كريس ويتي... «مهندس» خطة بريطانيا للخروج من أزمة «كوفيد ـ 19»

الطبيب الواقعي الذي يقدم المشورة ويترك القرار للساسة

كريس ويتي... «مهندس» خطة بريطانيا للخروج من أزمة «كوفيد ـ 19»
TT

كريس ويتي... «مهندس» خطة بريطانيا للخروج من أزمة «كوفيد ـ 19»

كريس ويتي... «مهندس» خطة بريطانيا للخروج من أزمة «كوفيد ـ 19»

قبل سنة ونصف السنة، لم يكن اسم كريس ويتي معروفاً خارج الدوائر الطبية الضيقة في بريطانيا. أما اليوم، فقد أصبح من أكثر الشخصيات إثارة للانقسام في الشارع البريطاني. إذ ارتبط اسمه بوصف «الكاذب» و«المضلّل» في لافتات المتظاهرين المشككين بجائحة «كوفيد 19». وفي المقابل، ينظر إليه آخرون بامتنان، ويعتبرونه «صوت العقل والعلم» الذي يعمل في ظل حكومة «متهوّرة».
هذا، وقد تجمع العشرات الشهر الماضي خارج ما كانوا يتوقعون أنه مكان سكنه وسط لندن مطلقين شعارات تهديدية، واعترضه شابان في إحدى حدائق العاصمة. وبعكس هؤلاء، ترقّب آلاف موقفه قبل أيام من إعلان الحكومة المحافظة الحالية رفع جميع القيود المرتبطة بـ«كوفيد 19»، وتسلحوا بتوجيهاته وعلمه لمواجهة المشككين في أهمية الكمامات والتباعد الاجتماعي.
فمن هو كريس ويتي؟ وكيف تحوّل من طبيب متخصّص في علم الأوبئة والأمراض المُعدية إلى رمز استجابة بريطانيا لأكبر أزمة صحية منذ قرن؟
على عكس كثيرين في دوائر الاهتمام، نجح البروفسور كريس ويتي في الحفاظ على قدر كبير من الخصوصية. فرغم منصبه الحكومي البارز وظهوره المتواصل في مؤتمرات «كوفيد 19» الصحافية بالعاصمة البريطانية لندن، لم يعقد ويتي أي مقابلات صحافية تطرقت إلى حياته الشخصية أو اهتماماته خارج إطار عمله. ولقد نقلت صحيفة «الغارديان» عن مقرّبين منه أنه من هواة رياضة كرة المضرب، فيما قال خلال اتصال مرئي في فبراير (شباط) الماضي، نظمته الكلية الملكية للأطباء: «إنني أتطلع حقاً لرؤية العائلة والأصدقاء. إذ أرَ العائلة والأصدقاء منذ وقت طويل جداً، مثل معظم الناس».
كذلك لم يُخف ويتي شوقه لمغادرة لندن والاستمتاع بالطبيعة. قائلاً ذات يوم: «أتطلع حقاً إلى الخروج من لندن. أنا في لندن للعمل، ليس لأنني أرغب في العيش في لندن. أتطلع إلى الخروج إلى التلال في إنجلترا والجبال في أسكوتلندا، يبدو هذا الآن حلماً بعيداً جداً».

النشأة والمسيرة

وُلد كريستوفر «كريس» جون ماكراي ويتي في مدينة غلوستر الصغيرة، بجنوب غربي إنجلترا، لسوزانا وكينيث ويتي يوم 21 أبريل (نيسان) 1966. وأمضى كريس، وهو أكبر إخوانه الأربعة، جزءاً كبيراً من طفولته المبكرة في شمال نيجيريا؛ حيث كانت والدته معلّمة، بينما كان والده مسؤولاً في المجلس الثقافي البريطاني (British Council)، ولقد أقامت الأسرة خلال فترات انتداب والده الخارجية في كل من مدينة كادونا بشمال نيجيريا، وكذلك في جمهورية مالاوي.
أُرسل ويتي إلى بريطانيا للدراسة، وكانت البداية في مدرسة ويندلشام هاوس بمقاطعة ويست ساسكس (إلى الجنوب من لندن)، قبل أن يلتحق بكلية مولفرن Malvern College العريقة الراقية في غرب إنجلترا. ومنذ سن مبكّرة، شغف كريس بالطب والصحة العامة، وذلك بفضل علاقته الوطيدة بجدته لأمه غريس سمرهايس، التي كان يقيم معها في بعض الأحيان، والتي أسست في عام 1928 أول مستشفى للولادة في غانا، وهو من أوائل المستشفيات التي تقدم تدريباً على القبالة والتوليد في أفريقيا.
وقبل شهر من بلوغ كريس ويتي سن الـ18، سقط أبوه كينيث – الذي كان في حينه يشغل منصب نائب مدير المجلس الثقافي البريطاني في أثينا – ضحية جريمة قتل في اليونان، بينما كان يقود سيارته مع أصدقاء له في عام 1984. ويومذاك اتهم بارتكاب الجريمة مسلحون من منظمة «أبو نضال»، ورجحت تقارير في حينه أنه قتل خطأ، لأن المسلحين كانوا يستهدفون عميلاً في جهاز الاستخبارات البريطانية «إم آي 6» باع سيارته لويتي.
وبعد إنهائه دراسته الثانوية في مولفرن، التحق ويتي بكلية بمبروك في جامعة أكسفورد العريقة حيث تخرّج فيها بدرجتي بكالوريوس في الفسيولوجيا ودكتوراه في العلوم الطبية. ثم انتقل إلى كلية وولفسون في جامعة أكسفورد أيضاً حيث نال شهادة الطب عام 1991. بعدها التحق بمعهد لندن للصحة العامة وطب المناطق المدارية في جامعة لندن، ونال منه درجة دكتوراه أخرى، كانت هذه المرة في الصحة العامة وطب المناطق المدارية، ومعها الماجستير في علم الأوبئة عام 1996. غير أنه لم يكتفِ بكل هذا، إذ حصل على ماجستير قانون في القانون الطبي من جامعة نورثمبريا عام 2005، وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هيريوت وات في أسكوتلندا عام 2010. ودبلوم في الاقتصاد من الجامعة المفتوحة.

مناصبه الوظيفية

يتقلد كريس ويتي كثيراً من المناصب الحكومية المرموقة، نذكر منها رئيس المعهد الوطني للأبحاث الصحية، وكبير المستشارين العلميين لقسم الصحة والرعاية الاجتماعية، وكبير المستشارين الطبيين لحكومة المملكة المتحدة. إلا أن المنصب الذي يعرّف به ويتي في أروقة وايتهول (مقر أجهزة الحكومة)، واشتهر به في الأوساط الصحية الدولية، هو كبير المستشارين الطبيين في إنجلترا.
والحقيقة أن مسؤوليات ويتي لا تقف عند هذا الحد. فإلى جانب مناصبه «السياسية»، يواصل الطبيب الموسوعي المتخصص في الأوبئة عمله طبيباً ممارساً في أحد المستشفيات الجامعية في العاصمة البريطانية، كما كشف في ردّه على سؤال لأحد الصحافيين حول خططه لإجازة نهاية السنة العام الماضي. ثم قدّم ويتي دروساً في مدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي، وقدم محاضرات في غريشام كوليدج بلندن.

وباء إيبولا

تقول سالي ديفيس، التي شغلت منصب كبير المستشارين الطبيين قبل ويتي، إنه خلال عملها إلى جانب ويتي لمدة 6 سنوات، وإبان استجابة بريطانيا لوباء إيبولا في أفريقيا، وجدته صلباً متمسكاً بمواقفه حتى في حال واجه تحديات من الوزراء. كذلك تقول جاستين غرينينغ، وزيرة التنمية البريطانية السابقة التي اشتغلت عن قرب مع ويتي عند شغله منصب كبير المستشارين العلميين في وزارة التنمية، إنه لم يساهم فقط بخبرته الممتدة عقوداً، بل استفاد كذلك من المجتمع العلمي الأوسع الذي كان جزءاً منه. وكتبت عنه في مقال نشرته صحيفة «يوركشير بوست» واصفة إياه «بذكائه ومنهجه، ساعدني ويتي في توجيه اجتماعات الأزمة الحكومية (كوبرا)؛ حيث أشركنا مجلس الوزراء في استراتيجيتنا للتغلب على الإيبولا». ثم تابعت: «أعلم منذ فترة عملنا معاً أن كريس سيعمل بلا كلل لتقديم أفضل نصيحة ممكنة» في إطار مكافحة «كوفيد 19».

جائحة «كوفيد ـ 19»

بعد 5 أشهر فقط من تعيين كريس ويتي خلفاً لسالي ديفيس كبيراً للمستشارين الطبيين في إنجلترا، وجد الرجل نفسه في عين عاصفة جائحة «كوفيد 19». وهكذا تحوّل هذا الطبيب والباحث الذي طالما سعى إلى حماية خصوصيته وإحكام علاقته مع الإعلام إلى أهم مسؤول غير منتخب في بريطانيا. وعلى مدى عدة أسابيع، تسمّر البريطانيون وراء شاشاتهم لمتابعة عرض ويتي شبه اليومي. وعلى الدوام، كان عرضه الغني بالإحصائيات والسيناريوهات المحتملة نقطة ارتكاز المؤتمرات شبه اليومية حول الجائحة، وكانت أعين البلاد عليه في كل خطوة تتّخذها الحكومة في تشديد أو تخفيف الإجراءات.
كذلك اعتاد البريطانيون على ملاحظة اعتماد رئيس الحكومة المحافظ بوريس جونسون عليه لدى الرد على أسئلة الصحافيين القلقين من المشهد الوبائي تارة، والمنتقدين لبعض السياسات المتبعة تارة أخرى. لكن ويتي، الذي وُصف تأثيره على جونسون بـ«الكبير»، كان يدرك جيداً أن عمله لا يتجاوز حدود الاستشارة. وبدا ذلك واضحاً عندما قال معلّقاً على قرار الحكومة رفع جميع القيود المرتبطة بـ«كوفيد 19» في 19 يوليو (تموز) الحالي: «المستشارون ينصحون، والساسة هم الذين يقرّرون».
وفي سياق موازٍ، رغم الاحترام الواسع الذي يحظى به ويتي في الأوساط الطبية والعلمية، فإنه لم يفلت من بعض الانتقادات الحادّة من طرف زملاء المهنة. ولعلّ الانتقاد الأبرز جاء من الجهة الأخرى من المحيط الأطلسي، وتحديداً من داخل البيت الأبيض، عندما عبّر الدكتور أنتوني فاوتشي، كبير المستشارين الطبيين للرئيس الأميركي، عن استغرابه من قرار بريطانيا تمديد الفترة بين جرعتي اللقاح من 3 إلى 12 أسبوعاً. وقال فاوتشي حينها إن «الوقت الأمثل» لتلقي جرعة اللقاح الثانية هو بعد 21 يوماً من الأولى، وأكد لشبكة «سي إن إن» في يناير (كانون الثاني) الماضي أنه «لن يؤيد» استراتيجية الحكومة البريطانية.
وفي المقابل، رأت الحكومة البريطانية، بتأييد من ويتي، منافع كثيرة في تأخير الجرعات الثانية. وأوضحت وزارة الصحة، في بيان، أنها ستعطي الأولوية في الجرعة الأولى «لأكبر عدد من الأشخاص في المجموعات المعرّضة للخطر». وتابعت: «سيتلقى الجميع جرعتهم الثانية، وسيحصل ذلك في غضون 12 أسبوعاً من الجرعة الأولى». وبينما اعتبر هذا القرار رهاناً عالي المخاطر، فإنه أتاح لبريطانيا إنجاز إحدى أنجح حملات التطعيم في العالم، وشملت حتى اليوم 86 في المائة من سكانها البالغين بالجرعة الأولى، وأكثر من 60 في المائة الجرعة الثانية.

قضية رفع القيود

بعكس رهان استراتيجية التلقيح، لقي قرار الحكومة البريطانية الأخير رفع جلّ القيود المرتبطة بمكافحة «كوفيد 19» الأسبوع المقبل انتقادات واسعة داخل حدود البلاد وخارجها. ويذكر أن رئيس الوزراء، تحت ضغط الحزبيين المحافظين، يعتزم رفع القيود التي أملتها الجائحة، وإعادة فتح مرافق اقتصاد إنجلترا من جديد، اعتباراً من 19 يوليو، رغم تحذيرات علماء ساهموا في بلورة استجابة البلاد للجائحة. فرغم تحقيق واحد من أعلى معدلات التطعيم في العالم، تواجه بريطانيا موجة جديدة من «كوفيد 19»، ولا سيما المتحور «دلتا»، إذ شهد عداد الإصابات اليومية ارتفاعاً بلغ 30 ألف حالة، بينما عادت الوفيات إلى الارتفاع، وإن كان بوتيرة أبطأ كثيراً من الشتاء الماضي، لتبلغ 50 حالة وفاة في اليوم.
ويمثل قرار بوريس جونسون في هذه الظروف مقامرة حقيقية، فهو يهدف إلى التعايش مع الفيروس فيما يعد أول اختبار من نوعه في العالم لقدرة اللقاحات على حماية الناس من المتحور «دلتا» الشديد العدوى.
وفي حين لم يعبّر ويتي صراحة عن معارضته لهذا القرار، فإنه شدّد على «ضرورة احترام إجراءات الوقاية، بما يشمل الاستمرار في التباعد الاجتماعي والحدّ من اللقاءات غير الضرورية والالتزام بالكمامات في الأماكن المغلقة والمكتظة». وتوقّع ويتي أن تشهد البلاد موجة إصابات جديدة، قد تؤدي في أوجها إلى إدخال 1000 إلى 2000 مصاب بالفيروس إلى المستشفيات، وذلك بحلول منتصف الشهر المقبل. وقال معلقاً: «ما نأمله، إذا التزمنا بحذر شديد خلال الفترة المقبلة، هو أن تكون الذروة التالية أقل بكثير من الذروة التي شهدناها في يناير، والتي تسببت في ضغوط هائلة على هيئة الصحة العامة».
ما يّذكر أن كثيرين أعربوا في الفترة الماضية عن اعتراضهم على قرار الحكومة. واعتبرت آن كوري، خبيرة علم الأوبئة في كلية إمبريال كوليدج، والتي كانت وراء أحد النماذج التي استفاد منها جونسون في قراره الأولي إرجاء «يوم الحرية»، أنه من السابق لأوانه الإعلان أن البلاد تستطيع التعايش مع تزايد الحالات. وقالت لوكالة «رويترز» إن تأجيل رفع القيود مرة أخرى ستكون له فائدته. ثم أضافت: «أعتقد أن التأجيل كسب للوقت، ولدينا خطوات قد تفيد في تقليل انتشار العدوى»، مشيرة إلى الجرعات التنشيطية واحتمال تطعيم الأطفال.
من ناحية أخرى، كتب أكثر من 100 عالم رسالة إلى دورية «لانسيت» الطبية المرموقة، وصفوا فيها خطط جونسون لرفع القيود كلها بأنها «خطيرة وسابقة لأوانها». واعتبروا أن الاستراتيجية القائمة على التعايش مع مستويات عالية من العدوى «غير أخلاقية».
لكن حكومة جونسون تقول إن عليها أن تنظر «إلى ما هو أبعد من مجرد المنظور الوبائي». وأشار وزير الصحة الجديد، ساجد جاويد، وهو رجل أعمال، إلى مشكلات تعليمية واقتصادية تراكمت خلال الجائحة، ورأى أن في هذه المشكلات ما يحفز على العودة للحياة العادية، حتى إذا بلغت الإصابات 100 ألف حالة يومياً، على حد قوله.
وبدأ نقاش حاد بين من يعتقدون أن العطلة الدراسية الصيفية تمثل أفضل أمل لرفع القيود هذا العام، وآخرين يرون أن جونسون يرتكب خطأ آخر بانتظاره فترة طويلة قبل إصدار أوامر الإغلاق السابقة، بعدما اتهموه بالتسبب في واحد من أعلى معدلات الوفيات في العالم.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.