فصائل عراقية تتمرد على تهدئة قآاني وتعمل لتأجيل الانتخابات

تمدد «طالبان» في أفغانستان يجبر إيران على ضبط وكلائها في العراق

لوحة تذكارية تحمل أسماء الضحايا في الموصل في ذكرى استعادة المدينة من «داعش» أمس (أ.ف.ب)
لوحة تذكارية تحمل أسماء الضحايا في الموصل في ذكرى استعادة المدينة من «داعش» أمس (أ.ف.ب)
TT

فصائل عراقية تتمرد على تهدئة قآاني وتعمل لتأجيل الانتخابات

لوحة تذكارية تحمل أسماء الضحايا في الموصل في ذكرى استعادة المدينة من «داعش» أمس (أ.ف.ب)
لوحة تذكارية تحمل أسماء الضحايا في الموصل في ذكرى استعادة المدينة من «داعش» أمس (أ.ف.ب)

نفت قيادات شيعية في «الحشد الشعبي» اتفاقاً شاملاً بين الفصائل على مواصلة التصعيد ضد المصالح الأميركية في العراق، فيما كشفت عن «مخاوف نقلها ضباط إيرانيون من فتح جبهة حرب مفتوحة في البلاد، بينما يتفاقم خطر طالبان في أفغانستان».
وأوردت تقارير صحافية معلومات عن «تمرد» الفصائل على توجيهات قائد «فيلق القدس» إسماعيل قآاني بشأن العودة إلى التهدئة، بعد استهداف مطار أربيل وقاعدة «عين الأسد»، لكن مصادر «الشرق الأوسط»، أكدت أن اجتماعاً جرى، الأسبوع الماضي، في مطار بغداد بين ضباط في الحرس الثوري الإيراني وقيادات عراقية شيعية أنجز اتفاقاً على التهدئة، لم ترضَ عنه «كتائب حزب الله»، و«كتائب سيد الشهداء».
وقالت المصادر إن «زعيمي تحالف فتح وعصائب أهل الحق أيدا قرار التهدئة خلال الاجتماع الأخير مع ممثلي الحرس الثوري»، لكن المتحدث باسم «كتائب سيد الشهداء» كاظم الفرطوسي، أعلن أن «المقاومة الإسلامية العراقية رفضت بشدة أي وساطات بما يخص إيقاف العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية». وأضاف أن «التصعيد العسكري ضد القوات الأميركية جاء من أجل إخراج كامل للقوات الأميركية القتالية من الأراضي العراقية كافة، وبخلاف ذلك لن تكون أي تهدئة، ولن يتم إيقاف التصعيد مهما كانت الضغوطات على الفصائل».
وتشير مصادر عراقية، حضرت الاجتماع، إلى أن اقتراح التهدئة الإيراني قوبل بالتحدي والمعارضة. وتحدث أحد قادة الفصائل الستة في الاجتماع قائلاً إنهم لا يمكنهم التزام الصمت والهدوء في حين أنه لم يأخذ أحد بثأر مقتل سلفه قاسم سليماني، وكبير قادة الميليشيات العراقية أبو مهدي المهندس، في غارة أميركية بطائرة مسيّرة.
وتظهر تفاصيل اللقاء التي أكدها ثلاثة مسؤولين سياسيين شيعة واثنان من كبار مسؤولي الميليشيات لوكالة «أسوشيتد برس»، كيف أن الميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران تؤكد على مستوى من الاستقلال، وتسخر في بعض الأحيان من الأوامر الصادرة من طهران. وتعتمد إيران راهناً على «حزب الله» اللبناني للحصول على الدعم في كبح جماح الميليشيات العراقية، مع احتمال أن يضطلع الرئيس الإيراني الجديد بدور في المسار نفسه.
ويبدو أن الكتائب التي يقودها المعروف باسم «أبو علي العسكري» تأخذ مساراً مختلفاً عن بقية الفصائل، يعتمد التصعيد المباشر والمغامر، دون المساهمة في أي تسوية سياسية مع الفرقاء الآخرين في «الحشد الشعبي»، فيما يلوح زعيم «كتائب سيد الشهداء» بالعمل على تأجيل الانتخابات إلى أبريل (نيسان) 2022، بحسب وكالة «أسوشيتد برس».
وقالت المصادر إن الضباط الإيرانيين حذروا زعماء الفصائل الشيعية من أن «مواصلة التصعيد الأمني سينهي تجربة الحكم الشيعي سريعاً، ولن يكون هناك أي معنى للانتخابات المقبلة»، مشيرة إلى أن «الاجتماع الأخير شمل مسؤولين في الحكومة تحدثوا مطولاً عن ضرورة التهدئة».
ونقلت المصادر أن الضباط الإيرانيين سألوا قادة الفصائل عن «مبررات التصعيد طالما أن الأمور تتجه لصالحهم في الانتخابات المقبلة». وبحسب قيادي في تحالف «فتح» بزعامة هادي العامري، ومستشار سياسي في ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، فإن الوضع الإقليمي يصل إلى مديات خطيرة، وإن الإيرانيين أوصلوا رسائل واضحة للعراقيين بأن الوضع على الحدود الأفغانية مع تمدد «طالبان» هناك، يتطلب جبهة ومستقرة في المحور الشرقي، لا سيما في العراق.
وسيطرت حركة طالبان في أفغانستان، الأسبوع المنصرم، على مقاطعتين في ولاية بروان، التي تضم قاعدة «باغرام» الجوية، فضلاً عن معبر على الحدود الإيرانية.
وقال القيادي في تحالف «فتح»، إن «الفعاليات الشيعية الكبرى اتفقت على تثبيت الحد الأدنى من الهدنة إلى حين الانتخابات العراقية، لكن الأزمة تزداد تعقيداً بسبب الطريقة اللامركزية التي تعمل بها الفصائل».
ولا تعكس تصريحات القيادات الشيعية الواقع الفعلي في الميدان، فرغم الاتفاق على وقف التصعيد، فإن لا مؤشرات أكيدة على وقف الهجمات الصاروخية ضد البعثات الدبلوماسية والقواعد العسكرية في البلاد.
وتلعب ثلاثة عوامل أساسية في رسم سياسة «الفوضى الخلاقة» لمنظومة الفصائل، يتمثل الأول بالخلايا الشيعية الناشئة، التي تعمل مع قادة الفصائل التقليدية دون اتصال مباشر مع الإيرانيين، وتنفذ عمليات خاصة أبرزها نقل الأسلحة وإطلاق الصواريخ.
وخلقت هذه العلاقة المستحدثة، دون وجود وسيط أو مشرف إيراني، مناخاً معقداً من التراتبية الشيعية داخل الحشد الشعبي، ومنحت لتلك الفصائل هامشاً واسعاً من الحركة والمناورة.
لكن الزيارات الإيرانية المتكررة لبغداد، والنقاشات التي تدور مراراً مع قادة الفصائل، غالباً ما تأتي على المخاوف من أن تكون تحركات الخلايا الفرعية بمعزل تام عن مسار الأحداث في المنطقة، والمصالح الإيرانية فيها.
العامل الثاني، الذي يفسّر التقاطع بين الفصائل بشأن العمل الميداني، هو أن قرار التصعيد ضد حكومة الكاظمي والولايات المتحدة لا يندرج ضمن رسالة واحدة، إذ تفصل استراتيجية الفصائل بين خصومتها مع الكاظمي وبين أجندة إخراج القوات الأميركية، ومنذ أسابيع كان التصعيد موجهاً ضد الأميركيين، لأن المزاج العام داخل الفصائل يتجه إلى التهدئة مع الكاظمي.
لكن العامل الثالث، ويبدو حاسماً في تغيير المعادلات الداخلية بين الفصائل، هو التنافس الشديد على النفوذ بشأن مَن يشغل فراغ أو مهدي المهندس، ويحصر الاتصالات الإيرانية بقنواته.
ويقول قيادي في «الحشد الشعبي»، إن «العلاقة بين زعامات الفصائل ليست كما تبدو للرأي العام، حيث التنافس الشديد الذي يصل في بعض الأحيان إلى المقاطعة بشكل نهائي». ويضيف: «قد يبدو كل شيء فوضوياً، لكنها الفوضى التي صنعت النفوذ في العراق».
ومع وصول إبراهيم رئيسي إلى السلطة في إيران، خلفاً للرئيس السابق حسن روحاني، فإن عدداً من الفصائل ترى في الرئيس الجديد فرصة أكبر لتعزيز النفوذ وتثبيت وضع «الحشد الشعبي» بذات الصيغة التي يعمل فيها الحرس الثوري الإيراني.
ولم يتسلم رئيسي بعد السلطة في طهران، لكن بعض الفصائل لا سيما التي أنشأت خلايا مسلحة فرعية تريد تقديم نموذج عمل ميداني يتبناه الرئيس الإيراني الجديد، الذي سيأتي لملف العراق بنفوذ غير مسبوق من المرشد الأعلى علي خامنئي.
ويقول القيادي في «الحشد الشعبي» إن «فرضية التدهور الميداني في العراق، وخروج الأمور تماماً مرتبط تحديداً بهذه العوامل التي ترسم ملامح منظومة العمل داخل الفصائل».
وفي المجمل، فإن الفصائل التي تعتمد التصعيد ضد الحكومة أو المصالح الأميركية تعكس تحولاً جوهرياً لم يكن بارزاً أيام حكومة عادل عبد المهدي، يمثل تمهيداً ميدانياً لفرض واقع جديد على المعادلة الأمنية والسياسية في العراق.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.