الولايات المتحدة تتمسك بتصنيف «هيئة تحرير الشام» منظمة إرهابية

القائم بأعمال منسق مكافحة الإرهاب جون غودفري: فروع «داعش» ناشطة حول العالم... لكن تركيزه على سوريا والعراق

القائم بأعمال المبعوث الأميركي للتحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» جون غودفري (الخارجية الأميركية)
القائم بأعمال المبعوث الأميركي للتحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» جون غودفري (الخارجية الأميركية)
TT

الولايات المتحدة تتمسك بتصنيف «هيئة تحرير الشام» منظمة إرهابية

القائم بأعمال المبعوث الأميركي للتحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» جون غودفري (الخارجية الأميركية)
القائم بأعمال المبعوث الأميركي للتحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» جون غودفري (الخارجية الأميركية)

أكد مسؤول أميركي رفيع معني بمكافحة الإرهاب، أن الولايات المتحدة مستمرة في تصنيف «هيئة تحرير الشام» منظمة إرهابية، في رد على دعوات كثيرة صدرت أخيراً تطالب بفتح حوار مع هذه الجماعة التي تنشط في شمال غربي سوريا والتي تؤكد أنها فكّت ارتباطها بتنظيم «القاعدة». وأقرّ المسؤول الأميركي، كذلك، بأن فروع تنظيم «داعش» حول العالم زادت من وتيرة هجماتها وبات تهديدها مرتفعاً جداً. لكنه أشار، في الوقت ذاته، إلى أن قيادة «داعش» ما زالت تركّز على سوريا والعراق؛ لما لهما من «رمزية» كونهما المنطقة التي انطلق منها التنظيم لإعلان «خلافته» المزعومة عام 2014.
وجاءت هذه المواقف في تصريحات للقائم بأعمال المبعوث الأميركي للتحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» والقائم بأعمال منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية، جون غودفري، خلال إيجاز صحافي شاركت فيه «الشرق الأوسط»، أول من أمس. وهو كان يتحدث في أعقاب مؤتمر روما الذي عقده التحالف ضد «داعش»، على المستوى الوزاري، يوم الاثنين.
وغودفري مختص بشؤون الشرق الأوسط ومكافحة الإرهاب؛ إذ خدم سابقاً في السفارات الأميركية بالرياض وبغداد وطرابلس ودمشق، كما تولى مسؤوليات مهمة في ملف مكافحة الإرهاب بالخارجية الأميركية، علماً بأنه خريج جامعة ميتشيغان في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويُعتبر موقفه من تصنيف «هيئة تحرير الشام» أحدث موقف يصدر عن الإدارة الأميركية برئاسة جو بايدن في خصوص الدعوات إلى فتح حوار مع هذه المجموعة التي يقودها «أبو محمد الجولاني»، القيادي السابق في «القاعدة». ودعا الجولاني نفسه، في حوار مع محطة «بي بي إس» الأميركية، إلى حوار مع واشنطن، مشيراً إلى معارضته تنظيم «داعش» وفك ارتباط «هيئة تحرير الشام» بتنظيم «القاعدة»، بالإضافة إلى تأكيده أن تنظيمه لا يريد استخدام الساحة السورية سوى لمواجهة نظام الرئيس بشار الأسد.
ولقيت الدعوة إلى حوار مع «هيئة تحرير الشام» صدى أيضاً لدى جيمس جيفري، وهو سفير أميركي سابق خدم في إدارات جمهورية وديمقراطية وتولى مهمة الممثل الأميركي الخاص بملف سوريا والمبعوث الخاص للتحالف ضد «داعش» في إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب. فقد قال جيفري، في مقابلة مع «بي بي إس» بثتها في أبريل (نيسان) الماضي، إن منظمة الجولاني «شيء نافع» لاستراتيجية أميركا في إدلب. وأوضح «إنهم الخيار الأقل سوءاً بين خيارات متعددة في إدلب، وإدلب هي واحدة من أكثر المناطق أهمية في سوريا التي هي واحدة من أهم المناطق حالياً في الشرق الأوسط. وجرت هذه المقابلة ضمن برنامج أشمل تضمن مقابلة مع الجولاني نفسه أجراها صحافي أميركي انتقل إلى إدلب».
والواقع، أن منظمة «كرايسس غروب» (مجموعة الأزمات العالمية) كانت أول من دعا إلى «استكشاف» إمكان فتح قنوات اتصال بـ«هيئة تحرير الشام» عندما كتبت تقريراً يعود إلى فبراير (شباط) 2020 تضمن أيضاً مقابلة خاصة مع الجولاني. وجاء في تقرير «كرايسس غروب»، أن «شن حملة لاقتلاع وهزيمة (هيئة تحرير الشام) في آخر معاقلها (بإدلب) ستؤدي بكل تأكيد إلى كارثة إنسانية بمستويات غير مسبوقة. أي طريق، مهما كان ضيقاً، لمنع الوصول إلى هذه النتيجة يجب أن يتم استكشافه».
لكن إدارة بايدن لا تبدو مستعدة حالياً لحوار مع الجولاني. فرداً على سؤال من «الشرق الأوسط» عن موقفه من الدعوات إلى الحوار مع «هيئة تحرير الشام»، قال جون غودفري: {بخصوص هيئة تحرير الشام، إنها منظمة إرهابية ولذلك بعض الانعكاسات الخطيرة إلى حد ما على قدرتنا على إقامة أي علاقة بها، وما زلنا نعتبرها منظمة إرهابية}.
- فروع «داعش»
وسألت «الشرق الأوسط» غودفري أيضاً عما إذا كانت «فروع داعش» الآن باتت تشكّل خطراً أكبر من خطر قيادة التنظيم في سوريا والعراق، خصوصاً في أعقاب هزيمة التنظيم عسكرياً في هذين البلدين منذ عام 2019، فأجاب «لقد رأينا بالتأكيد نشاطاً متزايداً لفروع وشبكات (داعش) حول العالم، وبصراحة هناك تركيز متزايد عليها من قبل قيادة (داعش)، لا سيما منذ هجمات أحد الفصح في كولومبو بسريلانكا في أبريل 2019». لكنه أضاف «(داعش) كتنظيم يبقى مركزاً بحماس على سوريا والعراق، خصوصاً لأنهما كانا مركز وجود ما يسمى الخلافة الفعلية (المزعومة)، وهو يواصل التركيز في شكل جدي على محاولة استعادة السيطرة على أراض في تلك البقعة من الأرض. بالنسبة للتنظيم تمثل سوريا والعراق معنى ومغزى كبيرين كمساحة جغرافية وكرمز لما يطمح إليه». وتابع قائلاً «في الوقت ذاته، من الإنصاف القول إن هناك تزايداً في عدد فروع وشبكات (داعش) خارج العراق وسوريا، وإنها منخرطة في شن هجمات، وهذا أمر نركز بشدة عليه. إن التحالف يحدد كهدف له تحقيق الهزيمة المستدامة بـ(داعش) عالمياً، وكما تحدثنا في المؤتمر الوزاري بروما هذا يعني التعاطي مع التهديد حيثما وجد. وأعتقد أن جزءاً من التهديد حالياً، بل جزء مهم من التهديد الذي يمثله (داعش)، يظهر خارج العراق وسوريا. هذا لا يعني أننا نقول إنه يمكننا تجاهل ما يحصل في العراق وسوريا. لقد كان واضحاً جداً في الاجتماع الوزاري أن هناك فهماً للحاجة إلى أن نبقى مركزين على الضغط على (داعش) في سوريا والعراق لمنع ظهوره (من جديد) هناك».
وتحدث غودفري في إيجازه الصحافي عن جولته الأسبوع الماضي على إقليم كردستان في العراق وشمال شرقي سوريا، قبل مشاركته إلى جانب وزير الخارجية أنتوني بلينكن في مؤتمر التحالف ضد «داعش» في روما الاثنين الماضي. وقال، إن التحالف ضد «داعش» حقق بلا شك «نجاحاً خارقاً» عندما أنهى وجود «الخلافة المزعومة» في سوريا والعراق، اعتباراً من عام 2019، لكن «من الواضح أن هناك مزيداً من العمل المطلوب القيام به». وأوضح، أن «(داعش) في العراق يبقى ناشطاً في شمال البلد، في المسافة الفاصلة بين مناطق سيطرة قوات الأمن الفيدرالية العراقية ومناطق سيطرة قوات أمن حكومة إقليم كردستان. هذه المناطق الفاصلة توفر مساحة محدودة يمكن لـ«داعش» النشاط فيها. وعلى رغم أن الهجمات في العراق كانت أقل دموية من هجمات العام الماضي، مثّل التفجيران الانتحاريان المزدوجان في بغداد في يناير (كانون الثاني) تذكيراً بأن «داعش» ما زال يتطلع للقيام بهجمات واسعة النطاق في العراق. إن التحالف يواصل دعم القوات الشريكة من خلال تقديم مشورة عالية المستوى، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم الجوي وبالتجهيزات». وزاد قائلاً «إن التهديدات من جماعات الميليشيات المتحالفة مع إيران تعقّد المشهد الأمني في العراق، وتعرض حياة المواطنين العراقيين للخطر، وتمثل تهديداً لقوات التحالف ومنشآته».
وفي خصوص سوريا، قال غودفري، إنه زار مخيم الهول للنازحين بمحافظة الحسكة، وكذلك مركزاً آخر لاحتجاز مقاتلي «داعش» في المحافظة ذاتها بشمال شرقي سوريا. وأضاف «كان من الواضح لي أن العدد الكبير من النازحين، وغالبية كبيرة منهم من الأطفال، بالإضافة إلى المحتجزين في شمال شرقي سوريا، يمثلون عبئاً كبيراً على إمكانات وقدرات شركائنا المحليين. إن المقاتلين المحتجزين وبعض العناصر من القاطنين بمخيمات النازحين يمثلون تهديداً محتملاً لأمن المنطقة وخارجها». وتابع، أن «الولايات المتحدة تواصل حض دول على استعادة مواطنيها، وإعادة تأهيلهم ودمجهم، وإقامة محاكمات وفق الأصول للمقاتلين الإرهابيين الأجانب والأفراد المرتبطين بهم من أفراد عائلاتهم». كما حض هذه الدولة على المساهمة في جهود تأمين إقامة هؤلاء المحتجزين في شمال شرقي سوريا.
ولفت غودفري إلى أنه سمع باستمرار خلال زيارته لسوريا والعراق، أن «الفقر، وانعدام المساواة، وما يُنظر إليه بوصفه غياباً للعدالة، يدفع الشباب للالتحاق بمجموعات إرهابية، بما في ذلك تنظيم (داعش). إن الجفاف الشديد وانخفاض محصول القمح الذي بلغ حالياً نصف المحصول في الأوقات العادية، تسببا في تدهور اقتصادي كبير أثّر على مداخيل الشركاء المحليين وساهم في زيادة البطالة. ولقد سمعت أن (داعش) يسعى بنشاط لاستغلال الوضع الاقتصادي لكي يحاول إقامة وجود له في المناطق التي اصابها التراجع الاقتصادي بقوة». وقال، إن ذلك يؤكد ضرورة مواصلة الدعم الذي يقدمه التحالف ضد «داعش».


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة تدعو نيجيريا لتعزيز إجراءات حماية المسيحيين

أفريقيا رجال شرطة ومواطنون في مكان الهجوم المسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية الاثنين (رويترز)

الولايات المتحدة تدعو نيجيريا لتعزيز إجراءات حماية المسيحيين

الولايات المتحدة تدعو نيجيريا لتعزيز إجراءات حماية المسيحيين إثر هجوم استهدف قداسا وأودى بحياة 30 شخصا

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا متمردون كونغوليون يحملون أسلحتهم في أثناء قيامهم بدورية بالقرب من روشورو في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز - أرشيفية)

43 قتيلاً في هجوم لمتمردين مرتبطين ﺑ«داعش» في الكونغو الديمقراطية

قُتل ما لا يقل عن 43 شخصاً على أيدي متمردي «القوات الديمقراطية المتحالفة» المرتبطين بتنظيم «داعش» في شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أميركا اللاتينية عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية - متداولة)

الأرجنتين تدرج «الحرس الثوري» في قائمتها للمنظمات «الإرهابية»

أدرجت الحكومة الأرجنتينية الثلاثاء الحرس الثوري الإيراني في قائمتها للأفراد والمنظمات «الإرهابية» وفق ما أعلنت الرئاسة الأرجنتينية في بيان.

«الشرق الأوسط» (بوينوس أيرس)
الولايات المتحدة​ قوات إنفاذ القانون الأميركية تستجيب لبلاغ في «معبد إسرائيل» اليهودي في ويست بلومفيلد بولاية ميشيغان يوم 12 مارس (أ.ب)

«إف بي آي»: هجوم كنيس ميشيغان «عمل إرهابي» بإيعاز من «حزب الله»

قال ‌مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي إن الهجوم الذي استهدف أكبر كنيس يهودي في ولاية ميشيغان هذا الشهر كان «عملاً إرهابياً» ​بإيعاز من «حزب الله» اللبناني.

«الشرق الأوسط» (ديترويت)
المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.