الغرض من التعليم في القرن الحادي والعشرين

النقاش يستمر حول ما إذا كان الهدف هو الاستعداد لسوق العمل أم التنمية

ما هو الغرض من التعليم في القرن الحادي والعشرين؟
ما هو الغرض من التعليم في القرن الحادي والعشرين؟
TT

الغرض من التعليم في القرن الحادي والعشرين

ما هو الغرض من التعليم في القرن الحادي والعشرين؟
ما هو الغرض من التعليم في القرن الحادي والعشرين؟

ما هو الغرض من التعليم؟ انطلق ذلك السؤال بشكل صارخ عندما حاول سكوت والكر، حاكم ولاية ويسكونسن الأميركية، مؤخرا وفي هدوء تغيير رسالة جامعة ويسكونسن التي تعود لقرن مضى من الزمان، عن طريق اقتراح رفع بعض الكلمات من قانون الولاية والتي تطالب الجامعة بـ«البحث عن الحقيقة» وكذلك «تحسين ظروف الإنسان»، واستبدال «تلبية احتياجات القوى العاملة في الولاية» بها.
وتراجع والكر عندما صارت المسألة قضية عامة في الولاية، وأثارت حالة من الانتقادات الحادة من جانب الأكاديميين وغيرهم، غير أن المسألة في حد ذاتها تحولت إلى موضوع للنقاش الوطني وموضوع المقالة التالية، والتي كتبها آرثر إتش كامينس، مدير مركز الإبداع في الهندسة والعلوم والتعليم لدى معهد ستيفنز للتقنية في مدينة هوبوكين بولاية نيوجيرسي. ولا تعبر الأفكار الواردة في تلك المقالة إلا عن رأي الكاتب، ولا تمثل معهد ستيفنز بأي حال.
وكتب كامينس قائلا «لا يبدو أن النقاش حول أغراض التعليم سوف ينتهي قريبا. أينبغي على الشباب الصغير أن يتلقوا التعليم استعدادا لدخول سوق العمل، أو هل ينبغي على الغرض من التعليم إيلاء المزيد من التركيز للتنمية الاجتماعية، والأكاديمية، والثقافية، والفكرية، حتى يتسنى للطلاب النمو لكي يكونوا مواطنين فاعلين؟».
عبر السنوات الخمسين الماضية عزز القلق حول المنافسة مع الاتحاد السوفياتي، واليابان، والصين، حيال الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية العالمية، من الدعوات الدورية الرامية إلى التنمية الفاعلة للقوة العاملة. حاول سكوت والكر حاكم ولاية ويسكونسن مؤخرا تغيير رسالة جامعة الولاية حتى تولي المزيد من التركيز إلى تنمية القوة العاملة... ومع كل محاولة لتنمية القوة العاملة أو إفساح المجال لمطلب التنافسية الاقتصادية داخل مراحل التعليم من الابتدائي وحتى الثانوي، كان هناك تراجع من جانب أولئك الذين يسعون لزيادة التركيز على الرؤية الأوسع لنظام التعليم.
ولكن لا يجب للأمر أن يكون من منظور إما هذا أو ذاك فحسب. حيث ينبغي على التعليم إعداد الشباب الصغير لخوض غمار الحياة، والعمل، والاضطلاع بمسؤوليات المواطنة.
وتعد المعرفة بالبيئات الطبيعية والاصطناعية وكيفية حياة الناس في مختلف أرجاء العالم من الأمور بالغة الأهمية لأغراض التعليم الثلاثة. حيث يؤثر التفكير النقدي، والإبداع، ومهارات التعامل مع الآخرين والشعور بالمسؤولية الاجتماعية على النجاح في الحياة والعمل والمواطنة. على سبيل المثال، تمتد العلاقات الشخصية البائسة إلى بيئة العمل، في حين أن بيئة العمل الضاغطة أو البطالة تؤثر بدورها على الحياة الأسرية. أما المواطنون الجهلاء المنسلخون عن الواقع فيتسببون في الخيارات السياسية السقيمة والتي تؤثر على الحياة والعمل والمواطنة.. وفي إعادة لصياغة الجملة الشهيرة من الأغنية القديمة فإنه «لا يمكن الحصول على أحدها بمنأى عن الباقية».
ولذلك فإن للمنظور متعدد الأغراض تأثيره العملي على العملية التعليمية اليومية، كما يؤثر تماما على سياسة التعليم ككل.
ما هي مميزات القاعات الدراسية الداعمة لأغراض الحياة والعمل والمواطنة؟
يكمن الأساس في تحديد السلوكيات التعليمية التي ينبغي أن يضطلع بها الطلاب. يقدم إطار العمل الخاص بعلوم التعليم للمراحل الدراسية من الابتدائي وحتى الثانوي في المجلس الوطني للأبحاث بعضا من الأمثلة الجيدة، حيث يصف ذلك الإطار الممارسات التي يستخدمها العلماء والمهندسون في بناء المعرفة والتصميمات الجديدة، وكذلك مشاركات الطلاب التي تؤدي إلى التعلم. ولكي نبدو واضحين فإن الإطار المذكور يبدأ من منطلق أن العلم عبارة عن وسيلة للخروج بالتفسيرات حول كيفية عمل العالم الطبيعي، والهندسة هي وسيلة للخروج بحلول للمشاكل الإنسانية. وكلاهما يهدف إلى تحسين حياتنا - مما يعد حافزا قويا للتعلم. ومع إضفاء القليل من التغيير والتبديل، فإنه من المدهش أن تلك الممارسات يسهل تطبيقها على مختلف المواد الدراسية واعتبارها وسائل تتعامل مع مختلف الأغراض لدينا، ومنها:
1) توجيه الأسئلة حول الظواهر (مسببات السرطان، والتغيرات المناخية) وتحديد المشكلات التي تحتاج إلى الحل (تصميم الأدوية التي تعالج السرطان، وتوليد الطاقة منخفضة التأثير). يمكن للطلاب، في القاعات الدراسية، طرح الأسئلة حول كيفية حصول الكائنات الحية على الطاقة للحياة والنمو. كما يمكنهم تصميم نماذج أولية من الروبوتات التي تعمل على تطهير التسرب النفطي. ولا يعتبر التركيز التعليمي على طرح الأسئلة البناءة وتحديد المشكلات الهادفة من قبيل المهارات الأكاديمية فحسب؛ بل هو من الممارسات المهمة عبر مختلف مراحل الحياة، والعمل، والمواطنة.
2) تطوير واستخدام النماذج.. حيث تعبر النماذج عن مميزات قابلة للاختبار تتعلق بالتفسيرات العلمية أو حلول التصميم. في القاعات الدراسية يتفاعل المعلمون مع الطلاب لطرح، وتوضيح، وتنقيح، وتعزيز إدراكهم. وتحقيقا لذلك، لا يعني الأمر مجرد أن المعلمين يتعاملون مع الأفكار المعروفة سلفا، لكنهم يتفاعلون مع الطلاب في دراسة وتعزيز أفكارهم الخاصة. كما يعني أيضا إتاحة قدر من التحدي للطلاب للتعبير عما يعتقدون أنهم يعرفونه والتوقيت المناسب للبحث في ما يعرفه الآخرون حتى يمكن تطوير النموذج المبدئي القابل للاختبار. إحدى الأفكار النموذجية الرئيسية، والمنسحبة على الحياة والعمل والمواطنة، تكمن في أن غالبية المشكلات التي تستحق قدرا من التأمل هي مشكلات معقدة، وأن السعي لتفهم ذلك التعقيد هو أفضل المناهج بدلا من الاندفاع نحو البساطة. ومن الأفكار المهمة الأخرى أن النماذج، أو أفكارنا المبدئية، ينبغي إخضاعها للفحص المنهجي. ومعرفة ما إذا كانت أفكارنا المبدئية تتناغم مع الحقيقة أمر بالغ الأهمية، حتى لا نقع في الخيارات الجاهلة البائسة ذات العواقب الوخيمة غير المتعمدة.
3) التخطيط وتنفيذ التحقيقات.. ويكمن الهدف من وراء التحقيقات في اختبار، وصقل، أو استبدال، التفسيرات الحالية أو التفسيرات الافتراضية أو تصميم الحلول. مثلا، في دروس مادة الأحياء بالمدارس الثانوية يمكن للطلاب تصميم التحقيقات للوقوف على أنواع الطحالب، وما هي الظروف المثلى للتخلص من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. تنفيذا لذلك، ينبغي عليهم توقع نوع البيانات الداعمة أو الطاعنة في أفكارهم المبدئية أو خيارات التصميم لديهم. إن تنمية قدرات الطلاب على الفحص المنهجي للبيانات تعتبر نتيجة أخرى من نتائج التعليم متعدد الأغراض. وبالدراسة الجيدة، يتعلم الطلاب ثلاث فرضيات أساسية: تشكل الأسئلة المطروحة نوع البيانات المتاحة حيال التحقيق. الأسئلة غير المطروحة قد تكون على نفس مستوى أهمية الأسئلة المطروحة. بالإضافة إلى أنه في غرفة الدراسة التفاعلية، ومع توفير المزيد من الوقت للمناقشة، يتعلم الطلاب أن مختلف الناس يتعاملون مع البيانات نفسها ويصلون إلى تفسيرات مختلفة بشأنها. وهي ليست مهارة حياتية سيئة بحال!
4 و5) تحليل وتفسير البيانات.. واستخدام الرياضيات والتفكير الحسابي.. فالبيانات لا تتحدث عن نفسها، وتخرج التحقيقات الموجهة لاختبار التفسيرات أو التصميمات بقدر ما من البيانات التي يتعين تفسيرها. وفي القاعات الدراسية المنظمة حول تلك الممارسات الثماني، يتعلم الطلاب أن إجابات الأسئلة المهمة ليست بالضرورة حتمية. بدلا من ذلك، تأتي الإجابات من فحص «ما إذا كان» و«متى» و«تحت أي ظروف» و«كيفية عمل الأشياء في العالم». يتعلم الطلاب كذلك استخدام أدوات التفسير التقليدية والحديثة، خصوصا عند فحص النظم المعقدة أو تصميم الحلول المعقدة، فإن التمثيل الرياضي والتحليل الحسابي يعد أمرا حاسما. يتعلم الطلاب أيضا عدم التعامل مع الرياضيات من زاويتها الإجرائية الواجب تذكرها، بل كأدوات للإحساس بالعالم المحيط - وهي أيضا من المهارات متعددة الأغراض.
6 و7) بناء التفسيرات والحلول التصميمات.. والمشاركة في المناقشات من واقع البراهين. يقول إطار العمل المذكور آنفا «إن هدف الطلاب هو بناء التفسيرات المترابطة منطقيا للظواهر التي تتضمن إدراكهم الحالي للعلوم، أو للنموذج الذي تمثله العلوم، والمتسقة مع البراهين المتاحة؛ مثلا عند اعتبار الحلول المقترحة لمشاكل التصميم الهندسي، لا يوجد في المعتاد ما يعرف بالحل الوحيد الأمثل، لكنها مجموعة من الحلول المطروحة. ويتوقف اعتماد أفضل الخيارات على المعايير المطبقة في الخروج بالتقديرات».
ومع ذلك، ينطلق الإطار سالف الذكر خطوة واحدة نحو الأمام، وإضافة إلى إرساء الحجج المبنية على البراهين المنطقية، فإنه ينبغي على الطلاب ممارسة الدفاع عن أو مراجعة تفسيراتهم أو حلولهم في ضوء الأفكار المنافسة، من حيث التفكير في قوة إزالة الشخصنة عن النقاشات وتحويل مسارها في اتجاه البراهين. من شأن ذلك وبكل تأكيد تعزيز معالجة النزاعات الحتمية التي هي جزء من نسيج الحياة والعمل والمواطنة.
(8). الحصول على، وتقييم، والتواصل بشأن المعلومات.. تعتبر ممارسات العلوم والهندسة ذات نظرة تطلعية، وذات توجه معرفي وباحث عن الحلول، ودائما ما تسعى للتحسن. على هذا النحو، تتجلى فائدة عظيمة من التواصل مع الآخرين. ونتيجة لذلك، فإن القاعات الدراسية التي تتفاعل إثر تلك الممارسات تتسم بالتعاون، والتبادلية، والانفتاح على الأفكار البديلة. ومرة أخرى، تلك من بين المهارات الكبرى المعززة للحياة والعمل والمواطنة.
ما هي السياسات المعززة للتعليم من أجل الحياة والعمل والمواطنة؟
أولا، من خلال المجالات المعرفية التقليدية المتعددة.. يشير التدريس من أجل تنمية خبرات الطلاب في تطبيق تلك الممارسات إلى وجود تحولات كبرى في التركيز التعليمي. تستلزم تلك التحولات تطوير معايير جديدة كما تستلزم التنمية المهنية كذلك. وينبغي أن يكون ذلك من أهم أولويات التمويل.
ثانيا، نظرا لأن التفاعلات الكبيرة في تلك الممارسات هي من قبيل التغيرات الثقافية المهمة، يصطف الوقت والصبر خلفها اصطفافا. فلا وجود للحلول السريعة ولا توقع لنتائج الأمد الوجيز القابلة للقياس من أدوات أو ممارسات التقييم التكويني أو التجميعي الحالية.
ثالثا، التدريس عبر تلك الممارسات يتطلب وجود المحتوى الدراسي ذي الارتباط الشخصي والاجتماعي للطلاب الذي يمهد للتفاعل الفكري والعاطفي في عمليتهم التعليمية الخاصة. مما يعني أن التدريس لقاء النجاح في الاختبارات لم يعد كافيا، إن لم يكن من عوامل التحفيز المحبطة. نتيجة لما تقدم، فإن السياسات التعليمية الحالية، التي تمنح الأولوية للتقييمات الدراسية اللاحقة، نحن في أمس الحاجة إلى اجتزائها أو التخلص تماما منها.
رابعا، نظرا للتطور المتصل لسياقنا الاجتماعي والتقني، فلا يجدر بالتعليم لأجل الحياة والعمل والمواطنة منح التركيز الحصري على ما هو معلوم بالفعل وكيف نعيش حياتنا الآن. وبالتالي، فإن التدريس والتقييم الذي يفضل التعلم بطريق التلقين والحفظ والاستظهار ينبغي عليه إفساح المجال أمام الإعداد والاستعداد لأساليب التعلم المستقبلية.
وصرفا للنظر عن التقدم المتحقق في تحويل الممارسات والمحتوى الدراسي للقاعات الدراسية اليومية، يظل عدم المساواة من عوامل التقييد المهمة والكبيرة. إن تطبيق نظم التفكير التي تميز التقدم في مجالات العلوم والهندسة بالنسبة للسياسات التعليمية يفيد بأن التحسينات الحقيقية المستدامة تستند بالأساس إلى معالجة قضية عدم المساواة في مجالات مثل الوظائف مدفوعة الأجر، والرعاية الصحية، والغذاء، والإسكان، والأمن.. «لا يمكن الحصول على أحدها بمنأى عن الباقية».
* خدمة «نيويورك تايمز»



كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات

كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات
TT

كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات

كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات

التحدث عن كلية الطب في «الجامعة الأميركية» وما حققته من إنجازات وتطورات منذ تأسيسها عام 1867 لا يمكن تلخيصه بمقال؛ فهذه الكلية التي تحتل اليوم المركز الأول في عالم الطب والأبحاث في العالم العربي والمرتبة 250 بين دول العالم بالاعتماد على QS Ranking، استطاعت أن تسبق زمنها من خلال رؤيا مستقبلية وضعها القيمون عليها، وفي مقدمتهم الدكتور محمد صايغ نائب الرئيس التنفيذي لشؤون الطب والاستراتيجية الدولية وعميد كلية الطب في الجامعة الأميركية، الذي أطلق في عام 2010 «رؤيا (2020)»، وهي بمثابة خطة طموحة أسهمت في نقل الكلية والمركز الطبي إلى المقدمة ووضعهما في المركز الأول على مستوى المنطقة.

رؤية 2025

اليوم ومع مرور 150 عاماً على تأسيسها (احتفلت به أخيراً) ما زالت كلية الطب في «الجامعة الأميركية» تسابق عصرها من خلال إنجازات قيمة تعمل على تحقيقها بين اليوم والغد خوّلتها منافسة جامعات عالمية كـ«هارفرد» و«هوبكينز» وغيرهما. وقد وضعت الجامعة رؤيا جديدة لها منذ يوليو (تموز) في عام 2017 حملت عنوان «رؤية 2025»، وهي لا تقتصر فقط على تحسين مجالات التعليم والطبابة والتمريض بل تطال أيضاً الناحية الإنسانية.
«هي خطة بدأنا في تحقيقها أخيراً بحيث نستبق العلاج قبل وقوع المريض في براثن المرض، وبذلك نستطيع أن نؤمن صحة مجتمع بأكمله». يقول الدكتور محمد صايغ. ويضيف خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لا نريد أن ننتظر وصول وفود المرضى إلى مركزنا الطبي كي نهتم بهم، بل إننا نعنى بتوعية المريض قبل إصابته بالمرض وحمايته منه من خلال حملات توعوية تطال جميع شرائح المجتمع. كما أننا نطمح إلى إيصال هذه الخطة إلى خارج لبنان لنغطي أكبر مساحات ممكنة من مجتمعنا العربي».
تأسَّسَت كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1867، وتعمل وفقاً لميثاق صادر من ولاية نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، ويقوم على إدارتها مجلس أمناء خاص ومستقل.
وتسعى الكلية لإيجاد الفرص التي تمكن طلبتها من تنمية روح المبادرة، وتطوير قدراتهم الإبداعية واكتساب مهارات القيادة المهنية، وذلك من خلال المشاركة في الندوات العلمية والتطبيقات الكلينيكية العملية مما يُسهِم في تعليم وتدريب وتخريج أطباء اختصاصيين.
وملحَق بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت مركز طبي يضم أقساماً للأمراض الباطنية والجراحة والأطفال وأمراض النساء والتوليد ‏والطب النفسي. كما يقدم المركز الطبي خدمات الرعاية الصحية المتكاملة في كثير من مجالات الاختصاص، وبرامج للتدريب على التمريض وغيرها ‏من المهن المرتبطة بالطب.

اعتمادات دولية

منذ عام 1902، دأب المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت على توفير أعلى معايير الرعاية للمرضى في مختلف أنحاء لبنان والمنطقة. وهو أيضاً المركز الطبي التعليمي التابع لكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت التي درّبت أجيالاً من طلاب الطب وخريجيها المنتشرين في المؤسسات الرائدة في كل أنحاء العالم. المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت هو المؤسسة الطبية الوحيدة في الشرق الأوسط التي حازت على خمس شهادات اعتماد دولية وهي JCI)، وMagnet، وCAP، وACGME - I و(JACIE مما يشكّل دليلاً على اعتماد المركز أعلى معايير الرعاية الصحية المتمحورة حول المريض والتمريض وعلم الأمراض والخدمات المخبرية والتعليم الطبي والدراسات العليا. وقد خرَّجَت كلية الطب أكثر من أربعة آلاف طالب وطبيب. وتقدم مدرسة رفيق الحريري للتمريض تعليماً متميزاً للعاملين في مجال التمريض، ويلبي المركز الطبي احتياجات الرعاية الصحية لأكثر من 360 ألف مريض سنوياً.
ويتألف المركز من عدد من مراكز الامتياز كمركز سرطان الأطفال التابع لمستشفى «سانت جود» البحثي في ولايتي ممفيس وتينيسي. كما تتضمن برنامج باسيل لأورام البالغين وفيه وحدة لزرع نخاع العظام، إضافة إلى مراكز طب الأعصاب المختلفة وأمراض القلب والأوعية الدموية ومركز للرعاية الصحية للنساء.
«هناك استثمارات تلامس نحو 400 مليون دولار رصدت من أجل بناء البنية التحتية اللازمة للمركز الطبي مع مشروع افتتاح عدة مبانٍ وأقسام جديدة خاصة بأمراض السرطان وأخرى تتعلق بالأطفال، إضافة إلى نقلة نوعية من خلال زيادة عدد الأسرة لتلبية الحاجات الصحية المختلفة لمرضانا»، كما أوضح د. صايغ في سياق حديثه.

تبرعات للمحتاجين

يعمل المركز الطبي على تأمين العلاج المجاني لأمراض مستعصية من خلال تأسيس صناديق تبرُّع للمحتاجين، هدفها تأمين العلاج لذوي الدخل المحدود. وهي تخصص سنوياً مبلغ 10 ملايين دولار لمساعدة هذه الشريحة من الناس التي تفتقر إلى الإمكانيات المادية اللازمة للعلاج.
وينظم المركز الطبي مؤتمراً سنوياً ودورات وورش عمل (MEMA) تتناول مواضيع مختلفة كطب الصراعات ومواضيع أخرى كصحة المرأة، والصحة العقلية، وعبء السرطان وغسل الكلى أثناء الصراع وتدريب وتثقيف المهنيين الصحيين للتعامل مع تحديات العناية بأفراد المجتمع.
تُعدّ كلية الطب في الجامعة الأميركية السباقة إلى تأمين برنامج تعليمي أكاديمي مباشر لطلابها، بحيث يطبقون ما يدرسونه مباشرة على الأرض في أروقة المركز الطبي التابع لها.
ويرى الدكتور محمد صايغ أن عودة نحو 180 طبيباً لبنانياً عالمياً من خريجيها إلى أحضانها بعد مسيرة غنية لهم في جامعات ومراكز علاج ومستشفيات عالمية هو إنجاز بحد ذاته. «ليس هناك من مؤسسة في لبنان استطاعت أن تقوم بهذا الإنجاز من قبل بحيث أعدنا هذا العدد من الأطباء إلى حرم الكلية وأنا من بينهم، إذ عملت نحو 25 عاماً في جامعة (هارفرد)، ولم أتردد في العودة إلى وطني للمشاركة في نهضته في عالم الطب». يوضح دكتور محمد صايغ لـ«الشرق الأوسط».

رائدة في المنطقة

أبهرت كلية الطب في الجامعة الأميركية العالم بإنجازاتها على الصعيدين التعليمي والعلاجي، ففي عام 1925. تخرجت فيها أول امرأة في علم الصيدلة (سارة ليفي) في العالم العربي، وبعد سنوات قليلة (1931) كان موعدها مع تخريج أول امرأة في عالم الطب (ادما أبو شديد). وبين عامي 1975 و1991 لعبت دوراً أساسياً في معالجة ضحايا الحرب اللبنانية فعالج قسم الطوارئ لديها في ظرف عام واحد (1976 - 1977) أكثر من 8000 جريح. وفي عام 2014 تلقت إحدى أضخم التبرعات المالية (32 مليون دولار) لدعم المركز الطبي فيها وتوسيعه.
كما لمع اسمها في إنجازات طبية كثيرة، لا سيما في أمراض القلب، فكان أحد أطبائها (دكتور إبراهيم داغر) أول من قام بعملية القلب المفتوح في العالم العربي، في عام 1958. وفي عام 2009، أجرت أولى عمليات زرع قلب اصطناعي في لبنان، وفي عام 2017 أحرز فريقها الطبي أول إنجاز من نوعه عربياً في أمراض القلب للأطفال، عندما نجح في زرع قلب طبيعي لطفل.
كما تصدرت المركز الأول عربياً في عالم الطب لثلاث سنوات متتالية (2014 - 2017) وحازت على جوائز كثيرة بينها «الجائزة الدولية في طب الطوارئ» و«جائزة عبد الحميد شومان» عن الأبحاث العربية، و«جائزة حمدان لأفضل كلية طبية في العالم العربي» لدورها في التعليم الطبي لعامي 2001 – 2002.


جامعة ياغيلونيا البولونية... احتلها النازيون فأسست مؤسسة تعليمية سرية مناهضة

جامعة ياغيلونيا البولونية... احتلها النازيون فأسست مؤسسة تعليمية سرية مناهضة
TT

جامعة ياغيلونيا البولونية... احتلها النازيون فأسست مؤسسة تعليمية سرية مناهضة

جامعة ياغيلونيا البولونية... احتلها النازيون فأسست مؤسسة تعليمية سرية مناهضة

تم تصنيف جامعة ياغيلونيا في مدينة كراكوف البولندية كأفضل مؤسسة تعليمية جامعية في البلاد، إلى جانب كونها واحدة من أعرق الجامعات في العالم. بدأت قصتها عام 1364 عندما نجح الملك كازيمير الأعظم بعد سنوات طويلة في إقناع البابا أوربان الخامس بمنح تصريح لإنشاء مؤسسة للتعليم الجامعي في مدينة كراكوف، قام الملك بتمويلها بعائدات مناجم فياليتشكا الملحية القريبة.
بعد ثلاث سنوات كان الجرس يدق في أرجاء المؤسسة معلناً عن بدء الدروس والتي كانت في الفلسفة والقانون والطب. وبدأت الجامعة، التي كان أول اسم يطلق عليها هو أكاديمية كراكوف، في الازدهار والنجاح خلال القرن التالي عندما بدأت في تدريس الرياضيات واللاهوت والفلك، حيث جذبت تلك المواد الباحثين والدارسين البارزين من مختلف أنحاء أوروبا. وتطلب توسعها بخطى سريعة إنشاء حرم جامعي أكبر. وقد التحق نيكولاس كوبرنيكوس، الذي أحدث بعد ذلك ثورة في فهم الكون، بالجامعة منذ عام 1491 حتى 1495.
مع ذلك، لم يستمر ما حققته الجامعة من نجاح وازدهار لمدة طويلة كما يحدث طوال تاريخ بولندا؛ ففي عام 1939 احتل النازيون مدينة كراكوف وألقوا القبض على الأساتذة بالجامعة وقاموا بنقلهم إلى معسكري التعذيب زاكزينهاوسين، وداخاو؛ ولم يعد الكثيرون، لكن من فعلوا ساعدوا في تأسيس جامعة مناهضة سرية ظلت تعمل حتى نهاية الحرب. كذلك اضطلعت جامعة ياغيلونيا بدور في الاحتجاجات المناهضة للنظام الشمولي في الستينات والثمانينات، واستعادت حالياً مكانتها المرموقة كمؤسسة لتدريب وتعليم النخبة المتعلمة المثقفة في بولندا.
ساعد انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004 في زيادة موارد الجامعة، وفتح أقسام جديدة، وإنشاء مرافق أفضل منها ما يسمى بـ«الحرم الجامعي الثالث» أو «الحرم الجامعي للذكرى الـ600» في منطقة بيخوفيسه. وبلغ عدد الملتحقين بالجامعة في 87 برنامجا دراسيا خلال العام الدراسي 2015-2016 47.494 طالباً.
وطوال قرون التحق خلالها عدد كبير من الطلبة بالجامعة، كان التحاق أول طالبة بالجامعة يمثل حدثاً بارزاً، حيث قامت فتاة تدعى نوفويكا، بالتسجيل في الجامعة قبل السماح للفتيات بالالتحاق بالجامعة بنحو 500 عام، وكان ذلك عام 1897، وتمكنت من فعل ذلك بالتنكر في زي شاب، وكانت الفترة التي قضتها في الدراسة بالجامعة تسبق الفترة التي قضاها زميل آخر لحق بها بعد نحو قرن، وكان من أشهر خريجي الجامعة، وهو نيكولاس كوبرنيكوس، الذي انضم إلى مجموعة عام 1492، وربما يشتهر كوبرنيكوس، الذي يعد مؤسس علم الفلك الحديث، بكونه أول من يؤكد أن الأرض تدور حول الشمس، وهو استنتاج توصل إليه أثناء دراسته في الجامعة، ولم ينشره إلا قبل وفاته ببضعة أشهر خوفاً من الإعدام حرقاً على العمود. من الطلبة الآخرين المميزين كارول فويتيالا، والذي يعرف باسم البابا يوحنا بولس الثاني، الذي درس في قسم فقه اللغة التاريخي والمقارن بالجامعة.


«شمعة»... قاعدة بيانات مجانية للبحوث التربوية في 17 دولة عربية

لائحة قاعدة البيانات ببوابة «شمعة»
لائحة قاعدة البيانات ببوابة «شمعة»
TT

«شمعة»... قاعدة بيانات مجانية للبحوث التربوية في 17 دولة عربية

لائحة قاعدة البيانات ببوابة «شمعة»
لائحة قاعدة البيانات ببوابة «شمعة»

يقضي الباحثون في العالم العربي أوقاتاً من البحث المضني عن المراجع الإلكترونية التي تساعدهم في تحقيق أغراضهم البحثية. ويدرك هذه المشقة الباحثون الساعون للحصول على درجة الماجستير أو الدكتوراه، فإذا لم يكن لديه إمكانية الدخول إلى قواعد البيانات العلمية العالمية عبر إحدى المكتبات الكبرى، التي عادة لا تتاح كاملة أيضاً، فإن عملية البحث سوف تكلفه آلاف الدولارات لمتابعة والوصول لأحدث الأوراق العلمية المتصلة بمجال بحثه، أو أن مسح التراث العلمي سيتوقف لديه على المراجع الورقية.
بينما يحظى الباحثون في مجال البحوث التربوية بوجود «شمعة»، وهي شبكة المعلومات العربية التربوية (www.shamaa.org) التي توفر لهم أحدث البحوث والدوريات المحكمة من مختلف الجامعات العربية، وبثلاث لغات، هي: العربية، والفرنسية، والإنجليزية مجاناً.
تأسست «شمعة» عام 2007 في بيروت كقاعدة معلومات إلكترونية، لا تبغي الربح، توثق الدراسات التربوية الصادرة في البلدان العربية في مجمل ميادين التربية، من كتب ومقالات وتقارير ورسائل جامعية (الماجستير والدكتوراه) وتتيحها مجاناً للباحثين والمهتمين بالدراسات التربوية. تتميز «شمعة» بواجهة إلكترونية غاية في التنظيم والدقة، حيث يمكنك البحث عن مقال أو أطروحة أو كتاب أو فصل أو عدد أو تقرير. فضلاً عن تبويب وفهرسة رائعة، إذ تشتمل اليوم على أكثر من 36000 ألف دراسة، موزعة بنسبة 87 في المائة دراسات عربية، و11 في المائة دراسات بالإنجليزية و2 في المائة بالفرنسية، وهي دراسات عن العالم العربي من 135 جامعة حول العالم، فيما يخص الشأن التربوي والتعليم، إضافة لأقسام خاصة بتنفيذ مشاريع في التربية كورش تدريبية ومؤتمرات.
لا تتبع «شمعة» أي جهة حكومية، بل تخضع لإشراف مجلس أمناء عربي مؤلف من شخصيات عربية مرموقة من ميادين مختلفة، وبخاصة من الحقل التربوي. وهم: د. حسن علي الإبراهيم (رئيساً)، وسلوى السنيورة بعاصيري كرئيسة للجنة التنفيذية، وبسمة شباني (أمينة السر)، والدكتور عدنان الأمين (أمين الصندوق) مستشار التعليم العالي في مكتب اليونيسكو، وهو أول من أطلق فكرة إنشاء «شمعة» ورئيسها لمدة 9 سنوات.
تستمر «شمعة» بخدمة البحث التربوي بفضل كل من يدعمها من أفراد ومؤسّسات ومتطوعين، حيث تحتفل بالذكرى العاشرة لانطلاقتها (2007 - 2017)، وهي تعمل حاليا على إصدار كتيب يروي مسيرة العشر سنوات الأولى. وقد وصل عدد زائريها إلى نحو 35 ألف زائر شهرياً، بعد أن كانوا نحو ألفي زائر فقط في عام 2008.
تواصلت «الشرق الأوسط» مع المديرة التنفيذية لبوابة «شمعة» ببيروت د. ريتا معلوف، للوقوف على حجم مشاركات الباحثين العرب، وهل يقومون بمدّ البوابة بعدد جيّد من الأبحاث والدراسات، أم لا تزال المعدلات أقل من التوقعات؟ فأجابت: «تغطّي (شمعة) الدراسات التربوية الصّادرة في 17 دولة عربيّة بنسب متفاوتة. ولا شك أن حجم مشاركات الباحثين العرب بمد (شمعة) بالدراسات قد ارتفع مع الوقت، خصوصاً مع توّفر وسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي سهّلت لهم عملية المشاركة».
وحول طرق تزويد «شمعة» بالأبحاث والدراسات، أوضحت معلوف أن ذلك يتم من خلال عدّة طرق، وهي: «توقيع اتفاقات شراكة مع كليات التربية في الجامعات العربية والمجلات التربوية المحكمة ومراكز الأبحاث التي تعنى بالتربية والتعليم، كما تتيح اتفاقية تعاون مع مركز المعلومات للموارد التربوية (إريك) (ERIC) تزويد (شمعة) بالدراسات الصادرة باللغة الإنجليزية من الدول العربية أو من باحثين عرب. ونعتبر أن الشراكة مع (إريك) هي خطوة كبيرة ومن أهم الإنجازات كمؤسسة عربية، وأيضاً من خلال اشتراكات بالمجلات الورقية التربوية المحكمة العربية، أو عبر الدراسات المتاحة إلكترونياً على شبكة الإنترنت بالمجان أي عبر مصادر الوصول الحر للمعلومات (Open Access)».
وتضيف: «الجدير بالذكر أيضاً أن (شمعة) وقعت اتفاقية من مستوى عالمي مع شركة (EBSCO Discovery Service EDS) التي تعتبر من أهم موزعي قواعد المعلومات في العالم العربي والغربي».
وتوضح معلوف أنه «يمكن تزويد (شمعة) بالدراسات مباشرة من الباحث عبر استمارة متوافرة على موقع (شمعة)، حيث يقوم الفريق التقني من التأكد من توافقها مع معايير القبول في (شمعة) قبل إدراجها في قاعدة المعلومات».
وحول ما إذا كان الباحثون العرب لديهم ثقافة التعاون الأكاديمي، أم أن الخوف من السرقات العلمية يشكل حاجزاً أمام نمو المجتمع البحثي العلمي العربي، قالت د. ريتا معلوف: «رغم أن مشاركة نتائج الأبحاث مع الآخرين ما زالت تخيف بعض الباحثين العرب، إلا أنه نلمس تقدماً ملحوظاً في هذا الموضوع، خصوصاً أن عدد الدراسات المتوافرة إلكترونياً على شبكة الإنترنت في السنين الأخيرة ارتفع كثيراً مقارنة مع بدايات (شمعة) في 2007، إذ تبلغ حالياً نسبة الدراسات المتوافرة مع نصوصها الكاملة 61 في المائة في (شمعة). فكلما تدنّى مستوى الخوف لدى الباحثين، كلما ارتفعت نسبة الدراسات والأبحاث الإلكترونيّة. وكلما ارتفعت نسبة الدراسات الإلكترونية على شبكة الإنترنت، كلما انخفضت نسبة السرقة الأدبية. تحرص (شمعة) على نشر هذا الوعي من خلال البرامج التدريبية التي تطورّها وورش العمل التي تنظمها لطلاب الماستر والدكتوراه في كليات التربية، والتي تبيّن فيها أهمية مشاركة الأبحاث والدراسات العلمية مع الآخرين».
وحول أهداف «شمعة» في العشر سنوات المقبلة، تؤكد د. ريتا معلوف: «(شمعة) هي القاعدة المعلومات العربية التربوية الأولى المجانية التي توّثق الإنتاج الفكري التربوي في أو عن البلدان العربية. ومؤخراً بدأت (شمعة) تلعب دوراً مهماً في تحسين نوعية الأبحاث التربوية في العالم العربي من خلال النشاطات والمشاريع البحثية التي تنفذها. وبالتالي، لم تعدّ تكتفي بأن تكون فقط مرجعيّة يعتمدها الباحثون التربويون وكلّ من يهتمّ في المجال التربوي عبر تجميع الدراسات وإتاحتها لهم إلكترونيّاً؛ بل تتطلّع لتطوير الأبحاث التربوية العلمية، وذلك لبناء مجتمع تربوي عربي لا يقلّ أهمية عن المجتمعات الأجنبية».