لماذا تجاهل مؤتمر روما السوري شروط {التطبيع} و{الإعمار}؟

أشخاص يجمعون متعلقاتهم من منزل دمره هجوم صاروخي روسي على منطقة جبل الزاوية جنوب محافظة إدلب السورية (أ.ف.ب)
أشخاص يجمعون متعلقاتهم من منزل دمره هجوم صاروخي روسي على منطقة جبل الزاوية جنوب محافظة إدلب السورية (أ.ف.ب)
TT

لماذا تجاهل مؤتمر روما السوري شروط {التطبيع} و{الإعمار}؟

أشخاص يجمعون متعلقاتهم من منزل دمره هجوم صاروخي روسي على منطقة جبل الزاوية جنوب محافظة إدلب السورية (أ.ف.ب)
أشخاص يجمعون متعلقاتهم من منزل دمره هجوم صاروخي روسي على منطقة جبل الزاوية جنوب محافظة إدلب السورية (أ.ف.ب)

لم يستطع ممثلو بعض الدول المشاركة في الاجتماع الوزاري الخاص بسوريا الذي عُقد في روما قبل أيام، برئاسة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، تمرير جملتين شرطيتين، تتضمنان ربط المساعدة بإعمار سوريا والتطبيع مع دمشق بـ«التقدم بالمسار السياسي»، مقابل تركيز على خطوات محددة لـ«تغيير سلوك الحكومة السورية»، ما طرح أسئلة عما إذا كان هذا هو السقف السياسي الجديد لـ«اللاعبين».
ولدى المقارنة بين مسودة البيان الختامي لمؤتمر روما والنص النهائي المعتمد من الوزراء المشاركين من الدول «السبع الكبار» والدول الإقليمية والعربية، عدا إيران وروسيا، تضمنت المسودة فقرة نصت على أنه «فقط حين يحدث تقدم على المسار السياسي سننظر في تقديم المساعدة في عملية إعادة إعمار سوريا»، وأخرى ترفض «التطبيع مع النظام» قبل تحقيق تقدم ملموس في العملية السياسية، لكن هذا الجهد قوبل برفض من بعض الدول المشاركة، فاتفق الوزراء على صدور بيان خالٍ من موقف واضح من شرط ربط «التطبيع» بـ«الإعمار»، وسط تكرار المشاركين مواقف بلادهم الفردية من «التطبيع».
وإذ ركّز وزراء عرب في الاجتماع المغلق واللقاءات الثنائية على أهمية «الدور العربي» و«الهوية العربية» لسوريا، دعا الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، في الجلسة الخاصة، إلى «التفكير في انخراط الأطراف الفاعلة بشكل أكبر في العملية السياسية، بما في ذلك الأطراف الفاعلة العربية، إذ يحرص أعضاء جامعة الدول العربية على الطبيعة العربية لسوريا، التي ستظل من الثوابت رغم كل محاولات سلخ البلاد من هويتها العربية، أو تبني أجندات غريبة عنها».
وجدد بعض المشاركين التأكيد على ضرورة تمسك الدول العربية بضرورة توفير «التوافق العربي» لعودة دمشق إلى الجامعة، كما شكت بعض الدول من الحدود التي يضعها «قانون قيصر» الأميركي على إمكانات التطبيع والمساهمة في الإعمار، فيما ركز الأردن على أولوية الاستقرار جنوب سوريا ومحاربة التطرف.
في المقابل، سعى مسؤولون روس في لقاءاتهم مع مسؤولين عرب وأجانب إلى تسليط الضوء على خطوات دبلوماسية وتطبيعية تحصل مع دمشق، بما في ذلك من دول مثل إيطاليا أو اليونان. ونُقل عن مسؤول روسي قوله إن إيطاليا ستعيد فتح سفارتها في دمشق، كما أفاد دبلوماسي غربي بأن وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو قال في الاجتماع المغلق إن «التطبيع مع النظام مستبعد حالياً، ما لم تظهر جدية في العملية السياسية»، الأمر الذي كرره نظيره اليوناني نيكوس دندياس.
ووفّر مؤتمر روما منصة للمبعوث الأممي غير بيدرسن لطرح تصوره لمقاربة «خطوة مقابل خطوة» بين روسيا وشركائها، وأميركا وحلفائها، ثم تشكيل مجموعة دعم دولية - إقليمية خاصة بسوريا، الأمر الذي سيكرره لدى مشاركته غداً في اجتماع «مجموعة آستانة» (روسيا، وإيران، وتركيا) في العاصمة الكازاخية. وحسب مسؤولين غربيين، فإن هناك قناعة لدى بيدرسن بوجود ثلاثة أسباب ترجح فكرة طرح «خطوة مقابل خطوة»، وهي: أولاً، استمرار الجمود على خطوط التماس في سوريا لـ15 شهراً. وثانياً، الانهيار الاقتصادي والضغوط المعيشية في سوريا، وثالثاً، قناعة الأطراف واللاعبين بعدم إمكانية تحقيق نصر عسكري في سوريا، وضرورة «التسوية». وقال دبلوماسي غربي: «الحكومة السورية ليس بإمكانها إملاء نتيجة هذا الصراع، وكذلك المعارضة والروس والإيرانيون والولايات المتحدة ومجموعة آستانة التي تضم روسيا وتركيا وإيران، والمجموعة الصغيرة التي تضم أميركا وحلفاءها».
ويدفع أصحاب «خطوة مقابل خطوة» باتجاه بدء الأطراف الفاعلة بالبحث عن المزاوجة بين الخطوات في مجالات محددة، مثل: «نزع التصعيد ووقف إطلاق النار على مستوى البلاد، وعمليات مكافحة الإرهاب، وإجراءات بخصوص المحتجزين والمختطفين والمفقودين، وتخفيف حدة تداعيات الأزمة الإنسانية، وخلق المجال أمام عودة آمنة وطوعية وبكرامة للاجئين».
وأمام الاختلاف في نقاط التركيز والأولويات بين المشاركين، مع وجود إجماع على بند «تغيير سلوك الحكومة السورية»، حسب قول أحد المشاركين، استقر المؤتمر الوزاري في روما على أولويات وضعها بلينكن أمام نظرائه، وهي: تمديد وتوسيع قرار إيصال المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» السورية و«عبر خطوط التماس» في سوريا، واستمرار هزيمة «داعش»، ودعم الحوار الكردي والحوار بين دمشق والأكراد، واستمرار وقف النار وتحويله شاملاً على مستوى البلاد. يضاف إلى ذلك هدف ضمني، وهو عودة واشنطن للعب دور تنسيقي - قيادي مع حلفائها وتوسيع دائرة المنضوين في مروحة مواقفها، بالتوازي مع اتصالاتها مع الجانب الروسي، بهدف «تغيير سلوك الحكومة»، وربط هذا الملف بملف العلاقات بين واشنطن وموسكو وبين بروكسل وموسكو إزاء قضايا ثنائية وأزمات عالمية أخرى. وهذا ما يفسّر أنه بمجرد انتهاء بلينكن من «التنسيق» مع حلفائه في روما، طار مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي بريت ماغورك إلى سويسرا، للقاء مبعوث الرئيس الروسي ألكسندر لافرينييف، الذي كان قد توقف في دمشق للقاء الرئيس بشار الأسد قبل التوجه إلى جنيف لعقد أول جولة «حوار سري» بين الجانبين منذ قمة بايدن ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في 16 من الشهر الماضي، وذلك قبل اجتماع «مجموعة آستانة» غداً، وجلسة مجلس الأمن للتصويت على تمرير القرار الدولي الخاص بالمساعدات الإنسانية الذي تنتهي مدة العمل به في 10 من الشهر الجاري.
مفاوضات الساعات الأخيرة في منصات روما وجنيف وآستانة ونيويورك، ترمي إلى التوفيق بين أولويات «اللاعبين» في ملف المساعدات «عبر الحدود» بين سوريا والدول المجاورة، و«عبر الخطوط» بين مناطق النفوذ (الأميركية - الغربية، والروسية - الإيرانية، والتركية): فأنقرة تريد استمرار فتح معبر «باب الهوى» مع إدلب لتقوية منطقة نفوذها شمال غربي سوريا، وتعارض فتح معبر «اليعربية» بين شرق الفرات والعراق لضمان عدم تقوية خصومها الأكراد، وواشنطن تريد فتح «اليعربية» لتقوية الاستقرار وحلفائها الأكراد ومنع ظهور «داعش» في شرق الفرات، فيما تريد موسكو (ومعها طهران) تعزيز موقف حليفها السوري في دمشق، والمقايضة مع شركائها، والمساومة مع خصومها على «أوراق سورية» وملفات تخص التطبيع والإعمار والعقوبات والمساعدات.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.

عاجل ترمب: هناك من سرب معلومات عن الطيار الثاني لإيران وسنصل إليه لأنها مسألة أمن قومي