قوانين الحماية الفكرية... لماذا لا تطبق تماماً في البلدان العربية؟

منظمات وهيئات كثيرة تأسست منذ بداية القرن العشرين

قوانين الحماية الفكرية... لماذا لا تطبق تماماً في البلدان العربية؟
TT

قوانين الحماية الفكرية... لماذا لا تطبق تماماً في البلدان العربية؟

قوانين الحماية الفكرية... لماذا لا تطبق تماماً في البلدان العربية؟

يواجه المؤلفون والكتاب في الوقت الحاضر خطر سرقة مصنفاتهم ومؤلفاتهم، وأحياناً تعريضها للتشويه. وخلال معارض الكتب الأخيرة التي نظمت في القاهرة وبغداد والشارقة، اشتكى كثير من المؤلفين العرب من استفحال هذه الظاهرة المقلقة، وطالبوا بوضع حلول لها من خلال تطبيق ضوابط تشريعات حقوق الملكية الفكرية التي وقعت عليها معظم الدول العربية.
وقد تأسست كثير من المنظمات والهيئات للدفاع عن حقوق المؤلفين ومصنفاتهم الفكرية، ربما في مقدمتها منظمة «الويبو» أو «المنظمة الدولية لحماية الملكية الفكرية» التي تتخذ من جنيف مقراً لها. ومع أن الأهداف الأساسية لمثل هذه المنظمات تتركز أساساً على حماية العلامات التجارية وبراءات الاختراع، فإن جوانب مهمة كانت تعنى بوضع الضوابط والتشريعات الخاصة بحماية حقوق المؤلفين ومصنفاتهم الفكرية. كما بادرت كثير من الدول العربية إلى الانضمام إلى منظمة «الويبو» العالمية هذه، وتأسيس منظمات وطنية خاصة لحماية حقوق المؤلف، منها مصر والعراق وسوريا ولبنان والسعودية والجزائر والمغرب والإمارات والسودان وغيرها.
ويبدو أن للبنان خلفيات تاريخية بالنسبة لحماية الحرية الفكرية، إذ تشير ديباجة القانون اللبناني المرقم 12 جمادي الأولى عام 1358 هجرية (1910) الذي أمنَّ للمؤلفين حق الحماية الفكرية على منتجاتهم الفكرية، إلى أنه أنشئ في عهد الانتداب الفرنسي مكتب خاص للحماية الفكرية بتاريخ 19 يوليو (تموز) 1923، ثم صدر قرار بالخصوص يحمل رقم (2385) بتاريخ 17 يناير (كانون الثاني) 1924، حيث ارتبط منذ ذلك التاريخ بميثاق «برن» المعقود في 9 سبتمبر (أيلول) 1886. كما سعى لبنان إلى الانضمام إلى عدد من الاتفاقيات الدولية حول حماية الملكية الفكرية الخاص بمنظمة التجارة العالمي، فضلاً عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو). أما قانون حماية الملكية الأدبية، فقد صدر بقانون تحت رقم (75) في أبريل (نيسان) 1999.
وفي سوريا، صدر قانون حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة عام 2014. وحدد هذا القانون ارتباط تطبيق القانون بوزارة الثقافة، وتحديداً من قبل مديرية حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة. وجاء في تعريف المصنف أنه «الوعاء المعرفي الذي يحمل إنتاجاً أدبياً أو فنياً أو علمياً مبتكراً، مهما كان نوعه أو أهميته أو طريقة التعبير أو العرض فيه».
وفي مصر، صدر قانون حقوق الملكية الفكرية المرقم (82) لسنة 2002، حيث أشارت الديباجة إلى أن القانون قد حل محل عدد من التشريعات السابقة، منها قوانين تتعلق بالعلامات التجارية، والقانون رقم (354) لسنة 1954. وقد حدد القانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة التي تنطبق على المصنف المبتكر، أدبي أو فني أو عملي، أياً كان نوعه أو طريقة التعبير عنه. كما تضمن القانون تفاصيل دقيقة حول حقوق المؤلف وورثته، فضلاً عن تحديد مفهوم الحقوق المجاورة.
وصدر في الجزائر تشريع خاص بحماية الملكية في حقل حماية البرمجيات في عام 2011 تحت رقم (26)، وقد خصص هذا التشريع أبواباً لحماية الملكية الفكرية، وأشار إلى أن الاحتلال الفرنسي للمدة من 1830 حتى 1962 كان يطبق القوانين الفرنسية على حقوق الملكية الفكرية. أما في المرحلة الثانية التي أعقبت الاحتلال، فقد أصدرت الدولة مجموعة من القوانين، منها القانون رقم (154-62) المؤرخ بـ31 يناير (كانون الثاني) 1962 الذي سمح بالعمل بالقوانين الفرنسية، ما لم يتعارض أي منها مع السيادة الوطنية. وفي عام 1966، صدر الأمر رقم (48-66) المتضمن انضمام الجزائر إلى اتفاقية باريس المتعلقة بحماية الملكية الصناعية. وفي السبعينيات، صدر قانون حق المؤلف رقم 23 - (6) 14، المؤرخ بـ3 أبريل (نيسان) 1973. وأشار الفصل الأول من القانون إلى تعريف حق المؤلف، حيث عد أن كل إنتاج فكري، مهما كان نوعه ونمطه وصورة تعبيره، ومهما كانت قيمته ومقصده، يخول لصاحبه حقاً في ما يسمى «حق المؤلف». واختتم القانون بجملة من التوصيات، منها التثقيف بفكرة الملكية الفكرية وأهميتها.
وأصدرت دولة الإمارات عام 1992 القانون رقم (37) الخاص بالعلامات التجارية وتعديلاته، وفيه أبواب خاصة بحقوق المؤلف الفكرية ومصنفاته، حيث أشار القانون إلى شمول الكتب والمقالات وغيرها من المصنفات المكتوبة بمواد هذا القانون، وقد أنيطت مهمة تسجيل هذه الحقوق الخاصة بالمصنفات الفكرية بوزارة الاقتصاد. كما وردت إشارة مهمة حول مدة حماية المصنفات الفكرية، تنص حسب المادة (20) على حماية الحقوق المالية للمؤلف مدة حياته، وخمسين سنة تبدأ من أول السنة الميلادية التالية لسنة وفاته.
ولقد حظيت تشريعات الملكية الفكرية باهتمام خاص في المملكة العربية السعودية، وصدر أول تشريع باسم العلامات الفارقة في عام 1358 هجرية، وأنشئت الهيئة السعودية للملكية الفكرية التي اعتمدت بقرار مجلس الوزارة عام 1437 هجرية. وقامت الهيئة بكثير من الحملات التفتيشية على مستوى المملكة، بالشراكة مع الجهات الأمنية والمتخصصة للحد من انتهاكات حقوق الملكية الفكرية، ونظرت في كثير من المنازعات والتجاوزات الخاصة بحقوق الملكية الفكرية، ووقعت خلال هذه المدة مجموعة من اتفاقيات الشراكة مع بعض الدول ومكاتب الملكية الفكرية في كوريا وأميركا واليابان ومكتب البراءات الأوروبي. ولتطوير كفاءة العاملين في مجال الملكية الفكرية، أنشأت الهيئة السعودية للملكية الفكرية أكاديمية الملكية الفكرية، بالشراكة مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، وهو إنجاز جدير بالتقدير. ومن المشكلات التي تواجه المسؤولين عن تنفيذ هذه التشريعات تلك المتعلقة بتوصيف أو تحديد المصنفات المشمولة بالقانون، ومنها اتسامها بالأصالة والابتكار والجدة والحداثة.
وغالباً ما تربط بعض هذه التشريعات بين مفهوم حماية حقوق المؤلف ومصطلح الأصالة، بصفته شرطاً أساسياً للشمول بقوانين الحماية. لكن هذا المصطلح غالباً ما يساء تفسيره، مما يلحق ضرراً فادحاً بحقوق المؤلف الحقيقية. ويعود سبب ذلك إلى أن هذا المصطلح من المصطلحات الإشكالية في الثقافة المعاصرة، ويقابله في الإنجليزية مصطلح (originality)، وهو بثنائيات ضدية، مثل الأصالة والمعاصرة، أو الأصالة والحداثة، أو الأصالة والتجديد، وما إلى ذلك. وفي هذه الثنائيات، غالباً ما تذهب الدلالة الاصطلاحية إلى زمن الماضي، وتحديداً إلى الموروث الثقافي. لذا، يبدو مصطلح الأصالة في معارضة مفترضة مع ما هو حديث ومعاصر وجديد، وتحديداً فيما يتعلق بالتراث؛ أي تراث الأمة وثقافتها وفكرها وتاريخها التي تنزل أحياناً منزلة المقدس. ولو تفحصنا دلالة المصطلح اللسانية، لوجدناه يذهب -كما يشير معجم «الرائد»- إلى أنه مشتق من «أصل»، حيث إن أصالة الرأي جودته، وأصالة النسب رسوخه ونبله. كما يذهب «المعجم الوسيط» إلى أنه في الرأي جودته، وفي الأسلوب ابتكاره، وفي النسب عراقته.
ويربط بعض الدارسين الإسلاميين بين مفهوم الأصالة والتربية الإسلامية في الزهد والعقيدة وأصول الفقه والحديث، وغيرها من العلوم الإسلامية.
وما دمنا بصدد الحديث عن علاقة مصطلح الأصالة بالنتاج الفكري والثقافي الذي يمكن أن يدرج تحت باب الحماية الفكرية، فعلينا أن نبتعد عن التعميم والتفصيل، ونتوقف أمام هذه العلاقة تحديداً، كما جرت معالجتها من قبل المشرع العراقي. فمن المعروف أن أول معالجة تتعلق بقوانين الحماية الفكرية في العراق كانت من خلال «قانون حماية حق المؤلف لسنة 1971 الصادر في الرابع من يناير (كانون الأول) عام 1971». إلا أن سلطة الائتلاف المنحلة قد قامت بعد الاحتلال بتعديل هذا القانون، وشرعت قانوناً أو أمراً يحمل الرقم (83)، تنص الفقرة الأولى منه على أن يتمتع بحماية هذا القانون مؤلفو المصنفات الأصيلة في الآداب والفنون والعلوم أياً كان تصنيفها.
ويخيل لي أننا بحاجة إلى تقديم تعريفات وافية دقيقة لمصطلحي «الابتكار» و«الأصالة» فيما يتعلق بالأعمال الفكرية والثقافية والفنية والأدبية، حتى لا نقصي كثيراً من الأعمال الفكرية تحت طائلة أنها لا تتوافر على شرط الأصالة والابتكار. وأخشى أن يؤدي التباين في تقديم تعريفات وتحديدات لهذين المصطلحين إلى إقصاء كثير من الأعمال من حق الحماية، بذريعة خلوها من صنفي الابتكار والأصالة، وأن نشرع قوانين تكون قادرة على شمول جميع الأعمال الثقافية بحق حماية الملكية الفكرية.
ويمكن أن نستشهد في هذا الصدد بتوصيفات المنظمة العالمية للملكية الفكرية لاحقاً. وجدير بالذكر أن المنظمات الثقافية الدولية أولت موضوع حماية النتاج الفكري الثقافي أهمية خاصة، إذ تأسست في جنيف منظمة (الويبو) (wipo)؛ أي «المنظمة العالمية للملكية الفكرية» التي قدمت توصيفات متكاملة لمفهوم حماية النتاج الفكري الثقافي، وحددوه وآلياته. وقد جاء في تعريف حق المؤلف أن القانون يحمي بشكل عام حق المؤلف وإبداعات المؤلفين الأدبية أو الفنية، وغالباً ما يشار إليها باسم «المصنفات»؛ ويعني حق المؤلف: «إن للمؤلفين وأصحاب الحقوق المجاورة حقاً في مصنفهم، وكل الأشياء المتصلة به، مثل حق المؤلف الذي يتمتع به الكتاب في رواياتهم والرسامون في لوحاتهم والمصورون في صورهم».
وجرى كذلك تحديد مفهوم الحقوق المجاورة، بصفتها تلك التي يتمتع بها أولئك الذين لم يؤلفوا أو يبدعوا المصنفات، ولكن لديهم علاقة وثيقة بها؛ على سبيل المثال الذين تولوا توزيع المصنفات الأدبية أو الفنية. كما توقفت المنظمة أمام تعريف مفهوم الأصالة، قائلة: «في حق المؤلف، والإشارة إلى أن المصنفات يجب أن تكون أصلية أو لها أصالة حتى تحمى بموجب حق المؤلف، إذ تتطلب الأصالة إبداعاً مستقلاً، مما يعني في الأساس أنه لا يمكن نسخ المصنف من مصنف آخر، وهذا لا يعني أن العمل يجب أن يكون بالضرورة جديداً أو فريداً من نوعه، فقد يحظى مصنفان متشابهان جداً يستندان إلى الفكرة نفسها أو المفهوم عينه على نحو أساسي بحماية حق المؤلف، ما دام أن أحدهما لم ينسخ من الآخر».
وقد انضم العراق إلى منظمة «الويبو» عام 2007، حيث حضر وفد رفيع المستوى، برئاسة السيد وزير الثقافة، ووقع في جنيف على وثيقة الانضمام لهذه المنظمة. وفي ضوء ذلك، تم تأسيس «المركز الوطني لحماية حق المؤلف والحقوق المجاورة» في عام 2007.
من كل ما تقدم، تبرز الحاجة الماسة حالياً للاهتمام بالتشريعات والقوانين الخاصة بحماية حقوق المؤلفين العرب عن مصنفاتهم الفكرية والإبداعية، وحمايتها من السرقة والتزوير.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.