نماذج من أفلام حول البحر على السطح وفي الأعماق

من هيتشكوك وفيلليني إلى كاميرون وشهد أمين

من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
TT

نماذج من أفلام حول البحر على السطح وفي الأعماق

من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»

حكاية فيلم «عجوز» (النقد أدناه) تحتوي على شاطئ وبحر. تجوبهما الكاميرا وتقع الأحداث على الأول ثم تمضي صوب الآخر. لكنّ هذا لا يعني أن البحر في هذا الفيلم له شخصية دامغة أو حضور في التداعيات الذهنية أو إيحاءات من أي نوع.
على هذا النحو هناك الكثير من الأفلام التي دارت أحداثها في البحار أو عند نقاط التقائه بالبر. غالب أحداث «قراصنة الكاريبي» على سبيل المثال يقع في سفن تبحر أحياناً في أجواء هادئة وعلى سطح مياه ساكنة وأحياناً في وسط عواصف هوجاء. على ذلك الدور الذي يلعبه البحر في هذه السلسلة تكميلي ينبع من طبيعة الحكاية المرويّة.

مادة صالحة للحبكة
لكن للبحر مفاهيم واسعة ومدلولات مختلفة وبالتالي هويّة مهمّة في إطار الأفلام التي تعرف كيف تتجاوز حضوره الطبيعي والقصصي.
البحر هو الخلاص عند المخرج فديريكو فيلليني. عندما يحاول الصحافي مارشيللو ماستروياني في فيلم «لا دولتشي ڤيتا» (1960) إعادة اكتشاف موقعه من الحياة، يترك المدينة وراءه ويقصد البحر. البحر موجود في العديد من أفلام فيلليني الأخرى ودائماً كتطلع صوب أفق دافئ، كما الحال في «أماركورد» (1973) أو كملجأ لحياة جديدة كما الحال في «والسفينة ترحل» (1983). بدوره عالج المخرج محمد خان البحر على أكثر من وجه؛ في «أحلام هند وكاميليا» هو مستقبل يلغي الحياة الصعبة التي عاشتها بطلتا الفيلم، نجلاء فتحي وعايدة رياض ومعهما طفلة إحداهما أحلام. على شاطئ الإسكندرية تجد تلك الألفة والسعادة مجسّدة كنهاية رحلة وبداية أخرى.
وعلى الشاطئ ذاته اختار خان حكاية فيلمه الأخير «قبل زحمة الصيف». كان يمكن للأحداث ذاتها أن تقع، على نحو أو آخر، في المدينة أو في منتجع صحراوي أو في قرية سياحية، لكنه اختار البحر كانعكاس لمشاغل حفنة من الشخصيات التي كانت تحتاج إلى مساحة طبيعية حرّة (فضاء، بحر، ساحل غير معجوق) لكي تكشف الآخرين وتكتشف أشياء عن ذواتها.
ليس على البحر دوماً أن يكون ملاذاً؛ هو الخطر المحدق في أفلام، والبديل الخطر للحياة على اليابسة في أفلام أخرى. هو وديع هنا وغاضب هناك. مثار تساؤلات حول ما الذي سيحدث حيناً، وعمقٌّ لا متناهٍ حيناً آخر.
مرّة أخرى، لا تتوانى بعض الأفلام عن تصوير البحر كمادة صالحة للحبكة. كجزء من مغامرة من دون ذلك الحضور المدهم الذي يجعل المشاهد قادراً على تخيّل نفسه في الدوّامة فيما لو كان محل أحد الشخصيات. هذا نراه في «سبيد 2» لجان دي بونت (1997) و«الرحمة» لجيمس مارش (2017) و«سفينة شبح» لستيف بك. تحديد البحر بالمغامرة وحدها (كما حال هذه الأفلام) لا يعني تقييماً مُعيّناً لصالح الفيلم أو ضده، بل يعني أن الأحداث هي التي طغت حضوراً ولغاية تشويقية محدودة.
هذا يحدث في «قارب حياة» (Life Boat) لألفرد هيتشكوك (1944). في ذلك الفيلم يجد ناجون من سفينة غرقت بفعل قذيفة ألمانية في رحى الحرب العالمية الثانية، أنفسهم عالقين في قارب صغير يبحث عن شاطئ أو ربما عن سفينة أخرى عابرة. لمحات من الحضور المائي كخطر محدق على الجميع تسود في خلفية الصراع من أجل الحياة.
هذا ليس بعيداً عن فيلمين لاحقين هما «حياة باي» لآنغ لي (2012) و«كل شيء ضاع» (All is Lost) للمخرج ج. س. شاندور (2013). كلاهما عن رجل وحيد في غابة من الماء. لكن المعضلات تختلف. هي غرائبية إلى حد بعيد في الفيلم الأول وواقعية إلى حد بعيد كذلك في الفيلم الثاني. «حياة باي» كان الأسبق إلى الشاشات وألهم البعض رغم أنه لم يكن الفيلم الجيد على أكثر من وجه، بينها قدرته المفترضة على الإيحاء. هذا على عكس «كل شيء ضاع» الذي دخل في صميم حياة رجل منفرد فوق قارب معطّل. لا يمكن مع هذا الفيلم الرائع إلا قراءة تاريخ الرجل (من دون مشهد فلاشباك واحد) والوضع الاجتماعي والسياسي لأميركا ذاتها. بذلك البحر هنا مناسبة لاكتشاف واقع. نقلة ما بين فترة وأخرى وليس مجرد مكان لرحلة.

في القاع
هناك عدّة أفلام عن سفن وقوارب تغرق. «تايتانِك» لجيمس كاميرون (1997) أحدها. حضور البحر هنا متعدد الأوجه. هو المحيط الذي لا مهرب منه. الصراع من أجل النجاة. التضحية. بداية ونهاية قصّة حب. ثم تاريخ فعلي لباخرة وُصفت بأنها عصيّة على الغرق، لكن ها هي في رحلتها الأولى عبر المحيط تصطدم بجبل ثلجي. هو نجا وهي غرقت.
لكاميرون ثلاثة أفلام بحرية أخرى هي: «الهاوية» (The Abyss) أخرجه قبل «تايتانِك» بسبع سنوات، والثاني «أشباح الهاوية» (2003)، والثالث «غرباء العمق» (Aliens of the Deep) بعد عامين (2005). تعبر هذه الأفلام التسجيلية التي تذهب بالكاميرا إلى حيث لم تذهب السينما من قبل، لا عن حب المخرج للبحر كمفاد لغموض الحياة في بيئتها الأولى وداخل أعماقها الغريبة فقط، بل عن عالم مخيف وغريب استخدمته أفلام الوحوش المائية (مثل سلسلة «غودزيللا») للحديث عن مخاطر تنبع منه لتغزو اليابسة.
فيلم ستيفن سبيلبرغ «Jaws» لم يشأ أن يتحدّث عن وحوش خيالية. البحر في ذلك الفيلم الذي حققه سنة 1975 مع روي شايدر وروبرت شو ورتشارد دريفوس في البطولة يتعامل والبحر من دون تصوير أعماقه. سمكة القرش الكبيرة والفتّاكة التي تتغذى على أبدان الضحايا قرب الشاطئ، ليس عليها أن تغوص كثيراً. فيلم سبيلبرغ يستخدم البحر كديكور لكنه استخدام في مكانه وبُعده هو الخوف من الوجود. بذلك هو قريب من استخدام سبيلبرغ للشاحنة ذات السائق المجهول الذي يحاول قتل سائق سيارة صغيرة في «مبارزة» (1971). هذا الاستخدام قريب من طبيعة فيلم «موبي دِك» (Mobi Dick) لجون هيوستن (1956) حيث ينبري كابتن أهاب (غريغوري بِك) لصيد حوت كبير. أهاب صياد حيتان خسر ساقه في غمار هوسه بالصيد والمغامرة التي نراها مشدودة أمامنا هي الأصعب والأخطر بين كل مغامراته.

الصدّيق وشهد أمين
بعد عامين من ذلك الفيلم قام الأميركي جون ستيرجز بتحقيق رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر». العيش في قرية ساحلية بالنسبة للصياد العجوز (سبنسر ترايسي) لا يُغني شيئاً عن خوض الحياة في ذلك اليمّ الشاسع. واهن وضعيف والغلة لم تعد تكفي لبيع صيده في السوق. هذه المرّة، وبعد فترة طويلة من التجديف بعيداً يصطاد سمكة كبيرة يصارعها وتصارعه. كل منهما يريد البقاء حيّاً. كل منهما محقٌّ في صراعه.
عدّة أفلام خليجية تعاملت مع البحر. غالبيتها أفلام تسجيلية عن صيد السمك وصيد اللؤلؤ. لكن الروائي كان له حضوره أيضاً. في «بس يا بحر» للكويتي خالد الصدّيق، كل ما كان يلزم في زمن إنتاج الفيلم (1971) من بحث في حال مجتمع ما قبل النفط كخلفية لحكاية شاب سيغوص بحثاً عن اللؤلؤ كي يعيل أهله بعدما فقد والده الغطّاس ذراعه. في الوقت ذاته، هناك الفتاة التي يحب والتي سيتقرّب منها إذا ما عاد بالجواهر الثمينة.
في فيلم السعودية شهد أمين «سيدة البحر» (2019) جنوح مثير صوب الغرائبية: حياة، بطلة الفيلم، تعيش فوق جزيرة قاحلة. والدها مجبَر على التضحية بها لإرضاء حورية البحر حتى يرتفع منسوب صيد السمك لدى أهل القرية. حكاية خيالية لا تحديد لمكان حدوثها لكنها موحية بالأسطورة من ناحية وبالبحث عن حريّة المرأة واستعادتها للقرار الذاتي.



مهرجان «برلين» المقبل ينشد استعادة مكانته

من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)
من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)
TT

مهرجان «برلين» المقبل ينشد استعادة مكانته

من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)
من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)

بعد مهرجان «برلين» في دورته الـ76، التي تبدأ في 22 فبراير (شباط)، ينطلق المهرجان انطلاقة جديدة بعد سنوات من تعرّضه لعثرات إدارية وفنية جعلته يتأرجح بين المكانة العالمية التي احتلّها سابقاً وبين الانتقال إلى وضع أدنى مقلق لا يتلاءم مع تاريخه الناصع. في العام الماضي، تعهّدت مديرة المهرجان الجديدة، تريشا تاتل، بأن تُعيد للمهرجان بريقه ودوره الريادي، وقد أنجزت بعض ذلك الوعد إلى حدّ مقبول، والمنتظر استكماله هذا العام.

معركة

في لقائها مع الصحافة قبل 3 أيام، ذكَّرت رئيسة المهرجان تاتل بأن دور المهرجانات اليوم هو الحفاظ على نبض السينما المستقلة في مواجهة المتغيّرات: «إنها معركة لضمان أن ثقافة السينما تستطيع الاحتفاظ بأنفاسها». وأضافت: «صالات السينما هي أقوى وسيلة ليعرض المبدع عمله. من المهم حقاً أن نشترك في مشاهدة الأفلام في الصالات، لأننا بحاجة إلى مزيد من التواصل والقليل من العزلة».

في الواقع، إن الوضع القائم مع انتشار سلطة المنصّات وجاذبيتها يؤيِّد ما تذهب إليه تاتل. فلولا جميع المهرجانات (تلك الغربية على وجه الخصوص)، لما بقي للسينما ذات التوجّهات الفنية شكل، وللجادة مضمون يُذكر.

ما يأمله المهرجان الألماني هو- على الأقل - تثبيت مكانته بين مهرجاني «كان» و«ڤينيسيا»، اللذين يقودان الحركة السينمائية البديلة عالمياً. ويُعدّ نجاح هذه الدورة أساسياً في صلب هذا الهدف.

فيلم الافتتاح هو «تقليم الورد» (Rosebush Pruning) لكريم عينوز (من أب جزائري وأم برازيلية)، الذي استقبل المهرجان له أفلاماً سابقة باستحسان عام. هذه السنة يعود بفيلم عن صراع الأقارب على إرث الأم بعد وفاتها. وغالباً ما يكون من نوع الأفلام التي تدور في مناسبة تجتمع فيها شخصيات سرعان ما تُبدي ما كانت تخفيه من مشاعر وأسرار.

إنه واحد من 22 فيلماً في المسابقة الرسمية، 20 منها لم يسبق عرضها عالمياً. الفيلمان الوحيدان اللذان شهدا عروضاً في مناسبة أخرى هما «جوزفين» لبِث دي أرايجو، الذي شارك في عروض مهرجان «صندانس» هذا الشهر، و«وولفرام» لوورويك تومتون، الذي عُرض في مهرجان «أديلايد» في أستراليا قبل 3 أشهر.

«ملكة عند البحر» (ذ ماتش فاكتوري)

أزواج وزوجات

سنشاهد فيلمين من إخراج سينمائيين تركيَّين، هما «رسائل صفراء» (Yellow Letters) للتركي إلكر شلق، عن رجل وزوجته يتعرّضان لحملة حكومية في يوم افتتاح مسرحيّتهما، ما يؤدي إلى زعزعة أركان حياتهما المشتركة.

والثاني فيلم شاركت السعودية في تمويله إلى جانب تركيا وفرنسا واليونان والسويد وهولندا، بعنوان «خلاص» لأمين ألبر، عن نزاع بين شقيقين حول الوسيلة التي يمكن من خلالها الدفاع عن بلدة تسودها عصابة.

في موقع آخر، يوفّر الفيلم النمساوي «الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (The Loneliest Man in Town) لتيزا كوفي حكاية عازف أغنيات بلوز يعيش بمنأى عن العالم المحيط، إلى أن يقرّر فعل شيء لإنقاذ شقته المهدّدة بالهدم.

في الفيلم الألماني «زوجتي تبكي» (My Wife Cries) قصة عامل بناء يهرع إلى المستشفى حال تلقيه اتصالاً من زوجته. وفي موضوع قريب ولو مختلف، يأتي «ذباب» (Flies)، دراما مكسيكية لفرناندو أيمبك عن رجل يستأجر شقة ليكون قريباً من المستشفى الذي ترقد فيه زوجته.

إنها معركة لضمان أن ثقافة السينما تستطيع الاحتفاظ بأنفاسها

هناك فيلم رسوم من إخراج الياباني يوشيتوشي شينوميا بعنوان «فجر جديد»، حول عامل في مصنع مهدّد بالإغلاق ومحاولته تجنّب البطالة بالكشف عن سر اختفاء والده من دون أثر.

ثلاثة أفلام عن المرأة، أولها «نينا روزا» للكندية جنڤييڤ ديلودي دي سيلاس، عن رجل يحاول معرفة ما إذا كانت الرسّامة التي أثارت اهتمامه بلوحاتها فنانة أصيلة أم لا.

الثاني هو «ملكة البحر» (Queen at Sea) للانس هامر، ومن بطولة جولييت بينوش، التي تلعب دور زوجة مصابة بسرطان متقدّم ومحاولة زوجها وابنتها مساعدتها في هذا المصاب. وهناك «هناك بحر آخر» (At the Sea)، فيلم مجري-أميركي عن امرأة (آمي أدامز) تعود لزيارة أهلها لتجد أمامها صدّاً بسبب عملها راقصة.

الفيلم الياباني «فجر جديد» (ملف مهرجان برلين)

مقابل غائب

ترسم هذه الأفلام صيغة البحث عن توافق عائلي، أو في بعض الحالات عمّا يهدّد حياتها المشتركة، كون العديد منها، والأخرى التي لا يتّسع المجال لذكرها، تدور في رحى ما يجمع أو ما يفرّق بين العائلات الغربية أو تلك التي تعيش في الغرب.

المقابل الغائب هو تلك النفحة من الأفلام التي سبق عرضها في الدورات الثلاث الماضية وما قبلها، والتي عمدت إلى طرح مسائل سياسية ساخنة، كالقضية الفلسطينية أو تاريخ التمييز العنصري ضد اليهود.

وبالتأكيد، هناك أفلام في برامج موازية للمهرجان ستوفّر بديلاً لما تعرضه المسابقة، وهو ما يجب البحث عنه خلال عروض المهرجان.


شاشة الناقد: 3 أفلام عن مدارات الفضاء وأحلام الثراء والأخوة

«النصب» (نتفليكس)
«النصب» (نتفليكس)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام عن مدارات الفضاء وأحلام الثراء والأخوة

«النصب» (نتفليكس)
«النصب» (نتفليكس)

THE RIP

النصب ★★★ إخراج: ‪ جو كارناهان ‬

الولايات المتحدة | تشويق بوليسي

حول ثروة ضخمة وخيارات قليلة

«it‪’‬s a rip» يقول أحد أفراد البوليس الذين اقتحموا منزلاً ووجدوا فيه أكثر من 22 مليون دولار. في القواميس معنى كلمة «Rip» هو «تمزيق» أو «شق». حسب التعبير الأميركي تعني حيلة ونصباً، لذلك يصرخ أحدهم بتلك العبارة محذّراً الآخرين من الوقوع في فخ محكم.

حكاية «نصب» بسيطة في الجوهر ومعقدة في التنفيذ: 5 أفراد من رجال ونساء البوليس يستهدفون منزلاً في مدينة ميامي تبعاً لوشاية بأنه يحتوي على مئات آلاف الدولارات. يكتشفون أن هناك أكثر من 22 مليون دولار مخبأة في غرفة سرية محصَّنة. القلق يسري في عروق هؤلاء لأن المبلغ يغري بتوزيعه بينهم باستثناء بعضهم، ولأن هناك قوة خارجية مجهولة تتربص بهم خارج المنزل.

لو أن المخرج جو كارناهان اختار لفيلمه أن يبقى داخل ذلك المنزل، لأنجز عملاً أفضل على الأرجح، لكنه بعد نحو 95 دقيقة يختار الانتقال بفيلمه إلى الشارع للكشف عمن يريد سرقة الغلّة.

على ذلك يحافظ الفيلم على مهارة وتشويق. بن أفلك هو التحري الذي يتبنى رفض سرقة الغلّة، بينما مات دامون يثير حوله غموض الموقف. الباقون بينهم رجل شرطة فاسد وامرأتان يتذكّران ماذا كانا سيفعلان بحصة من هذا المال لو أتيح لهما ذلك.

المداولات ناجحة رغم كثرة الحوار، والموضوع مثير بحد ذاته من زاويتين: ماذا لو أن رجال القانون، مع كل متاعبهم المادية وأحلامهم بغد أفضل، سمحوا لأنفسهم بالغنيمة؟ وهل سيفعلون ذلك أم سيقاومون الإغراء؟

قبل أن أنسى، هناك كلب مدرَّب على شم المال ونراه يكتشف أن البيت ملغوم بالدولارات، لكن بيننا، هل يمكن لأي كلب اكتشاف ذلك من وراء جدار تم بناؤه لعزل الغرفة السرية؟ لا أعتقد.

BUGONIA

بوغونيا ★★★ إخراج: ‪ يورغوس لانتيموس ‬

الولايات المتحدة | كوميديا سوداء

عن خطر العيش مع الغرباءفيلم المخرج اليوناني يورغوس لانتيموس الذي كوّن لنفسه صيتاً عالمياً كبيراً، الأخير تحذير من سقوط الإنسان في ورطة غزو من قوى خارجية تسيطر على مقدّراته. لا نأخذ هذه الرسالة بحذافيرها لأن القوى الخارجية قد تكون، لو نجح المخرج في الترميز، من يملك مقادير الحياة على الأرض من الساسة ومبدعي الصناعات الإلكترونية والسوشيال ميديا وكبار شركات الأدوية.

إيما ستون في «بوغونيا» (فوكاس فيتشرز)

فيلم المخرج اليوناني يورغوس لانتيموس، الذي كوّن لنفسه صيتاً عالمياً كبيراً، هو الأخير تحذير من سقوط الإنسان في ورطة غزو من قوى خارجية تسيطر على مقدراته. لا نأخذ هذه الرسالة بحذافيرها، لأن القوى الخارجية قد تكون، لو نجح المخرج في الترميز، من يملك مقادير الحياة على الأرض من الساسة ومبدعي الصناعات الإلكترونية والسوشيال ميديا وكبار شركات الأدوية.

لكن لانتيموس لا يريد أن يقترب من الواقع بأي شكل، ولا حتى الإيحاء به. يبني حكايته على أن رجلين هما تَدي (جسي بليمونز) ودوني (آيدن دلبس) يخطفان ميشيل (إيما ستون) وينقلانها إلى منزل منعزل. تَدي محارب في سبيل نقاوة الإنسان على الأرض، ودوني أضعف من أن يعترض. إنه تابع مخلص، وإذا ما طلب منه تَدي مراقبة ميشيل المقيّدة إلى كرسي بتهمة أنها ليست في الحقيقة بشراً بل هبطت من السماء لتسيطر على حياتنا، فإنه سيفعل ذلك بكل قناعة (إلى أن تتبدد هذه القناعة لاحقاً).

كان بالإمكان للفيلم أن يرسم ملامح أقرب إلى الحقيقة قبل الوصول إلى نهايته، حيث سنتعرف على ما إذا كانت ميشيل بشراً أم لا، من دون أن يتبنَّى الواقعية بشكل مباشر. لكن لانتيموس، الذي يحرص على حماية أسلوبه ومنواله الإخراجي، يفضل أن يبقى ضمن فانتازيا داكنة يدرجها تحت نوع من الكوميديا السوداء، مشحونة بأسلوب سبق أن وجد له أتباعاً كثيرين. أسلوبه يحمل سادية في التعبير؛ فهو مخرج يرى من الطبيعي تعريض أبطاله، خصوصاً إيما ستون، التي سبق أن ظهرت في فيلمين من أعماله هما «Poor Things» و«Kind of Kindness» لأوجاع بدنية ونفسية. تمنحه ستون كامل ثقتها ليمنحها موقعاً متميزاً ضمن مسيرتها الفنية، لكن ما نراه في الواقع قد يكون موجعاً أكثر من كونه مستحقاً.

السؤال الذي يطرأ أثناء متابعة مشاهد تعذيب شخصيتها هو: هل هذه التفاصيل ضرورية لنا أو للفيلم نفسه؟ ألم يكن بالإمكان أن يوحي بها المخرج بدلاً من عرضها صراحة؟

قد يتمتع لانتيموس بخيال جريء، لكن هذا لا يجعله بالضرورة فناناً عميقاً. أفلامه، عند إزالة القشور والانتباه إلى ما وراء المشاهد المخصصة للإبهار، لا تقدم أكثر من رؤية لما هو غريب وجديد، دون عمق حقيقي يستحق الثناء ذهب إليه نقاد عرب وغربيون على حد.

BROTHER

أخ ★★ إخراج: ‪ ماكياي سوبجنشكنسي

بولندا- 2025 | دراما عائلية

عن أم وطفلين ومتاهةدراما تعكس جهداً كبيراً من المخرج في تحليل العلاقات الأسرية بين ثلاثة أفراد (الأم وولديها) في غياب الزوج الذي يقضي عقوبة في السجن. تتعرّف الأم على أستاذ ابنها ديڤيد وتقيم علاقة معه.

من «أخ» (آبل فيلم برودكشنز)

الابن الأكبر يظهر ميولاً للعنف في المدرسة، فيسأله أستاذ الرياضة عن السبب، ومن خلال هذا الحوار يتواصل مع والدته، ما يؤدي إلى تطور تلك العلاقة. لكن ديڤيد يظل محور الفيلم، حيث يبحث المخرج في نشأة الصبي وسط أسئلته الحائرة التي يقدّمها الفيلم بشكل صامت.

حضور الأب في ذهن الأم وولديها أقوى من حضوره على الشاشة، وقد نجح المخرج في تقديم موضوع مثير للاهتمام على صعيد الحكاية وما يطرحه. غير أن التنفيذ كان مختلفاً، إذ يتبع المخرج أسلوب سرد يعتمد على انتقالات مستعجلة قبل أن يحقق كل مشهد هدفه بالكامل، في حين تبدو الكاميرا مشغولة بمشاهد استعراضية بلا سبب فعلي.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
TT

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ. المسلسل كان من النوع القائم على المباريات والألعاب التلفزيونية الكوميدية. في مطلع كل موسم، تُقدّم مجموعة من المشتركين (بعضهم معروف) في مسابقات ومواقف مثيرة، ومن ينجح في الإجابات ينتقل إلى الأسبوع التالي، ومن يخسر لا يعود.

الهدف النهائي هو بقاء رابح واحد يؤول إليه المال والشهرة، وضيافة الرجل الذي بات لاحقاً رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

دونالد ترمب في حلقة من «المتدرب» (إم جي إم تليفزيون)

بين ترمب وريغان

خلفية ترمب في «الشو بزنس» سبقت هذا المسلسل واستمرت بعده. في الواقع، ظهر ممثلاً في «وحيد في البيت 2» (Home Alone 2) سنة 1992. ثم شُوهد في دور صغير في آخر فيلم أخرجه وودي آلن بعنوان «مشهور» (Celebrity). لم يظهر ممثلاً يؤدي شخصية أخرى، بل بشخصيته هو، كما فعل في فيلم كوميدي آخر بعنوان «أسبوعا إنذار» (Two Weeks Notice) سنة 2002.

حقيقة أنه مثّل بشخصيته نفسها توحي بأنه اعتبر باكراً أن الكاميرات الوحيدة التي يريد الوقوف أمامها هي كاميرات وسائل الإعلام. لم يرغب في شق طريقه ممثلاً محترفاً، كما كان حال الرئيس الأسبق رونالد ريغان، بل في توظيف شخصه إعلامياً بمنهج سياسي محدد. هذه نقطة الاختلاف الأهم بينه وبين رونالد ريغان، الممثل الذي انتقل من أدوار ثانوية في السينما ابتداءً من عام 1937، ثم اعتزل التمثيل ليصبح حاكم ولاية كاليفورنيا عام 1967، تمهيداً لتوليه رئاسة الجمهورية الأميركية عام 1981 (خلفاً لجيمي كارتر) حتى عام 1989 (حين تلاه جورج بوش الأب).

كلاهما، ترمب وريغان، انتميا إلى الحزب الجمهوري، ولو أن ريغان بدأ توجهه السياسي عضواً في الحزب الديمقراطي قبل أن يستقيل منه وينتمي إلى الحزب المناوئ.

بعد سنوات من الأدوار الصغيرة، بدأ ريغان يُعزِّز حضوره على الشاشة بأدوار مساندة، كما في «سرب دولي» (International Squadron، للويس سايتر،1941)، ومن ثم تقدّم نحو أول بطولة له مشاركاً روبرت كامينغز في «صف الملوك» (Kings Row، لسام وود، 1941).

كان ريغان جاداً في رغبته بالنجاح في مهنة التمثيل، لكن مسيرته تعرَّضت للتراجع بسبب انضمامه إلى جهود الحرب العالمية الثانية، حيث خدم في وحدة الأفلام العسكرية منتجاً موادَّ تدريبية ودعائية، مما أبعده عن الشاشة لسنوات. وعندما عاد إلى الحياة المدنية، كان عليه أن يبدأ من جديد. وجد نفسه في منتصف الخمسينات في سلسلة من الأدوار المساندة، وأدرك أنه لن يستطيع تعويض ما فاته.

في المقابل، أدرك ترمب أن آماله ليست في الأفلام، على عكس ريغان الذي كان يرغب في أن يتبوأ النجومية لأطول فترة ممكنة.

جورج كلوني مبتسماً (نتفليكس)

استعادة الحلم الأميركي

يعود بعض الفوارق بين الرئيسين إلى اختلاف الظروف والمشكلات التي واجهها كل منهما خلال فترة حكمه. تبدو المرحلة الريغانية أكثر انسجاماً مع رغبات ذلك الرئيس في تحقيق هدف أساسي هو استعادة المبادئ الأخلاقية لأميركا. فقد تعرَّضت هذه المبادئ لهزّة كبيرة بسبب حرب ڤيتنام، التي كانت موضوعاً لأفلام عدّة مناوئة لها، إلى جانب الحراك الشعبي والإعلامي. ما هدف إليه ريغان كان استعادة إيمان الأميركيين بأميركا، وقد أنجز هذا الهدف بنجاح.

كذلك سعى إلى الحد من هيمنة الحكومة على الاقتصاد المحلي من ناحية، ومواجهة الاتحاد السوفييتي من ناحية ثانية، في إطار الحرب الباردة التي شهدها العالم بين القوتين العظميين.

ومثل كثير من الممثلين والمخرجين وأصحاب المهن السينمائية الأخرى في هوليوود، من بينهم جون واين، والمخرج سام وود، والممثل روبرت تايلور، وآخرون عديدون، كان ريغان عدواً لدوداً للشيوعية. أيَّد موقف اللجنة المكارثية التي حقّقت في انتماءات سينمائيي هوليوود ومسرحيي وكتّاب نيويورك، وما إذا كانوا يمهّدون لهوليوود «حمراء» أم لا.

أفلام كثيرة لريغان في تلك الفترة حملت مضامين إعلامية يمينية التوجه، وبدأ ذلك مع «جهاز الجو السري» (Secret Service of the Air) عام 1938، و«سرب دولي» (1941)، و«هذا هو الجيش» (This Is the Army) سنة 1943. كما تولى التعليق الصوتي لفيلم تسجيلي بعنوان «القتال لكسب السماء» (The Fight for the Sky)، إلى جانب أعمال أخرى.

صفر تسامح

يختلف منهج ريغان عن منهج ترمب في نوعية ممارسة السياسة الداخلية والخارجية. فعند الرئيس الحالي، هناك «صفر تسامح» مع كل نقد يوجَّه إليه، والأمثلة خلال الفترة القصيرة منذ توليه الحكم كثيرة: من مقاضاة مؤسسة «بي بي سي» البريطانية، إلى تقييد حرية تناول حياته الشخصية في الإعلام الأميركي، وصولاً إلى هجومه على إعلاميين تلفزيونيين انتقدوه، والتسبب في إحالتهم المبكرة إلى التقاعد.

إحدى أبرز هذه المحطات تمثّلت في خلافه الشديد مع الممثل جورج كلوني، الذي بدأ بوصف الرئيس له بأنه ممثل «رديء من الصنف الثاني».

وفي حفل «غولدن غلوبز» الأخير، سنحت الفرصة لكلوني لنقل خلافه مع الرئيس إلى مستوى آخر، حين تحدّث بالفرنسية أثناء تقديمه جائزة أفضل فيلم درامي، نكاية بتعليق سابق لترمب سخر فيه من كلوني وزوجته، اللذين نالا الجنسية الفرنسية.

وكان كلوني قد علّق سابقاً على سياسة ترمب قائلاً: «نعم، سنبني أميركا أولاً في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل»، وهو الموعد المحدد للانتخابات الثانية.

حتى اليوم، ومنذ توليه السلطة، عمد ترمب إلى تحديد أولوياته سريعاً وبحزم، ومن بينها محاولته إصدار تشريع يفرض ضريبة ثقيلة على كل فيلم أميركي المنشأ يُصوَّر خارج الولايات المتحدة. عدم منطقية هذا القرار لا تعني أنه لن يعود إليه في المستقبل.