المخدرات تفتك بشباب الموصل بدعم من «فصائل طهران»

إيران تستخدم العراق سوقاً ومعبراً لها

سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)
سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)
TT

المخدرات تفتك بشباب الموصل بدعم من «فصائل طهران»

سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)
سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)

«كل شيء في هذه المدينة انتهى... لم يبقَ ما يستدعي بقاءنا فيها بعد ما سُميت عملية تحريرنا من (داعش)... فقدنا كل شيء بعد أن أصبح حامي المدينة حراميها يستبيح كل شيء حتى الاتجار بالمخدرات ونشرها بين الأهالي»، عبارات قالها بشار وهو يتلفت يميناً ويساراً خوفاً من المراقبة، رغم هروبه من محافظة نينوى بأكملها.
بشار (وهو اسم مستعار خوفاً من الملاحقة) شاب في الثلاثين من عمره منتمٍ لأحد الفصائل المسلحة في منطقة سهل نينوى، ترك عمله وغادر المحافظة بعد أن اكتشف تورط فصيله في تجارة المخدرات القادمة من إيران والتي تدخل إلى الموصل عبر منطقة سهل نينوى. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم أتوقع أن يصل الانحدار الأخلاقي لهذا المستوى... الاتجار والترويج للمخدرات بين شباب المدينة ممّن يدّعون أنهم قدّموا التضحيات لحماية أرواح الناس وأعراضهم من تنظيم (داعش)». وتابع متنهداً: «بالصدفة اكتشفت تورطهم عندما كنت في إحدى نقاط التفتيش بمنطقة قرقوش في سهل نينوى، وشاهدت بعيني السيارات المحملة بمادة الكريستال المخدرة تدخل من نقطة التفتيش بتسهيل من قائد نقطة التفتيش الذي هو قيادي في الفصيل».
ويشير تقرير للأمم المتحدة نُشر مؤخراً إلى أن ثلاثة أشخاص من بين كل عشرة تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة في العراق يدمنون المخدرات. وأكد التقرير أن واحداً من بين كل ثلاثة منتسبين في القوات الأمنية يتعاطى مادة مخدرة. ويُرجع التقرير أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى قلة الرقابة والمتابعة وتورط شخصيات متنفذة في الدولة بدعم تجار المخدرات وتقديم التسهيلات لهم. وخلص التقرير إلى أن السنوات العشر القادمة ستفتك بالشباب العراقي في حال بقي الوضع على ما هو عليه.
ولا توجد إحصائية رسمية لكميات المخدرات التي تدخل العراق عبر دول الجوار حسب مسؤول الإعلام في المديرية العامة لمكافحة المخدرات في العراق العميد الدكتور زياد محارب القيسي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «كميات المخدرات والمؤثرات العقلية التي تم ضبطها من العناصر الأمنية خلال سنة ونصف من تاريخ 1-1-2020 حتى 1-6-2021 تقدّر بـ628 كيلوغراماً من المخدرات (هيروين، وكوكائين، وحشيش، وكريستال، و17 مليون حبة مخدرة من المؤثرات العقلية)، وتم إلقاء القبض على 11061 شخصاً بتهمة المخدرات منهم 4750 متاجراً والباقي متعاطون ومروجون».
القيسي أكد أن «انتشار المخدرات في الموصل يعد ضعيفاً نسبياً مقارنةً بباقي مناطق العراق، إلا أن انتشار المؤثرات العقلية (الحبوب المخدرة) منها الكبتاكون يروّج في الموصل بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة»، مبيناً أن «المؤثرات العقلية تدخل إلى الموصل بطريقتين: الأولى رسمية حيث تدخل كعلاج، والطريقة الأخرى من خلال التهريب الذي يقوم به تجار متخصصون».
وقال قاضي متخصص في قضايا المخدرات لـ«الشرق الأوسط» إن «كمية المخدرات والمؤثرات العقلية التي يتم ضبطها تعد جزءاً طفيفاً جداً من الكميات التي تدخل العراق عبر الحدود». القاضي، الذي رفض الكشف عن اسمه، أضاف: «اللافت للنظر تزايد نسبة التعاطي من النساء».
- سهل نينوى معبراً للمخدرات
أكثر من 300 تاجر مخدرات يديرون تجارة وترويج المخدرات في الموصل، بدعم من عناصر متنفذة في فصائل الحشد لشعبي، حسب مصادر مطلعة في المدينة، أكدوا أن «المخدرات من نوع (كريستال، والحشيش، والأفيون) تدخل إلى الموصل عبر الحدود العراقية الإيرانية في محافظة ديالى مروراً بمنطقة سهل نينوى بتسهيل من فصائل الحشد الشعبي المتمركزة في المنطقة، ليتم ترويج جزء منها في المدينة وعبور الباقي إلى سوريا ومناطق الخليج».
وهذا ما أكده بشار قائلاً: «كنت في فترة خفارة ليلية بنقطة التفتيش الواقع بين نمرود وقرقوش والتي تخضع لمناطق نفوذ فصيلنا، عندما وصل رتل مكون من سبع سيارات حمل نوع كيا، فاستوقفتهم للاستفسار عن وجهتهم وحمولة سياراتهم وفتحت الخيام التي كانت تغطيها لأكتشف فيها أكياساً محملة بمادة بيضاء تشبه السكر، وفي هذه الأثناء خرج قائد السيطرة وهو قيادي في الفصيل وأمرني بالابتعاد عن المكان والذهاب للنوم، بعد أن أمر عنصراً آخر من الفصيل بأخذ مكاني ليتولى هو الحوار مع من كان في السيارات».
بشار أكد أنه في اليوم الثاني استفسر من زميله الذي أخذ مكانه في الخفارة عن سبب ما حدث تلك اللية فقال له: «ألا تعرف أنه موعد عبور شحنات الكريستال التابعة للفصيل»، مؤكداً له أنها «من أهم مصادر تمويل الفصيل»، مضيفاً: «نحن جميعاً نستفيد منها، الخير يعمّ على الجميع كلٌّ حسب رتبته».
وهذا ما أكده أحد عناصر القوات الأمنية لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «الأجهزة الأمنية لديها معلومات مفصلة عن كيفية دخول المخدرات إلى نينوى ومَن هو المتورط فيها، ولكننا لا نستطيع فعل شيء أمام قوة ونفوذ الفصائل، وكل فصيل لديه مناطق نفوذه يستخدمها في إدخال المخدرات والسلاح وكل ما هو غير مشروع دون أن يتمكن أي من الأجهزة الأمنية من الاقتراب من هذه المناطق خصوصاً المناطق التي تربط بين نينوى وكركوك».
وأضاف المصدر، الذي رفض ذكر اسمه خوفاً من الملاحقة، أن «صراع الهيمنة على هذه المناطق بين الفصائل وقوات الجيش والأجهزة الأمنية هدفه الرئيسي تأمين طريق دخول وترويج المخدرات وكل ما هو ممنوع»، مبيناً أن «ضابطاً برتبة ملازم أول في أحد الأجهزة الأمنية كشف في إحدى النقاط المشتركة التي تربط بين مناطق القيارة وسنجار عبور كميات كبيرة من المخدرات واستوقفها رغم اعتراضات عناصر الحشد الموجودين فيها، فقام قائد فصيل الحشد بتهديده بشكل مباشر، وبالفعل بعد أقل من أسبوع تم اعتقال هذا الضابط بتهمة الانتماء لتنظيم (داعش) ولا نعرف ما حلّ به بعد ذلك».
خالد فيصل، 41 عاماً، عمل سابقاً عنصر أمن في أحد المعابر الحدودية الإيرانية – العراقية، قال لـ«الشرق الأوسط» من برلين عبر اتصال هاتفي، إن «المعابر الحدودية العراقية - الإيرانية تدخل منها بشكل مستمر أطنان من المواد المخدرة بمختلف أنواعها (كريستال وحشيش وأفيون) إلى العراق بدعم وتسهيل من قياديين بارزين في الحشد الشعبي معروفين للجميع، دون أن تجرؤ الأجهزة الأمنية حتى على متابعتهم»، مبيناً أنه في مرات عديدة كان هو «شخصياً شاهداً على دخول كميات كبيرة من المواد المخدرة بسيارات نقل صغيرة يقودها أشخاص يحملون بطاقات تعريف الحشد الشعبي».
وكان العراق معبراً للمخدرات دون أن يتحول إلى سوق استهلاك لها حتى عام 2003، حيث تشير الدراسات والمسوحات الميدانية إلى أن العراق أصبح مستهلكاً إضافةً إلى كونه معبراً نشطاً للمخدرات، وحسب آخر إحصائية للهيئة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، هناك أكثر من 7000 حالة إدمان في العراق.
- الموصل سوقاً لاستهلاك المخدرات
تشير دراسة ميدانية أجرها الباحث صباح حسن، المتخصص بعلم الاجتماع، إلى ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات في مدينة الموصل بشكل ملحوظ منذ عام 2017 وبوتيرة متزايدة تجاوزت خمسة أضعاف حتى عام 2021. وعن أسباب ذلك، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «غياب سلطة القانون وقوة الردع يعدان من أبرز أسباب تزايد ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات في الموصل»، مبيناً أن «مؤشرات الدراسة الميدانية التي أجراها أكدت سهولة حصول الشباب على المخدرات بسبب انتشار أوكار محمية تروّج للمخدرات بشكل شبه علني دون خوف من المحاسبة».
مصدر أمني في محافظة نينوى قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مديرية مكافحة المخدرات في نينوى سجلت وجود أكثر من 460 وكراً لتجارة المخدرات في محافظة نينوى منها قرابة 300 وكر موجود داخل مدينة الموصل، تقوم بترويج المخدرات بين فئة الشباب بدعم من فصائل مسلحة متغلغلة في مفاصل السلطة في نينوى»، مبيناً «تورط شخصيات بارزة من الفصائل المسلحة في تجارة المخدرات في الموصل، ما يصعّب التعامل مع هذا الملف من الأجهزة الأمنية».
المحامي أحمد محيي الدين قال إن «معظم الأشخاص الذين يتم القبض عليهم بتهمة الاتجار بالمخدرات في الموصل يطلَق سراحهم بعد فترة قصيرة من خلال شخصيات متنفذة تابعة للفصائل المسلحة تستخدم سلطتها، لتغير وقائع الدعوى أو تحولها إلى من الاتجار إلى التعاطي». محيي الدين أكد أن «التهاون في تطبيق القانون وغياب الردع بعد تشريع قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (50) لسنة 2017 سبب رئيسي في انتشار ورواج المخدرات»، مبيناً أن «القانون الجديد خفّف أحكام حيازة المخدرات بقصد التعاطي وفق أحكام المادة (32) من الإعدام سابقاً إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، وغرامة مالية لا تقل عن خمسة ملايين دينار ولا تزيد على عشرة ملايين»، مضيفاً أن «حكم المتعاطي المدمن وفق أحكام المادة (39) من القانون الجديد أصبحت الإيداع في إحدى المؤسسات الصحية التي تنشأ لهذا الغرض».
إلى ذلك، أكد مسؤول إعلام المديرية العامة لمكافحة المخدرات في العراق العميد الدكتور زياد محارب القيسي، أن «صدور القانون رقم 50 والمديريات التي تم تأسيسها بموجبها إضافة إلى وجود محاكم وقضاة مختصين، كل ذلك أسهم بشكل ملحوظ في انخفاض انتشار وترويج المخدرات في العراق بشكل عام».
أما الناشط المدني حسام مال الله فيرى أن سطوة الفصائل المسلحة وتورطها في تجارة المخدرات هي السبب الرئيسي في رواجها بالموصل، وقال إن «الفصائل المسلحة التي باتت تهيمن على الحياة في الموصل تعمل وفق استراتيجية تخريب منظمة لتحطيم مدينة الموصل، أحد مفاصل استراتيجيتهم ترويج تعاطي المخدرات بين فئة الشباب»، مبيناً أن «المقاهي والكافيهات التي ينتشر فيها تعاطي الشباب للمخدرات تعود إلى عناصر من الفصائل المسلحة أو مسنودة منهم بشكل غير مباشر ويسهمون في نشرها حتى داخل السجون»، مضيفاً أن «الفصائل المسلحة تستخدم كل الطرق لاستدراج الشباب لتعاطي المخدرات، منها استخدام الفتيات وشبكات الدعارة التي يتحكمون بها في الموصل بهدف تحطيم شباب المدينة أو دفعهم للهجرة».
هذا ما قرره بشار بعد كشف تورط فصيله في تجارة المخدرات، ترك العمل وقرر الهجرة إلى خارج العراق بعد أن هاجر من مدينته، وقال متحسراً: «لم يبقَ لنا في هذا البلد، كيف أمان حياتي وعائلتي وأطفالي في بلد يتحكم به تجار المخدرات وقطاع الطرق واللصوص؟».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 مسؤولين أميركيين ومكسيكيين مكلَّفين بمكافحة عصابات مخدرات في حادث سير

الولايات المتحدة​ أحد الشوارع الرئيسية بوسط العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي (رويترز)

مقتل 4 مسؤولين أميركيين ومكسيكيين مكلَّفين بمكافحة عصابات مخدرات في حادث سير

مسؤولان أميركيان اثنان وآخران مكسيكيان مكلفون بمهام ضمن عمليات مكافحة عصابات المخدرات، لقوا حتفهم في حادث سير بولاية تشيواوا شمال المكسيك.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
الولايات المتحدة​ قال الجيش الأميركي إن السفينة عبرت على طول مسارات معروفة بتجارة المخدرات (المعهد البحري الأميركي)

مقتل شخصين بضربة أميركية استهدفت قارباً في المحيط الهادئ

أعلن الجيش الأميركي، يوم الاثنين، أن ضربة جوية أميركية على قارب يحمل مهربي مخدرات مشتبهاً بهم في شرق المحيط الهادئ، أسفرت عن مقتل شخصين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

قال الجيش الأميركي، أمس الأحد، إن غارات أميركية على قاربين يحملان مهربي مخدرات مشتبه بهم في شرق المحيط الهادئ أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي معبر جابر الرسمي بين الحدود الأردنية - السورية (أ.ف.ب)

عملية سورية - أردنية مشتركة تحبط محاولة لتهريب المخدرات

العملية جاءت «نتيجة تنسيق استخباري وتبادل معلومات بين الجانبين السوري والأردني استمر لأسابيع، بعد رصد نشاط شبكة إجرامية إقليمية تعمل على تهريب المخدرات».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الخليج ضُبطت الكمية مُخبأة في إرسالية واردة إلى السعودية عبر ميناء جدة الإسلامي (الجمارك)

السعودية تحبط تهريب 3 ملايين حبة كبتاغون

أحبطت السعودية محاولة تهريب 2.916.180 حبة من مادة الإمفيتامين المخدِّر «الكبتاغون»، ضُبطت مُخبأة في إرسالية واردة إلى البلاد عبر ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (جدة)

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.