د. محمد مختار جمعة لـ «الشرق الأوسط»: المساجد للدعوة وليست للسياسة

وزير الأوقاف المصري الدكتور محمد مختار جمعة («الشرق الأوسط»)
وزير الأوقاف المصري الدكتور محمد مختار جمعة («الشرق الأوسط»)
TT

د. محمد مختار جمعة لـ «الشرق الأوسط»: المساجد للدعوة وليست للسياسة

وزير الأوقاف المصري الدكتور محمد مختار جمعة («الشرق الأوسط»)
وزير الأوقاف المصري الدكتور محمد مختار جمعة («الشرق الأوسط»)

أكد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري، أن رسالة الوزارة هي إعمار المساجد بضوابط شرعية ودعوية ووطنية لا إغلاقها. وقال إنه أصدر «قرارا بإلغاء جميع تصاريح الخطابة الخاصة بخطباء المكافأة، وذلك لمنع صعود غير الأزهريين على منابر المساجد الحكومية والأهلية».
و عين الدكتور جمعة (64 عاما) وزيرا للأوقاف في أول حكومة جرى تشكيلها في 17 يوليو (تموز) الماضي برئاسة الدكتور حازم الببلاوي، بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين. ويمثل الدكتور جمعة رمزا للمنهج الأزهري الوسطي المعتدل، بعد نحو عام عانى فيه الخطاب الدعوي لوزارة الأوقاف من توجه حزبي وديني معين واتهامات بـ«أسلفة وأخونة» الأوقاف والدعاة والأئمة في عهد وزير الأوقاف السابق الدكتور طلعت عفيفي، نائب رئيس هيئة الشريعة للحقوق والإصلاح السلفية، والذي أثار اختياره وزيرا للأوقاف في أغسطس (آب) من العام الماضي الجدل داخل الوسط الديني في مصر، بعد قيام الدكتور هشام قنديل، رئيس الحكومة وقتها، بتكليف الدكتور أسامة العبد، رئيس جامعة الأزهر، لشغل منصب وزير الأوقاف، إلا أنه تراجع عن ذلك في محاولة لاسترضاء السلفيين و«الإخوان»، وقام بإسناد حقيبة الأوقاف لعفيفي.
وقال الدكتور جمعة في حوار مع «الشرق الأوسط» في القاهرة، إنه يجري «تشكيل لجنة بالوزارة للمساجد الكبرى لمتابعة ما يحدث ببعضها من الخروج عن دورها في الدعوة والتوجه بها إلى العمل السياسي أو الحزبي، وتحويل أي مسؤول عن هذه الأعمال للمساءلة حال ثبوت قيامه بالإساءة لاستخدام المنابر».
وتحاول وزارة الأوقاف مواجهة حالة انفلات دعوي عمت المساجد في مصر بعد عامين من ثورة «25 يناير (كانون الثاني)»، وبغرض إبعاد المساجد عن الصراعات السياسية بين الأحزاب. وقال الدكتور مختار جمعة، إن «هذه الإجراءات الأخيرة تأتي في سياق حملة الأوقاف لمنع تسخير المنابر للترويج لمواقف سياسية». وفي ما يلي نص الحوار.
* أصدرت قرارا جريئا بإلغاء جميع تصاريح الخطابة الخاصة بخطباء المكافأة من غير الأزهريين.. كيف كان ذلك؟
- هذا القرار لمنع صعود غير الأزهريين منابر المساجد الحكومية والأهلية.. ستعاد هيكلة وتجديد التراخيص التي منحت لغير الأزهريين في السابق، والتثبت من علمهم وقدرتهم على العطاء. وأي تصريح سابق أصبح كالعدم طالما لم يجري تجديده من الوزارة خلال شهرين. فالوزارة تفتح الباب أمام جميع الأزهريين للحصول على تصريح للخطابة، على أن يقدموا صورة من المؤهل الأزهري، وسيجري ربط التصاريح الجديدة بالرقم القومي، وسيتم سد العجز في خطباء المساجد بالتنسيق مع الوعظ في الأزهر.
* وهل لدى الوزارة ما يكفي من الأئمة لسد العجز في المساجد التي سوف تخلو من غير الأزهريين؟
- نعم لدى الوزارة ما يكفي لسد عجز الدعاة غير المؤهلين من خلال الاستعانة بالكفاءات وخريجي الأزهر الشريف والوعاظ.
* وما الهدف من ذلك؟
- وزارة الأوقاف لا تقصي أحدا بناء على هويته السياسية، وليس هناك توقيف أو إقصاء لأي خطيب أو إمام أو أي عامل بوزارة الأوقاف وفقا للقرار. لكن نسعى لأن تكون المساجد للدعوة والعبادة بناء على وسطية الأزهر الشريف.
* هناك الكثير من المعاهد التي تخرج الدعاة.. ما مصيرها؟
- لن نعترف بأي معاهد لإعداد الدعاة لا تخضع للإشراف الكامل للوزارة من حيث اختيار العمداء والأساتذة والمناهج والكتب الدراسية، لأن الوزارة ترغب في نشر الوسطية والاعتدال وسماحة الإسلام. أما أي معاهد تختار كتبا دراسية تابعة لتيارات بعينها فلن تعترف الوزارة إطلاقا بهذه المعاهد التي لا تتبع منهج الأزهر والأوقاف، فالوزارة ليس لها سلطة إغلاق هذه المعاهد، لكنها لن تعترف بأي خريج منها، والوزارة لديها 19 معهدا فقط، ونلزم المعاهد التي نعترف بها بأن تضع التصريح الخاص بموافقة الأوقاف في لوحة واضحة بالمعهد.
* أثار قرارك بمنع إقامة صلاة الجمعة في الزوايا الصغيرة وقصرها على المساجد الكبيرة جدلا بين تيار الإسلام السياسي في مصر ما وجهة نظرك في ذلك؟
- أصدرت تعليماتي لكل وكلاء الوزارة بنقل الأئمة الموجودين بالزوايا الصغيرة للمساجد الكبرى، وتجنب إقامة صلاة الجمعة بالزوايا وقصرها على المساجد الجامعة، فالوزارة تريد إسناد الأمر إلى أهله بالنسبة إلى خطب الجمعة، حتى لا تتشتت كلمة المسلمين، ولا يخطب فيهم غير المتخصصين، وذلك بعد أن لاحظنا تجرؤا على المساجد باتخاذها مكانا للنوم والراحة، وليست للعبادة والدعوة إلى الله، فضلا عن أن الزوايا الصغيرة التي تقام أسفل البنايات لا تنطبق عليها كلمة مسجد حسب إجماع العلماء، لأنه غير متوافر فيها شروط المسجد. ولدينا من الخطط والإجراءات ما يضمن التطبيق الأمثل في القريب العاجل، وجعل المساجد للعبادة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وإدارة كل مسجد مسؤولة مسؤولية قانونية وإجرائية حيال أي تجاوز قد يحدث.
* هل معنى هذا أن الوزارة ستغلق الزوايا الصغيرة؟
- الوزارة لن تغلق أي مسجد، وكل مسجد بني لله سيظل مسجدا إلى قيام الساعة، لكن صلاة الجمعة لا بد أن تقام في المسجد الجامع، ومنع إقامة صلاة الجمعة في الزوايا التي تقل مساحتها عن 80 مترا، إلا بموافقة من وكيل الوزارة لشؤون الدعوة.
* بعض الأئمة يقوم بإنابة غيره في خطبة الجمعة ماذا ستفعلون حيال ذلك؟
- لا يجوز لأي واعظ كما لا يجوز لأي إمام أن ينيب عنه أحدا في الخطبة، إنما يرجع إلى مفتش المنطقة التابع لها المسجد لاتخاذ ما يلزم، وفى حالة الغياب بعذر والتنسيق مع المفتش يخصم بدل الخطبة التي لم تؤد، وفي حالة الغياب من دون عذر يخصم بدل خطبتين مع عمل كل الجزاءات القانونية التي تترتب على الغياب أو أخطاء خطبة البديل. وأنه في حالة تكرار الغياب من دون عذر يعد الواعظ معتذرا عن العمل مع الأوقاف ويرفع اسمه من الكشوف مع إخطار منطقته، وفي حالة عدم العجز يؤدي الوعاظ خطتهم الدعوية وفق واجبهم الوظيفي دون أي بدلات من الأوقاف إلا من يقبل العمل منهم في أقرب محافظة له.
* وهل الفترة المقبلة ستشهد متابعة للخطاب الديني بالمساجد خاصة الكبرى؟
- جرى تشكيل لجنة بالوزارة للمساجد الكبرى لمتابعة ما يحدث ببعضها من الخروج عن دورها في الدعوة والتوجه بها إلى العمل السياسي أو الحزبي، وتحويل أي مسؤول عن هذه الأعمال فورا للمساءلة حال ثبوت قيامه بالإساءة لاستخدام المنابر. فالوزارة ملك لأبنائها ولا مجال للعمل السياسي بوزارة الأوقاف، وإن المساجد للدعوة وليست للسياسة، ولا مكان للرموز والقيادات التي تنتمي لأي حزب في أي مفصل من المفاصل القيادية لوزارة الأوقاف، كما أنه سيجري ضرب الفساد في الوزارة بيد من حديد وتقديم أي مخالف إلى النيابة العامة والاهتمام الخاص بموضوع المساجد التي ضمت وهميا إلى الوزارة.
* البعض يجمع تبرعات في المساجد تحت أسانيد معينة.. كيف سيجري التصدي لهذه التبرعات غير المعلوم مصادر إنفاقها؟
- الوزارة أصدرت قرارا بمنع دفع أي أموال لأي جمعية أو لجنة في المساجد حتى لا تذهب هذه الأموال إلى جهات لا تتقي الله بمال الله، والوزارة شددت على هذا الأمر ومنعت أي شخص أو جهة تقوم بجمع التبرعات، إلا إذا كانت جهات رسمية والتبرع يكون من خلال إيصال معتمد. أما بالنسبة لإمامة المساجد الكبرى ومساجد النذور، فهناك لجنة لدراسة تنقلات الأئمة بين هذه المساجد، وإذا كان البعض لديه رصيد وشعبية في هذه المساجد، سيكون هناك فصل بين الإمامة وخطبة الجمعة.
* وهل هناك تنسيق بين وزارة الأوقاف والوعاظ في الأزهر الشريف؟
- تقرر معاملة الواعظ معاملة المؤهلات العليا الأزهرية من حيث مكافأة الخطبة وتثبيت الوعاظ في المساجد والأولوية للمساجد الحكومية ثم الأهلية الكبرى، وبالنسبة لقيادات الوعظ الراغبة في الاشتراك في هذا النظام التقدم بكشف عن طريق مدير عام الوعظ لمديرية الأوقاف التابع لها للإدراج في الخطة.
* القوات المسلحة قامت بمجهودات كبيرة لإعادة ترميم مسجد رابعة العدوية (مقر اعتصام أنصار الرئيس المعزول) بمدينة نصر.. ماذا تريد أن تقول في ذلك؟
- أريد أن أشيد بدور القوات المسلحة في تجديد مسجد رابعة العدوية في مدينة نصر، والذي كلف نحو 85 مليون جنيه، كما أحب أن أقول إن القوات المسلحة أيضا بادرت وأعلنت عن تجديد وترميم مسجد الفتح بميدان رمسيس بوسط القاهرة، وفي أسوان (بصعيد مصر) قامت القوات المسلحة ببناء ستة مساجد لأهالي النوبة.
* حدثنا عن حالة الإصلاح التي تشهدها وزارة الأوقاف في عهدك؟
- الإصلاح متواصل مع كل الجهات وعلى جميع الأصعدة داخل الوزارة في سبيل إعطاء التمييز والريادة لوزارة الأوقاف، لكونها وزارة إصلاحية توجيهية، حيث إنه إذا أصلح الله حالها فسينصلح حال الجميع.. ولا بد أن يمضي الإصلاح في كل اتجاه.. إصلاح الإدارة والداعية وهيئة الأوقاف المصرية والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.. وكل هذه الأمور نحاول الاجتهاد فيها. وفيما يخص تفعيل دور هيئة الأوقاف للمساهمة في خدمة المجتمع والاقتصاد الوطني، تقرر إقامة معارض لمنتجات مصنع السجاد التابع لهيئة الأوقاف بتخفيضات فعلية حقيقية.
* طالبت منذ توليكم الوزارة بضرورة الاستفادة بمكانة الأزهر الشريف في العالم لتغيير الصورة السلبية التي أخذت عن مصر بعد ثورة «30 يونيو».. حدثنا عن هذا؟
- بالفعل طالبت بضرورة الاستفادة من قوة الأزهر الناعمة ومكانة مصر وريادتها في العالم الإسلامي والعربي والأفريقي، من خلال تعزيز بعثات الأزهر والأوقاف في الخارج ورعاية الطلاب الوافدين للأزهر من أفريقيا وآسيا وتنظيم منتديات علمية وثقافية مشتركة لتعود لمصر ريادتها في العالم، وتوضيح الصورة السلبية التي نقلت عن مصر بعد 30 يونيو (حزيران) الماضي.
* حدثت وقيعة بين مؤسسة الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف خلال العام الماضي في فترة ولاية الوزير السابق.. ما خطتكم لعودة العلاقة مع الأزهر إلى سابق عهده؟
- أؤكد أهمية التنسيق الكامل بين الوزارة والأزهر الشريف في كل ما يتعلق بالدعوة والقضايا الوطنية، ونطرح فكرة دمج الأوقاف والإفتاء بالأزهر الشريف وتخصيص وكيل للإمام الأكبر لكل منهما لتنسيق جهود الدعوة في مصر.
* وهل هناك تعاون مع مشيخة الأزهر بعد عام من القطيعة؟
- فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، يترك لكل من وزير الأوقاف ومفتي مصر الصلاحيات الكاملة لإدارة ما يخصه على أن يجري التنسيق في مسائل الدعوة والقضايا الوطنية.
* نعيش في مرحلة اختلطت فيها الأوراق وأصبحت لغة الدماء تتحكم في كثير من القضايا.. من وجهة نظرك ما دور وزارة الأوقاف وهي تحمل عاتق الدعوة من منابرها؟
- الوزارة تدعم أي مصالحة وطنية جادة تحقن دماء المصريين جميعا، لأن دماءهم عزيزة ومحرمة ونرفض في الوقت نفسه محاولات الاعتداء على مؤسسات الدولة أو قطع الطرق أو ترويع الآمنين، ذلك لتعاليم الإسلام السمحة التي تهتم بقضاء حوائج الناس لا تعطيلها.
* وكيف ترى انخراط بعض الدعاة في السياسة؟
- على الرغم من المكاسب الكثيرة التي جنيناها من حرية الرأي والكلمة، فإن انشغال الناس خاصة العلماء والدعاة بالجوانب السياسية أكثر من قضايا الدين وتحول أكثر القنوات التي تقوم بالتربية والأخلاق إلى الشق السياسي وحياة الناس العامة بعيدا عن حفظ القرآن والشؤون الدينية، أوجد فجوة أخلاقية كبيرة في المجتمع.. فالمساجد قبل ثورة «25 يناير» كانت أكثر امتلاء من الآن، وهو ما جعلنا نتساءل ما الذي حدث؟ ونقف أمام أنفسنا أمام مسؤوليتنا الشرعية ونبحث ونركز على الجانب الروحي والأخلاقي والتربوي، فلو انفلتت منظومة القيم سنكون في خطر شديد، لأن هناك تغيرا كبيرا في سلوكيات كثير من الشباب بسبب الاستقطاب السياسي، وهو ما يؤكد أنه يجب علينا أن نركز على بث القيم الدينية والأخلاقية والتربوية حتى نجني ثمار ذلك مستقبلا، والنبي صلى الله عليه وسلم حدد الهدف الرئيس من الرسالة وهو مكارم الأخلاق، بالإضافة لثمرة العبادات والتي يظهر أثرها في السلوك.
* نعاني الآن من بعض الأفكار التي تدعو للتشدد والعنف خاصة في سيناء.. كيف يمكن أن نواجه هذه الأفكار؟
- الفقه عند أهل العلم هو التيسير، بدليل أنه لم يقل أحد من أهل العلم من القديم أو الحديث، إن الفقه هو التشدد، والشريعة الإسلامية قائمة على اليسر ورفع الحرج «وما جعل عليكم في الدين من حرج»، وما خير النبي بين أمرين إلا واختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم، والرفق ما وضع في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه.. وعندما يتحدث العلماء عن الوسطية في الإسلام يظن المتشددون أن في هذا نوعا من التفريط أو التساهل في حق الدين، وهم على خطأ لأننا ننبذ التفريط قدر نبذنا للتشدد حتى لا تختل الموازنة. فالإسلام دين الوسطية واليسر فلا إفراط ولا تقصير، فلا نفرط في أي شيء من ثوابتنا حفاظا على وسطية الدين، والإسلام فتح باب الأمل واسعا وباب التوبة مفتوح دائما وأبدا أمام الجميع.
* وكيف نرتقي بلغة التعايش مع الآخر؟
- سماحة الإسلام ليست للمسلمين فقط، وإنما أرسل النبي محمد رحمة للعالمين ولم يقل إنه رحمة للمسلمين فقط، وهو ما يدعونا إلى العودة للغة التعايش التي دعا إليها الرسول وعلمنا إياها حينما عاد إلى مكة فاتحا فلم يعد منتقما أو غاضبا، ولكنه عاد مسامحا عافيا عن كل من أساء إليه.
* بعيدا عن السياسية، بماذا تنصح المصريين ونحن على أبواب موسم الحج؟
- لا شك أن الحج أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يكتمل إسلام المرء المستطيع بدنيا وماليا إلا بها، غير أن رحمة الله عز وجل بعباده ربطت الحج بالاستطاعة البدنية والمالية، فمن كانت نيته قائمة على الحج وقعد به عجزه البدني أو المالي بلغه الله درجة الحجيج بنيته الصادقة، وقد جعل الله للضعفاء وغير القادرين في الذكر والصلاة والقيام وسائر القربات والنوافل ما يسمو بهم إلى درجة الحجيج وأسمى، ما صدقت نياتهم وأخلصوا لله فيما ممكنهم منه. والله عز وجل جعل فريضة الحج مرة واحدة، وقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون الحج آخر أركان الإسلام فرضا على المسلمين.
وإذا كان بعض الناس يذكرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة»، فإن ذلك مرتبط بحال الأمة ويسارها ووضع اقتصادها، فإذا كان الاقتصاد الوطني قويا متينا ليس في أبناء الوطن جائع لا يجد ما يسد جوعته، أو عار لا يجد ما يستر عورته، أو مريض لا يجد ما يتداوى به، فليحج الناس ما شاءوا أو ليعتمروا ما شاءوا. لكن إذا كان في الأمة أو الوطن فقير ومريض لا يكاد يجد ما يتداوى به إلا بشق الأنفس، وشاب لا يجد ما يعف به نفسه، فنقول إن فقه الأولويات يقتضي أن كل ذلك مقدم على حج النافلة وعمرة النافلة. فأمة لا تملك كامل قوتها، أو كامل دوائها، أو وسائل أمنها من سلاح وعتاد، أولى بها أن تتوجه إلى سد هذه الجوانب قبل التفكير في حج النافلة وعمرة النافلة.
* وماذا عن المزاحمة في موسم الحج؟
- الحكمة والفقه يقتضيان أن يترك من أدى الفريضة الفرصة لغيره ممن لم يؤدها، فدرء المفسدة المتوقعة من كثرة الزحام مقدم على جلب المنفعة المترتبة على النوافل.
* وزير الأوقاف المصري في سطور
* محمد مختار جمعة وزير الأوقاف، هو عميد منتخب لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة جامعة الأزهر، وعضو المكتب الفني لشيخ الأزهر الشريف.
* شارك الوزير في مؤتمرات إسلامية عربية ودولية، وله الكثير من الإسهامات العلمية والشرعية والأدبية، منها وضع مناهج اللغة العربية وآدابها لكليات التربية بسلطنة عمان وفي تطوير مناهجها. كما شارك في مؤتمر الإسلام في أفريقيا بالسودان وفي حفل تسلم جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام.
* حصل وزير الأوقاف على عضوية الكثير من الاتحادات المختصة في الأدب، منها اتحاد كتاب مصر ورابطة الأدب الإسلامي والرابطة العالمية لخريجي الأزهر، وله اهتمامات كبيرة بمجال التنمية البشرية التي حاضر في كثير من منتدياتها كداعية وأستاذ جامعي متخصص في العلوم الشرعية والأدبية.
* لوزير الأوقاف الكثير من المؤلفات في الأدب والشعر أبرزها، الأدب العربي في عصره الأول، والفكر النقدي في المثل السائر لابن الأثير في ضوء النقد الأدبي الحديث، والتمرد في شعر الجواهري.
* بعد تعيينه وزيرا للأوقاف رحبت به الأوساط الدينية في مصر نظرا لكونه مستقلا سياسيا وكونه عميدا منتخبا من أعضاء هيئة تدريس كلية الدراسات الإسلامية، وطالب باستقلال الأزهر مرارا، وطالب بميزانية مخصصة للأزهر ليؤدي رسالته على أكمل وجه.



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.