«من النساء إلى العالم»: نريدك أقل قسوة

رسائل حميمة وخلفيات شديدة التنوع

«من النساء إلى العالم»: نريدك أقل قسوة
TT

«من النساء إلى العالم»: نريدك أقل قسوة

«من النساء إلى العالم»: نريدك أقل قسوة

بقيت الرّسائل - بمختلف أشكالها - وإلى عهد قريب واحدة من أهم أدوات التوثيق التاريخي وسجلات ثمينة لتتبع مسارات التطوّر الاجتماعي والفكري لجيل أصحابها هذا إن لم تكن المصدر الأساسي لمعرفتنا عن العالم وأحداثه في نقطة ما من تقاطع الزّمان والمكان، نقرأ في نصوصها - وما وراء نصوصها - شهادات محمّلة بمعانٍ كثيرة تفوق أحياناً عدد كلماتها، وتنقلنا بطرفة عين لنشترك في تجارب بشر عاشوا بعيداً عنا في الجغرافيا أو التاريخ أو كليهما معاً، لكننا نجد دائماً ما يجمعنا بهم بشكل أو آخر.
هذا الفنّ القديم المبجّل، كاد يندثر مع مطلع القرن الحالي، بعدما اختطف الفضاء السيبراني من الورق والبريد الجزء الأجمل من مهماتهما، ونقل مخاطباتنا - غالبها - إلى صناديق افتراضيّة باهتة تنقل بملمس البلاستيك والزجاج وبخط لا يشبه شخص كاتبها نصوصاً عمليّة تقنيّة، فيما الشخصي والحميم والمشغول بدقات القلوب انتقل إلى وسائل تواصل اجتماعي نزقة بعضها لا يتورع حتى عن مسح كلماتنا خلال يوم وليلة، أو أن يغلق حساباتنا بالكليّة إن تجرأنا وخرجنا عن خطوط مالكيها في وادي السليكون.
إليزابيث فيليبولي الصحافية والناشطة الاجتماعيّة ومؤسسة منتدى الفكر العالمي - التي تحتضنها جامعة أكسفورد - والمبادرة المنبثقة عنها «أثينا 40» التي تستهدف تعزيز فرص النساء القياديات والتعريف بمساهماتهن، استفادت بحكم شبكة علاقاتها المعولمّة بنساء مؤثرات من بيئات ومهن وخلفيّات شديدة التنوّع لتسترد لفن الرسائل بعضاً من ألق مفقود، وتطلب لمجموعة مختارة منهن أن يكتبن - دون قيود - رسائل موجهة إلى نساء أخريات كنّ ملهمات لهّن في مراحل مختلفة من حياتهّن، شخصيات تاريخية أو معاصرة من الفضاء العام أو إحدى نساء الأسرة أو حتى سيدات عاديات صنعن فرقاً في حياة من حولهن. تلك الرسائل جمعتها فيليبولي مع مقدّمة تعريفيّة ورسالة ختاميّة منها وجهتها لكل نساء العالم ودفعتها للنشر في كتاب يصدر اليوم عن دار آي بي توريس (مجموعة بلومبزري للنشر) بلندن بعنوان «من النساء إلى العالم: رسائل من أجل قرن جديد».
الكاتبات جميعهّن يحملن أسماء معروفة بمساهمات كثيرة ومتنوعة على الأقل في مجالات عملهّن، سياسيات وأميرات ومخرجات وممثلات وعالمات وكاتبات وناشطات ومذيعات، سجلت كل منهنّ في رسالتها إلى ملهمتها مشاعر شخصيّة نحوها مستندة إلى التاريخ الشخصي لهؤلاء النساء وتجاربهن القاسية أحياناً في مواجهة العالم والحياة ومرور الزّمن، مرفقات مع بوحهنّ قضايا اجتماعيّة تمثّل تحديّات لم تحسمها البشريّة رغم كل تقدمها التكنولوجي والعلمي كالتشرّد، والحروب، واللاجئين، والأنظمة الفاسدة، والاعتداءات الجنسيّة، والتفاوتات الجَندريّة، والحق في التعليم والعلاج والصحة العقليّة - النفسيّة، والتأقلّم مع التحولات الجذريّة في طرائق العمل والتواصل، والهجرة بين الأماكن وغيرها.
بكتاب مثل هذا، الأقرب ما يكون إلى باقة من الورد، يصعب بالفعل القول بأن هذي الرّسالة هي الأكثر تأثيراً بين رفيقاتها، أو تلك الأهم بينها، إذ كلّ منها خاص ومميّز وعابق بعبير مختلف، لكن دون شك سيجد كل قارئ في بعضها على الأقل جرعة محبّة وأمل وإلهام أقرب إليه أو إليها، بمن فيهم القراء العرب الذين سيجدون ثمانية من المؤثرات العربيّات بين الكاتبات، من السعودية والأردن وعُمان ولبنان وفلسطين والعراق، ولعّل هذا يكون حافزاً إلى جانب المحتوى لنقل هذا الكتاب إلى العربيّة.
تكتب الروائيّة التركيّة البريطانيّة إليف شافاك إلى رئيسة وزراء نيوزلندا جاسيندا آرديرن (التي كانت أصغر سيدة في التاريخ المعاصر تتولى منصباً تنفيذياً وهي في الـ37 من العمر، وثاني سيّدة بعد الراحلة رئيسة وزراء الباكستان بينظير بوتو تلد وهي على رأس عملها الرئاسيّ) وذلك بعد حادثة الاعتداء الإرهابي على كرايستتشيرش، وتخاطب عازفة التشيلو الإيطاليّة سيلفيا تشايسا البريطانيّة الراحلة جاكلين دو بري التي كانت واحدة من أهم عازفات التشيلو في القرن العشرين قبل أن تنطفئ في قمّة عطائها، وتحادث الإعلاميّة السعودية المعروفة منى أبو سليمان شخصيّة الأفروأميركيّة مارغريت غارنر التي اشتهرت بعد أن روت توني موريسون قصّتها في رواية لها لكونها فضّلت أن تذبح ابنتها بيدها على أن تسلمّها لتجار العبيد البيض الذين لحقوا بهما بينما كانتا تفران إلى ولاية أوهايو الحرّة خلال القرن التاسع عشر، لتجنبّها حياة مثل حياتها: ملؤها الذّل والاغتصاب والضرب والمعاملة السيئة التي لا تليق حتى بالحيوانات، واختارت الممثلة اللبنانيّة الفرنسيّة ياسمين المصري أن تبعث لأمها - ممثّلة لكل النساء في عائلتها - بقصيدة شعريّة، فيما وصفت العراقيّة الأميركيّة بسمة علاوي في رسالتها إلى الممثلة الأميركيّة أنجلينا جولي مدى تأثرها كطفلة عراقيّة صغيرة بمشاهد الجولات الإنسانيّة التي ذهبت إليها النجمة العالميّة إلى أفريقيا ومناطق منكوبة أخرى وإنفاقها من عوائد عملها على مساعدة المنكوبين واللاجئين بل وتبني ثلاثة منهم للعيش مع أولادها في الولايات المتحدّة، فيما تحدّثت الأميرة الأردنيّة بسمة بنت الحسن إلى روح جدّتيها: الملكة زين الشرف - عقيلة الملك طلال ووالدة الملك حسين - وبيغام شايستا سوهاراواردي - التي تولت تمثيل الباكستان سفيرة إلى الأمم المتحدة وكانت أوّل سيّدة مسلمة تشغل ذلك المنصب في المنظمة الدوليّة وكانت إلى جانب إلينانور روزفلت - عقيلة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت - النساء الوحيدات ضمن فريق الأمم المتحدة الذي أنجز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أما الصحافيّة اللبنانيّة الكنديّة رولا عازار فكتبت رسالة تدمي القلوب إلى خالتها الراحلة رامانا فياني التي قضت بالحرب الأهليّة اللبنانيّة الأخيرة وتصف بها حال بلادها هذه الأيّام الذي لا يسرّ صديقاً، وكتبت الأردنيّة ديما بيبي إلى السيّدة هيفاء حجّار النجار مديرة المدرسة الأهليّة للبنات بعمّان، وغيرها كثير.
ولعل أصعب الرسائل على قلب القارئ قد تكون تلك التي خطتها الأوغنديّة هيلين وايسوا - مؤسسّة منظمة ريب هيرتس الأوغنديّة التي تتدخل لمساندة النساء ضحايا الاغتصاب - موجهة إيّاها إلى زهراء محمود المديرة التنفيذيّة لبرنامج ماما كاش، وهو أحد أكبر الصناديق العامّة في العالم المتخصصة بدعم النساء والفتيات وتحكي فيها عن تجربتها الشخصيّة عندما تعرضّت للاعتداء مِن قبل مَن يفترض به أن يحميها وهي لم تزل صبيّة في الحادية عشرة من العمر يحيط بها مجتمع بطريركي لا يرحم.
تدافع فيليبولي عن (نسويّة) الرسائل، رغم أن القضايا المطروحة تمس كافة أبناء المجتمع ذكوره كما نسائه بإصرارها على أن وجود النسويّة بحد ذاته دلالة خلل في النظام العالمي، إذ لو كانت هناك عدالة ولو نسبيّة، لما شعرت كثيرات بالحاجة للنضال من أجل تحقيق ذواتهنّ وتحصيل حقوقهن.
لا حلول يقترحها «رسائل من النساء إلى العالم» حول إصلاح مواضع الخلل والتخليّ، لكنّه يمنح المتلقي فرصة نادرة لمشاهدة العالم كما تراه النساء وأملاً في قدرة نصف المجتمع على إنتاج نموذج بديل للقيادة وتوجيه مستقبل البشريّة ليستند بدلاً من معايير الرّبح المادي البحت والتنافس على استنفاد موارد الكوكب حد شنّ الحروب إلى أسس من التضامن الإنساني والذّكاء العاطفي وقيمة الإنسان كإنسان، بغض النظّر عن لون بشرته أو جنسيته أو جندره أو عمره أو ثقافته أو عقيدته أو حالته الصحيّة أو الاجتماعيّة أو الاقتصادية. ربّما في النهاية سنجد أن الأمهات هنّ الأقدر على إعادة تصوّر عالم جديد أفضل لنا جميعاً.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً