شاشة الناقد

«بوب سبِت- لا نحب الناس»
«بوب سبِت- لا نحب الناس»
TT

شاشة الناقد

«بوب سبِت- لا نحب الناس»
«بوب سبِت- لا نحب الناس»

Summer of Soul
(ممتاز)
إخراج: أمير تومسون
الولايات المتحدة (2021)
تسجيلي عن موسيقى وثقافة

العنوان الكامل لهذا الفيلم الرائع هو «صيف الصول أو، عندما لم يكن ممكناً بث الثورة» (تحديداً: Or When the Revolution Could Not be Televised). المعنى شبه المستتر هو أن موسيقى الصول (نوع غنائي موسيقي أفرو - أميركي) لم يكن مسموحاً لها أن تحظى بالاهتمام ذاته الذي تحظى به الموسيقى البيضاء مثلاً.
أيامها (في الستينات) كان هناك برنامج تلفزيوني اسمه «Soul Train» يقدّم بعض المغنين السود في «نُمَر» و«وصلات راقصة» ومُعلّبة للتسلية. لكن ما حدث في حي هارلم في نيويورك سنة 1969 لم يكترث أحد لبثّه. مجموعة كبيرة من مغنّي الصول والبلوز مثل: غلاديس نايت وسلاي ستون وستيڤي ووندر ونينا سايمون وفرقة «فيفث دايمنشن» وماهيليا جاكسون وب. ب. كينغ وعشرات ممن هم أقل شهرة، قامت بالغناء في حفل مفتوح. كاميرا واحدة كانت هناك التقطت كل شيء، لكن الفيلم الذي صوّرته انتهى إلى علبته لخمسين سنة من قبل أن يكشف عن الموسيقار أمير تومسون ويحوّله إلى فيلمه الأول.
يضم الفيلم الجديد (الآيل بلا ريب لمسابقة الأوسكار في العام القادم) لجانب الغناء الذي يسترجع تلك المواهب ويعيد من عاصرها إلى زمن جميل غارب، مقابلات متعددة يتحدّث فيها بعض من زال حيّاً من هؤلاء المغنين وبعض من حضر (من بيض وسود). فعل التوليف ما بين الفيلمين القديم المُكتشف والجديد الذي يعرضه، رائعٌ ومتوازن. المادة الأرشيفية ما زالت حيّة ومثيرة كغناء وكجزء من تاريخ الحضور الأفرو - أميركي الفني والثقافي.
1969 هو العام ذاته الذي أُقيم فيه احتفال «وودستوك» الشهير. ذاك كسب الجولة وتم صنع فيلم رائع عنه أيضاً (أخرجه مايكل وادلي وشارك في توليفه مارتن سكورسيزي).
احتفال هارلم لم يكن صغيراً بدوره من حيث الجمهور، لكنه لم يحظَ بالاهتمام الإعلامي الذي استحقه. والمخرج تومسون يستغل هذه الحقيقة ليلقي نظرة سياسية على الوضع العنصري القائم آنذاك. يلقي أسئلة تطرح مواضيع مثل اغتيال جون ف. كينيدي ومارتن لوثر كينغ ونشأة «الفهود السود» وبالتأكيد، هوية غناء «الصول» وقيمته البديعة. الفيلم رحلة يهتز المشاهد لها طرباً وتسعد من عاش الفترة ومن يكتشفها للمرّة الأولى (شوهد في مهرجان صندانس).

Old
1-2
(لا يستحق)
إخراج: م. نايت شيامالان
الولايات المتحدة | (2021)
شاطئ يختصر سنوات العمر
منذ بداياته المثيرة في «الحاسّة السادسة» (1999) و«غير قابل للكسر» (2000) والمخرج م. نايت شيامالان يوفر حكايات غرائبية مبنية على فكرة مثيرة بحد ذاتها. لكن في حين أن الفيلمين المذكورين أوحيا لنا بولادة مخرج مهم في سينما الفانتازيا والغموض، ترنّحت أفلامه اللاحقة (مثل «القرية» 2004، و«سيدة في الماء» 2006، ثم «الحدث» 2008، وصولاً إلى «بعد الأرض» 2014) تحت ثقل المعالجة وخفة الحكاية. لا شيء مما حققه شيامالان، الذي لا يزال يحتفظ ببعض الهالة، في السنوات الخمس عشرة الأخيرة كان جيداً بلا نقاش. بعضه أفضل من بعض، لكن الجميع عانى من عيوب قاتلة.
«عجوز» من بين أكثرها رداءة. يحكي قصة زوجين (غايل غارسيا برنال وڤيكي كريبس) وطفليهما يصلون إلى فندق سياحي فوق جزيرة استوائية ومدير الفندق ينصح العائلة بالتوجه إلى شاطئ هادئ يصفه بالساحر. بعد قليل ينضم إلى هذه العائلة بضعة سياح آخرين. وبعد نصف ساعة تبدأ المشكلات ليس بين السيّاح بل بينهم وبين المكان، إذ يجد الموجودون أنفسهم يكبرون سنّاً. الطفلان، على سبيل المثال، أصبحا في سن الشباب. الجميع يتشنجون أو ينزفون دماً من أنوفهم أو يتقيأون سائلاً أبيض اللون وأحدهم يرتكب جريمة قتل. هذا فيلم من النوع الذي يمكن توزيع الأدوار على الممثلين من دون تحديد لأنهم جميعاً سيكررون رد الفعل ذاته وسيطلقون السؤال نفسه: «ما الذي يحدث؟».
طبعاً الشاطئ منعزل. الهواتف النقّالة لا تعمل. من يحاول صعود الصخور المحيطة يقع من علٍ ويموت. من يحاول السباحة يفقد حياته وتلفظه الأمواج جثة تماماً كالفيلم. فقط من في الصالة آمنون ولو أنهم معرضون لسذاجة ما يدور على الشاشة.
شيامالان يترك الجواب حول سبب ما يحدث لنهاية الفيلم فإذا بالسر واهن وغير مقنع. وما سبق النهاية ليس أفضل. لجانب أن الحكاية لا تتمتع بأسباب غموض فعلية ولا بأحداث تحرّك المُشاهد من حال المتابعة إلى حال الإثارة والرغبة في المعرفة، فإن المسألة برمّتها خط واحد مبنيّ على فكرة لا تحبل بالمفاجآت (عروض تجارية).

Bob Spit‪- We Do Not Like People
(وسط)
إخراج: سيزار كابرال
البرازيل | (2021)
شخصيات كرتونية تكاد أن تصبح مهمّة
سلسلة روايات «بوب سبِت» من الكوميكس البرازيلي الذي اشتهر في الثمانينات وإلى اليوم ولو على نطاق محدود نسبةً لمحليّته. المخرج سيزار كابرال عالج الشخصية سابقاً في فيلم قصير وهو هنا يمنحها حياة فيلمية طويلة (في ساعة ونصف). يوفر السيناريو خطّان من الأحداث. الأول لقاء مع مؤلّف الشخصية وكاتب قصصها (يكتفي باسم أنجيلي) والثاني حكاية بطله بوب سبِت. وكلاهما منفَّذ بتقنية الدمى المتحركة.
في هذا الفيلم نتعرّف على بوب سبِت في منطقة صحراوية - جبلية قاحلة وهو يلقي القبض على مخلوقين لا يمكن التنبؤ بما يريدان فعله تماماً كما لا يمكن التنبؤ مسبقاً بما سيفعل بوب بهما (يذكر مرّتين أنهما يصلحان للأكل). بوب منفّذ كرجل بشع الهيئة. أخضر اللون. في أنفه حلقة كبيرة. منطوٍ ومتذمر ومتوحش.
والشخصيات التي تحيط به ليست أفضل شكلاً. كذلك الحكايات (تقع في عالم ما بعد الدمار الكبير كما حال «ماد ماكس» مثلاً) غارقة في دكانة فكرية. لا شيء إيجابياً قصداً.
عبر الانتقال من الحكاية إلى مؤلّفها (الذي يدلي بمقابلة تلفزيونية) نكتشف أن بوب بات ثقلاً على أنجيلي الذي يحاول التخلص منه، لكن بوب لا يريد أن يموت أو أن يُضحّى به. كل ذلك في عمل يتوجه صوب مشاهدين راشدين برغبة توسيع رقعة المؤلّف والشخصية التي ابتكرها.
للفيلم مشاهد بصرية مثيرة كتقنيات تحريك وكألوان وتشخيص، لكن الحكاية تبقى عالقة في وسط المسافة بين الكتابة ورغباتها وبين التفعيل وقصوره (مهرجان أنيسي لسينما الأنيميشن).



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز