معارض الكتاب العربية تعود «منزوعة الدسم» بسبب «كورونا»

ناشرون وكتَّاب يرونها خطوة مهمة ويطالبون بدعم أوسع لدور النشر

معارض الكتاب العربية تعود «منزوعة الدسم» بسبب «كورونا»
TT

معارض الكتاب العربية تعود «منزوعة الدسم» بسبب «كورونا»

معارض الكتاب العربية تعود «منزوعة الدسم» بسبب «كورونا»

بلا ندوات حية ومباشرة، بلا أنشطة ثقافية، بلا حفلات توقيع للكتب، وبسقف جماهيري محدود، تحاول معارض الكتاب العربية أن تكسر حاجر العزلة والتأجيل القسري الذي فرضه عليها تفشي فيروس كورونا، فأطل بعضها مؤخراً، وبحذر شديد، وفي نسخ مختصرة، في الشارقة، وأبوظبي، وبغداد، ثم القاهرة التي ينطلق معرضها بعد أيام.
كيف يرى الناشرون والكتاب هذه الإطلالة، وهل تشكل عتبة لعودة الروح إلى هذه المعارض، لتواصل دورها الفاعل في الثقافة العربية... هنا آراء كوكبة منهم.
إجراءات صارمة
في الثلاثين من يونيو (حزيران) الحالي تنطلق الدورة الثانية والخمسون لمعرض القاهرة الدولي للكتاب تحت شعار «في القراءة حياة» وتستمر حتى الخامس عشر من يوليو (تموز) بمشاركة أكثر من 700 ناشر عربي وأجنبي، فما هي التحديات والآمال التي تواكب هذا الحدث الكبير الذي كان يعقد سنوياً قبل «كورونا» في شهر يناير (كانون الثاني)؟
يقول د. هيثم الحاج علي رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، الجهة المنظمة للمعرض، إن سلامة الجمهور تأتي في المقام الأول، لذا قمنا بعدد من الإجراءات الصارمة في هذه الدورة، أبرزها تحديد الحد الأقصى للزائرين بـ100 ألف زائر يومياً على خلاف ما كان يحدث في الظروف العادية، التي كان يصل فيها عدد الزائرين إلى نحو نصف مليون زائر في اليوم الواحد. كما قررنا كذلك إلغاء الفعاليات المصاحبة للمعرض مثل الندوات والاحتفاليات واستبدالها بأخرى إلكترونية حتى لا يفقد المعرض دوره الفكري والتنويري، باعتباره الحدث الثقافي الأضخم في مصر والمنطقة.
ويرى إيهاب شيغدل، عضو اللجنة المنظمة لمعرض بغداد للكتاب، أن إقامة أي فعالية ثقافية في هذا التوقيت هي علامة على إرادة الحياة رغم ما تمر به المنطقة من بعض أعمال عنف وصراعات، والأمر تعقد مع جائحة «كورونا»، وتقريباً توقف العالم كله، مما يجعلنا أمام تحدٍ مضاعف تبدأ رحلة التغلب عليه بالإجراءات الاحترازية. ويشير شيغدل إلى ضعف الابتكار في التنظيم والرقابة المتعسفة على الكتب باعتبارهما أبرز ما يعيب معارض الكتاب العربية في مجملها، موضحاً أنه يأمل في أن تنتج معارض الكتاب خطاباً إنسانياً يتحلى بالتسامح والقدرة على استيعاب وجهات النظر.
ويلفت الناشر عماد الدين الأكحل، من دار نشر «إيبدي»، إلى أن معظم مبيعات كتب الناشرين تأتي من خلال مشاركتهم بالمعارض. وبالطبع لا بد من وجود إجراءات احترازية بتلك المعارض للحفاظ على صحة الزوار، وهذه الإجراءات تنعكس على أعداد المترددين بالسلب، لذا فالصيغة الأمثل لنجاح هذه المعارض هو إقامتها في توقيتاتها المعتادة، وفي الوقت نفسه دعم دور النشر المشاركة، كما حدث في معرضي الشارقة وأبوظبي، بإعفاء الناشرين من مصاريف إيجار الأجنحة وتحمل إقامتهم الكاملة بالفنادق، لأنه بغياب الدعم وقلة الحضور الجماهيري يمكن لدور النشر أن تخرج من كل معرض خاسرة، فتتعمق أزمة صناعة النشر.
يضيف الأكحل: «المعارض العربية الدولية الكبرى تنظم فعالياتها بشكل راق، وليست بها عيوب كبيرة ظاهرة، وإنما العيوب تشوب المعارض المحلية الصغيرة التي قد يشارك فيها بعض مزوري الكتب وتعرض بها نسخ غير أصلية، فضلاً عن مشكلة ضعف الدعاية وبالتالي ضعف الحضور بشكل كبير».
أعراس ثقافية
من جهتها ترى الناشرة سوسن بشير، من دار «آفاق» للنشر والتوزيع، أن عودة المعارض العربية للواجهة مرة أخرى كان قراراً حكيماً بعد عام ونصف العام من الخسائر تكبدتها دور النشر العربية، خصوصاً أن معرض الكتاب العربي هو معرض مخصص للقاء الجمهور مباشرة، حيث يتمثل نشاطه الأساسي في بيع الكتب للزوار، وليس معرضاً مهنياً مخصصاً لعقد الاتفاقات التجارية بين الناشرين أنفسهم، كما يحدث في معارض الكتاب الأوروبية على سبيل المثال.
تضيف بشير: «معارض الكتاب في الدول العربية هي أعراس ثقافية تأخذ أحياناً شكل الكرنفال احتفاء بصدور كتب جديدة تصل للقارئ زائر المعرض مباشرة بخصم جيد، وهي نشاط متكامل لجمهور عريض من القراء. وبهذا فإنها تشكل محفزاً مهماً على القراءة، وتحض عليها أكثر، وهذا ما نحتاجه في الدول العربية بشكل عام، أي زيادة نسبة الاطلاع والقراءة، ومن ثم التراكم المعرفي عند الجماهير. وما ينقصنا هو زيادة عمليات الدعاية والتسويق لمعارض الكتاب المختلفة، وهذا ما بدأ في الازدياد بالفعل عبر وسائل جديدة من خلال التسويق الإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي عبر متخصصين محترفين في هذا المجال».
وبرأي الناشر حسين عثمان، من دار «ريشة»، فإن إقبال جمهور القراء على حضور معارض الكتاب يظل المعيار الأهم لنجاحها، ورغم تطور وسائل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في السنوات الأخيرة، وتعدد وسائل وتطبيقات القراءة الرقمية، إلا أن الكتاب الورقي لا يزال محتفظاً بسحره وسره الذي يأسر القطاع الأكبر من القراء من مختلف الأعمار، فتراهم حتى الآن يترقبون بشدة أجواء المعارض ويخططون لزيارتها والتجول بين أجنحة دور النشر، ومرور الأعين على أرفف الكتب واستعراض الأغلفة والعناوين، قبل سحب النسخ والاطلاع على مقدمة الكتاب وفهرس الموضوعات وسيرة المؤلف تمهيداً لشراء الكتاب أو استبعاد الفكرة، بخلاف فرص لقاء الكتاب المفضلين لهم والحوار معهم والحصول على توقيعاتهم والتقاط الصور التذكارية.
ويعتقد عثمان أن أبرز عيوب معارض الكتب العربية تتلخص في تركيز دور النشر من مختلف الدول على عقد الصفقات التبادلية دون الاهتمام بمنح مميزات وفرص وعوامل جذب القراء، فضلاً عن تعقيدات إجراءات الشحن والتفريغ التي تأخذ وقتاً طويلاً مع ارتفاع تكلفة رسوم هذه الإجراءات، وعدم اهتمام أغلب الحكومات العربية بتقديم تسهيلات داعمة كافية لضمان نجاح معارض الكتب.
رسالة طمأنة
وتعتبر الكاتبة المترجمة د. عبير عبد الحافظ، أستاذ اللغة الإسبانية وأدب أميركا اللاتينية بجامعة القاهرة، أن إقامة معارض الكتاب في مختلف الدول العربية في الوقت الحالي تأتى بمثابة «رسالة طمأنة» بشأن قدرة العرب على السيطرة على جائحة «كورونا» والعودة التدريجية للحياة الطبيعية.
تضيف عبد الحافظ: «من الضروري أن تعمل إدارات هذه المعارض والجهات المنظمة على توفير المناخ والبيئة الصحية المناسبة في أجنحة العرض، وكذلك تيسير وسائل المواصلات للوصول إلى مواقعها، فضلاً عن ضمان التطبيق الصارم لشروط السلامة والتباعد الاجتماعي».
وتتمنى أستاذة أدب أميركا اللاتينية أن تهتم معارض الكتب أكثر بتسليط الضوء على التراث العربي القديم والأدب مع منح مساحات أكبر لأدب الطفل والمرأة والشباب وأحدث التيارات الفكرية والعلمية والفنية العالمية لخلق توازن معرفي، مع تنظيم الندوات المصاحبة للمعرض باحترافية ودقة، وكذلك تكريم الأدباء والأديبات والمفكرين والمترجمين الذي لقوا حتفهم جراء هذا الوباء وتخليد ذكراهم.
من جانبه، يرى الناقد إيهاب الملاح أن «النخبوية» و«الشللية» أبرز عيبين يهددان بتحول الفعاليات الثقافية التي تصاحب معارض الكتاب إلى شكل فارغ بلا مضمون، حيث نجد أن معظم الندوات واللقاءات تخضع للعلاقات الشخصية. ويطالب الملاح بمزيد من عوامل الجذب الجماهيري لزوار المعارض وتوسيع دائرة الفعاليات الثقافية لتشمل أكبر عدد ممكن من الفاعلين والمساهمين في تلك الأحداث الاستثنائية.
ويرى الشاعر والقاص الشاب محمد الحديني، أن افتقاد معارض الكتاب للفعاليات والأنشطة الثقافية والفنية بشكل حي ومباشر، سيجعلها معارض منزوعة الدسم، لافتاً إلى ما تشيعه تلك الأنشطة من حيوية الحوار وطرح الرؤى والأفكار، كما أنها تخلق نوعاً من التوازن مع البعد التجاري للمعرض.
ويرجو الحديني أن تكون أسعار الكتب مخفضة كي تلائم كافة شرائح المرتادين. ويضيف: «أفتقد أيضاً إعطاء مساحة وفرص أكثر للمبدعين غير المشهورين للتعبير عن أنفسهم ونتاجهم الثقافي، وذلك عن طريق استضافتهم في لقاءات ثقافية جذابة».
وينتقد الحديني عدم وجود فواصل زمنية كافية بين معرض ما في دولة وآخر في دولة أخرى، على نحو لا يتيح الفرصة لدور النشر، خصوصاً غير المحلية، للاستعداد الجيد والمناسب. أيضاً ارتفاع أسعار الكتب أدى إلى عزوف البعض عن الشراء، ومن ثم انتظار ظهور نسخ إلكترونية من هذه الكتب على شبكة الإنترنت.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي