المخدرات تفتك بشباب الموصل بدعم من «فصائل طهران»

إيران تستخدم العراق سوقاً ومعبراً لها

سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)
سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)
TT

المخدرات تفتك بشباب الموصل بدعم من «فصائل طهران»

سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)
سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)

«كل شيء في هذه المدينة انتهى... لم يبقَ ما يستدعي بقاءنا فيها بعد ما سُميت عملية تحريرنا من (داعش)... فقدنا كل شيء بعد أن أصبح حامي المدينة حراميها يستبيح كل شيء حتى الاتجار بالمخدرات ونشرها بين الأهالي»، عبارات قالها بشار وهو يتلفت يميناً ويساراً خوفاً من المراقبة، رغم هروبه من محافظة نينوى بأكملها.
بشار (وهو اسم مستعار خوفاً من الملاحقة) شاب في الثلاثين من عمره منتمٍ لأحد الفصائل المسلحة في منطقة سهل نينوى، ترك عمله وغادر المحافظة بعد أن اكتشف تورط فصيله في تجارة المخدرات القادمة من إيران والتي تدخل إلى الموصل عبر منطقة سهل نينوى. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم أتوقع أن يصل الانحدار الأخلاقي لهذا المستوى... الاتجار والترويج للمخدرات بين شباب المدينة ممّن يدّعون أنهم قدّموا التضحيات لحماية أرواح الناس وأعراضهم من تنظيم (داعش)». وتابع متنهداً: «بالصدفة اكتشفت تورطهم عندما كنت في إحدى نقاط التفتيش بمنطقة قرقوش في سهل نينوى، وشاهدت بعيني السيارات المحملة بمادة الكريستال المخدرة تدخل من نقطة التفتيش بتسهيل من قائد نقطة التفتيش الذي هو قيادي في الفصيل».
ويشير تقرير للأمم المتحدة نُشر مؤخراً إلى أن ثلاثة أشخاص من بين كل عشرة تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة في العراق يدمنون المخدرات. وأكد التقرير أن واحداً من بين كل ثلاثة منتسبين في القوات الأمنية يتعاطى مادة مخدرة. ويُرجع التقرير أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى قلة الرقابة والمتابعة وتورط شخصيات متنفذة في الدولة بدعم تجار المخدرات وتقديم التسهيلات لهم. وخلص التقرير إلى أن السنوات العشر القادمة ستفتك بالشباب العراقي في حال بقي الوضع على ما هو عليه.
ولا توجد إحصائية رسمية لكميات المخدرات التي تدخل العراق عبر دول الجوار حسب مسؤول الإعلام في المديرية العامة لمكافحة المخدرات في العراق العميد الدكتور زياد محارب القيسي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «كميات المخدرات والمؤثرات العقلية التي تم ضبطها من العناصر الأمنية خلال سنة ونصف من تاريخ 1-1-2020 حتى 1-6-2021 تقدّر بـ628 كيلوغراماً من المخدرات (هيروين، وكوكائين، وحشيش، وكريستال، و17 مليون حبة مخدرة من المؤثرات العقلية)، وتم إلقاء القبض على 11061 شخصاً بتهمة المخدرات منهم 4750 متاجراً والباقي متعاطون ومروجون».
القيسي أكد أن «انتشار المخدرات في الموصل يعد ضعيفاً نسبياً مقارنةً بباقي مناطق العراق، إلا أن انتشار المؤثرات العقلية (الحبوب المخدرة) منها الكبتاكون يروّج في الموصل بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة»، مبيناً أن «المؤثرات العقلية تدخل إلى الموصل بطريقتين: الأولى رسمية حيث تدخل كعلاج، والطريقة الأخرى من خلال التهريب الذي يقوم به تجار متخصصون».
وقال قاضي متخصص في قضايا المخدرات لـ«الشرق الأوسط» إن «كمية المخدرات والمؤثرات العقلية التي يتم ضبطها تعد جزءاً طفيفاً جداً من الكميات التي تدخل العراق عبر الحدود». القاضي، الذي رفض الكشف عن اسمه، أضاف: «اللافت للنظر تزايد نسبة التعاطي من النساء».
- سهل نينوى معبراً للمخدرات
أكثر من 300 تاجر مخدرات يديرون تجارة وترويج المخدرات في الموصل، بدعم من عناصر متنفذة في فصائل الحشد لشعبي، حسب مصادر مطلعة في المدينة، أكدوا أن «المخدرات من نوع (كريستال، والحشيش، والأفيون) تدخل إلى الموصل عبر الحدود العراقية الإيرانية في محافظة ديالى مروراً بمنطقة سهل نينوى بتسهيل من فصائل الحشد الشعبي المتمركزة في المنطقة، ليتم ترويج جزء منها في المدينة وعبور الباقي إلى سوريا ومناطق الخليج».
وهذا ما أكده بشار قائلاً: «كنت في فترة خفارة ليلية بنقطة التفتيش الواقع بين نمرود وقرقوش والتي تخضع لمناطق نفوذ فصيلنا، عندما وصل رتل مكون من سبع سيارات حمل نوع كيا، فاستوقفتهم للاستفسار عن وجهتهم وحمولة سياراتهم وفتحت الخيام التي كانت تغطيها لأكتشف فيها أكياساً محملة بمادة بيضاء تشبه السكر، وفي هذه الأثناء خرج قائد السيطرة وهو قيادي في الفصيل وأمرني بالابتعاد عن المكان والذهاب للنوم، بعد أن أمر عنصراً آخر من الفصيل بأخذ مكاني ليتولى هو الحوار مع من كان في السيارات».
بشار أكد أنه في اليوم الثاني استفسر من زميله الذي أخذ مكانه في الخفارة عن سبب ما حدث تلك اللية فقال له: «ألا تعرف أنه موعد عبور شحنات الكريستال التابعة للفصيل»، مؤكداً له أنها «من أهم مصادر تمويل الفصيل»، مضيفاً: «نحن جميعاً نستفيد منها، الخير يعمّ على الجميع كلٌّ حسب رتبته».
وهذا ما أكده أحد عناصر القوات الأمنية لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «الأجهزة الأمنية لديها معلومات مفصلة عن كيفية دخول المخدرات إلى نينوى ومَن هو المتورط فيها، ولكننا لا نستطيع فعل شيء أمام قوة ونفوذ الفصائل، وكل فصيل لديه مناطق نفوذه يستخدمها في إدخال المخدرات والسلاح وكل ما هو غير مشروع دون أن يتمكن أي من الأجهزة الأمنية من الاقتراب من هذه المناطق خصوصاً المناطق التي تربط بين نينوى وكركوك».
وأضاف المصدر، الذي رفض ذكر اسمه خوفاً من الملاحقة، أن «صراع الهيمنة على هذه المناطق بين الفصائل وقوات الجيش والأجهزة الأمنية هدفه الرئيسي تأمين طريق دخول وترويج المخدرات وكل ما هو ممنوع»، مبيناً أن «ضابطاً برتبة ملازم أول في أحد الأجهزة الأمنية كشف في إحدى النقاط المشتركة التي تربط بين مناطق القيارة وسنجار عبور كميات كبيرة من المخدرات واستوقفها رغم اعتراضات عناصر الحشد الموجودين فيها، فقام قائد فصيل الحشد بتهديده بشكل مباشر، وبالفعل بعد أقل من أسبوع تم اعتقال هذا الضابط بتهمة الانتماء لتنظيم (داعش) ولا نعرف ما حلّ به بعد ذلك».
خالد فيصل، 41 عاماً، عمل سابقاً عنصر أمن في أحد المعابر الحدودية الإيرانية – العراقية، قال لـ«الشرق الأوسط» من برلين عبر اتصال هاتفي، إن «المعابر الحدودية العراقية - الإيرانية تدخل منها بشكل مستمر أطنان من المواد المخدرة بمختلف أنواعها (كريستال وحشيش وأفيون) إلى العراق بدعم وتسهيل من قياديين بارزين في الحشد الشعبي معروفين للجميع، دون أن تجرؤ الأجهزة الأمنية حتى على متابعتهم»، مبيناً أنه في مرات عديدة كان هو «شخصياً شاهداً على دخول كميات كبيرة من المواد المخدرة بسيارات نقل صغيرة يقودها أشخاص يحملون بطاقات تعريف الحشد الشعبي».
وكان العراق معبراً للمخدرات دون أن يتحول إلى سوق استهلاك لها حتى عام 2003، حيث تشير الدراسات والمسوحات الميدانية إلى أن العراق أصبح مستهلكاً إضافةً إلى كونه معبراً نشطاً للمخدرات، وحسب آخر إحصائية للهيئة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، هناك أكثر من 7000 حالة إدمان في العراق.
- الموصل سوقاً لاستهلاك المخدرات
تشير دراسة ميدانية أجرها الباحث صباح حسن، المتخصص بعلم الاجتماع، إلى ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات في مدينة الموصل بشكل ملحوظ منذ عام 2017 وبوتيرة متزايدة تجاوزت خمسة أضعاف حتى عام 2021. وعن أسباب ذلك، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «غياب سلطة القانون وقوة الردع يعدان من أبرز أسباب تزايد ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات في الموصل»، مبيناً أن «مؤشرات الدراسة الميدانية التي أجراها أكدت سهولة حصول الشباب على المخدرات بسبب انتشار أوكار محمية تروّج للمخدرات بشكل شبه علني دون خوف من المحاسبة».
مصدر أمني في محافظة نينوى قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مديرية مكافحة المخدرات في نينوى سجلت وجود أكثر من 460 وكراً لتجارة المخدرات في محافظة نينوى منها قرابة 300 وكر موجود داخل مدينة الموصل، تقوم بترويج المخدرات بين فئة الشباب بدعم من فصائل مسلحة متغلغلة في مفاصل السلطة في نينوى»، مبيناً «تورط شخصيات بارزة من الفصائل المسلحة في تجارة المخدرات في الموصل، ما يصعّب التعامل مع هذا الملف من الأجهزة الأمنية».
المحامي أحمد محيي الدين قال إن «معظم الأشخاص الذين يتم القبض عليهم بتهمة الاتجار بالمخدرات في الموصل يطلَق سراحهم بعد فترة قصيرة من خلال شخصيات متنفذة تابعة للفصائل المسلحة تستخدم سلطتها، لتغير وقائع الدعوى أو تحولها إلى من الاتجار إلى التعاطي». محيي الدين أكد أن «التهاون في تطبيق القانون وغياب الردع بعد تشريع قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (50) لسنة 2017 سبب رئيسي في انتشار ورواج المخدرات»، مبيناً أن «القانون الجديد خفّف أحكام حيازة المخدرات بقصد التعاطي وفق أحكام المادة (32) من الإعدام سابقاً إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، وغرامة مالية لا تقل عن خمسة ملايين دينار ولا تزيد على عشرة ملايين»، مضيفاً أن «حكم المتعاطي المدمن وفق أحكام المادة (39) من القانون الجديد أصبحت الإيداع في إحدى المؤسسات الصحية التي تنشأ لهذا الغرض».
إلى ذلك، أكد مسؤول إعلام المديرية العامة لمكافحة المخدرات في العراق العميد الدكتور زياد محارب القيسي، أن «صدور القانون رقم 50 والمديريات التي تم تأسيسها بموجبها إضافة إلى وجود محاكم وقضاة مختصين، كل ذلك أسهم بشكل ملحوظ في انخفاض انتشار وترويج المخدرات في العراق بشكل عام».
أما الناشط المدني حسام مال الله فيرى أن سطوة الفصائل المسلحة وتورطها في تجارة المخدرات هي السبب الرئيسي في رواجها بالموصل، وقال إن «الفصائل المسلحة التي باتت تهيمن على الحياة في الموصل تعمل وفق استراتيجية تخريب منظمة لتحطيم مدينة الموصل، أحد مفاصل استراتيجيتهم ترويج تعاطي المخدرات بين فئة الشباب»، مبيناً أن «المقاهي والكافيهات التي ينتشر فيها تعاطي الشباب للمخدرات تعود إلى عناصر من الفصائل المسلحة أو مسنودة منهم بشكل غير مباشر ويسهمون في نشرها حتى داخل السجون»، مضيفاً أن «الفصائل المسلحة تستخدم كل الطرق لاستدراج الشباب لتعاطي المخدرات، منها استخدام الفتيات وشبكات الدعارة التي يتحكمون بها في الموصل بهدف تحطيم شباب المدينة أو دفعهم للهجرة».
هذا ما قرره بشار بعد كشف تورط فصيله في تجارة المخدرات، ترك العمل وقرر الهجرة إلى خارج العراق بعد أن هاجر من مدينته، وقال متحسراً: «لم يبقَ لنا في هذا البلد، كيف أمان حياتي وعائلتي وأطفالي في بلد يتحكم به تجار المخدرات وقطاع الطرق واللصوص؟».


مقالات ذات صلة

منع تجوّل في ريف حمص بعد استهداف مبنى للأمن

المشرق العربي أرشيفية لقوات الأمن السوري

منع تجوّل في ريف حمص بعد استهداف مبنى للأمن

أعلنت قوى الأمن الداخلي، الخميس، فرض حظر تجوّل مؤقت في عدد من القرى بريف حمص الغربي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الولايات المتحدة​ صورة من فيديو نشرته القيادة الجنوبية الأميركية «ساوثكوم» لطائرة هليكوبتر تقلع من موقع مجهول في إطار عمليات مشتركة أطلقتها القوات الإكوادورية والأميركية لمكافحة تهريب المخدرات (رويترز)

أميركا توسّع الحرب على المخدرات انطلاقاً من الإكوادور

بدأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عمليات عسكرية مشتركة في الإكوادور توسيعاً لحملتها العسكرية ضد عصابات تهريب المخدرات بالبحر الكاريبي والمحيط الهادئ

علي بردى (واشنطن)
أوروبا رسائل الهاتف المشفرة تُستخدم في تجارة الكوكايين بالأخص (رويترز)

بلجيكا تكشف عن «حجم مخيف» لتجارة المخدرات بالرسائل المشفرة

أعلنت سلطات بلجيكا، الجمعة، التعرف على هويات 5 آلاف مشتبه بهم، وتوقيفات في دبي والمغرب ومنطقة البلقان، في تحقيق ضد مستخدمي رسائل الهاتف المشفرة بتجارة المخدرات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق الأمير هاري وزوجته ميغان يزوران مركز الملك حسين للسرطان برفقة وفد من منظمة الصحة العالمية في عمّان (رويترز)

رسالة الأمير هاري للمتعافين: لا عيب في الإدمان... «شاركوا شجاعتكم»

في إطار زياراته الإنسانية للأردن، وجّه الأمير البريطاني هاري رسالة تضامن واضحة إلى المتعافين، مؤكداً أن الإدمان ليس وصمة عار، بل تحدٍ يمكن تجاوزه بالإرادة.

«الشرق الأوسط» (عمان)
الولايات المتحدة​ جندي يظهر بجانب مركبة متفحمة بعد إضرام النار فيها بولاية ميتشواكان المكسيكية في أعقاب وفاة زعيم أحد الكارتلات (أ.ب)

10 ملايين دولار... مكافأة أميركية للقبض على شقيقين يقودان عصابة «سينالوا»

كشفت وزارة الخارجية الأميركية أمس إنها ستدفع ما يصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال أو إدانة شقيقين تم تحديدهما كزعيمين لعصابة «سينالوا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
TT

إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)

أثارت مجزرة حوثية في محافظة حجة بشمال غربي اليمن، موجة إدانات رسمية وحقوقية واسعة، حيث قتل وأصيب نحو 38 مدنياً، بينهم أطفال، جراء قصف مدفعي شنته الجماعة على تجمّع للأهالي أثناء تناولهم وجبة الإفطار في مديرية حيران.

ووفق مصادر محلية، استهدف القصف، مساء الأحد، ساحة أحد المنازل، حيث كان الأهالي مجتمعين لتناول الإفطار في إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، في مشهد اجتماعي معتاد يعكس تقاليد التكافل بين سكان المنطقة.

وأفادت معلومات رسمية أولية بأن القصف أسفر عن مقتل 8 مدنيين بينهم طفلان، إضافة إلى إصابة أكثر من 30 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، في حين سارعت فرق الإسعاف والأهالي إلى نقل المصابين إلى المراكز الطبية القريبة.

الحوثيون رفعوا صوراً ضخمة للمرشد الإيراني علي خامنئي عقب مقتله (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر، فإن الهجوم وقع بعد عملية رصد جوي باستخدام طائرة مسيّرة لتحديد موقع التجمع المدني، قبل أن يتم استهدافه بالقصف المدفعي، وهو ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة وترك آثار صادمة في أوساط السكان المحليين.

وأشارت التقارير الميدانية إلى أن شدة القصف تسببت في إصابات خطيرة بين الضحايا، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة القتلى.

إدانة حكومية

وأدانت الحكومة اليمنية الهجوم بشدة، ورأت أنه يمثل جريمة حرب وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

وقالت وزارة حقوق الإنسان في بيان رسمي، إن الهجوم لم يكن عشوائياً؛ بل جرى تنفيذه عقب عملية رصد جوي دقيقة، ما يشير إلى وجود نية مسبقة لاستهداف المدنيين.

وأوضحت الوزارة أن التقارير الميدانية التي تلقتها تؤكد أن الضحايا كانوا مدنيين مجتمعين لتناول وجبة الإفطار، الأمر الذي يجعل الهجوم استهدافاً مباشراً لتجمع مدني.

عناصر حوثيون على متن عربة أمنية خلال تجمع في صنعاء دعا له زعيمهم (إ.ب.أ)

وأضافت أن هذا النوع من الهجمات يندرج ضمن الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها وفق القوانين الدولية.

كما أكدت الوزارة أن استمرار الصمت الدولي تجاه مثل هذه الانتهاكات، يشجع على تكرارها، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح لمنع استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وجددت الوزارة تأكيدها أن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين لن تسقط بالتقادم، وأن مسار العدالة للضحايا سيظل أولوية حتى تتم محاسبة جميع المتورطين.

اتهامات بالرصد المسبق

من جهتها، قالت منظمات حقوقية يمنية إن المعلومات الميدانية تشير إلى أن القصف جاء بعد استخدام طائرة مسيّرة لرصد موقع التجمع المدني قبل استهدافه.

وأوضحت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن فريقها الميداني في محافظة حجة، وثق أن القصف استهدف ساحة مجلس المواطن عادل جنيد في مديرية حيران، حيث كان الأهالي مجتمعين حول مائدة الإفطار.

وأكدت الشبكة أن استهداف تجمع مدني في وقت الإفطار خلال شهر رمضان يمثل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما مبادئ حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

وأضافت أن استخدام وسائل الاستطلاع الجوي لتحديد تجمعات مدنية ثم قصفها بشكل مباشر، قد يرقى إلى هجوم متعمد ضد المدنيين، وهو ما يندرج ضمن الجرائم الجسيمة التي تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.

كما أشارت إلى أن مثل هذه الهجمات تعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في مناطق النزاع داخل اليمن، داعية إلى تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات الهجوم وتحديد المسؤولين عنه.

وقالت منظمة «تقصي للتنمية وحقوق الإنسان» إن الهجوم الصاروخي الذي استهدف تجمع الإفطار في مديرية حيران، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال، في حادثة تعكس خطورة استمرار استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وشددت المنظمة على أن استهداف تجمعات مدنية خلال شهر رمضان، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، داعية الأمم المتحدة إلى فتح تحقيق مستقل في الحادثة.

كما طالبت بتقديم مساعدات طبية عاجلة للجرحى ودعم أسر الضحايا الذين فقدوا أقاربهم في الهجوم.

التحقيق والمساءلة

ودعا مسؤولون حكوميون ومنظمات حقوقية يمنية، المجتمع الدولي، إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً إزاء الهجمات الحوثية التي تستهدف المدنيين في اليمن.

وقال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، إن استهداف مدنيين أثناء تجمعهم حول مائدة الإفطار، يمثل جريمة بشعة وانتهاكاً صارخاً للقيم الإنسانية والدينية.

وأضاف أن الهجوم يكشف مجدداً خطورة استمرار العنف ضد المدنيين، مشيراً إلى أن هذه الجريمة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي شهدتها مناطق النزاع في البلاد.

وطالب الإرياني، الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، بإدانة الجريمة بوضوح، والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكداً أن الإفلات من العقاب يشجع على استمرار الانتهاكات.

بدورها، حمّلت السلطة المحلية في محافظة حجة، جماعة الحوثيين، المسؤولية الكاملة عن الهجوم، داعية المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية لوقف استهداف المدنيين.

كما ناشدت السلطات المحلية المنظمات الإنسانية والإغاثية تقديم الدعم الطبي للجرحى ومساعدة أسر الضحايا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها المناطق المتضررة.


وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، محذراً من الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي بيان صدر الأحد بعدما تقدمت به وزارة الدولة للإعلام في مصر ووافقت عليه الدول العربية، حذر المجلس من «الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض».

ووجَّه المجلس التحية لوسائل الإعلام العربية التي نقلت تطورات الأحداث «بمهنية وشرف والتزام بالثوابت القومية العربية، وجسدت تماسك وقوة المجتمعات والدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات، ونقلت حالة الإجماع الرسمي والشعبي العربي على التضامن مع شعوب الدول العربية وإقرار حقها في الدفاع الشرعي عن النفس، والإدانة الكاملة للعدوان عليها».

وناشد البيان جميع وسائل الإعلام العربية، التقليدية والرقمية، المسموعة والمقروءة والمرئية، القيام بدورها في توعية الرأي العام العربي والعالمي بشأن حقائق التطورات الجارية، مع التأكيد على أن ما تتعرض له بعض الدول العربية من هجمات إيرانية هو «اعتداء غاشم غير مبرر على دول مسالمة لم تبادر بالاعتداء على أي طرف، ولم تستخدم قواتها العسكرية في توجيه أي هجمات لإيران أو لأي طرف في الصراع الجاري».

وأكد البيان على أهمية اطلاع الرأي العام على حقيقة أن الهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية «قد استهدفت في معظمها مرافق مدنية، والبنية التحتية المدنية، ومقدرات الشعوب العربية وثرواتها، وإلحاق الضرر بأمن مواطنيها».

«خلط متعمد أو مغلوط»

وشدد البيان على ضرورة تجنب وقوع وسائل الإعلام «في الخلط المتعمد أو المغلوط بين الموقف من العمليات العسكرية والصراع المسلح بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وبين الهجمات الإيرانية العدوانية على بعض الدول العربية».

وتابع: «أياً كان الموقف من الصراع بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنه لا يبرر مطلقاً الخلط بينه وبين عدوان إيراني صريح وواضح على أهداف في دول عربية لم تستخدم قواتها في مهاجمة إيران، ولم تمس أراضيها أو أهدافها العسكرية أو المدنية».

كما ناشد المجلس مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

وأشار إلى أن الظروف الراهنة «تتطلب من كل مواطن عربي التعبير عن التضامن العربي الكامل مع الشعوب التي تتعرض للعدوان، والحفاظ على وحدة الموقف العربي الثابت في وجه كل مساس بأي شعب عربي مسالم».

ودعا المجلس إلى تعاون وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة في نقل الحقائق إلى الرأي العام العربي استناداً إلى البيانات والمعلومات الرسمية التي تصدر عن الدول العربية التي تتعرض للاعتداءات الإيرانية، «لقطع الطريق على ما يتم ترويجه من أكاذيب متعمدة بشأن أهداف ونتائج هذه الاعتداءات».

كما دعا إلى «تعاون عربي شامل لاطلاع الرأي العام العالمي بحقائق الأمور بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية وانتهاك سيادتها، والتواصل مع وسائل الإعلام الدولية الكبرى وتزويدها بالحقائق وتصحيح ما يتم ترويجه من مغالطات وأكاذيب».

المعلومات الموثقة

عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً، ليلى عبد المجيد، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن من الطبيعي أن يقف أي عربي مع الدول العربية الشقيقة «لأننا كتلة واحدة نؤثر ونتأثر ببعضنا البعض، وبالتالي من البديهي أن يصدر وزراء الإعلام العرب بياناً تضامنياً وداعماً للدول التي تتعرض لاعتداءات من إيران».

وأضافت أن البيان تضمن لغة الخطاب التي حددت مجموعة من الأمور الأساسية المتفق عليها، «فكلنا ضد ما تتعرض له دول عربية من ضربات إيرانية رداً على الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل عليها».

واستطردت: «يمكن أن نحقق ما جاء في البيان من خلال وسائل الإعلام المهنية مثل الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية».

ثم قالت: «الإشكالية تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بعض الشخصيات غير المسؤولة والذين ليس لديهم معلومات موثقة أو رؤية واضحة ويتحدثون بشكل غير مسؤول لا يعكس وعياً بحقيقة الأمر».

وتابعت: «أتصور أن تكون هناك توعية لمن يوجدون على وسائل التواصل الاجتماعي العربي، كما أن هناك حسابات كثيرة مزيفة تحاول بث الفرقة ونشر الشائعات يجب التصدي لها، وفي المقابل هناك بعض الصحافيين المهنيين يحاولون توضيح الأخبار المزيفة ويعطون المعلومات الحقيقية للجمهور».


مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».