبادراته الإنقاذية، وفي مقدمتها المبادرة الفرنسية. ووجدت ضالتها في عرقلة إعادة الانتظام إلى السلطة التنفيذية، والاحتفاظ مع التوسعة، بفجوة تغييب حكومة المهمة الإصلاحية. لتضيف صفة الدولة المارقة إلى صفتي الإنكار والفشل، مؤكدة عزل لبنان عن محيطيه الإقليمي والدولي، بعدما تولت حكومة دياب في أوائل مارس (آذار) إخراج لبنان ومؤسساته من الأسواق المالية الدولية عبر تعليق دفع مستحقات متصلة بسندات الدين الدولية (يوروبوندز)، من دون التحوط لاستحقاق كامل المحفظة التي تزيد أصولها الأساسية على 30 مليار دولار، ومن دون الدخول في مفاوضات مسبقة وجدية مع الدائنين.
وتطابقت المخاوف المحلية للخبراء سريعا مع تقرير صادم أصدره البنك الدولي بعد أشهر قليلة من انفجار المرفأ والإدارة الفاشلة للدولة. وفيه أن لبنان يعاني من كساد اقتصادي حاد ومزمن، ومن المُرجح أن تُصنف هذه الأزمة الاقتصادية والمالية ضمن أشد عشر أزمات، وربما إحدى أشد ثلاث أزمات، على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. وفي مواجهة هذه التحديات الهائلة، يهدد التقاعس المستمر في تنفيذ السياسات الإنقاذية، في غياب سلطة تنفيذية تقوم بوظائفها كاملة، الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية أصلاً والسلام الاجتماعي الهش؛ ولا تلوح في الأفق أي نقطة تحول واضحة.
وبلغة تتعدى المعايير الدبلوماسية المعهودة، قرر البنك الدولي «أن استجابة السلطات اللبنانية لهذه التحديات على صعيد السياسات العامة كانت غير كافية إلى حد كبير. ولا يعود ذلك إلى الثغرات على مستوى المعرفة والمشورة الجيدة، بقدر ما يعود إلى غياب توافق سياسي بشأن المبادرات الفعالة في مجال السياسات». وزاد مبينا شبهة «وجود توافق سياسي حول حماية نظام اقتصادي مفلس، أفاد أعداداً قليلة لفترة طويلة»، ومنبها «نظراً لتاريخ لبنان المحفوف بحرب أهلية طويلة وصراعات متعددة، ثمة حذر متنام من المحفزات المحتملة لنشوب اضطرابات اجتماعية. فالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتنامية الخطورة تهدد بقصور النظام الوطني بما لذلك من آثار إقليمية، وربما عالمية».

الاستهلاك والغذاء يعبدان الطريق إلى «الجحيم» المعيشي
> لا يتطلب المسح الميداني لمكونات مؤشر الغلاء جهودا استثنائية. فالسد الوهمي الفاصل بين التضخم المفرط الذي يحاكي التجربة الفنزويلية التي يجري المضاهاة بها كنموذج عالمي صارخ بحدته ومرارته، وبين «الجحيم» المعيشي الموعود في لبنان، مرشح للزوال سريعا مع نضوب مبالغ تمويل الدعم لدى البنك المركزي لمجموعة السلع الاستراتيجية والأساسية.
وليس من المبالغة تعميم صفتي البؤس والكآبة على أحوال السكان عموما. فمن يفقد قدرات العيش بالحد الأدنى هم الغالبية العظمى بنسبة تعدت 75 في المائة من السكان، ومن يحوز «نعمة» الدخل بالدولار الطازج «الفريش» عملا أو تحويلا أو بما يتيسر له من «القرش الأبيض» المحتجز في البنوك يصطدم بندرة وجود السلع الحيوية وحتى انعدامها.
عموما، يخضع السكان بأطيافهم كافة للامتحان الإنساني الأصعب. وهم يدركون مسبقا أن علو موجات ارتفاع الأسعار الاستهلاكية واحتشادها سيبلغ وشيكا مستوى «تسونامي» مدمر لكل جدران الصمود التي يتحايلون في بنائها بلا أساسات ولا دعائم. وبالتالي يتهيب الخبراء في قراءة المشهد القاتم مع تسريع وتيرة الانتقال من حال الندرة إلى حال الانقطاع التام لمواد وسلع وخدمات تشكل مجتمعة أساسيات الحياة «الآدمية».
في الواقع، صار الترقب يوميا وتراكميا لارتقاء التضخم باندفاعات صاروخية، ليصبح في غضون فترة قصيرة قد لا تتعدى الشهر الواحد، مطابقا لمستوى انحدار العملة الوطنية، مضافا إليها احتساب الهوامش الإضافية التي يضعها المستوردون والتجار. هي مرحلة انهيار منظومة الدعم الفوضوية التي بددت نحو 6 مليارات دولار سنويا على مدار الأزمة، واستحقاق تداعياتها بتقدم ظواهر فقدان المحروقات والكهرباء والمياه والأدوية وتمدد الخطر إلى الاتصالات والإنترنت، والتراجع المطرد والمخيف في قطاعات الخدمات العامة والاستشفاء والتمريض والتعليم بمستوياته كافة.
ويبين المسح الذي أجرته منظمة «اليونيسف» حديثا أن أكثر من 30 في المائة من الأطفال في لبنان ينامون جوعى، لعدم حصولهم على عدد كاف من وجبات الطعام. كما أن 77 في المائة من الأسر لا تملك ما يكفي من غذاء أو مال لشراء الغذاء. وترتفع هذه النسبة إلى 99 في المائة لدى الأسر السورية. كذلك، فإن 60 في المائة من الأسر تضطر إلى شراء الطعام عبر مراكمة الفواتير غير المدفوعة أو من خلال الاقتراض والاستدانة، و30 في المائة من الأطفال لا يتلقون الرعاية الصحية الأولية. ويتحدث 80 في المائة من مقدمي الرعاية عن مواجهة الأطفال صعوبات في التركيز على دراستهم في المنزل، إما بسبب الجوع وإما نتيجة الاضطراب النفسي.
في المقارنة، يمكن استنباط منحنى بياني مسبق لاتجاه متوسط مؤشر الغلاء العاكس لسعر الدولار في الأسواق الموازية، بعد رفع الدعم الذي سيشمل قريبا كامل المواد والسلع، باستثناء الخبز ومجموعات محددة من الأدوية وحليب الأطفال. فمع بلوغ الدولار متوسطا سعريا جديدا عند عتبة 20 ألف ليرة، واعتماد الهامش الأعلى في تسعير غالبية السلع الغذائية والاستهلاكية، أي بما يتعدى 22 ألف ليرة لكل دولار، يمكن رصد قفزات غير لمؤشر الغلاء، بعدما تعدى نسبة 100 في المائة بنهاية النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة عينها من العام الماضي. مع التنويه بأولى القفزات المتحولة حجما في شهر يوليو (تموز) الماضي، والمقدرة، بحسب مرصد الجامعة الأميركية في بيروت، بصعود أسعار سلع غذائية أساسية بأكثر من 50 في المائة في أقل من شهر.
ومن بين النماذج الصارخة للارتفاعات المذهلة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية المحلية والمستوردة على حد سواء، الألبان والأجبان، حيث اندفع سعر الحليب من نحو 10 إلى نحو 25 ألف ليرة على مدار سنوي، وزاد سعر كيلو اللبن من نحو 13 إلى 30 ألف ليرة، وكيلو اللبنة من 20 إلى نحو 60 ألف ليرة. وارتفع سعر كرتونة البيض من 20 إلى نحو 50 ألف ليرة، وعبوة المرطبات من ألفين إلى 5 آلاف ليرة، وحلق سعر لتر الزيت النباتي فوق متوسط 40 ألف ليرة. وتخطت أسعار الحبوب بأنواعها من عدس وحمص وفاصولياء وفول وسواها حدود 25 ألف ليرة بالحد الأدنى. حتى سعر علبة السردين (سمك الفقراء) وصل إلى 15 ألف ليرة، لتبرز معه «رفاهية» علبة التونة فوق مستوى 30 ألف ليرة لكل 200 غرام بالحد الأدنى. في حين وصل سعر كيلو اللحم البقري إلى 150 ألف ليرة والغنم إلى 250 ألف ليرة. ولم تخالف مقطعات الدجاج المنوال فزاد سعر الكيلوغرام إلى نحو 70 ألف ليرة.
في النتيجة، محزن للغاية ما جاهرت به نجاة رشدي، نائبة المنسقة الخاصة والمنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، بأن «الناس عاجزة عن توفير احتياجاتها الغذائية الأساسية وتستبدل الوجبات الصحية بخيارات أرخص غير صحية، مما يهدد أمنها الغذائي». _



تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».