الكتابة التاريخية... المجاز والحبكة والآيديولوجيا

المؤرخ الأميركي هايدن وايت يعتبرها من أنواع الكتابة الأدبية

الكتابة التاريخية... المجاز والحبكة والآيديولوجيا
TT

الكتابة التاريخية... المجاز والحبكة والآيديولوجيا

الكتابة التاريخية... المجاز والحبكة والآيديولوجيا

يُمثِّل كتاب «ما بعد التاريخ... الخيال التاريخي في أوروبا ما بعد القرن التاسع عشر»، الذي نشرته جامعة جونز هوبكنز الأميركية، للكاتب والمؤرخ الأميركي هايدن وايت، قبل ثمانية وأربعين عاماً، محاولة لوضع تصور شامل عن طبيعة الكتابة التاريخية وفقاً للمدخل اللغوي البنيوي، والذي اتسع ليشمل دراسة كافة نظم السيميولوجيا، أو علم العلامات، والأنثروبولوجيا وعلم النفس والثقافات، واهتم بتناول الأدب، بما فيه الكتابة السردية.
ويسعى الكتاب، الذي قدم نسخته العربية الباحث الدكتور شريف يونس، وينتظر صدوره قريباً، عن المركز القومي للترجمة بمصر، لوضع تصور شامل عن طبيعة الكتابة التاريخية وفقاً للمدخل اللغوي - البنيوي، والذي انطلق من دراسة فردينان دي سوسير للغة كبنية، بدلاً من دراستها في تطورها التاريخي.
حاول هايدن وايت (1928 - 2018) في الكتاب البحث عن البنى العميقة التي تُملِي صور أو أنماط كتابة التاريخ، وتَحصُرها في مجموعة من العلاقات بين مُحدِّدات أساسية، وتتمثل، وفقاً له، في أنواع الحبكة الأدبية، والحُجَّة، والمضمون الآيديولوجي؛ وكما سعى لأن يربط بينها جميعاً، على مستوى أعمق، من خلال أنماط المجاز الأدبي التي قام بتقسيمها إلى أربعة أنماط أو أنواع.

نظرية المجاز
يطرح وايت البنية غير الواعية للكتابة التاريخية على مستويات أربع، ثلاث منها، هي مستويات الحَبكة والحُجَّة والمضمون الآيديولوجي، وتُمثِّل الجوانب الجمالية والمعرفية والأخلاقية، على الترتيب، بينما الرابع، وهو مستوى المجاز الشِعري، أعمق من المستويات الأخرى ويفسِّرها، وهو ما يبرر تسمية مقدمته النظرية «شِعرية التاريخ».
ويُفترَض وفقاً لنظريته أن التهكم والسخرية والسياقية والليبرالية تُمثِّل أربعة أنماط نقية مختلفة للكتابة التاريخية. ويصف وايت هذه البنية غير الواعية بأنها بروتوكول أو نموذج قَبْل تصوري، وقَبْل نقدي، والمقصود بذلك أن المؤرخ أو فيلسوف التاريخ يقبل بهذا البروتوكول مُسبقاً، وضِمنياً، كأساس لعمله؛ لكن البروتوكول يختلف عن المسَلَّمات أو الافتراضات، وهو لغوي بصفة عامة، وسردي أدبي تحديداً، له أساس شِعري هو المجاز، وهو الأكثر عمقاً للوعي، ويصفه وايت بأنه تخيُّل مُسبَق للحقل التاريخي.
ويطرح وايت، تَبَنِّي الحُجَّة الصورية، التي تقوم على تصنيف معطيات الحقل التاريخي والحرص على إبراز التنوع والحيوية، وهو إبراز يصل إلى درجة التشتت، ومن خلال ذلك يتم التركيز، بين العناصر المختلفة للدراما، على عُنصر التفرُّد وعلى الفاعلِين، لا على المشهد العام ولا على الأساس العميق لتفاعُل الأحداث. وتتوافق الكناية عند وايت مع التراجيديا، التي تُصوِّر حالة من الانقسام الجذري والصراع، الذي ينتهي عادة بسقوط البطل، وهو ما يُعطي الفرصة لتجلّي القانون الذي يخرُج منتصراً على جهود البطل الذي تحدَّاه. ويُبيِّن وايت في تحليله لأعمال المؤرخين أن مؤرخي النمطين الرومانسي والتراجيدي ينتهي الأمر بهم إلى السخرية، أو الوقوف على حافتها، والإقرار الصريح أو الضمني بغياب المعنى، بسبب شعورهم بأن الحاضر في تطوره «يَخُون» المثال الرومانسي، عند المؤرخين الرومانسيين، أو يخون توقع المؤرخين التراجيديين بشأن النتيجة الإيجابية للقانون الذي استخلصوه من دراستهم التاريخية.
كذلك يرى وايت أن نمط التراجيديا بمستوياته يحمل بذرة التهكم، لأن التاريخ يحدُث بفعل شبكة أسباب على مستوى أعمق من وعي الأفراد، وبالتالي لا يترك مجالاً واسعاً للعقل ولا للإرادة الحرة.

أسس الكتابة التاريخية
ويتناول هايدن وايت في الكتاب أسس الكتابة التاريخية، أي البنية الباطنة التي تَحكُمها، وأحدث نوعاً من الثورة في دراسة الكتابة التاريخية، أثارت مناقشات واسعة بين المؤرخين والمفكرين المهتمين بالتاريخ، وهو ما ترتب عليه ظهور كتابات نظرية عديدة عن أدبية الكتابة التاريخية، من هنا يمكن اعتبار مؤلف وايت تدشيناً لتيار فكري واسع، ترك أثره لاحقاً على الكتابة التاريخية نفسها. وذلك على الرغم مما أثارته أفكار الكِتاب من اعتراض شمل معظم المؤرخين، لأنه طرح ببساطة أن التاريخ ليس عِلماً، وأنه نوع من أنواع الكتابة الأدبية، وهو في بنيته العميقة فن من فنون الكتابة.
وتكمن أهمية كتاب وايت في أنه جَمَع بين المنهج البنيوي وهذه الفكرة القديمة المتجددة عن كتابة التاريخ بصفتها نوعاً من الأدب، وترتب على هذا الجمْع الانتقال من القول بأن الكتابة التاريخية، وهي نوع خاص أو ناقص من الأدب، إلى القول بأن له بنية أدبية خاصة تحكمه، بحيث يُمكِن تصنيف أي مؤلَّف تاريخي كرومانسي أو تراجيدي أو كوميدي أو ساخر، وهي أنماط الحبكة الدرامية الأربعة الرئيسية، ونِسبة كل نوع منها إلى أساس أعمق، تعود لأنماط المجاز الشِعري الأربعة، الاستعارة والكناية والمجاز المُرْسَل والتهكم، وعلى هذا النحو تكون البنى الدرامية والمجازات الشعرية حاكِمة للكتابة التاريخية؛ لكن ليس بمعنى أن المؤرخ يفكر واعياً في التاريخ وفقاً لنمط درامي أو شِعري معين، أو يكتُب لتطبيق هذا النمط على دراسته التاريخية، لكن بمعنى أن هذه الأنماط غير الواعية تَحْكُم مُسبقاً حقل الكتابة التاريخية الحديثة الموصوفة بالعلمية على نحو ما ظهرت في القرن التاسع عشر في أوروبا، وانتشرت إلى جميع أنحاء العالم، وبمعنى أن أي مؤرخ حديث، أو حتى فيلسوف للتاريخ، يَتَّبِع بالضرورة خَياراً أو أكثر من خيارات معينة تُحدِّدها هذه البنية مُسبقاً.

مراجعة تطبيقية
ولم يطرح وايت هذه الأفكار في كتابه بشكل نظري فحسب، بل حاول أن يُثبِتها بتطبيقها على أربعة من أشهر وأهم المؤرخين الأوروبيين في القرن التاسع عشر، وهم ميشليه ورانكه مؤسس منهج الكتابة التاريخية الأكاديمية الحديثة، وتوكفيل وبوركهارت. كما طبَّقها على أعمال أهم الفلاسفة الذين تناولوا التاريخ في ذلك القرن هيغل وماركس ونيتشه وكروتشه، ولم يُغفِل وايت في طرحه للبنية العميقة للكتابة التاريخية الحديثة البُعدَيْن العقلي والآيديولوجي، اللذين دار النقاش حولهما من قبله، بل صنَّف الميول الآيديولوجية للكتابة التاريخية، معتمداً على مُنَظِّر علم الاجتماع كارل مانهايم، إلى أربعة ميول، وربط كل ميل آيديولوجي بنمط من أنماط الحبكة وبنوع من أنواع الحُجَج وبصنف من أصناف المجاز الشعري. وقد راح يربط، على سبيل المثال، المجاز الكنائي بالحبكة التراجيدية، ودورهما بالآيديولوجيات الجذرية للتاريخ.
ولا يَعتبِر وايت طرحه هذا قيداً على كتابة التاريخ، ولا يُطالب بالخضوع له، بل يقدِّم طرحه كرصد لواقع الكتابة التاريخية الحديثة، ويراه مساهمة في تحريرها. وهذا يرجع إلى أنه يَعتَبِر الكتابة التاريخية الأكاديمية المألوفة تستبعد في معظمها، صنفَي الاستعارة والكناية، وتصِفهما بعدم العِلمية والتحيُّز، وتقتصر على صنفَي التهكم والمجاز المُرسَل. فإما أن تكون الكتابة التاريخية تهكمية على مستوى المجاز، وساخرة على مستوى الحبكة، وسياقية على مستوى الحُجَّة، وليبرالية على المستوى الآيديولوجي، وإما أن تتبع المجاز المُرسَل على مستوى المجاز، والكوميديا على مستوى الحبكة، والعضوية على مستوى الحُجة، لتكون في النهاية محافِظة على المستوى الآيديولوجي.
ينتقد وايت الرؤية التهكمية للعالم، لأنها تقتل الأمل وتسحب البساط من تحت الرغبة في الفعل في الحاضر؛ لكنه يعترف بأن دراسته للكتابة التاريخية لها طابع تهكمي، بقدر ما أنه ينزع عنها ادعاءها بأنها تَعرِض الحقيقة، ليجعلها بدلاً من ذلك عَرْضاً سردياً يَحكُمه صنف من أصناف المجازات الشِعرية، يجعلها جميعاً متساوية في القيمة وفي علاقتها بالأصل الذي ترجِع إليه.
ويخلص وايت إلى أن الأنواع الأربعة الرئيسية في الكتابة التاريخية متكافئة في قدرتها التفسيرية، رغم أن كل نوع منها يَستبعِد الأنواع الأخرى، وبالتالي يرفض دعوى الفكر الأكاديمي التاريخي السائد باحتكاره للموضوعية أو الواقعية، ويراه يُفضِّل الأنواع الأكثر عُقماً من الواقعية والموضوعية؛ والتي تتصف، بالتبلُّد الأخلاقي والسياسي.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».