لماذا غابت المسرحية الشعرية؟

يرى بعضهم أنها لا تنسجم مع سياق المتغيرات الكبيرة في الوطن العربي

عدنان الصائغ
عدنان الصائغ
TT

لماذا غابت المسرحية الشعرية؟

عدنان الصائغ
عدنان الصائغ

شعراء عرب كثيرون نسبياً كتبوا مسرحيات شعرية في مراحل مبكرة، كخليل اليازجي وأحمد شوقي وعزيز أباظة وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد ومحمد علي الخفاجي وغيرهم، ولكن المسرحية الشعرية انحسرت في العقود الأخيرة انحساراً شبة تام.
ما السبب وراء ذلك؟ هل يعود الأمر لظروف اجتماعية - سياسية - ثقافية في هذا البلد العربي أو ذاك، إذ لم تعد المسرحية الشعرية تنسجم مع سياق المتغيرات الكبيرة التي حدثت، والتي أثرت بالضرورة على المسرح وهياكله المؤسسية، أم يعود لعزوف الجمهور عن مثل هذا النوع من المسرحيات، أم أنه متعلق بالشعراء والكتاب أنفسهم؟
هنا آراء عدد من الشعراء والكتاب والخريجين المسرحيين العراقيين الذين كتبوا مسرحيات شعرية في مرحلة من حياتهم الأدبية، ثم توقفوا:

عدنان الصائغ (شاعر): لا أعرف سر العزوف
المسرح الشعري قديمٌ منذ الحركات التمثيلية الأولى التي رافقت المقاطعَ الشعرية التي كانت تُغنى لإله الخمر باخوس، من قبل كورس في المعابد أو على خشبة مسرح، في العهد الإغريقي والروماني، وربما جربه السومريون أو البابليون، من يدري؟ لكن ظهور المسرح العربي بشكل عام جاء متأخراً، فما بالك بالمسرح الشعري الذي لا يتعدى محاولات عدد من الشعراء بدأت بـ: خليل اليازجي (1856-1889)، وأحمد شوقي (1868-1932)، وجورج شحادة، وسعيد عقل، وعزيز أباظة، وعبد الرحمن الشرقاوي، وصولاً إلى صلاح عبد الصبور، وعلي كنعان، وعز الدين إسماعيل، ومعين بسيسو، ومحمد الفيتوري. وفي العراق: سليمان غزالة (1854-1929)، وخالد الشواف، وعبد الوهاب البياتي، وعبد الرزاق عبد الواحد، ومحمد علي الخفاجي، ومعد الجبوري، ويحيى صاحب، ود. خزعل الماجدي، وعبد الرزاق الربيعي، وغيرهم قليل.
ولا أدري أيضاً سر هذا العزوف، من ناحيتين: كتابة المسرحية الشعرية، أو مسرحة الشعر، خاصة أن للشعر طاقة صورية إيحائية هائلة، بالإضافة إلى قدرة تعبيرية واسعة شاسعة. فالشِعر بالأساس -كما أرى- حاشدٌ بالكثير المثير من المعالجات الفنية، بل هو مسرح كبير تتحرك داخله الأحداث والشخوص والصور والمشاعر والأفكار، لا تحتاج إلا لمخرج خلاق قادر على توظيف وتحريك هذه التشكيلات، والارتقاء من خلالها بالمسرح إلى معناه الحقيقي الذي أكلت منه الآيديولوجيات وشبابيك التذاكر.

علي الزيدي (كاتب مؤلف مسرحي):
لا تنسجم مع واقعنا
بدأ التأليف المسرحي العربي متأخراً، بمعنى أنه استقر في العقود الأربع الأخيرة، وبدأت تظهر تجارب مسرحية مهمة على مستوى التأليف منذ أواخر الستينيات؛ أي بعد نكسة يونيو (حزيران) 1967، بصفتها حدثاً مركزياً تحول إلى رد فعل على مستوى الكتابة للمسرح، على الرغم من أن هناك تفاوتاً زمنياً، خاصة التجارب التي ظهرت في مصر ولبنان وسوريا مثلاً. وقد بدأت المسرحية الشعرية متأثرة بالشعر (الغنائي)، واحتفى بها (العرض المسرحي) في وقت كتابتها؛ أي قبل أكثر من مائة عام، منسجمة مع الذائقة آنذاك والبدايات الأولى للكتابة أصلاً، فكانت نصوص الشاعر أحمد شوقي هي الأكثر انتشاراً عربياً، ولكن سرعان ما تلاشى هذا الانتشار باتجاه كتابات جديدة، وإن خرجت من معطف الشعر أيضاً، مثل كتابات الشاعر صلاح عبد الصبور المسرحية؛ وكل هذا بتقديري أن هؤلاء ينتمون للشعر أكثر من كتابة نص مسرحي له علاقة وطيدة مع خشبات المسارح وحاجاتها وشكلها، فهي الآن لا تنسجم مع سياق المتغيرات الكبيرة التي حدثت في الوطن العربي، وتحوله إلى سوق من الأحداث التي غيرت في بنية المجتمعات العربية، خاصة في أثناء وبعد الاحتلالات، وبدايات التفكير بنصوص مسرحية تستفيد من النثر لطرح أفكارها، وتنسجم مع الذائقة الجديدة لجمهور المسرح المتأثر بتسارع الأحداث والتطورات في العالم، ولم يعد شكل الكتابة الشعرية الحاد الذي يفرض اشتراطاته ومقاساته في النص المسرحي مغرياً لكتاب المسرح، فأخذوا يذهبون لما يسمى «شعرية النص» الأكثر استيعاباً لما يحدث في الواقع، وقدرة على الانطلاق بفضاءات جديدة في شكل الكتابة نفسه.
وبتقديري، فإن المسرحية الشعرية التي كتبت نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر تنتمي للشعر أكثر من انتمائها للمسرح، لذلك انطفأ بريقها، ولم تعد خشبات المسرح تحتفي أو تهتم بها على الإطلاق، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الآن تقديم المسرحية الشعرية التي كتبها أحمد شوقي، أو خالد الشواف من العراق، بل حتى نصوص الشاعر صلاح عبد الصبور الأكثر حداثة منهم لم يعد يهتم بها المخرجون في الوطن العربي لتقديمها في صورة عرض مسرحي، بسبب منظومة التلقي الجديدة التي تأثرت بأحداث كبرى تحتاج إلى آليات مختلفة تماماً في تناولها على مستوى الكتابة. وبتقديري، فإن «شعرية النص» هي الشكل الأكثر استيعاباً لمشكلات عصرنا المعقدة، ويمكن لها الذهاب إلى مناطق أبعد على مستوى التجريب والتأثير بالمتلقي اليوم، وظهور جيل جديد في العراق تحديداً لا يحتفي بالشعر بصفته نصاً مسرحياً بقدر اهتمامه بشعرية النص بشكله الحديث.

عقيل مهدي (مخرج مسرحي): لم تغب تماماً
ربما لم تغب المسرحية الشعرية بالكامل، بدلالة ما قدم من مسرحيات، منها نصوص أجنبيه وأخرى عربية، ولكن المؤلفين الدراميين بعد أن غيبهم الموت، وقد كانوا من الأساس من الندرة بمكان، بحيث اختفى الرواد المبدعون أمثال الشرقاوي وصلاح عبد الصبور والخفاجي، وقبلهم شوقي وأباظة والشواف وبسيسو، وما اعترى المسرح من عقبات مقترنة بالظرف السياسي والمتغيرات الوطنية والدولية التي عصفت باستقرار المسرح وهياكله المؤسسية وخططها الإبداعية؛ كل هذه المستجدات، وسواها من تخصيصات مالية إنتاجية، كان لها تأثير في انزواء المسرحية الشعرية، فضلاً عن سوء التخطيط للبرنامج الخاص بالريبتوار، وانتقاء النصوص الشعرية بشكل متوازن مع النصوص النثرية الأخرى، علاوة على اقترانها بشعرية الحداثة في إظهار النص، كما في أطروحة الشكلانيين ومفهوم تودروف والاتجاهات العاصفة حول بنائية النص بعيداً عن تقانات الكتابة الأجناسية الجندرية، ونوع النص ونهجه الكلاسيكي التقليدي، حتى بات للعرض المسرحي نفسه شعريته المضاهية المتوازية معه، وربما التي تتفوق عليه بتأويلاتها الإخراجية الرفيعة، ومعالجاتها البصرية وإيقاعاتها المرتبطة جدلياً مع البعد السمعي، في تركيب إبداعي مفترض يخص وسائل تعميق جاذبيتهما المشتركة، بإبداع فضاءات مبتكرة مبتدعة؛ ولكن كل هذه الأسباب والذرائع لا تبرر انحسار النص الشعري في عروض المخرجين، سواء من الرواد أو من الشباب المقتدرين المتذوقين لضرورة تلقي الشعر في خطاباتهم الجمالية مع الجمهور المسرحي الخاص والعام.

صلاح حسن (شاعر): غياب الطبقة الوسطى
الغياب ليس في العراق فقط، بل في العالم العربي كله. فمنذ فترة طويلة، قد تصل إلى نصف قرن، هناك أسباب كثيرة لهذا الغياب، من بينها تلاشي النخب الثقافية التي كانت حاضرة في خمسينيات القرن المنصرم، وتراجع المجتمع المدني، وغياب الطبقة الوسطى التي كانت تمد العروض المسرحية الشعرية في كل وقت. بطبيعة الحال، هناك أسباب أخرى مختلفة، منها تفشي الأمية في المجتمعات العربية، وتراجع التعليم العالي، والحروب والنزاعات، وليس أخيراً تبدل الذائقة، والانحياز إلى العروض البسيطة الشعبية. ومن المفارقات التي جاءت مع الحداثة وما بعد الحداثة وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت الجميع يكتبون شعراً إلى درجة ضاعت معها القيم الفنية للشعر، ما دعا الشعراء الكبار إلى الانسحاب من الحياة الاجتماعية، ورفض المشاركة في هذه النشاطات غير المجدية.
هذا حول الفضاء العام الذي تبدل إلى درجة كبيرة، قياساً بفضاءات سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي التي كانت فيها بعض القيم الثقافية والفنية راسخة. أما اليوم، فلم تعد هناك حاجة إلى الشعر، ولا المسرح الشعري ولا الفلسفة ولا علم النفس، لأن العالم حول هذه الاحتياجات إلى سلع عبر الشركات العابرة للقارات والتجار الكبار.
وأظن أن المسرح الشعري قد تلاشى في العالم العربي، وقد يتلاشى في كثير من البلدان المتقدمة، وستكون هناك بين وقت وآخر عودة إلى الكلاسيكيات، فهي الوحيدة التي تتمتع بالتكامل الفني والثقافي، وغالباً ما تكون صالحة لكل زمان ومكان، كأعمال شكسبير على سبيل المثال.



كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.