نصف عام من الزخم الدولي في المشهد السياسي اليمني

وجوه دبلوماسية جديدة وتحذير من «سيناريو سوري» ومطالب بـ«عصا» دولية ترافق «الجزر»

المبعوثان الأميركي والأممي مع سفراء من الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن (الخارجية الأميركية على تويتر)
المبعوثان الأميركي والأممي مع سفراء من الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن (الخارجية الأميركية على تويتر)
TT

نصف عام من الزخم الدولي في المشهد السياسي اليمني

المبعوثان الأميركي والأممي مع سفراء من الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن (الخارجية الأميركية على تويتر)
المبعوثان الأميركي والأممي مع سفراء من الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن (الخارجية الأميركية على تويتر)

لو كنت أميناً عاماً للأمم المتحدة وتم التجديد لك لولاية ثانية، سيكون أمامك العديد من الملفات العاجلة، أحدها مَهمة استحالت على وكيلك للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث، قبلما يتوسد مكانه الجديد. ولتنجح في حل الأزمة اليمنية، فعليك أن تسمي مبعوثاً جديداً.
فور ما يباشر عمله، سيجد مبعوثك أن المشهد اليمني يعاني من أزمات أفقية وعمودية، داخلية وخارجية، سياسية وإنسانية.
وقبلما يباشر، سيستمع المبعوث الجديد إلى نشرات الأخبار العربية واليمنية المختلفة وسيعي جملة معطيات؛ أبرزها أن الحوثيين مستمرون في التصعيد الداخلي بمأرب والجوف والحديدة. وفي الخارج، يستهدفون بهجمات إرهابية بالمسيرات المفخخة والصواريخ الباليستية مناطق مدنية سعودية.
في الداخل اليمني، ترفض الميليشيات الحوثية التي انقلبت على الدولة في العام 2014 الانخراط الإيجابي مع أي مبادرة تمهد لإنهاء الأزمة. هناك سعودية، وأخرى أميركية، وكلتاهما لا تختلف كثيراً عن الأممية. وإلى المحافظات المحررة أبى أصحاب مصالح ضيقة في طرفي اتفاق الرياض إكمال تنفيذه، وهو ما انعكس سلباً على الخدمات والمرتبات والعملة، ويضرب في مسألة تطبيع الحياة. إضافة إلى كل التحديات، هناك الوضع الإنساني الصعب من «كوفيد – 19» إلى عرقلة المساعدات الغذائية والنقص في تمويل الاستجابة الإنسانية، إلى جانب ما يعانيه اليمنيون من ألغام وتجنيد للأطفال وقمع واغتيالات خارج إطار القانون وأخرى مغلفة بمماحكات انقلابية.
وعلى صعيد الأزمة السياسية، حظي الزخم الدولي في النصف الأول من العام بكل حسناته وسيئاته باهتمام وتفاعل. وتبقى مسائل معلقة أبرزها رضوخ الحوثيين لوقف النار، فضلاً عن استحقاقات أخرى في مسألة التمثيل، إذ من المرتقب أن تبرز أسماء جديدة في الساحة الدبلوماسية.
- وجوه متغيرة
مبعوث أممي جديد، سفير بريطاني جديد خلفاً للدبلوماسي مايكل آرون، ولم يجر الحديث أيضاً عن سفير أميركي بعد انتهاء ولاية السفير الحالي كريستوفل هينزل من مهمته وتوديعه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. وذكر مصدر مطلع أن واشنطن مكتفية بقائم بالأعمال على الأقل حتى إعداد هذه القصة، مع الإشارة إلى 6 جولات أجراها المبعوث الأميركي لليمن تيم ليندركينغ. كل هؤلاء سيتعرفون على الملف اليمني من جديد، ويلتقون الشخصيات والأطراف والفاعلين وغير الفاعلين.
في غضون «حفلات التوقع» و«أنابيب اختبار ردود الأفعال»، فاجأت روسيا أروقة الدبلوماسية الأممية ورشحت سفير موسكو لدى اليمن فلاديمير ديدوشكين مبعوثاً أممياً وفقاً لتقارير إعلامية. ورغم ضعف الفرص المواتية للمرشح الروسي، فإن الخطوة وحدها تستحق التأمل. يتكهن مهتمون بالملف اليمني ووسائل إعلام بأن الحظ الأوفر لخليفة مارتن غريفيث سيذهب إلى سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن السويدي هانس غروندبيرغ. وينافسه المرشح البريطاني السير نيكولاس كاي، ولم تتوقف التحليلات عند الترشيح، بل ذهبت إلى أن واشنطن قد يروق لها المرشح الأوروبي أكثر من أي مرشح آخر، فيما يعتقد آخرون أن روسيا دفعت بمرشحها كي تخلط الأوراق. لكن لم يخرج أي تفسير واضح ماذا سينتج عن ترشيح موسكو، فالمرشحان الأوروبي والبريطاني لن يحظيا بدعم مطلق من موسكو وإلا فلِم تدفع بمرشحها؟
يبدأ شهر يوليو (تموز) من العام 2021، نصف السنة الثاني، وعند مراجعة النصف الأول، يجد المتفائلون زخماً دولياً واضحاً لحل الأزمة اليمنية، ويرى المتشائمون تسرّعاً أميركياً يذكر بالوجبات السريعة لذيذة الطعم والشكل، معدومة الفائدة والنتيجة الغذائية.
فيما يعتقد معتدلون أن واشنطن تستطيع تحريك الوضع الذي صنعته ومعالجة الرسائل الخاطئة التي تلقفتها الأطراف على الأرض.
قد تتميز الإدارة الحالية بأنها ليست مندفعة بطريقة «خطة كيري» الشهيرة التي فشلت في آخر أيام الرئيس الأسبق باراك أوباما، وليست صارمة و«خانقة» كما كانت إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب. ربما تحمل مزيجاً من هذا وذاك، لكنها تتمتع على الأقل بالدرجة الكافية التي تجعلها تغير الموقف، أو تتعامل معه بطريقة مختلفة.
- السيناريو السوري؟
يحذر باحثون يمنيون واشنطن من «سيناريو سوري» في اليمن، ويقترحون موازنة الوضع الميداني على الأرض مع الخطاب السياسي، وتقديم «العصا» مع كميات «الجزر» الوافرة التي تضعها أمام الحوثيين.
ينصب الحديث اليمني على الحوثيين ليس لأنهم الطرف الأقوى في المعادلة، بل لأنهم، وفق نتائج الجولات المكوكية والمحادثات غير المباشرة، الطرف الوحيد الذي يعرقل أي حلول سياسية، منذ الانقلاب وحتى المبادرة السعودية الأخيرة.
«متأكد أن الإدارة الأميركية ستغير استراتيجيتها بعدما تعرف حقيقة هذه الجماعة، لكن ما أخشاه أن يكون ذلك متأخراً وبعدما تتضاءل فرص تحقيق السلام»، هذا ما قاله محمود شحرة وهو الملحق الإعلامي اليمني في الأردن، مضيفاً: «الحوثيون لا يستجيبون للوساطات إلا إذا كانت لديهم طلبات تعذي اقتصادات حربهم التي يعتاشون عليها... الدليل رفضهم لقاء المبعوث الأممي أكثر من مرة».
حديث الدبلوماسي اليمني جاء في مساق الوساطة العمانية التي لم تظهر بعد علامات بارزة وحاسمة لنجاحها من عدمه.
ويعتقد شحرة أن «هناك سوء فهم حوثياً للزخم الأميركي. اعتقدوا أن إدارة بايدن تعاملهم بمحاباة أو أنها تساوم في الملف الإيراني، وأنهم قد يستفيدون».
دولياً، يعتقد الملحق اليمني الإعلامي في الأردن أن «الخطأ الذي يمر به القائمون على الوساطة الدولية يتكرر»، معللاً: «يعطون الحوثيين الجزرة من دون عصا، وهذه طريقة لا تشجع الحوثيين ولا تدفعهم إلى السلام، لذا، إذا كان الوسيط يريد تحقيق مطلب من الحوثيين وإيجاد أدوات ترغبهم في ذلك، كان من المفترض توضيح أن هناك عواقب أيضاً».
ويرى البراء شيبان، وهو باحث سياسي يمني في لندن، أن «هناك محاولة أميركية لتوجيه خطاب هادئ للحوثيين ومحاولة تشجيع للقدوم نحو حل سياسي». ويذهب إلى أن الإشكالية الحقيقية في التوجه الأميركي «تتمثل في أن الخطاب لا يتلاءم مع حجم التصعيد الحوثي في الميدان».
ويفسّر الباحث اليمني مسألة عدم ملاءمة الخطاب السياسي مع الميداني بالقول: «لا توجد عملية وقف إطلاق نار سارية حتى يكون الخطاب تشجيعياً... وهذا يجعل واشنطن تظهر بحالتين؛ الأولى أنها ضعيفة أمام معرقلي العملية السياسية في اليمن، والثانية أن خطابها متأخر عما يحدث في الميدان. وتابع: «في الأخير، يخشى اليمنيون من السيناريو السوري مع الخطاب السياسي الأميركي، فقد يحصل لاحقاً أن تُحمَّل واشنطن المعرقلين مسؤولية الدمار وتضع مزيداً من العقوبات، وسيكون الأوان فات، ولم تستفد واشنطن من التجربة السورية».
- ما يجدر ترقبه؟
«يعتمد الحوثيون على أن واشنطن سوف تضغط على حلفائها في المسار العسكري»، يعتقد البراء شيبان بضرورة تلويح واشنطن بأن الخيار العسكري كوسيلة ضغط خيار متاح.
وفسر قائلاً: «لأن الطرف الآخر يواجه بضغط عسكري، فحربه ليست باردة كحالة واشنطن مع إيران، تهديد ووعيد ومناورات سياسية... الحوثيون يحاربون مباشرة، لذا لا بد أن تكون الخطوات السياسية ملائمة للحدث الميداني».
وبسؤاله عن مدى استعداد واشنطن للتلويح بالضغط العسكري يقول شيبان: «شخصياً، لا أعتقد أن تنفذ واشنطن ذلك، لأن سياسة الديمقراطيين متأثرة في الملف اليمني بالضغط القادم من اليسار التقدمي، وهم لا يفهمون اليمن لأنهم ينظرون إليه من زاوية واحدة، وهي أن التحالف يشن حرباً على اليمن، ولا ينظرون إلى التصعيد الذي يعاني منه اليمنيون، ونتائج هذا التصعيد ستكون كارثية».
وعاد الباحث بالقول: إن الرئيس الأميركي جو بايدن على خطى الرئيس الأسبق باراك أوباما في سوريا، فعندما كان طرف منكب عسكرياً كان رد واشنطن لحلفائها هادئاً.
«ماذا عن العقوبات. فواشنطن تفرض بمعدل كل شهر قيادي حوثي في قائمة سوداء؟» سألت «الشرق الأوسط» وأجاب شيبان قائلاً: «إن العقوبات الفردية مع جماعة مثل الحوثيين صارت تتحكم بخطوط تهريب وغسل أموال وتمويل مثلما تقول تقارير الأمم المتحدة ستكون أداة ضعيفة»، وزاد: إذا لم يشعر الحوثيون بوجود تهديد كامل لمواجهتهم في كل خطوط التهريب وغسل الأموال ونقلها فلن تكون العقوبات ذات فائدة.
«النقطة الأساسية في الشكل الجديد للزخم الدبلوماسي في الملف اليمني يمكن تلخيصها في هذا المشهد» يقول شيبان: «واشنطن تعتبر أنها ممكن أن تكون وسيطا بين حلفائها والحوثيين. وفي الوقت نفسه الحوثيون يحاربون الآخرين لأنهم يعتبرون حلفاء لأميركا».


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.