المخدرات تفتك بشباب الموصل بدعم من «فصائل طهران»

إيران تستخدم العراق سوقاً ومعبراً لها

سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)
سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)
TT

المخدرات تفتك بشباب الموصل بدعم من «فصائل طهران»

سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)
سوق شعبية في الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق (أ.ف.ب)

«كل شيء في هذه المدينة انتهى... لم يبقَ ما يستدعي بقاءنا فيها بعد ما سُميت عملية تحريرنا من (داعش)... فقدنا كل شيء بعد أن أصبح حامي المدينة حراميها يستبيح كل شيء حتى الاتجار بالمخدرات ونشرها بين الأهالي»، عبارات قالها بشار وهو يتلفت يميناً ويساراً خوفاً من المراقبة، رغم هروبه من محافظة نينوى بأكملها.
بشار (وهو اسم مستعار خوفاً من الملاحقة) شاب في الثلاثين من عمره منتمٍ لأحد الفصائل المسلحة في منطقة سهل نينوى، ترك عمله وغادر المحافظة بعد أن اكتشف تورط فصيله في تجارة المخدرات القادمة من إيران والتي تدخل إلى الموصل عبر منطقة سهل نينوى. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم أتوقع أن يصل الانحدار الأخلاقي لهذا المستوى... الاتجار والترويج للمخدرات بين شباب المدينة ممّن يدّعون أنهم قدّموا التضحيات لحماية أرواح الناس وأعراضهم من تنظيم (داعش)». وتابع متنهداً: «بالصدفة اكتشفت تورطهم عندما كنت في إحدى نقاط التفتيش بمنطقة قرقوش في سهل نينوى، وشاهدت بعيني السيارات المحملة بمادة الكريستال المخدرة تدخل من نقطة التفتيش بتسهيل من قائد نقطة التفتيش الذي هو قيادي في الفصيل».
ويشير تقرير للأمم المتحدة نُشر مؤخراً إلى أن ثلاثة أشخاص من بين كل عشرة تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة في العراق يدمنون المخدرات. وأكد التقرير أن واحداً من بين كل ثلاثة منتسبين في القوات الأمنية يتعاطى مادة مخدرة. ويُرجع التقرير أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى قلة الرقابة والمتابعة وتورط شخصيات متنفذة في الدولة بدعم تجار المخدرات وتقديم التسهيلات لهم. وخلص التقرير إلى أن السنوات العشر القادمة ستفتك بالشباب العراقي في حال بقي الوضع على ما هو عليه.
ولا توجد إحصائية رسمية لكميات المخدرات التي تدخل العراق عبر دول الجوار حسب مسؤول الإعلام في المديرية العامة لمكافحة المخدرات في العراق العميد الدكتور زياد محارب القيسي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «كميات المخدرات والمؤثرات العقلية التي تم ضبطها من العناصر الأمنية خلال سنة ونصف من تاريخ 1-1-2020 حتى 1-6-2021 تقدّر بـ628 كيلوغراماً من المخدرات (هيروين، وكوكائين، وحشيش، وكريستال، و17 مليون حبة مخدرة من المؤثرات العقلية)، وتم إلقاء القبض على 11061 شخصاً بتهمة المخدرات منهم 4750 متاجراً والباقي متعاطون ومروجون».
القيسي أكد أن «انتشار المخدرات في الموصل يعد ضعيفاً نسبياً مقارنةً بباقي مناطق العراق، إلا أن انتشار المؤثرات العقلية (الحبوب المخدرة) منها الكبتاكون يروّج في الموصل بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة»، مبيناً أن «المؤثرات العقلية تدخل إلى الموصل بطريقتين: الأولى رسمية حيث تدخل كعلاج، والطريقة الأخرى من خلال التهريب الذي يقوم به تجار متخصصون».
وقال قاضي متخصص في قضايا المخدرات لـ«الشرق الأوسط» إن «كمية المخدرات والمؤثرات العقلية التي يتم ضبطها تعد جزءاً طفيفاً جداً من الكميات التي تدخل العراق عبر الحدود». القاضي، الذي رفض الكشف عن اسمه، أضاف: «اللافت للنظر تزايد نسبة التعاطي من النساء».
- سهل نينوى معبراً للمخدرات
أكثر من 300 تاجر مخدرات يديرون تجارة وترويج المخدرات في الموصل، بدعم من عناصر متنفذة في فصائل الحشد لشعبي، حسب مصادر مطلعة في المدينة، أكدوا أن «المخدرات من نوع (كريستال، والحشيش، والأفيون) تدخل إلى الموصل عبر الحدود العراقية الإيرانية في محافظة ديالى مروراً بمنطقة سهل نينوى بتسهيل من فصائل الحشد الشعبي المتمركزة في المنطقة، ليتم ترويج جزء منها في المدينة وعبور الباقي إلى سوريا ومناطق الخليج».
وهذا ما أكده بشار قائلاً: «كنت في فترة خفارة ليلية بنقطة التفتيش الواقع بين نمرود وقرقوش والتي تخضع لمناطق نفوذ فصيلنا، عندما وصل رتل مكون من سبع سيارات حمل نوع كيا، فاستوقفتهم للاستفسار عن وجهتهم وحمولة سياراتهم وفتحت الخيام التي كانت تغطيها لأكتشف فيها أكياساً محملة بمادة بيضاء تشبه السكر، وفي هذه الأثناء خرج قائد السيطرة وهو قيادي في الفصيل وأمرني بالابتعاد عن المكان والذهاب للنوم، بعد أن أمر عنصراً آخر من الفصيل بأخذ مكاني ليتولى هو الحوار مع من كان في السيارات».
بشار أكد أنه في اليوم الثاني استفسر من زميله الذي أخذ مكانه في الخفارة عن سبب ما حدث تلك اللية فقال له: «ألا تعرف أنه موعد عبور شحنات الكريستال التابعة للفصيل»، مؤكداً له أنها «من أهم مصادر تمويل الفصيل»، مضيفاً: «نحن جميعاً نستفيد منها، الخير يعمّ على الجميع كلٌّ حسب رتبته».
وهذا ما أكده أحد عناصر القوات الأمنية لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «الأجهزة الأمنية لديها معلومات مفصلة عن كيفية دخول المخدرات إلى نينوى ومَن هو المتورط فيها، ولكننا لا نستطيع فعل شيء أمام قوة ونفوذ الفصائل، وكل فصيل لديه مناطق نفوذه يستخدمها في إدخال المخدرات والسلاح وكل ما هو غير مشروع دون أن يتمكن أي من الأجهزة الأمنية من الاقتراب من هذه المناطق خصوصاً المناطق التي تربط بين نينوى وكركوك».
وأضاف المصدر، الذي رفض ذكر اسمه خوفاً من الملاحقة، أن «صراع الهيمنة على هذه المناطق بين الفصائل وقوات الجيش والأجهزة الأمنية هدفه الرئيسي تأمين طريق دخول وترويج المخدرات وكل ما هو ممنوع»، مبيناً أن «ضابطاً برتبة ملازم أول في أحد الأجهزة الأمنية كشف في إحدى النقاط المشتركة التي تربط بين مناطق القيارة وسنجار عبور كميات كبيرة من المخدرات واستوقفها رغم اعتراضات عناصر الحشد الموجودين فيها، فقام قائد فصيل الحشد بتهديده بشكل مباشر، وبالفعل بعد أقل من أسبوع تم اعتقال هذا الضابط بتهمة الانتماء لتنظيم (داعش) ولا نعرف ما حلّ به بعد ذلك».
خالد فيصل، 41 عاماً، عمل سابقاً عنصر أمن في أحد المعابر الحدودية الإيرانية – العراقية، قال لـ«الشرق الأوسط» من برلين عبر اتصال هاتفي، إن «المعابر الحدودية العراقية - الإيرانية تدخل منها بشكل مستمر أطنان من المواد المخدرة بمختلف أنواعها (كريستال وحشيش وأفيون) إلى العراق بدعم وتسهيل من قياديين بارزين في الحشد الشعبي معروفين للجميع، دون أن تجرؤ الأجهزة الأمنية حتى على متابعتهم»، مبيناً أنه في مرات عديدة كان هو «شخصياً شاهداً على دخول كميات كبيرة من المواد المخدرة بسيارات نقل صغيرة يقودها أشخاص يحملون بطاقات تعريف الحشد الشعبي».
وكان العراق معبراً للمخدرات دون أن يتحول إلى سوق استهلاك لها حتى عام 2003، حيث تشير الدراسات والمسوحات الميدانية إلى أن العراق أصبح مستهلكاً إضافةً إلى كونه معبراً نشطاً للمخدرات، وحسب آخر إحصائية للهيئة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، هناك أكثر من 7000 حالة إدمان في العراق.
- الموصل سوقاً لاستهلاك المخدرات
تشير دراسة ميدانية أجرها الباحث صباح حسن، المتخصص بعلم الاجتماع، إلى ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات في مدينة الموصل بشكل ملحوظ منذ عام 2017 وبوتيرة متزايدة تجاوزت خمسة أضعاف حتى عام 2021. وعن أسباب ذلك، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «غياب سلطة القانون وقوة الردع يعدان من أبرز أسباب تزايد ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات في الموصل»، مبيناً أن «مؤشرات الدراسة الميدانية التي أجراها أكدت سهولة حصول الشباب على المخدرات بسبب انتشار أوكار محمية تروّج للمخدرات بشكل شبه علني دون خوف من المحاسبة».
مصدر أمني في محافظة نينوى قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مديرية مكافحة المخدرات في نينوى سجلت وجود أكثر من 460 وكراً لتجارة المخدرات في محافظة نينوى منها قرابة 300 وكر موجود داخل مدينة الموصل، تقوم بترويج المخدرات بين فئة الشباب بدعم من فصائل مسلحة متغلغلة في مفاصل السلطة في نينوى»، مبيناً «تورط شخصيات بارزة من الفصائل المسلحة في تجارة المخدرات في الموصل، ما يصعّب التعامل مع هذا الملف من الأجهزة الأمنية».
المحامي أحمد محيي الدين قال إن «معظم الأشخاص الذين يتم القبض عليهم بتهمة الاتجار بالمخدرات في الموصل يطلَق سراحهم بعد فترة قصيرة من خلال شخصيات متنفذة تابعة للفصائل المسلحة تستخدم سلطتها، لتغير وقائع الدعوى أو تحولها إلى من الاتجار إلى التعاطي». محيي الدين أكد أن «التهاون في تطبيق القانون وغياب الردع بعد تشريع قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (50) لسنة 2017 سبب رئيسي في انتشار ورواج المخدرات»، مبيناً أن «القانون الجديد خفّف أحكام حيازة المخدرات بقصد التعاطي وفق أحكام المادة (32) من الإعدام سابقاً إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، وغرامة مالية لا تقل عن خمسة ملايين دينار ولا تزيد على عشرة ملايين»، مضيفاً أن «حكم المتعاطي المدمن وفق أحكام المادة (39) من القانون الجديد أصبحت الإيداع في إحدى المؤسسات الصحية التي تنشأ لهذا الغرض».
إلى ذلك، أكد مسؤول إعلام المديرية العامة لمكافحة المخدرات في العراق العميد الدكتور زياد محارب القيسي، أن «صدور القانون رقم 50 والمديريات التي تم تأسيسها بموجبها إضافة إلى وجود محاكم وقضاة مختصين، كل ذلك أسهم بشكل ملحوظ في انخفاض انتشار وترويج المخدرات في العراق بشكل عام».
أما الناشط المدني حسام مال الله فيرى أن سطوة الفصائل المسلحة وتورطها في تجارة المخدرات هي السبب الرئيسي في رواجها بالموصل، وقال إن «الفصائل المسلحة التي باتت تهيمن على الحياة في الموصل تعمل وفق استراتيجية تخريب منظمة لتحطيم مدينة الموصل، أحد مفاصل استراتيجيتهم ترويج تعاطي المخدرات بين فئة الشباب»، مبيناً أن «المقاهي والكافيهات التي ينتشر فيها تعاطي الشباب للمخدرات تعود إلى عناصر من الفصائل المسلحة أو مسنودة منهم بشكل غير مباشر ويسهمون في نشرها حتى داخل السجون»، مضيفاً أن «الفصائل المسلحة تستخدم كل الطرق لاستدراج الشباب لتعاطي المخدرات، منها استخدام الفتيات وشبكات الدعارة التي يتحكمون بها في الموصل بهدف تحطيم شباب المدينة أو دفعهم للهجرة».
هذا ما قرره بشار بعد كشف تورط فصيله في تجارة المخدرات، ترك العمل وقرر الهجرة إلى خارج العراق بعد أن هاجر من مدينته، وقال متحسراً: «لم يبقَ لنا في هذا البلد، كيف أمان حياتي وعائلتي وأطفالي في بلد يتحكم به تجار المخدرات وقطاع الطرق واللصوص؟».


مقالات ذات صلة

إحباط تهريب 100 ألف حبة كبتاغون داخل إطار شاحنة متجهة إلى السعودية

المشرق العربي شحنة ضخمة من المواد المخدرة قادمة من الأراضي اللبنانية عبر معبر جديدة يابوس

إحباط تهريب 100 ألف حبة كبتاغون داخل إطار شاحنة متجهة إلى السعودية

أعلنت إدارة مكافحة المخدرات إحباط محاولة تهريب أكثر من ‌‏100 ألف حبة ‌‏كبتاغون، كانت ‏مخبأة داخل الإطار ‏الاحتياطي ‏لشاحنة تبريد متجهة إلى السعودية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا عناصر تابعة للجيش الوطني الليبي عقب ضبط شحنة مخدرات مهربة في الكفرة الليبية السبت (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» يضبط أكثر من 1.3 مليون حبة مخدرة

واصل الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، تضييق الخناق على شبكات تهريب المخدرات في جنوب البلاد.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الشرطة الموريتانية خلال مصادرة شحنة مخدرات كانت في طريقها إلى دولة مجاورة عبر ميناء نواكشوط (الشرطة)

موريتانيا تكثف حربها على تهريب المخدرات

كثّفت السلطات الموريتانية ملاحقة مهربي المخدرات وأعلنت تفكيك شبكتين لتهريب المخدرات في عمليتين منفصلتين.

الشيخ محمد (نواكشوط)
يوميات الشرق المحكمة العليا - فيجي (فيسبوك)

في محكمة فيجي... الكوكايين يختفي والدقيق يحل مكانه

اختفى نحو 40 كيلوغراماً من الكوكايين من محكمة فيجي، قبل أن تكتشف الشرطة أن المخدرات استُبدلت بالدقيق في واحدة من أغرب قضايا سرقة الأدلة.

«الشرق الأوسط» (سوفا)
أميركا اللاتينية الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لا إسبيرييا يتحدث خلال حفل توقيع اتفاقيات ثنائية مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في بارانكويلا بكولومبيا يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

كولومبيا تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران

أعلنت كولومبيا، الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، لتصبح بذلك أحدث حليف لواشنطن في أميركا اللاتينية يقطع صلاته بالعدو اللدود للولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في اتخاذ أي إجراءات قد تطلبها السعودية، مشدداً على أن مصر «ستنفذ أي إجراء للدفاع عن الأشقاء في الخليج».

وقرر مجلس النواب المصري عقد جلسة عامة الأحد، وذلك «في ضوء طلب الرئيس».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، لكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها الرئيس المصري تفويض البرلمان، ما عده مراقبون تأكيداً على استعداد القاهرة لدعم أشقائها في الخليج وأن جهودها تندرج في سياق الدفاع وليس الهجوم.

وأكد الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة، أن بلاده تقف بقوة لدعم حماية أراضي الأشقاء في الخليج، وقال: «نحن لا نبحث عن دور، لكن لا يمكن السماح بالمساس بأمن واستقرار الأراضي السعودية».

ودعا الرئيس المصري إلى وقف الحرب والتصعيد في المنطقة، مشيراً إلى أن «القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وفقاً لتوجيهات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان»، مشدداً على أن أمن المملكة واستقرارها لا يمكن أن يكونا موضع تساهل.

وأضاف أن «هذا الموضوع يتطلب تصديقاً من البرلمان» موجهاً «الدعوة للبرلمان لعقد جلسة طارئة للتفويض إذا طلب منا ذلك». وتابع: «هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط».

وشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة عدم نسيان ما قدمته دول الخليج لمصر من دعم منذ عام 2013، موجهاً الشكر إلى دول الخليج على الدعم».

وسبق أن أكد الرئيس المصري، مراراً، أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي إن تصريحات السيسي بشأن الاستعداد لاتخاذ إجراءات لحماية الأشقاء في دول الخليج، إذا طُلب ذلك، «تحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة، مفادها أن مصر تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري والعربي، وأن التضامن العربي لا يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، وإنما يمتد إلى الاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تتعرض الدول العربية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها».

وأوضح حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «حديث الرئيس ينطوي على دلالة تتمثل في تأكيده أن أي تحرك مصري محتمل سيكون في إطار الدفاع والحماية، وبناءً على طلب من الأشقاء، وليس بهدف الاعتداء على أي طرف أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة».

وعدَّ ذلك «يعكس الفارق بين امتلاك القدرة على حماية المصالح العربية، والرغبة في التصعيد»، وقال: «حديث الرئيس يؤكد أن القوة هنا أداة للردع والحماية، وليست هدفاً للحرب والتصعيد، وفي إطار التزام مصر العروبي الأصيل مع الحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات دول المنطقة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الشرطة الخميس (الرئاسة المصرية)

وشهدت الشهور الماضية اتصالات وجهوداً مصرية لوقف التصعيد في المنطقة، وإدانة للاعتداءات على دول الخليج.

وقال عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، مصطفى بكري، إن حديث الرئيس السيسي عن استعداد مصر لدعم السعودية، حال طلبها ذلك، هو تطبيق لمبدأ «مسافة السكة» الذي سبق أن طرحه الرئيس وتأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري».

وأوضح بكري لـ«الشرق الأوسط» أن دعوة البرلمان للانعقاد «تأتي احتراماً للدستور، الذي يشترط موافقة البرلمان على إرسال قوات خارج الحدود».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء»، وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إشارة الرئيس إلى ضرورة انعقاد البرلمان المصري ومنح التفويض اللازم تكشف عن «أهمية الالتزام بالأطر الدستورية والمؤسسية في القرارات المرتبطة بالأمن القومي واستخدام القوة العسكرية»، موضحاً أن «المسألة ليست مجرد إعلان موقف سياسي، وإنما تتعلق بإجراءات ذات طبيعة سيادية مهمة واستراتيجية تستلزم استيفاء المتطلبات الدستورية والقانونية ذات الصلة».

وعلى المستوى الاستراتيجي أكد حجازي أن «مصر تدرك أن أي تهديد لأمن دول الخليج لا تنعكس تداعياته على الدول المعنية وحدها، بل تمتد آثاره إلى أمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الأمن القومي العربي، ومن ثم، فإن حفظ أمن الخليج تمثل مسؤولية جماعية وواجب ومصلحة عربية مشتركة وليست مسؤولية دولة بعينها».


هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)

لم يعد استهداف الحوثيين لمطار عدن الدولي مجرد اعتداء على منشأة حيوية، بل بات يثير مخاوف أوسع بشأن سلامة الطيران المدني في اليمن، مع تكرار الهجمات على المطار الذي يمثل أحد المنافذ الرئيسية المتاحة أمام اليمنيين للسفر إلى الخارج، في وقت تزداد فيه المخاطر المحيطة بالبنية التحتية المدنية في البلاد.

ويضع استهداف المطار بصاروخين باليستيين، للمرة الثانية خلال أيام، حركة الطيران أمام تهديد مباشر، خصوصاً أن الهجوم الأخير تزامن مع استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى العاصمة المصرية القاهرة، ووجود طائرة أخرى تابعة لشركة «فلاي عدن» في الأجواء قادمة من المدينة نفسها، في واقعة كشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الرحلات التجارية في أثناء استخدام المجال الجوي والمرافق المدنية.

وقالت وزارة النقل اليمنية إن الصاروخين سقطا في محيط المطار، أحدهما عند البوابة الغربية باتجاه المدرج، والآخر شمال غربي المطار. وأُخليت الطائرة اليمنية التي كانت تستعد لتشغيل رحلة إلى القاهرة، فيما كانت الرحلة التابعة لـ«فلاي عدن» في طريقها من العاصمة المصرية.

إحدى طائرات الخطوط الجوية اليمنية في مطار عدن (إعلام حكومي)

وتتجاوز خطورة هذه الهجمات الأضرار المادية المباشرة، إذ إن تكرار استهداف المطارات يضع سلامة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين أمام مخاطر متجددة، كما يهدد انتظام الرحلات التي يعتمد عليها اليمنيون في السفر للعلاج والعمل والتنقل بين البلاد والخارج.

تهديد يتجاوز محيط المطار

تقول وزارة النقل إن استهداف مطار عدن يمثل انتهاكاً للحماية المقررة للمنشآت المدنية والطيران التجاري بموجب القوانين والمواثيق الدولية، محذرةً من أن استمرار الاعتداءات قد ينعكس على حركة النقل الجوي والاقتصاد الوطني، ويضاعف معاناة المواطنين الذين يعتمدون على المطارات في تنقلاتهم، بما في ذلك الحالات المرضية والإنسانية.

ودعت الوزارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالطيران المدني، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، إلى إدانة الهجمات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكدةً أن المطار منشأة مدنية مخصصة لخدمة المواطنين ولا يجوز تعريضها لأعمال عسكرية تهدد سلامة مرتاديها.

الحوثيون استهدفوا مطار عدن الدولي للمرة الثانية خلال أسبوع (إعلام حكومي)

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية منافذ السفر المتاحة أمام اليمنيين، إذ إن تعطيل مطار رئيسي أو تعريض الرحلات العاملة فيه للخطر لا يقتصر أثره على شركة طيران أو وجهة بعينها، وإنما يمتد إلى قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الطبية والفرص الاقتصادية والروابط الأسرية خارج البلاد.

اختبار لصمود عدن

في مواجهة تداعيات الهجوم الحوثي، تفقَّد وزير النقل محسن العُمري، ووزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، السبت، المطار، واطلعا على الأضرار واطمأنّا على سلامة المسافرين وأطقم الطائرات. كما وجّها الجهات المختصة بتوفير أماكن إقامة مناسبة لركاب الرحلة المتجهة إلى القاهرة، وتقديم التسهيلات اللازمة ومتابعة أوضاعهم.

وأكد المحافظ أن الاعتداءات لن تثني السلطة المحلية ومؤسسات الدولة عن مواصلة عملها، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية في عدن مستقرة، وأن المحافظة قادرة على تجاوز التحديات ومحاولات استهداف أمنها واستقرارها.

ودعا شيخ إلى تعزيز اليقظة والتكاتف لحماية المنشآت الحيوية والحفاظ على السكينة العامة ومصالح المواطنين.

ويعيد تكرار الهجمات على مطار عدن طرح مسألة حماية البنية التحتية المدنية في اليمن، ومدى قدرة الجهات الدولية المعنية على التعامل مع المخاطر التي تهدد الطيران التجاري.

وبينما تؤكد السلطات اليمنية استمرار المطار في أداء مهماته، تبقى سلامة الرحلات والمسافرين التحدي الأبرز أمام منشأة يعتمد عليها ملايين اليمنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تأمين احتياجاتهم من السفر والتنقل.


القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
TT

القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)

تجدّد النزوح في محافظة لحج، جنوب اليمن، مع استهداف الحوثيين قرى سكنية في منطقة الصبيحة بقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، في تصعيد يطال مناطق يساند فيها مسلحون قبليون القوات الحكومية، وبالتزامن مع استمرار عزل محافظة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية والطبية فيها.

وأطلقت السلطة المحلية في لحج نداءً عاجلاً لتوفير المأوى للأسر الفارة من القصف في منطقة الصبيحة، وسط محدودية الإمكانات المتاحة لاستقبال النازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من صعوبة إيصال المساعدات إلى السكان المتضررين من التصعيد، والقيود المفروضة على التنقل.

ودعا مكتب الإعلام في المحافظة أبناء المديريات إلى مساندة الأسر النازحة، خصوصاً كبار السن، والأمهات، والأطفال، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان، مشيراً إلى ما يواجهونه من ظروف إنسانية صعبة بعد فقدان المأوى، والاستقرار.

أوضاع إنسانية صعبة يعيشها الفارون من القصف الحوثي في لحج (إعلام محلي)

وناشد المكتب ملاك المنازل والشقق والعقارات فتح أبوابهم أمام الأسر الفارة، وتأجير المساكن بأسعار رمزية، وميسرة، تراعي أوضاعها الاستثنائية، مؤكداً أن مساعدة النازحين تتطلب تكاتف الجهود المجتمعية للتخفيف من معاناتهم.

وأفادت مصادر حكومية يمنية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحوثيين استهدفوا تجمعات سكنية في أطراف مديريتي رأس العارة، والمضاربة، في غرب لحج، بهدف الضغط على المسلحين القبليين الذين يساندون القوات الحكومية في التصدي لمحاولات التقدم نحو عمق المديرية.

وبحسب المصادر، تسعى الجماعة، من خلال هذه التحركات، إلى تنفيذ التفاف على القوات الحكومية المتمركزة في مرتفعات كهبوب، وتلك الموجودة في منطقة باب المندب، ومديرية ذباب، فيما أدى قصف القرى بقذائف الهاون والطائرات المسيّرة إلى موجة نزوح جديدة بين السكان.

آلاف النازحين في تعز يواجهون نقص الماء والغذاء والوقود (رويترز)

وتواجه السلطات المحلية صعوبات في استيعاب الأعداد المتزايدة من الفارين، في ظل محدودية قدراتها، وضعف الاستجابة الإنسانية المتاحة لتوفير المأوى، والغذاء، والرعاية الصحية، وفق المصادر ذاتها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات أممية إلى ارتفاع عدد النازحين جراء التصعيد إلى 233 ألفاً و77 شخصاً، بينهم 121 ألفاً و530 شخصاً في محافظة تعز وحدها، وسط مخاطر متزايدة تهدد النساء، والأطفال، والفئات الأكثر ضعفاً، الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان.

تعز تحت الحصار

في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين تتفاقم المخاوف الإنسانية مع استمرار إغلاق الطرق الرئيسة التي تربط المحافظة بالمناطق الأخرى، بما فيها عدن، الأمر الذي يعرقل وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى السكان، ويزيد الضغوط على المؤسسات الصحية في المدينة.

وقال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إن المنظمة تواجه تحديات في الوصول إلى الأطفال المحتاجين في المحافظة بسبب استمرار التصعيد، والقيود المفروضة على الحركة.

وأوضح أن نحو 110 آلاف طفل هم من بين النازحين الجدد منذ بداية سبتمبر (أيلول)، مشيراً إلى أن المنظمة تحققت من مقتل 30 طفلاً، وإصابة 28 آخرين جراء التصعيد الأخير.

وأضاف أن موجة العنف تقوّض ما تبقى لدى الأطفال من مظاهر الاستقرار، بعد سنوات من المعاناة المرتبطة بالجوع، والنزوح، وتعطل التعليم.

استمرار عزل الحوثيين مدينة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (رويترز)

من جهته، حذّر طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، من تدهور الوضع الصحي في تعز، مشيراً إلى أن المدينة أصبحت معزولة، وأن المستشفيات تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، مع امتداد القتال إلى مناطقها الحضرية.

وذكر أن 12 مستشفى في المدينة لا تملك سوى مخزون من الوقود يكفي لأربعة أيام، بالتزامن مع نقص الأكسجين، والأدوية، ونفاد المستلزمات الجراحية، وهي احتياجات تمثل تهديداً مباشراً لاستمرار تقديم الخدمات الطبية.

ولفت إلى الحاجة الملحة لتوفير الوقود، والأكسجين، خصوصاً للمرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى، والمرضى في أقسام العناية المركزة، معرباً عن قلقه من تزايد حالات الإصابة بالكوليرا.

وشددت الأمم المتحدة على ضرورة ضمان وصول آمن ومستدام للمساعدات الإنسانية إلى تعز، وسائر المناطق اليمنية المتضررة، في ظل اتساع الاحتياجات، وتراجع قدرة الخدمات الأساسية على الاستجابة.

الكوليرا خارج الحدود

على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، تواجه جيبوتي بدورها تحدياً صحياً مع تفشي الكوليرا في مخيم اللاجئين المركزي، حيث سُجلت نحو 31 إصابة بين آلاف الفارين اليمنيين من الهجمات الحوثية، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم المفوضية، إن 20 مصاباً تعافوا، بينما لا يزال عشرة أشخاص يتلقون الرعاية الطبية، مع تسجيل وفاة واحدة.

دعوات أممية من أجل تمكين الوكالات الإنسانية من تقديم المساعدات لسكان تعز المحاصرة (رويترز)

وأضاف أن أكثر من أربعة آلاف شخص وصلوا من اليمن إلى شرق أفريقيا، بينهم نحو 3800 لاجئ وصلوا إلى جيبوتي، ونحو 200 آخرين إلى الصومال.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالأزمة اليمنية، من موجات النزوح في لحج، وتعز، إلى تحديات الرعاية الصحية، ومخاطر الأمراض في مناطق اللجوء، في وقت تؤكد فيه المنظمات الأممية ضرورة تأمين الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية للمتضررين.