حين صنع سيرجيو ليوني وكلينت إيستوود غرباً جديداً

فيلمه الأكثر مبيعاً بعد 46 سنة على إنتاجه

سيرجيو ليوني: شاعر الصمت
سيرجيو ليوني: شاعر الصمت
TT

حين صنع سيرجيو ليوني وكلينت إيستوود غرباً جديداً

سيرجيو ليوني: شاعر الصمت
سيرجيو ليوني: شاعر الصمت

الفيلم الأول على قائمة أكثر الأفلام مبيعاً حالياً هو النسخة المرممة والجديدة من فيلم The Good‪، ‬ The Bad and the Ugly. من شغل سيرجيو ليوني سنة 1966 وبطولة كلينت إيستوود ولي ڤن كليف وإيلاي والاك.
هذه القفزة لفيلم يعود تاريخه إلى 46 سنة ليست مسألة يمكن للناقد المرور عليها على أساس أنها مسألة تجارية بحتة لا تتعلّق به، أو على نحو أن الأفلام تعلو وتهبط على قوائم «البوكس أوفيس» فلمَ العجب؟
الواقع هناك سببان للعجب وليس سبباً واحداً. الأول أن الفيلم الذي تطلقه الآن شركة أمازون ليس مجرد أسطوانة بلو - راي الأكثر انتشاراً، بل أسطوانة بنظام 4k Ultra HD Audio and Video ما يعني أن الزبائن (في أميركا الشمالية على الأقل) سعوا لاستحواذ هذه النسخة قبل نفادها وربما حتى ولو أن عديدين منهم لا يملكون الشاشة المنزلية المثلى لهذا النظام.
السبب الثاني يقترح أن الفيلم منتشر بين أبناء جيل لم يكن وُلد زمن الفيلم ولا حتى بعد عشرين أو خمس وعشرين سنة بعده، كما ما زال مرغوباً من قبل جيل عاصر تلك الفترة وشاهد الفيلم مراراً وتكراراً في مناسبات عديدة وفي صالات السينما أو على أنظمة عرض مختلفة.
‫سيتطلّب الأمر إحصاءً، لن يقوم به أحد، لمعرفة ما إذا كان الدافع الأول لاقتناء هذا الفيلم اليوم يعود إلى مخرجه، ليوني (الذي توفي سنة 1989)، أو إلى بطله كلينت إيستووود أو إلى حكايته. شهرة سيرجيو ليوني تبلورت بسبب الثلاثية التي بدأها بفيلم «حفنة دولارات» (A Fistful of Dollars سنة 1964) و«لأجل حفنة دولارات أكثر» (For a Few Dollars More، سنة 1965) وانتهت بـ«الجيد والسيء والبشع». هي ذاتها التي صنعت نجومية إيستوود العالمية بعدما كانت شهرته محدودة في الولايات المتحدة ومعدومة خارجها.‬

فجأة: ليوني
في الواقع، لم يكن الجمهور الأميركي يعلم من هو إيستوود إلا بفضل المسلسل التلفزيوني Rawhide لاعباً دور راعي البقر. لم يكن بطل الحلقات بل كان أحد ممثليها. البطولة، تقنياً، كانت لإريك فليمنغ الذي توفي بعد عام واحد من آخر حلقة بُثّت من المسلسل سنة 1965.
ليوني كان يبحث عن ممثل أميركي لبطولة «حفنة دولارات» أول والميزانية لم تكن تسمح بممثل مشهور وحدث أن شاهد بعض حلقات هذا المسلسل وطلبه للعمل. لم يتأخر إيستوود وحط أمام مخرج لا يتحدّث الإنجليزية جيّداً. هذا لا يهم. لا ليوني كان معروفاً إلى حد الشهرة ولا إيستوود أيضاً ومن الصعب تصوّر أن أحدهما كان واثقاً من النجاح الذي حققه ذلك الفيلم الأول من الثلاثية أو ما تلاها.
اقتبس ليوني «حفنة دولارات» من فيلم «يوجمبو» لأكيرا كورساوا (1961) حول ذلك الساموراي (توشيرو مفيوني) الذي يدخل بلدة يتنازع على سلطتها وقهر الفلاحين المساكين فيها زعيمان وعصابتيهما، فيوقع الساموراي بينهما والقضاء عليهما. لكن عندما خرج «حفنة دولارات» للعلن ووجه ليوني بدعوى قضائية باختلاس قصّة الفيلم من دون إذن ما فرض عليه تسوية المسألة قبل إتمامه الفيلم التالي «لأجل حفنة دولارات أكثر».
في نسخة ليوني، نتعرّف على إيستوود كشاب بلا اسم. قليل الكلام. منفرد يتحلّى بالبرودة والثقة. ذكي أو، على الأقل، أذكى من سواه. قاس لكنه أقل قسوة أيضاً. يصل إلى البلدة المتنازع عليها بين عصابتين. يجد نزلاً عند صاحب حانة طيّب. يحذّره ذاك من التدخّل في شؤون البلدة، لكن هذا الغريب الذي لا اسم له (يناديه البعض جو، لكنه لا يفصح هو عن اسمه) يعمد إلى إشعال حرب بينهما، وينتقل بين المعسكرين قابلاً العمل حيناً هنا وحيناً هناك. يعرّضه هذا لضرب مبرح يُعتقد بعده أنه مات. لكنه يعود إلى الحياة من جديد وللانتقام من الذين ضربوه حتى التهلكة.
من هذا الفيلم وصاعداً هناك لازمة في عدد من أعمال إيستوود بعد مرحلة ليوني نراه فيها يعود من موت مفترض لينقذ أو ليحقق عدالة مفقودة («أشنقهم عالياً»، «الفارس الشاحب» إلخ...). تخيّل إيستوود هذه الشخصية على النحو الذي تظهر عليه. هو الذي ركّبها في الفيلم متخلصاً من معظم الحوار الوارد في السيناريو وجسّد الملامح التي اختارها للشخصية كما أراد. ليوني لم يوجّه إيستوود في هذا المضمار لكنه كان سعيداً بإسهام الممثل لخلق شخصية مبتكرة.
عاد إيستوود، في الفيلم التالي من ثلاثية الدولارات إلى تقديم الشخصية ذاتها في حكاية مختلفة. الرجل بلا اسم ما زال يجوب الغرب ويوقع برئيس عصابة (جان ماريا فولونتي) بقبضة القانون. أعوان الرئيس يساعدونه في الهرب فيتعرض إيستوود للتعذيب لكنه ينجو من الموت. لاحقاً ما يشترك مع صديقه مورتيمر (لي فان كليف) بالإيقاع بالعصابة التي وصلت إلى بلدة بهدف سرقة مصرفها.
وجود إيستوود كان أمراً متوقعاً، لكن وجود الأميركي لي فان كليف كان العنصر الجديد في هذه الثلاثية. في هوليوود، ومنذ الخمسينات، اشتهر الممثل بأدوار الشر. عيناه الثاقبتان تكاد تخترقان الشاشة. متوتر وينقل بعضاً منه إلى المشهد والمُشاهد أيضاً. في «لأجل حفنة دولارات أكثر» هو ليس شريراً بالكامل بل شريكاً متعاوناً لإيستوود في عمليات احتيال بسيطة ثم شريكاً له في السعي للانتقام من رئيس العصابة. إيستوود بسبب ما تلقاه منه من تعذيب وكليف لأن رئيس العصابة اغتصب شقيقته قبل سنوات.

على خلفية الحرب
يتحرّك الفيلم الثالث بعيداً عن الفيلمين السابقين ولو أنه يبقى مرتبطاً بهما كثلاثية إيستوودوية - ليونيّة.
في الجزء الثالث، «الجيد والسيء والبشع»، أضاف ليوني وجهاً أميركياً آخر هو إيلاي والاك. كان يبحث عن ممثل أميركي آخر يجسد شخصية الجشع الذي لا يؤتمن. شاهده في فيلم «الرائعون السبعة» (The Maginifecint Seve) لجون ستيرجز (1960) والذي، للمفارقة، كان اقتباساً (مُرخصاً) عن فيلم آخر لأكيرا كوروساوا هو «الساموراي السبعة» (1954).
هذه المرّة إيستوود في إطار حكاية أوسع محيطاً وشأناً وأكبر حجماً إنتاجياً كذلك. خلق ليوني في «الجيد والسيء والبشع» ملحمة من قصة في أساسها بسيطة. البطولة ثلاثية، الجيد أو الطيّب إيستوود يعرف مكان كنز من الذهب أخفاه جندي شمالي خلال الحرب العالمية الثانية في قبر داخل مقبرة. لا أحد سواه يعرف المكان. البشع (إيلاي والاك) ينقذ إيستوود من الموت على أمل أن يدلّه على المكان ليتقاسم الثروة معه أو ليقتله وينفرد بالثروة. السيء (لي فان كليف) لا يقل شرّاً ويريد الثروة لنفسه. ضابط عسكري عنيف وقاسٍ ويسعى لحتفه من دون علمه.
الثلاثة يلتقون في فصل رائع التصميم في منازلة مسدسات أخيرة. هناك قبر مفتوح يسقط فيه لي فان كليف تلقائياً مات حيث ليس من الضروري نقله. والاك يكتشف أن إيستوود فرّغ مسدسه من الرصاص ويخطط لاستعماله كحفّار. حين يتم استخراج الذهب، يقيد إيستوود يدي والاك وراء ظهره ويربط عنقه بحبل متدلٍ من شجرة ميّتة ويضعه فوق صليب نصف مغروس. الصليب الخشبي يهتز تحت ثقل والاك والكوميديا التراجيدية هنا هي أنه إذا ما وقع الصليب شد الحبل على عنقه وقتله. إذا لم يقع الصليب - ولم يمر أحد بالمكان - مات الرجل واقفاً. إنها فكرة لم تخطر على بال فيلم من قبل ولم أرها في فيلم من بعد ولو من باب التقليد.
ليوني في فيلمه اللاحق «حدث ذات مرة في الغرب» يستخدم الفكرة مرة أخرى لكن عوض الصليب يضع الرجل المشنوق فوق كتفي شقيقه الصغير الذي يكاد يسقط من الإعياء (وسيسقط!).


مقالات ذات صلة

«مهرجان الفيلم العربي»... 6 أيام من العروض والندوات السينمائية

يوميات الشرق ميسا جلّاد تُحيي حفل ختام المهرجان (نادي لكلّ الناس)

«مهرجان الفيلم العربي»... 6 أيام من العروض والندوات السينمائية

منذ تأسيسه عام 1998، يعمل «نادي لكلّ الناس» على أرشفة الأعمال السينمائية والموسيقية، وترميمها وتحويلها إلى نسخ رقمية.

فيفيان حداد (بيروت)
سينما «مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

الرحلة ليست مغامرة طفولية، بل عبورٌ من البراءة إلى الوعي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

بدأ الفيلم ينمو من السؤال عن كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف

أحمد عدلي (القاهرة )

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.