بشرى خلفان: أشتغل على الماضي كي أعيد للمكان تاريخه المُغْفل

الكاتبة العمانية المهمومة بتاريخ المهمشين والبسطاء في مسقط

بشرى خلفان
بشرى خلفان
TT

بشرى خلفان: أشتغل على الماضي كي أعيد للمكان تاريخه المُغْفل

بشرى خلفان
بشرى خلفان

تنشغل الكاتبة العمانية بشرى خلفان بمغامرة الكتابة عن تاريخ المهمشين والبسطاء في مدينة مسقط، وسرد سيرهم المسكوت عنها في السرديات التاريخية الرسمية، وهو ما برزت ملامحه بشكل لافت في روايتيها «الباغ» و«دلشاد»، وفي فضاء مجموعاتها القصصية.
هنا حوار معها... حول هذا المسعى لإعادة كتابة تاريخ البسطاء، وماذا يمثل لها على المستوى الإنساني وفكرة الكتاب نفسها.
> في روايتك «دلشاد»، توقف كثيرون عند العنوان الذي يشير إلى اسم الشخصية الرئيسية في العمل. هل ثمة دلالة خاصة له؟
- في اللغات المشتقة من الأصل الإيراني، ومنها البلوشية والكردية والفارسية، تستخدم كلمة أو اسم «دلشاد»، والتي تنقسم إلى قسمين، «دِل» بكسر الدال وتعني القلب، و«تشاد» وتعني الفرح. في السياق الروائي كاملاً، بني النص على رجل ذي قلب فرح، يستبدل أحاسيسه عندما تلتبس عليه بالضحك، وهذا ما أورثه لبناته. من هنا فإن اختيار اسم دلشاد سواء للشخصية الرئيسية، أو كعنوان للرواية، هو اختيار طبيعي، جاء من فكرة النص وحمولة المفارقات التي يحملها في ثناياه.
> لماذا يبدو التاريخ غير الرسمي لسلطنة عمان وأبطاله من المهمشين كأنه يشكل هاجساً لديك؟
- هو هاجس بالطبع، أنا بنت المكان وأهله أهلي، وتاريخ البسطاء هذا تاريخي، الذي أنا معنية بسرده، وأعرف من التفاصيل المحكية والمكتوبة، رغم شح المصادر وندرتها، أكثر بكثير مما يعرضه التاريخ الرسمي. والحقيقة أن كتابة التاريخ انشغلت لقرون عديدة بهذه الإشكالية، رواية التاريخ الرسمي، في مقابل تجاهل سرد تاريخ البسطاء.
عموماً فإن الرواية التاريخية كما أراها هي أقرب لما رآه الناقد والمنظر جورج لوكاش «1885 - 1971» عندما قال في كتابه «الرواية التاريخية»: «إن ما يهم في الرواية التاريخية ليس إعادة سرد الأحداث الكبيرة، بل الإيقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث، وأن نعيش مرة أخرى الدوافع الاجتماعية والإنسانية التي أدت بهم إلى أن يفكروا ويشعروا ويتصرفوا كما فعلوا في الواقع التاريخي»، والناس عندي هنا هم البسطاء، الذين حركوا عجلة التاريخ ثم تغافل عنهم.
> هل تشكل مسقط القديمة، المتوارية خلف التاريخ، بجبالها المهيبة وبيوتها البيضاء الصغيرة منبعاً لحنين لا ينضب لديك، كما يبدو، فجاءت الكثير من مقاطع الرواية لتعبر عنه؟
- لا أعرف إن كان حنيناً لمسقط التي أعرفها، أو أنه تمرد على مسقط التي أراها الآن، مسقط التي انمحت معالمها الأصيلة، ولم يبق منها كلها إلا قلعتان وقصر وذاكرة مدرسة، مسقط التي هجرها أهلها، وصارت حاراتها تأوي جاليات شتى، مسقط التي أمضي فيها محاولة تتبع خطواتي، ثم أجدني تائهة بين ما أعرفه وما لا أعرفه ولا أستطيع الاستدلال عليه.
نعم أنا أستعيد الماضي، ولكني أشتغل عليه كي أعيد للمكان تاريخه المُغْفل، الذي لا يعرفه الكثيرون، فمسقط اليوم الكبرى الممتدة، ليست هي مسقط التي أعنيها في كتابتي والتي تخصني، هي مكان صغير للغاية، مساحة جغرافية محدودة، مدينة يصح أن نقول إنها كانت مدينة «كوزموبوليتانية» في وقت ما، ضمت أعراقاً مختلفة، تعايش أهلها بسلام على اختلاف ثقافاتهم، وإن هذه الثقافات المتعددة لم تجد نصيبها في السرديات الرسمية. أنا معنية بهذا الذي لم يقل، معنية في حنيني باسترجاع المكان الذي أعرفه، من تحت أنقاض الروايات الرسمية، التي ربما لم تمح ولم تُقص، لكنها فقط لم تقل.
> رغم الانطباع السائد عن سلطنة عمان بأنها بلاد رفاهية فإن معظم الأعمال الصادرة عنها ترصد تاريخاً مسكوتاً عنه من المعاناة بل الجوع والفقر أحياناً، كيف ترين تلك المفارقة؟
- هذه هي المفارقة نفسها التي يحملها العنوان «دلشاد»، فهذا القلب الفرح، الذي من اسمه، وربما من الصفحات الأولى، يتوهم القارئ أنه سيحمل سمات قلب فرح، سعيد، مترف، وبلا مشكلات تؤرقه، هو مجرد انعكاس لهذه المفارقة، بين ظلال الصورة وإشكالية الأصل.
فالخليج الذي يُعرف برفاهيته، هو خليج حديث جداً في سياق التاريخ، هو خليج حقبة ما بعد النفط، أما الخليج، وعلى وجه أخص عمان، فلم تَعرف الرفاهية يوماً، فكل تاريخها، هو صراع مع التضاريس القاسية والظروف المناخية الصعبة، والعزلة الجغرافية، والحروب الأهلية بين القبائل.
هذه المفارقة مفهومة أيضاً، فغالب ما يصدره الإعلام الرسمي هو الصورة الحاضرة، صورة الإنجازات والتنمية التي حدثت بعد السبعين، ربما نجد صوراً بالأبيض والأسود لمسقط في بدايات القرن المنصرم، وربما تعكس بعض هذه الصور حال البلاد، لكن الجوع لن يوجد إلا في الحكايات؛ ومن خلال الحكايات فقط نستطيع أن «نؤنسن» التاريخ، خصوصاً أن أكثر التواصل الإنساني بين شعوب الدول العربية عرف في العصر الحديث، عصر صورة الرفاه النسبي، لذا أنا لا أستغرب هذه النظرة لدول الخليج عموماً، ولعمان على وجه خاص، فكل الذاكرة المتكونة والمنقولة عبر مختلف الوسائط، هي ذاكرة لصور الرفاه.
> البعض يأخذ على رواية «دلشاد» تكرار الحدث نفسه على لسان أكثر من شخصية فطال النص دون مبرر، كيف تردين على تلك الملحوظة. وكيف تتعاملين مع النقد عموماً؟
- وجهة نظري الخاصة في تعدد الأصوات في روايتي، هي أنه لا يمكن أن يسرد أي حدث من رؤية شخص واحد، فهناك الراوي الذي كان في داخل الحدث، وهناك الراوي المراقب، ذاك الذي رأى الأشياء بصورة مختلفة، وكانت له تفاسيره المختلفة لمجريات الأحداث، هكذا وجدت أن البناء الروائي يصير أكثر إحكاماً.
بالنسبة للنقد فأنا أحترم جداً الرأي الذي يعتمد على أسس منهجية واضحة، وحتى الرأي الذي يكون انطباعياً ومبنياً على الذائقة، إذا صرح بذلك. وبالنسبة لغير النقاد المتخصصين، على المرء أن يكون حذراً، فالفنون عموماً تعتمد على الذائقة الخاصة بكل شخص، وأنا أحترم هذه الذائقة التي تخالفني بالضبط مثلما أحترم الذائقة التي تتفق معي، وأراجع كل الملاحظات التي تأتيني وأقيسها على النص، وعندما أجد فيها صواباً لا أستنكف، بل أعمد إلى استثمار الملاحظات في نصوصي القادمة، لذا أنا أحب النقد وأحب آراء القراء.
> كيف ترين حالة الاحتفاء الشديد التي قوبلت بها تجربتك الروائية حتى الآن؟
- مدهشة، وغامرة جداً، فأنا شخصياً أعتبر نفسي مجرد قارئة تعشق الأدب، وتحاول أن تقول شيئاً ما للعالم، شيئاً تعرفه وتريد إيصاله، لذا عندما وجدت الاحتفاء الشديد بتجربتي في «الباغ»، جفلت، وبقيت لسنوات عاجزة عن الكتابة، ولن أبالغ إن قلت إنني وفي لحظة ما شعرت بالهزيمة، إذ ظننت أن هذا كل ما هناك، وأن القراء لن يقبلوا مني أي تجربة جديدة، وأن «الباغ» ستكون عقبة أمام كل نص أصبو لكتابته.
لذا فتجربة «دلشاد»، جاءت بعد مخاض طويل، واحتجت إلى «قوة قلب» كي أتجاوز الباغ بشكل شخصي، وقلت في نفسي، لا يليق بامرأة عاشقة، أن تكتب نصاً روائياً يتيماً ثم تنسحب. كتبت «دلشاد» بكل قلبي، وعندما نجحت فتحت عيني، كنت على الضفة الأخرى، فابتسمت وسالت دموعي، فأنا ممتنة لها، ولكل القراء الذين قرأوني بكل هذا الحب، وللأصدقاء الذين احتضنوا تجربتي وقدروها.
> بدايتك كانت مع القصة القصيرة التي صدر لك فيها أكثر من مجموعة، فهل كان التحول نحو الرواية استجابة لغواية هاجس البريق والانتشار الذي ينطوي عليه هذا الفن أم ثمة ضرورة فنية ما؟
- كلامك دقيق جداً، فأنا كاتبة قصة في الأصل، وأحب القصة القصيرة، أحبها جداً، ولطالما رددت أنها تشبهني، قصيرة ومكثفة ومثل رصاصة، تصيبك إذا ما أجدت كتابتها، في وسط القلب، أو في منتصف الجبين وهناك تترك أثرها.
لكنني وجدت أن مساحتها تضيق بالكتابة عن مسقط مثلما أريد، أي أن أتتبعها تاريخياً، أن أحيي حكاياتها وأفكك حالات شخوصها، آلامها ومسراتها، ثوراتها وعلاقاتها بالبحر وببلدان الدنيا. لذا كانت «الضرورة الفنية» هي ما دفعني للخروج من القصة إلى الرواية، هذا إضافة إلى الرغبة في تجريب هذا الجنس الأدبي الشاسع، الذي يملك على حد تعبير «ميلان كونديرا» القدرة على رؤية الغابة والشجرة في نفس الوقت.
نعم كتبت الرواية أيضاً لأختبر نفسي، لأتعرف على حدود قدراتي وتحديها، فالموضوع من هذه الناحية شخصي جداً، أما البريق والشهرة، فهذا يرتبط إن كان موضوعياً وفي محله بالإجادة، سواء في القصة أو في الرواية، وغير ذلك فهو لحظة مارقة، شيء أقرب للزبد، لا يمكث في الأرض ولا ينفع الناس.
أقول هذا غير منكرة أن الرواية عرفت بي عند جمهور أوسع من القراء، وهذا حسن ومقدر جداً، ولكن تخيلي معي، لو كنت كاتبة قصة ضعيفة المستوى، أكتب أيضاً رواية ضعيفة المستوى، أظن أنه في تلك الحالة سيتحول البريق إلى إعتام تام.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.