سفير بريطانيا لدى اليمن: قلقنا الأول من إمكانية التقسيم

فيتون ـ براون قال لـ («الشرق الأوسط») إنه من غير المعقول الطلب من هادي العودة إلى صنعاء.. وتصرفات الحوثي وصالح غير مقبولة

سفير بريطانيا لدى اليمن: قلقنا الأول من إمكانية التقسيم
TT

سفير بريطانيا لدى اليمن: قلقنا الأول من إمكانية التقسيم

سفير بريطانيا لدى اليمن: قلقنا الأول من إمكانية التقسيم

تعتبر المملكة المتحدة من الدول الغربية المؤثرة في اليمن لأسباب تاريخية وسياسية. وتراقب لندن التطورات في صنعاء بقلق، إذ تعتبر شبح التقسيم مصدر القلق الأول. وشرح السفير البريطاني في صنعاء إدموند فيتون - براون، الذي تم تعيينه الشهر الماضي: «قلقنا الأول من إمكانية تقسيم اليمن». وفي أول لقاء صحافي له منذ إعلان تعيينه سفيرا للمملكة المتحدة لدى اليمن، تحدث السفير فيتون - براون مع «الشرق الأوسط» عن تعقد الأوضاع في اليمن وضرورة العمل على التوصل إلى حل سياسي في البلاد. ومنذ توليه مهامه، يقوم فيتون - براون الذي يجيد العربية وعمل في بعثات بريطانية في دول عربية عدة، منها السعودية والإمارات ومصر، بالعمل من مقر الخارجية البريطانية. وكانت السفارة البريطانية قد علقت عملها في صنعاء فبراير (شباط) الماضي، وما زالت معلقة. وبينما قال السفير فيتون – براون: «بالطبع نريد العودة إلى اليمن بأسرع وقت ممكن»، إلا أنه لم يحدد جدولا زمنيا للعودة. وحرص فيتون - براون على زيارة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في عدن الأسبوع الماضي، وأكد أنه ينوي التواصل مع جميع الأطراف في اليمن للخروج من الأزمة الحالية. وفي ما يلي أبرز ما جاء في الحوار:

* هل تتوقع عودة عمل السفارة البريطانية في اليمن قريبا، إذا كان ذلك من صنعاء أو عدن؟
* بالطبع نريد العودة إلى اليمن بأسرع وقت ممكن، ونشعر بأن عدم وجودنا داخل البلاد يعيق قدرتنا على دفع أهدافنا، لذلك ننظر إلى الظروف التي تسمح بذلك، من الجوانب الأمنية، وأن يكون من المقبول سياسيا العودة. في ما يخص أين، سفارتنا في صنعاء ونحن تركنا اليمن من هناك والأمر الطبيعي أن نعود إلى هناك، ولكن إذا كنا سننتقل إلى موقع آخر فإننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، نحن ندرس هذه الأمور. الرئيس هادي طلب من الدول الانتقال إلى عدن، والسعودية نقلت سفيرها إلى هناك، ومع هذه الدعوة نحن ندرس الأمر ولكن لم نتخذ قرارا بعد.
* مثل ما قلت، السعودية ودول أخرى من مجلس التعاون الخليجي نقلت أعمالها إلى عدن، بينما السفير الأميركي يقوم بمهامه من جدة. هل تنوي العمل من موقع في المنطقة؟
- نعم، نقوم بعملنا من لندن، ولكن هذا وضع مؤقت، ونحن ندرس الخيارات المتاحة، وهناك توقع عالٍ بأننا سنفتح مكتبا في المنطقة. ليس من الواضح بعدُ أين، ولكن نعلم أن الأميركيين انتقلوا إلى السعودية ونحن ندرس ما يمكننا القيام به، ولكن الأمر الواضح هو أنني سأسعى لزيارة الرئيس هادي كلما استطعت.
* الجغرافيا تلعب دورا مهمّا في تطورات اليمن حاليا. هناك دعوة لعقد مؤتمر حول اليمن في الرياض، هل تدعمون ذلك بهدف استئناف العملية السياسية؟
- نعم، هناك عملية سياسية حاليا ولكنها مقسمة وغير مُرضية، ولا يمكن للرئيس هادي أن يكون جزءا منها بسبب البعد الجغرافي، وهذه مشكلة. مع ذلك، رؤيتنا هي أن نبقي على المبادئ الموجودة والاتفاقات المعروفة من مبادرة مجلس التعاون الخليجي إلى نتائج الحوار الوطني، وكل ذلك منصوص عليه ومدعوم من قبل قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. الطريق الأفضل للتقدم هو مواصلة احترام تلك الاتفاقات ضمن حل يمني شامل.
* وهل ذلك من خلال عملية سياسية داخل اليمن أم خارجه؟
- هناك مشكلة واضحة حول ذلك، لأنه من غير المعقول الطلب من الرئيس هادي العودة إلى صنعاء بعد أن كان تحت الإقامة الجبرية فيها. وأنتهز الفرصة هنا للإشارة إلى وجود عدد من المسؤولين الرفيعي المستوى تحت الإقامة الجبرية وأطالب بشدة بإطلاقهم، هذه ليست طريقة تفاوض. بالطبع هناك مشكلات في عودة الرئيس هادي إلى صنعاء. هناك مقترحات بنقل الحوار إلى تعز وعدن، وهناك كلام عن الانتقال إلى خارج البلد، والأمر المهم هو أنه أينما يقرر اليمنيون الانتقال فيجب أن يكون مكان يشعر الجميع بأنهم قادرون على المشاركة وغير معرضين لأي ضغوط.
* عندما زرت الرئيس هادي، كيف وجدته؟
- أدنّا بوضوح استخدام الحوثيين السلاح، وقد قاموا بذلك مرة تلو الأخرى، ونحن نقول لهم إن عليهم أن يكفوا عن ذلك لأنه لا يمكن الموافقة تحت أي ظرف من الظروف استخدام القوة المسلحة للتأثير على مفاوضات سياسية. بالنسبة إلى الرئيس هادي، سعدت لأنني وجدته في وضع جيد، فكنا قلقين على صحته، ولكنه بدا بصحة جيدة وبروح معنوية عالية وتحدث بلباقة حول مستقبل اليمن.
* برأيكم، هل ما زال يتمتع بشرعية كاملة كرئيس؟
- نعم.
* ولكن الواقع لا يستطيع الحكم بشكل كلي على البلاد، والحوثيون يسيطرون على العاصمة. كيف علاقتكم معهم؟
- لا نؤمن بوقف التواصل مع الأطراف؛ ذلك لا يؤدي إلى نتائج جيدة، ولكن ذلك لا يعطي الشرعية لطرف آخر. نقر بصعوبة الموقف، والأنظمة القائمة في اليمن مركزية ومتمركزة في صنعاء، وهناك تحدّ للرئيس هادي للمساهمة من عدن، ولكنه قال إنه ينوي ذلك. لدينا مصادر قلق أوسع من الدائرة السياسية في اليمن، مثل الوضعين الاقتصادي والإنساني، ونعتقد أنه من الممكن أن يتراجعا بسرعة، ونعتقد أنه من الممكن أن تصبح مشكلات أكبر من الجوانب السياسية. نحن نقوم بتوصيل مساعدات إنسانية إلى اليمن، ومن الضروري جدا أن تكون هناك حكومة شفافة في اليمن للتصدي للفساد والإهدار. ومن المهم جدا أن تكون هناك إغاثة إنسانية وضمان فرص عمل لليمنيين، وهناك عوامل أخرى علينا متابعتها من حيث التنمية على الأرض. قلقنا خلال الأشهر الماضية أنه إذا كان هناك اختلال أمني شاسع في البلاد فسيصبح من الصعب توصيل المساعدات الإنسانية.
* مع هذه الصعوبات، هل ما زلتم توصلون مساعداتكم إلى اليمن؟
- نعم، لأننا دوما نعمل في دول لدينا فيها شركاء محليون. من الواضح أن هناك تطورا سلبيا لا نريده أدى إلى سحب بعض موظفينا من اليمن، ولكن ذلك لا يعني أننا أوقفنا برنامج التنمية. ونحن مستمرون في توصيل 70 مليون جنبيه إسترليني من المساعدات سنويا.
* المجتمع الدولي أصدر قرارين ملزمين لمحاسبة من يعرقل العملية السياسية، ولكن على الأرض الوضع لن يتغير. ما العصا التي يمكن أن تستخدمها الأمم المتحدة في هذه المرحلة، خصوصا أن العقوبات لا تؤثر عليهم؟
- نحن شاركنا في وضع قرار مجلس الأمن الذي وضع العقوبات على شخصيات منهم الرئيس السابق (علي عبد الله صالح) وعضوين من حركة الحوثيين. وبينما من الخطأ الخوض في الإجراءات السرّية لمجلس الأمن الدولي، نحن منفتحون على مقترحات على الخطوات المقبلة للمستقبل. لا أعتقد أن العقوبات غير مجدية، ورأينا مؤشرات تدل على أن الحوثيين غير مرتاحين إلى العقوبات، وهناك أيضا القضية المنفصلة لعلي عبد الله صالح. نحن نريد أن نتكلم مع الأطراف ولكنّ هناك خطّا واضحا وهو أننا نريد أن تقف هذه التصرفات، وسنتخذ إجراءات في حال لم توقف. في ما يخص المحفزات، إذا كان الحوثيون صادقين فسيعلمون أنه لا يوجد خيار للتفاوض من دون مشاركتهم، وفي النهاية لن يوصلهم العنف والتهديد إلى ما يريدونه.
* ما الخطوات المقبلة في مجلس الأمن؟
- الأطراف تتناقش حول الخطوات المفيدة من نيويورك، وقد تشمل بيانات أو قرارات، ولكنني لا أستطيع الخوض في تفاصيل أخرى. المهم رؤية مبعوث الأمم المتحدة جمال بنعمر في الرياض (إشارة إلى زيارته قبل يومين إلى العاصمة السعودية)، والهدف هو رؤية الأطراف ذات التوجه المماثل للعمل سويا... وسجل الأمم المتحدة ودول مجلس التعاون وجمال بنعمر إيجابي جدا على الرغم من التحدي الإضافي من تصرفات الحوثيين والانتشار الجغرافي الذي نراه.
* إلى أي مدى يلعب علي عبد الله صالح دورا في كل هذا؟
- من الصعب تحديد ذلك، رأينا أنه كطرف يعيق ويعرقل، ولديه تأثير سلبي معتمد على ما حدث خلال الأشهر الماضية، لذلك فرضنا عقوبات عليه.
* لنتحدث عن إيران ونفوذها في اليمن اليوم، هل هي مصدر قلق؟
- من دون شك، الإيرانيون لديهم نفوذ ونحن ننظر إليهم لاستخدام هذا النفوذ بطريقة إيجابية.
* هل تتحدثون معهم عن اليمن؟
-حاليا لا.
* هل تعتقدون أن يتغير ذلك إذا تم التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران؟
- أقول يجب عدم استثناء محادثات إيجابية، ولكن متى وكيف يحدث ذلك، هذا أمر آخر تماما. الأمر الجوهري هو القول بأن اليمن محاط بدول جوار مهمة، وعلى رأسها السعودية.
* هناك مخاوف من التداعيات الأمنية في اليمن وتأثيرها على باب المندب، ما تقييكم لإمكانية ضعف الأمن في باب المندب؟
- لا أريد أن أتحدث في هذه التعابير. قلقي أكبر حول ضعف وإمكانية تقسيم اليمن نفسه. أعتقد أن ذلك هو القلق الأولي بالنسبة لنا.
* هناك الحراك الجنوبي وكثير منهم يرون وجود هادي في عدن أنه «احتلال من الشمال».. هل تخشون من انفصال الجنوب؟
- بالطبع نحن على دارية بهذا الأمر، وهناك آراء مختلفة في اليمن، وبالطبع هناك هذا الرأي في الجنوب. نعلم أن الآلية المركزية في اليمن لم تفلح في السنوات الماضية، وهذا ما خرج به الحوار الوطني. نحن ندعم نقل مزيد من السلطات إلى الأقاليم في اليمن، وهذا يبدو الأمر الأفضل. ولكن على اليمنيين أنفسهم أن يقرروا شكل حكومتهم المقبلة.
* في حال تم تقسيم اليمن، هل تعتبرون ذلك أمرا سلبيا؟
- سنكون قلقين جدا لو حدث ذلك. بالطبع الأمر يعود لليمنيين، ولكن سياستنا هي دعم يمن موحد.
* ما تقييمكم لوجود «القاعدة» في اليمن وإمكانية استغلال التنظيم لما يحدث والغضب على الحوثيين؟
- بالطبع هم موجودون، وهناك مخاطر واضحة مما يحدث الآن مع زعزعة استقرار البلاد، وتنظيم الإرهابيين أنفسهم لاستغلال مثل هذه الزعزعة. هناك مخاوف واضحة إذا كانت هناك خلافات مصطنعة تخلق بين الفئات المختلفة في اليمن، مما يجعل «القاعدة» قادرة على التغطية على أنها مجموعة إرهابية. يمكننا النظر إلى الضرر الذي حل باليمن بسبب «القاعدة» وعدد اليمنيين الذين قتلوا خلال السنوات الماضية، لنعلم أن التنظيم كان التهديد الرئيس على البلاد خلال الفترة الماضية... ومكافحة الإرهاب في اليمن هدف مهم لنا جميعا، وانعدام الأمن في اليمن حاليا، إذا لمنا الحوثيين أو الرئيس صالح أو غيره، يجعل مكافحة الإرهاب أصعب.
* ما الخطوات المقبلة في اليمن التي يمكن أن تدفع الحوار اليمني؟
- هذا سؤال جيد. أعتقد أننا ما زلنا ملتزمين مع المبادئ المتفق عليها والعملية التي خدمت اليمن على الرغم من التعثر الأخير. نريد أن نرى الناس يسيرون قدما في المفاوضات بناء على هذه الأرضية المتفق عليها. هل يمكن القيام بذلك في مفاوضات في اليمن؟ ذلك أمر صعب، مما يطرح أفكارا مهمة لنقله خارج اليمن. أنا على وعي بالمبادرة الإيجابية والقوية من السعودية (لاستضافة الحوار)، وفي رأيي مستقبل اليمن مرتبط عن كثب بمستقبل السعودية، وأعتقد أن استقرار اليمن على المدى البعيد يعتمد على علاقات جيدة مع السعودية وتواصل إيجابي مع السعودية، والسعودية مركزية لأي جهود دولية لمساعدة اليمن. وأي مبادرة تقوم بها السعودية أعتبرها إيجابية ومساعدة. أمر موقع المفاوضات منفصل بعض الشيء عن ذلك، وقد يكون ذلك في أي موقع في المنطقة، بحسب استعداد اليمنيين أنفسهم.
* سمعنا عن وساطة عمانية، هل ممكن أن يكون مقر الحوار في عمان؟
- لا أستبعد ذلك تماما. العمانيون أصدقاء لبريطانيا، وهم لاعبون إيجابيون على المسرح الدولي، ويحرصون على المساعدة أينما كان. وقد يكونون في موقع إيجابي للمساعدة، ولكن ليس لي أن أقرر ذلك.
* ما أولويتك كونك السفير الجديد لدى اليمن في هذه المرحلة؟
- أولا، أشعر بفخر عال لتعيني سفيرا لدى اليمن، وكنت سعيدا جدا لزيارة عدن ولقاء الرئيس هادي. بالطبع، أريد أن أساهم بطريقة إيجابية. وأعتقد أن بناء شراكة دولية حول اليمن أمر أساسي، وأرى السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي حجرا أساسيا في ذلك، وهذه أولوية بالنسبة لي. وبعد أن عملت في السعودية والإمارات والكويت، لدي إيمان كبير في الدور الخليجي. وهناك أيضا عمل ثنائي مهم بالنسبة لعلاقاتنا مع اليمن حتى مع عملي من خارج البلد، خصوصا من حيث المساعدات الإنسانية، وأريد أن أضمن وصول مساعداتنا. أهتم أيضا بعمل مكافحة الإرهاب وفرض القانون، وهنا أريد أن أشير إلى القضية المأساوية للمواطنة البريطانية مارتين ماغنوسون، الشابة التي اغتصبت وقتلت، ونحن نقترب من الذكرى السابعة لمقتلها، ونحن مصرون على أن ينقل المتهم بذلك إلى بريطانيا لتتم محاكمته هنا.

السفير البريطاني لدى اليمن (تصوير: جيمس حنا)



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».