طوابع البريد توثّق لصعود وانهيار 50 دولة ومملكة

باحث نرويجي تتبع حكاياتها المثيرة في «البلدان المختفية»

طوابع البريد توثّق لصعود وانهيار 50 دولة ومملكة
TT

طوابع البريد توثّق لصعود وانهيار 50 دولة ومملكة

طوابع البريد توثّق لصعود وانهيار 50 دولة ومملكة

يمثل كتاب «البلدان المختفية» نوعاً مختلفاً من كتب التاريخ بسبب موضوعه الفريد وغير المألوف، وفيه يشير مؤلفه الباحث النرويجي بيرون بيرج إلى العديد من المواصفات والمحددات التي يمكن حال توفرها في كيان جغرافي ما أن تجعل منه «دولة»، كما يبحث المؤلف الإمكانات التي تجعل دولة تُعمّر طويلاً وأخرى تنطفئ. ولا يتوقف بيرج عند حدود سبل بقاء الدول واستمرارها على مستوى القوة والجغرافيا والإمكانات، بل يبحث في محددات أخرى بعيداً عن أسباب قدرتها على البقاء، حيث يظل السؤال عن جودة الحياة التي توفرها لأفراد شعبها، ومدى استعدادها لإسعادهم.

طوابع بريد
الكتاب صدر حديثاً عن دار الترجمان للطبع والنشر، وقدم نسخته العربية محمد البلاسي وأميرة الطحاوي، وراجعه الكاتب أيمن شرف. وحمل في نسخته النرويجية الأصلية عنوان «لا مكان... أطلس البلدان المختفية 1840 - 1975». ومن بين نحو ألف دولة حول العالم أصدرت لنفسها طوابع بريدية منذ عام 1840 تعبّر فيها عن طموحاتها وتحتفي بمناسباتها وأبطالها وتخلد أيامها يجمع الكتاب بين دفتيه قصصاً لخمسين دولة اختفت من الوجود، وطواها النسيان، ويحصي المؤلف من بينها ثلاث دول استمرت لما يزيد على قرن ونصف، وعشر دول لم تتجاوز الخمس سنوات، أما الغالبية الباقية فبقيت على خريطة العالم ما بين خمس سنوات وثلاثة وثمانين عاما، وما يدهش في هذه القضية أن هناك دولا اختفت، وأغلقت بوابات حكمها بمجرد أن أصدرت لنفسها طوابع بريد، ولم تكن صاغت بعد نشيداً وطنياً أو صنعت علماً، وكان عددها ثماني دول تراوحت فترات وجودها ما بين أسابيع وأشهر قليلة.
ويرصد بيرج تباينات كبيرة بين الدول التي تلاشت من الوجود، مركّزاً على حجم كل منها وشكلها، فضلاً عن موقعها وفترة وجودها، ويذكر أنها رغم تلك التباينات تشترك في حقيقة واحدة هي أنها عانت طويلاً حتى تصدر طوابعها الخاصة، وذكر أن أسماء بعضها قد تكون مألوفة نسبياً في الغرب مثل «بيافرا» أو «نيو برونزويك»، وبعضها مألوف في الشرق مثل طنجة وطرابلس ويافع العليا ورأس جوبي، وكثير منها مثل «لابوان» و«تانا توفا» و«إنيني» غير معروفة لا في الشرق ولا في الغرب، لكن جميع هذه الدول المفقودة تمتلك قصصاً مثيرة تستحق الحكي، سواء تلك التي لم تعمر كثيراً مثل «كاريليا الشرقية» التي لم تعش سوى بضعة أسابيع خلال الحرب السوفياتية الفنلندية عام 1922، أو التي كانت دولاً معمرة مثل «يافع العليا» اليمن الحالية، وعاشت قرابة 167 عاماً (1800 - 1967)، أو «دولة أورانج الحرة» التي أسسها البوير في جنوب أفريقيا الحالية، وعاشت قرابة 50 عاماً في أواخر القرن التاسع عشر. ولفت المؤلف إلى أن هذا الطيف الواسع يعكس تاريخ الدول في القرنين الـ19 والـ20، وما شهده من آيديولوجيات وموجات هجرة وصراعات مختلفة.

أنشطة متنوعة
قسّم المؤلف كتابه إلى 6 فترات تاريخية احتلت الأولى عشرين عاماً بدأت من 1840 وحتى 1860، وتحدث فيها عن مجموعة من الممالك مثل مملكة «الصقليتين» التي كانت تضم نابولي وصقلية، ومملكة «هيليجولاند» البريطانية، «1807 – 1890»، والتي بلغ تعداد سكانها 2200 نسمة، ومساحتها أقل من كيلوَي متر مربع، واشتهرت بأنشطتها السياحية، وفي عام 1890 باعها الإنجليز لألمانيا مقابل الحصول على جزيرة زنجبار قبالة السواحل الشرقية الأفريقية، وقام الألمان بعد شرائها بتبسيط الاسم إلى هيلجولاند، وأنشأوا عليها قاعدة بحرية، وقد أعاد الإنجليز احتلالها أثناء الحرب العالمية الثانية، وظلوا يستخدمونها في تدريبات الطائرات، ثم في بداية النصف الأول من الخمسينات أرجعوها لألمانيا من جديد.
وتركزت الفترة الثانية بين عامي 1860 و1890، وتضمنت دولاً قام اقتصاد بعضها على تجارة السلاح، مثل مستعمرة أوبوك الفرنسية التي ارتبط تاريخها بطموحات الشاعر الفرنسي رامبو وسعيه لحصد المال والثراء، وقد كانت عبارة عن قرية على البحر الأحمر، واشترتها فرنسا عام 1862 من أجل تأمين إمدادات الفحم لقواتها البحرية والتدفق المستمر للسفن المحملة بالسلاح من وإلى مستعمراتها في جنوب شرقي آسيا.
أما مستعمرة «جزر الهند الغربية الدنماركية»، فكان نشاطها الأساسي منصّباً على زراعات السكر، وقد ظهرت إلى الوجود عندما طالبت شركة الهند الغربية وغينيا الدنماركية بالأحقية في مجموعة من الجزر تقع شرق هايتي مباشرة، كان ذلك في منتصف القرن السابع عشر، وكانت الجزر الثلاث المعنية خصبة بشكل غير عادي، وكانت «سانت توماس» و«سانت جون» بركانيتين في الأصل بهما جبال وتضاريس جبلية، في حين تشكلت «سانت كروا» من خلال الشعاب المرجانية وكانت مسطحة تماماً، وبلغت المساحة الإجمالية للجزر نحو 350 كيلومتراً مربعاً، وقد وفّرت حتى نهاية القرن الثامن عشر ازدهاراً كبيراً للدنمارك والنرويج، لكن نجاحها التجاري كان يعتمد كلياً على العبودية، ومع مرور السنين وتردي أحوالها التجارية قررت الدنمرك بيعها للولايات المتحدة الأميركية عام 1917، مقابل 25 مليون دولار، وقامت الأخيرة بتسميتها باسم الجزر العذراء، مع الاحتفاظ بأسماء الشوارع والأعياد الدنماركية.
زخارف ورموز
وتحدث المؤلف عن 6 دول ظهرت في الفترة 1890 – 1915، منها ما كان يستخدم في معاملاته نقودا حجرية، مثل «كارولينز» وتقع شمال غينيا الجديدة غرب المحيط الهادئ، بعدها تأتي الفترة من 1915 وحتى 1925، وتضمنت «رأس جوبي» و«روسيا الجنوبية» و«الجمهورية الطرابلسية» و«كاريليا الشرقية»، ثم الفترة من 1925 وحتى 1945، وأخيراً الفترة ما بين 1945 و1975، وتحدث خلالها عن دولة يافع العليا وبيوتها الطينية وطوابعها المبهرجة.
وأشار بيرج إلى أن الزخارف والرموز المختارة للطوابع مثلت دائماً نوعاً من عرض الذات الوطنية؛ تعبيراً عن أهداف وطموحات السلطات الحاكمة، ومن خلال الطوابع البريدية التي استخدمت بالفعل، ولم تكن مجرد تذكارات يقتنيها هواة الطوابع.
ويقود بيورن بيرج قارئه في رحلة مسح ساحرة للدول التي سقطت والمستعمرات التي اختفت، وكأن الطوابع بوابة للتاريخ والسياسة والمجتمع، فنوعية طباعتها ونوع الورق المستخدم فيها يشي لنا بدرجة الاستقرار السياسي والاقتصاد والتواصل مع العالم الخارجي، ويقول بيرج، إن قدرة تلك الدول على إصدار طوابعها كانت معياراً سائداً يمكن من خلاله قياس سلطة الدولة في العصر الحديث.
وبالإضافة إلى الطوابع، يعتمد بيورن بيرج على الأدب وشهادات شهود العيان على أحداث النشأة والنهايات، وكذلك على المصادر التاريخية الموثوق بها في إلقاء نظرة غير تقليدية على تلك الدول غير المعروفة على نطاق واسع، ليقدم لنا حكايات حافلة بالمعلومات وحقائق مثيرة أقرب إلى الخيال، ومن الطرائف في نطاقنا العربي - أن كثيراً من طوابع دولة يافع العليا كانت تحمل صوراً للوحات الفنان الفرنسي إدجار ديجا، ومن بينها لوحة «راقصات الباليه».
يذكر أن بيورن بيرج مهندس معماري وباحث ومحاضر من مواليد 1954، نشر العديد من المقالات والكتب حول الهندسة المعمارية، من بينها «بيئة مواد البناء» وصدر في طبعتين عامي 2000 و2009، ويعتبر مرجعاً تعليمياً في عدد من الجامعات حول العالم.



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).