الحراك الجزائري يتحدى السلطة!

بعد الامتناع القياسي عن التصويت في انتخابات البرلمان

الحراك الجزائري يتحدى السلطة!
TT

الحراك الجزائري يتحدى السلطة!

الحراك الجزائري يتحدى السلطة!

أكثر مشاهد انتخابات البرلمان الجزائرية التي يُحتفظ بها، حالة توتر رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» محمد شرفي، وهو يتابع إلحاح صحافي على أن ينطق هو بنفسه نسبة التصويت في الاقتراع. إذ رفض شرفي، الذي كان يلقي على وسائل الإعلام نتائج الانتخابات، بشكل صريح التفوه بالنسبة المئوية، وأحال صاحب السؤال على زميل له كان أنجز العملية الحسابية باجتهاد منه، مصرحاً بأنها 23 في المائة.
الحقيقة أن رئيس «سلطة الانتخابات» شعر بحرج بالغ بسبب حجم الامتناع الكبير للناخبين عن التصويت يوم 12 يونيو (حزيران) 2021، فقد ذكر أن عدد المصوّتين بلغ 5.6 مليون من لائحة انتخابية تضم 23 مليون. كما قال إن 1.6 مليون ورقة تصويت أسقطت من الحساب، وبذلك لم يتعد عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم 4 ملايين، أي أقل من 20 في المائة. ومن ثم، عبّرت حالة الغضب التي بدت على شرفي، عن حالة السلطة السياسية وبخاصة الرئيس عبد المجيد تبون، الذي تأكد أن الاستشارة الشعبية الثانية التي تنظم منذ تسلمه الحكم نهاية 2019 جاءت فاشلة بعد فشل الاستفتاء على تعديل الدستور (23 في المائة من الأصوات) الذي أجري يوم 1 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. كما أنه هو نفسه، صوت عليه 4 ملايين فقط في الاقتراع الرئاسي.
وأما المشهد الثاني الذي شد الانتباه، فهو تصريح تبّون يوم الانتخاب أن أعداد المصوّتين لا تهمه هو شخصياً بقدر ما يهمه أن الانتخابات ستفرز برلمانيين. وفهم كلامه، أن انشغاله الأساسي هو تمرير «التشريعية» المبكرة بأي شكل، تعويضاً للبرلمان الذي حله في 21 مارس (آذار) الماضي بحجة أنه وليد التزوير. وستكون المحطة المقبلة، انتخابات البلدية والولاية قبل نهاية العام، وبها سيستكمل تبون «بناء الجزائر الجديدة»، على حد قوله. ولكن، مهما يكن، طوت السلطة «الحرج» الذي سببته لها نسبة التصويت الأضعف قياسا إلى كل الاستحقاقات التشريعية الماضية، وهي حالية ماضية نحو تأسيس كتلة نيابية تدعم مشاريع وسياسات الرئيس، تكون ضمانة لتأييد كل القوانين والنصوص التي تقترحها حكومته المتوقعة بعد أيام قليلة، بالبرلمان.

كان واضحاً بالنسبة لقطاع من متتبّعي الشأن السياسي في الجزائر، أن الرفض الشعبي للانتخابات سيخلف عودة الأحزاب التقليدية إلى البرلمان من جديد. ذلك أن الوعاء الانتخابي لهذه الأحزاب ثابت ويتصف بـ«الولاء» و«الوفاء» لها، وهو حاضر في كل المواعيد الانتخابية لدعمها. لهذا لم يكن مفاجئا رؤية «جبهة التحرير الوطني» وهي تعود إلى الريادة (98 مقعداً)، حتى لو أنها لم تحصل على الغالبية. كذلك لم يكن مفاجئا فوز «التجمع الوطني الديمقراطي» بـ58 مقعداً، علما بأن أهم قيادات الحزبين الموجودة في السجن بتهم فساد، مرتبطة بتوليهم مسؤوليات حكومية كبيرة إبّان فترة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
في المقابل، كرست الانتخابات «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، قوة لا يستهان بها (65 مقعدا)، ويتوقع أن تغازلها السلطة من جديد بمحاولة إدخالها إلى الحكومة التي كانت قد غادرتها عام 2012 في سياق ثورات «الربيع العربي»، ظنا منها أن النظام سيسقط كما كان الحال عند «الجارة» تونس. وقال قيادي في «مجتمع السلم»، رفض نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب «لن يشارك في الحكومة الجديدة إذا عرضت عليه المشاركة، لأن الطاقم الوزاري سينفذ خطط الرئيس الذي نعارض سياساته، ولأننا نرفض تسيير أزمة سياسية واقتصادية تسبب فيها غيرنا». وهذا، مع العلم، أن هذا الحزب الإسلامي يلام لأنه كان شريكاً في الحكم بعدة وزراء من صفوفه، طوال جل فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

دخول لاعب جديد
من ناحية ثانية، شهدت الانتخابات دخول لاعب جديد إلى البرلمان هو حركة «البناء الوطني» الإسلامية التي خرجت من عباءة «حركة مجتمع السلم» (تيار إخواني)، وذلك على أثر تطاحن بين «الإخوة» ومعارك اشتدت منذ وفاة مؤسس «الحركة» الشيخ محفوظ نحناح في 2003. ولقد فازت حركة «البناء» بـ39 مقعدا، واحتجت بشدة على «التزوير» ومع ذلك خصم منها «المجلس الدستوري» مقعدا بعد دراسة الطعون، وكانت قد حازت على 40.
هذا، وبرز رئيس حركة «البناء»، الوزير السابق عبد القادر بن قرينة في الانتخابات بمواقف مثيرة، خاصة عندما خاض في أوصاف زوجته «النحيفة مثلي أنا» وبأنها «سليلة الأبطال والمجاهدين». كما برز بتصريحاته النارية ضد منطقة القبائل شرق العاصمة، التي اتهم سكانها بعرقلة العملية الانتخابية فيها التي لم تصل نسبة التصويت هناك في المائة.

أحزاب تؤدي دور الضحية
من جهته، يقول خالد عبد السلام، أستاذ علم النفس بجامعة سطيف (شرق) عن الأحزاب التي تشتكي من التزوير: «الغريب في الأمر أن هذه الأحزاب، تبشّر الناس في كل مناسبة انتخابية بالضمانات التي تتلقاها من المسؤولين حول النزاهة والشفافية وحرية الاختيار. وبعدها مباشرة، نجدها أول من يشتكي من التزوير والتجاوزات والادعاءات بسرقة أصوات منتخبيها، وغيرها من الاتهامات بلا خجل من نفسها، محاولة في ذلك تصوير نفسها كضحية لاستعطاف جماهيرها ومؤيديها».
وفي هذا السياق، أكدت نتائج الانتخابات، صعوداً قوياً في الساحة السياسية للمستقلين (84 مقعداً) ولحزب «جبهة المستقبل» (48 مقعداً) برئاسة مرشح انتخابات الرئاسة في 2014 و2019 بلعيد عبد العزيز، وهو قيادي سابق في حزب السلطة «جبهة التحرير الوطني». ومقابل ذلك، كانت الخيبة كبيرة في صفوف أحزاب ساد اعتقاد أنها ستحقّق نتائج كبيرة، أهمهما «جيل جديد» برئاسة جيلالي سفيان الذي اتهم الحراك الشعبي بالتأثير على توجهات الناخبين، ما أفسح المجال حسب كلامه «لعودة الأحزاب البوتفليقية» إلى الواجهة، بعدما أضعفها ملايين المتظاهرين ومحوها من المشهد منذ سنتين، أي منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في 22 فبراير (شباط) ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة.
في هذه الأثناء، تتصرف السلطة مع نتائج المواعيد الانتخابية التي نظمتها منذ 2019 بإنكار مريب للحقيقة. وهو ما زاد من عمق القطيعة بينها وبين الجزائريين، الذين يستميتون في رفض كل ما يأتي منها لقناعة لديهم أن الأجندة التي تمضي في تنفيذها، تحقق أهدافها لا طموحاتهم في التغيير وإشاعة الحريات والديمقراطية وتحرير القضاء من سيطرتها. ثم إن القمع المسلط على المتظاهرين، وسجن أكثر من 250 منهم بسبب التعبير عن مواقف معارضة، أفقد أي محاولة لترميم الثقة التي انهارت.
وفي هذا الإطار كتب المحلل السياسي نصر الدين قاسم عن دروس الانتخابات ومآلاتها، فقال إن «تشجيع السلطة الحاكمة للوائح المستقلين (تحت غطاء المجتمع المدنيّ) في الانتخابات التشريعية، مؤشّر قوي على سعيها لتكسير الأحزاب السياسية الحقيقية المالكة لمشاريع سياسية بديلة للوضع القائم. وهو ما يعني أنه لن يكون هناك تداول على السلطة، لأن الغالبية التي ستصنع في مخابر السلطة باسم المجتمع المدني، تصبّ في خدمتها. والحقيقة أن مفهوم «المجتمع المدنيّ» في الثقافة الديمقراطية، هو قيمة من القيم العاملة على حفظ توازن الدولة واحترام حقوق الإنسان وتكريس حق الاختلاف والحوار كوسيلة لمعالجة الخلافات. ويُقصد بمفهوم المجتمع المدني تلك الجمعيات والنقابات والتنظيمات المتنوّعة التي يشكلها الأفراد والجماعات، للدفاع عن مصالح وقيم وأهداف مشتركة ولزرع أخلاق «الإيثار العام» في المجتمع، يتم ذلك خارج نفوذ الدولة والحكومة، ومن ثمّ فهو (أي المجتمع المدنيّ) لا ينتمي إلى المجتمع السياسي الذي تشكل فيه الأحزاب السياسية عموده الفقري.
ويذكر الكاتب الصحافي الجزائري المقيم بتونس، عثمان ليحاني أن الانتخابات النيابية المبكرة «يمكن اعتبارها من الناحية السياسية أن السلطة استكملت آخر حلقة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، بشكل كامل بعد انتخابات الرئاسة وطرح دستور جديد. بهذا المعنى تصبح السلطة هي المهندس والمستفيد الوحيد من مجموع المسار الانتخابي، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه لم يحقق واقعيا مطلب التغيير السياسي الذي رفعه الحراك الشعبي. لكن السلطة مستفيدة برأيي، بالنظر للنتائج التي حملت حصراً عودة الكيانات السياسية وأحزاب محسوبة على النظام، وخاصة جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي، وهي أحزاب وظيفية بالأساس، ولذلك الاتجاهات العامة لهذه الانتخابات ومخرجاتها، تعيد الجزائر إلى نفس حلقة الفراغ». ثم أشار إلى «التداعيات المرتقبة المرتبطة بالأساس بالدور الفعلي للبرلمان المقبل. إذ كل المؤشرات تؤكد أننا نتوجه إلى برلمان ذي الخط الواحد، مع وجود هامشي جداً للصوت المعترض. وبالتالي فإن النتائج السياسية للانتخابات قد تكون أسوأ من النتائج الفنية المرتبطة بتوزّع المقاعد».
ويدلي قوي بوحنية، أستاذ العلوم السياسية، بدلوه فيقول: «لا تزال فئات واسعة من الشعب الجزائري تؤمن بعدم جدوى العملية الانتخابية. ويبدو العمل السياسي والانتخابي في حاجة ماسَّة إلى حوكمة انتخابية حقيقية، تراعي امتلاك النظام القدرة على إرساء ثقافة سياسية ديمقراطية، وتبدأ بتغيير النظرة إلى العملية الانتخابية في معناها وآلياتها وأهدافها».

ترقب التحاق «أحزاب بوتفليقة» بالحكومة
على صعيد آخر، تتجه الأنظار هذه الأيام إلى الشكل الذي ستتخذه الحكومة الجديدة. إذ يرتقب أن تتكون من الأحزاب الفائزة في الانتخابات، وعلى رأسها «جبهة التحرير» الذي أنكر عبد المجيد تبّون انتماءه لها بعد وصوله إلى الحكم، وهذا مع العلم أنه أصبح عضوا في «لجنتها المركزية» عندما عينه بوتفليقة رئيسا للوزراء في صيف 2017. هذا، وسعى أبو الفضل بعجي، أمين عام الحزب، لإظهار ولائه للرئيس الجديد، لكن الأخير استمات في رفض كل الإشارات الإيجابية التي جاءته من حزبه الذي بات مسيئاً له في نظره، بسبب شبهات الفساد التي تلاحق قادته.
وأيضاً يرتقب حصول «التجمع الوطني» و«البناء» و«المستقبل» حقائب وزارية، إلى جانب المستقلين. بيد أن الشائع أن «وزارات السيادة»، مثل المالية والعدل والداخلية، ستُعطى لأشخاص من خارج الأحزاب يُختارون عادة بالتوافق بين رئيس الجمهورية وقيادة الجيش. أما منصب وزير الدفاع فيحتفظ به الرئيس بنصّ الدستور.
وبغض النظر عمّن سيكون في الحكومة أو الشخصية التي ستترأسها، سيكون التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية الرهان الكبير الذي ينتظر الرئيس تبّون. ونشر الوزير الأول عبد العزيز جراد، الأحد الماضي، «مخطط الإنعاش الاقتصادي»، وقال في مقدمته إن «تراكمات الماضي وتحديات الحاضر والمستقبل تتطلب منا الخروج من هذه الوضعية، بالشروع الفوري في تنفيذ المخطط الطموح للإنعاش الاقتصادي، وفق برنامج السيد رئيس الجمهورية، والذي يمتد على المدى القصير جدا إلى غاية عام 2020 وعلى المدى القصير حتى عام 2021 وعلى المدى المتوسط حتى نهاية عام 2024». وقال أيضا، إن الجزائر «تمكنت بفضل مواردها من المحروقات والنفط والغاز الطبيعي، من ضمان مستوى معين من التنمية الاقتصادية، ولا سيما من خلال تطوير العديد من البنى التحتية، وتكريس دولة اجتماعية تضمن خصوصا مجانية التعليم والرعاية الصحية للجميع».
وبحسب جراد، فإن قطاع المحروقات «يحتل مكانة مركزية في اقتصادنا، فهو يوفر أكثر من 90 في المائة من الصادرات ويمثل ما يقارب 40 في المائة من إيرادات الدولة. ومع ذلك، فإن ما يشكل قوته شكل أيضاً أكبر نقاط ضعفه. فالاقتصاد الجزائري لا يزال في الواقع يعتمد بشكل كبير على الأسعار الدولية للنفط والغاز، التي شهدت اتجاهاً تنازلياً منذ صدمة 2014، وقد أدى صندوق ضبط الإيرادات دوره بالفعل من خلال التخفيف جزئياً من انخفاض الاحتياطيات حيث تم استهلاكه بالكامل ابتداء من عام 2017».
من ناحية ثانية، أظهر جراد تشاؤماً بخصوص حالة الاقتصاد، عندما قال إن «اقتصادنا يشهد بشكل عام، إنتاجية منخفضة لوسائل الإنتاج ويعاني بشكل خاص من البطء الإداري، وكذا نقائص في مجال التسيير، وصعوبات في الحصول على التمويل، بل وحتى غياب رؤية قطاعية مشتركة متناسقة طويلة المدى، والتي يمكن أن توجه وتشرف على تنفيذ السياسات العمومية. وعلى صعيد آخر، تعرض الاقتصاد الجزائري لاختبار قاس خلال السنتين الماضيتين: في سنة 2019 بسبب الأزمة السياسية التي مرت بها البلاد، وفي سنة 2020 بسبب أزمة (كوفيد - 19)». وأضاف «سيتعين على الجزائر مواجهة العديد من التحديات المهمة، بما في ذلك التنويع الاقتصادي وتحسين مناخ الاستثمار، والتفكير في السبل والوسائل للقيام، في أحسن الآجال، بوضع عملية التنمية الاقتصادية الوطنية المرنة والشاملة والموحدة، في المسار الصحيح. وفي هذا السياق، باتت إشكالية تعبئة الموارد المالية اللازمة لتطوير البنى التحتية العمومية واستثمارات المؤسسات الاقتصادية تزيد حدتها أكثر فأكثر بسبب استمرار الانخفاض الحاد لموارد الـمحروقات وتداعيات الأزمة الصحية على الأنشطة الاقتصادية».

طريقة جديدة لفرز اللوائح واحتساب أصوات طبقاً للقانون الجديد

*اعتمدت الانتخابات التشريعية لسنة 2021 طريقة جديدة لفرز اللوائح واحتساب أصوات الناخبين، تطبيقا للقانون الجديد للانتخاب. وسارت العملية وفق هذه الخطوات:
1 بلوغ العتبة: وهي نسبة 5 في المائة من الأصوات ويتحصل عليها عبر إخراج المعامل الانتخابي، بقسمة عدد المصوّتين على عدد المقاعد.
2 اعتماد مرحلتين في الفرز مراعاة للاقتراع النسبي في القوائم المفتوحة.
- المرحلة الأولى للفرز تخص القوائم.
- المرحلة الثانية تتعلق بعدد المترشحين والمترشح الفائز من يحصل على أكبر عدد من الأصوات.
3 يجري إقصاء القوائم التي لم تحصل على 5 في المائة من أصوات الناخبين، وداخل اللائحة الواحدة يتم ترتيب المترشحين حسب الأصوات.
4 في حال تساوي مرشحين من نفس اللائحة فإن الأفضلية تؤول إلى من هو أصغر سناً.
5 إذا تساوى رجل وامرأة تكون الأفضلية للمرأة.
6 إذا حدث تساوٍ في لائحتين مختلفتين تعطى الأفضلية للأصغر سناً.
7 إعداد محضر أولي يصادق عليه من طرف كامل أعضاء المكتب وتسلم نسخ منه إلى مراقبي الأحزاب.
وجرى تكييف قانون الانتخابات مع اعتماد الاقتراع النسبي للائحة المفتوحة، بحيث يتيح حضور 5 ممثلين عن القوائم سواء حزبية أو مستقلة لعملية الفرز من أجل إضفاء المصداقية على العملية.

اللوائح والتشكيلات المشاركة في الانتخابات
> اللوائح والتشكيلات السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية التي نظمت 12 يونيو 2021، شملت قبول 1483 لائحة حزبية ومستقلة بشكل كلي.
اللوائح المقبولة دون تحفُّظ تشمل 646 قائمة حزبية و837 قائمة حرَّة.
2490 لائحة أودعت الاستمارات منها 1237 حزبية و1253 قائمة حرَّة.
898 لائحة مقبولة تضم مترشحاً مرفوضاً.
297 لائحة بصفة كلية منها 223 حزبية و47 قائمة حرَّة.
1199 لائحة مرفوضة بسبب الصلة بأوساط المال والأعمال المشبوهة.
تعداد الهيئة الناخبة: 24 مليونا و425 ألف ناخب
23 مليون ناخب داخل الوطن
900 ألف ناخب خارج الوطن
113 ألف مراقب يمثلون مختلف القوائم
5 ملايين و600 ألف ناخب أدلى بصوته (23 في المائة)
5 ملايين ناخب مصوت داخل الوطن
42 ألف مصوت خارج الوطن
عدد الأوراق الملغاة أكثر من مليون ورقة
نتائج التصويت بعد دراسة الطعون
من طرف «المجلس الدستوري».
حزب جبهة التحرير الوطني 98 مقعداً
المستقلون 84
حزب حركة مجتمع السلم 65
حزب التجمع الوطني الديمقراطي 58
حزب جبهة المستقبل 48
حزب حركة البناء الوطني 39
حزب جبهة الحكم الراشد 03
حزب صوت الشعب 03
حزب جبهة العدالة والتنمية 02
حزب الحرية والعدالة 02
حزب الفجر الجديد 02
حزب جبهة الجزائر الجديدة 01
حزب الكرامة 01
حزب جيل جديد 01



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.